
١٩- مبعوث العناية الإلهية
طرق على الباب بشكل مستفز، دفع زينب لتصرخ وهى فى سبيلها لفتح الباب: في إيه! مين اللي بيخبط كده!
فتحت الباب بعنف، ليطالعها ذاك الرجل، الذي كان يوما ما، محببا إلي قلبها أكثر من أهل الأرض جميعا، هتفت في غضب: نعم!
حاول أن يحشر جسده ليدخل، لكنها كانت الأسبق، ودفعت الباب مانعة ذلك، وهو يهتف بلهجة سمحة: إيه يا بنت عمي! مش هتقوليلي اتفضل!
هتفت بحنق، من خلف الباب الموارب، الذي يمنعها دفعه، عن إغلاقه بالكامل: مينفعش تدخل لأن ماما مش هنا، وأنت أصلا مش مرحب بوجودك، عايز إيه يا باشمهندس حاتم!
ظل متمسكا بدفع الباب في صفاقة، هاتفا بنبرة تحمل معانِ حقيرة: عايزك يا زوزو، وعمري ما هاعوز غيرك.
قهقهت في سخرية: أنسى،الموضوع ده خلص ومعدش ينفع خلاص، وزينب اللي كنت تعرفها ماتت خلاص، اللي قدامك دي زينب تانية خالص.
همس في فجاجة، وكأنها ما سمعها: شوفي أنا أتجوزت كام مرة! بس مفيش واحدة عرفت تاخد مكانك فقلبي، اللي فالقلب فالقلب يا زوزو.
أكدت في عزم: صح اللي فالقلب فالقلب، واللي بينا بقي دم يا باشمهندس! وهيفضل ما بينا ليوم الدين.
دفعت الباب بعزم، لكنه وضع كفه، مانعا إياها من إغلاقه، وقد تحولت نبرته السمجة لآخرى مهددة أقلقتها، وخاصة أن نديم غير موجود للزود عنها، هاتفا بحقد: أنتِ والبيت ده من حقي، وطالما أبوكِ كتب البيت ده باسم أمك القرشانة، يبقى أنتِ بتاعتي أنا.
ظلت تقاوم في بسالة، دفعه الباب عنوة للدخول، وكاد أن ينفرج بالفعل، إلا أن ظهوره المفاجيء جاذبا حاتم بعيدا، كان فاصلا للمعركة، فقد سقطت زينب على أعتاب البيت لاهثة، بينما أخذ شريف في تسديد الضربات واللكمات لحاتم في غضب قاهر، جاذبا إياه من ياقة قميصه، يهزه في عنف صارخا فيه: أنت مين! وإيه اللي جابك هنا!
هتف حاتم لاهثا، وهو يمسح خيط من الدم، سال من شفته السفلي: أنا ابن عمها، أنت بقى اللي مين!
رجه شريف صارخا: بن عمها وتعمل كده! طب قول كلام يتصدق يا خفيف.
أكد حاتم صارخا: اسألها، أنا ابن عمها، حضرتك بقى اللى مين!
وهتف حاتم محاولا قلب الطاولة لصالحه، صارخا في زينب التي كانت ما تزال أرضا منكسة الرأس: مين ده يا هانم! وجاي هنا ليه، وأمك مش موجودة! وعاملة لي فيها شريفة عليا انا بس!
استثار كلامه شريف، ليصرخ موجها إليه لكمة قوية: أخرس قطع لسانك، دي أشرف من أهلك كلهم.
ودفع بحاتم في اتجاه الدرج هاتفا: غور من هنا ياللاه، بدل ما يكون نهايتك النهاردة على أيدي، وأقسم بالله، لو قربت من البت ده تاتي، لهلففك كعب داير،وانيمك فكل تخشيبة شوية، وإلا مبقاش أنا النقيب شريف عبدالواحد.
اضطرب حاتم لتهديدات شريف، فاندفع مسرعا خارج البيت، توجه شريف نحوها، ليجدها ساكنة على حالها، تجلس منهارة أمام عتبة الباب بلا حراك.
انحنى في إشفاق هامسا: زينب! أنتِ كويسة!
كانت المرة الأولى التي يناديها فيها باسمها مجردا، وكم تمنت ألا تسمعها منه في موقف كهذا، فهمسه باسمها جعلها هشة، تكاد أن تلق بنفسها بين ذراعيه، رغبة في الأمان الذي افتقدته منذ غادر أبوها دنيانا، رفعت عيونا دامعة إليه ولم تجب، فما كان منه إلا أنه تنهد في وجع يود لو يحتويها، صارفا عنها صنوف الهم التى يراها مجسدة بمقلتيها.
مد كفا بتلقائية إليها، فاتكأت على تلك الكف الممدودة حتى نهضت، واتجهت في بطء باتجاه أقرب المقاعد للباب وجلست، ظل هو موضعه لم يتزحزح فما كان له أن يطأ البيت وأمها ليست بالداخل، وليس لديه القدرة على تركها بهذه الحالة أيضا ، ظهرت أمها خلفه، هاتفة في تعجب: جرى إيه! فيه إيه يا شريف يا بني، واقف كده ليه!
ما أن طالعت زينب أمها بجوار شريف على عتبة الباب، حتى اندفعت إليها تحتمي بأحضانها منفجرة فى البكاء بشكل أدمى قلبه، وجعل ماجدة تهتف في ذعر: إيه اللي جرى يا زينب! ما حد يفهمني!
هتف شريف باقتضاب: حاتم بن عمها.
شهقت ماجدة هاتفة: وده إيه اللي جابه وفكره بينا بعد المدة دي كلها! مش كفاية اللي حصل لنا من تحت راسه هو وأبوه!
هتف شريف بفضول: معلش يا طنط، بس أنا ممكن أفهم إيه الحكاية! ولا ده هيبقى تدخل مني!
أشارت ماجدة لشريف: اتفضل يا بني أدخل، معلش اتلهيت فزينب، أدخل وأنا هفهمك على كل حاجة.
رفعت زينب رأسها من أحضانها، هاتفة في اعتراض واهن: ماما!
هتفت ماجدة معارضة رفضها: شريف بقى مننا وعلينا، ولازم يعرف، مفيش حاجة هتستخبى العمر كله.
جلس شريف في هدوء، منتظرا أن تحكي ماجدة ما كان يستشعر أن زينب تخبئه بين طيات قلبها، الذي كان دوما بعيد المنال.
★ ★ ★ ★
دفعت باب المطبخ لتدخل لصحن البيت الكبير، باحثة عن الخالة وسيلة، التي ظهرت مندفعة من حجرتها، لتهتف دلال متعجبة على حال عفيف ومناع: في إيه يا خالة! عفيف بيه ومناع خرجوا مذعورين كده!
هتفت وسيلة في قلق: والنبي ما أعرف يا بتي، ربنا يسترها، بس النطرة النوبة دي غير، مبطلتش رخ من بدري.
ما أن همت دلال بالكلام، حتى اندفع عفيف لداخل البيت الكبير متجها للأعلى، استوقفته الخالة وسيلة، هاتفة في ذعر: إيه في يا عفيف بيه! مش خير برضك!
توقف عفيف على الدرج، هاتفا في عجالة: لاه، مش باينه خير يا خالة، النچع هايغرج، سيل نازل م الچبل وطال البيوت اللي تحتيه، ولازما نلحج الناس هناك.
هتفت الخالة وسيلة في صدمة، ضاربة على صدرها، مصاحبة لشهقة دلال: سيل! يا رب سلم ونچى م المهالك، وچالنا منين ده!
أكد عفيف، وهو يندفع للأعلى من جديد: النچع على مخر للسيول، ربنا يسترها.
تابعته دلال بناظريها، مدركة أن مشروع رحيلها، الذى كان معد سابقا، باء بالفشل بعد تلك الاحداث الجديدة. اندفعت عائدة لحجرتها ومنها للشرفة المطلة على مدخل البيت الكبير، تطلعت للجبل الغربي أمامها، فرأته ثائر كطفل أجبرته السماء على الإذعان لها، كأم قررت أن تغسل وجهه المترب بسيل من دمعها العرم، كان المشهد مهيب جعلها تفغر فاها مشدوهة، لكنها تنبهت لبعض الضجيج بالأسفل، فتطلعت لمدخل البيت الكبير لتجد عفيف وقد اعتلى صهوة فرسه، مندفعا في طريقه وقد أغرقته الأمطار كليا، فبات منظره وهو يندفع بجواده تحت الغيث، كأحد فرسان العصور الوسطى، وهو في طريقه لإنقاذ شعبه، كمبعوث للعناية الألهية.
★ ★ ★ ★
وضعت ماجدة، كوب العصير أمام شريف، هاتفة: اتفضل يا بني.
مد شريف كفه للكأس، وعيناه تتجه رغما عنه لتلك التي تجلس بعيدا في أحد الأركان، شاردة لا ترفع نظراتها عن الأرض، ارتشف القليل، لتهتف ماجدة في شجن: بص يا بني، حاتم ده يبقى بن عم زينب، وكان كمان..
وصمتت قليلا لتستطرد: وكان جوزها.
انتفض شريف موضعه، هاتفا في صدمة: جوزها!
أكدت أمها بلهجة موجوعة: آه، كان جوزها، كتبوا الكتاب، وكل حاجة كانت ماشية تمام، لكن يوم الفرح...
ساد الصمت قليلا، وماجدة تلتقط أنفاسها في وجيعة هاتفة: يوم الفرح جه حاتم وأبوه، وقالوا لأبو زينب، يا تتنازل عن البيت ده لينا حالا بيع وشرا، يا إما بنتك هتتفضح النهاردة ومفيش فرح، لأن ابن عمها سمع عنها اللي يخليه ميفكرش يتم جوازه بيها.
جز شريف على أسنانه حنقا ولم يعقب، ونظر لزينب التي كانت تبكي بوجع في موضعها القصي بدموع صامتة تنساب على خديها.
أكملت ماجدة هاتفة، وطعم الذكري الأليم لا يفارقها: أبوها كان مريض قلب، كلمة منه على كلمة من أخوه، وقع من طوله لما حاتم رمى يمين الطلاق على زينب، لما عرف هو وأبوه إن البيت أصلا مكتوب باسمي، ومش هيطولوا منه حاجة لو اتجوزها.
ساد الصمت من جديد، حتى هتفت ماجدة دامعة العينين: راح فيها عبدالحكيم، ومن بعدها كل شوية حاتم ده يروح ويجي يرازي فينا، بس كان بقاله فترة غايب، بعد ما أتجوز جوازته الآخرانية دي، إيه اللي فكره بينا تاني! الله أعلم .
تنحنح شريف في إحراج، هاتفا في هدوء: طب استاذن أنا بقى يا طنط، و شكرًا ع العصير، واطمني مش هيقرب منكم تاني، ولو حصل أنا فالخدمة.
توجه في سرعة باتجاه الباب، وقبل أن يهم بالخروج، تذكر خطاب دلال فأخرجه من جيب سترته، ووضعه على الطاولة، هامسا بصوت متحشرج: ده جواب من الدكتورة دلال لنديم، يا ريت توصلوه.
قال كلماته، واندفع خارجا، رافقته ماجدة للباب هاتفة: سلم لي على ماما يا شريف، شرفت يا بني.
ما أن أغلقت ماجدة الباب، حتى انتفضت زينب ترتمي بأحضان أمها صارخة في لوعة: خلاص، مش هايجي تاني يا ماما.
ربتت ماجدة على ظهر ابنتها هامسة: بصي يا حبيبتي، أنا كان لازم أقوله كل حاجة، عشان يقرر هو عايز إيه، ولو ربنا كاتب لك رزق معاه، هاييجي يا بنتي، وأنا قلبي حاسس إنه هاييجي، أبقي شوفي.
رفعت زينب رأسها، تنظر لأمها في شك، لتهتف ماجدة من جديد: عمر أمك قالت لك حاجة وخيبت!
هزت زينب رأسها نفيا، لتؤكد ماجدة: يبقى تقولي يا رب .
همست زينب في تضرع: يا رب.
لتهمس ماجدة مشاكسة ابنتها، تحاول إخراجها من حالتها: بس يا بختك يا سيادة النقيب، مكنتش أعرف إن في ناس بتحبك أوي كده!
نكست زينب رأسها خجلا، لتهمس ماجدة: ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي، بصراحة هو جدع وابن حلال.
تضرع قلب زينب في وجل، ليعود حاملا لقلبها الفرحة، التي فارقته زمنا طويلا.
★ ★ ★ ★
زاد الأمر سوءا، بانقطاع التيار الكهربائي، فأصبح ضوء البرق هو ما ينير المكان، همت الخالة وسيلة بالنهوض، فتشبثت بها دلال، هاتفة في ذعر: أنتِ رايحة فين يا خالة!
أكدت وسيلة في هدوء: هچيب لنض نمرة عشرة، عشان ننورالعتمة دي، هنجعدوا كِده!
امسكت بها دلال هاتفة: طب أنا جاية معاكِ، بس انتوا لسه بتستخدموا اللمض دي يا خالة!
أكدت وسيلة وهى تدلف للمطبخ في يسر، كأنها تحفظ الطريق ككف يدها، حتى بقلب العتمة: يا بتي اللنض دي من ايّام النعماني الكبير، أني بنضفها وأشيلها لوجت عوزة، وأهو چه وجتها، الشمع مينفعش عندينا، دِه بيطفي من هبّة ريح.
أخرجت وسيلة القناديل من موضعها بأحد الأدراج هاتفة في سعادة: أني لسه كنت معمراهم بالچاز، كن جلبي كان حاسس.
وبدأت في إشعال فتيل كل قنديل على حدى، أضاء المطبخ بنورالقناديل الخمس، حتى أصبح وهاجا، فهتفت دلال متعجبة: المطبخ أتحول كأنه بقى الصبح.
هتفت وسيلة بدورها في فخر: معلوم، تعالي نوزعوها بره.
بدأت كل منهما في وضع قنديل بأحد الأركان، حتى عم الضوء المكان طاردا جحافل العتمة، التي كانت تحتله منذ لحظات، همست دلال في وله: ياه، الجو بقى عجيب، أنا حاسة إني رجعت يجي ميت سنة لورا.
تنهدت وسيلة هاتفة: أني حاسة إني رچعت عيلة صغيرة، يدي متبتة فديل چلبية أمي، أول نوبة أدخل فيها هنا، لبيت النعماني.
هتفت دلال في قلق: يا ترى إيه اللي بيحصل بره دلوقتي يا خالة! المطر كل بيزيد.
همست وسيلة بقلق مماثل: ربنا يسترها يا بتي، عمرها ما حصلت جبل سابج، أخر مرة شوفت فيها النچع غرجان، كان أيّام النعماني الكبير، وجت ما كان النيل بيدي الأرض خيره.
هتفت دلال مبهورة: أنتِ قصدك وقت ما فيضان النيل كان بيغرق الأرض، قبل ما يتبني السد العالي!
أكدت وسيلة: إيوه يا بتي، كنه كِده، كانت النعمانية دي تغرج ما توعي لأرضها على مدد الشوف، كانت المية محوطانا، ومكنش بيبجى إلا البيت الكبير، اللي واجف صالب طوله، كيف دلوجت.
صمتت دلال ولم تعقب، فقد أيقنت أنها تعيش فترة من حياتها لن تتكرر، وأنها ستحتفظ بذكرياتها في النعمانية بمكان عزيزوغال بقلبها، فقد شعرت هنا بأنها اميرة، عادت من قلب كتب التاريخ وحكايا الماضي.
★ ★ ★ ★
لم يصله نداءها المتكرر، فيبدو أنه يغط في نوم عميق، بعد عودته مرهقا من عمله، الذي التحق به منذ يومين، ما جعلها تتحامل على قدمها السليمة حتى تصل للباب، فتحته لتسير في تؤدة صوب الحمام، محاولة أن لا تلق بحمل جسدها على قدمها المصابة، التى ما تزال تؤلمها، ما أن تلامس الأرض.
انفرج باب الحمام فجأة عن محيا نديم، مترنما وهو يغيب رأسه المبتل داخل إحدى المناشف، بينما يحيط خصره بآخرى، شهقت في ذعر لمرأه بهذا الشكل، وكاد أن يختل توازنها، وهي تحاول الاستدارة، لتعود من حيث جاءت، فقد ضغطت على قدمها المصاب متأوهة، ما استرع انتباهه على الفور، ليجذب المنشفة عن وجهه، ليجدها تجاهد مترنحة على وشك السقوط، فالتقط إياها بين ذراعيه.
هتف نديم في غضب لا يعلم مصدره، وهو يحضر لها الكرسي لدفعها: إيه اللي خلاكِ تقومي من مكانك! أنا مش قايل لك تناديني لو احتجتي حاجة!
هتفت بصوت مهتز النبرات، وهو يدفع كرسيها لطرف الفراش: أنا ناديت والله، بس أنت مسمعتش.
حملها بلا ضرورة، واضعا إياها على الفراش برقة، تتناقض مع هتافه الغاضب: يبقى تستني لما اسمع.
هم بالابتعاد عنها مسرعا، لكن خفه المنزلي الذي كان مبتللا، جعل ساقه تنزلق ليسقط مندفعا تجاهها، شهقت في صدمة، لكن تلك الشهقة الملتاعة، لم تمنعه من التيه في محاسنها بعشق. تلاقت عيناهما في صمت راعد وصخب أخرس، وحوار دار بين باطن كفها الأيمن وباب صدره، الذي يتوسده طارقا، لعل هذا الفؤاد الثائر بالداخل، يجيب ذاك الداعِ، أقترب في تيه وشوق، يدعوه ثغرها الوردي، وما عاد قادرًا على تجاهل نداء، تمنى تلبيته طويلا.
لكن وللعجب، ظهرت صورة دلال بالأفق لتحول بينهما، سطع خاطره بنور التعقل، وقد أدرك مغبة ما كاد أن يقدم عليه، أخته الغالية بين يديّ شقيقها، وإن لم يتق الله فيما يؤتمن عليه هنا، فكيف سيكون حال أخته بدورها هناك!
هو يعلم أنها زوجه أمام الله، لكن شيء ما حاك بصدره، جعله ينظر إلي ناهد في اضطراب، ثم اندفع مهرولا، مغلقا باب غرفتها خلفه في عنف، انتفضت على أثره، وقد أدركت أن كلاهما لن يعود لسابق عهده مرة آخرى أبدا، وأن الهوى الذي كان ينكر كلاهما المسير في دربه، قد جهر باسميهما في قلب ميدان عامر، ليُفتضح أمرهما، وتتعرى مشاعرهما أمام أعين، لطالما أنكرتها، أعينهما.
★ ★ ★ ★
هتفت ورد الحلبية، لشريكتها بالخيمة: يخيبك يا بت يا لواحظ، كل ده يطلع منك! تاريكِ مش هينة يا حزينة!
كانت لواحظ قد حكت لورد صديقتها، عما فعلت بصفوت، وكيف جعلته كعجين طيع بين كفيها، تشكل فكره كيفما شاءت، وتوجهه لأفعال تخدم رغباتها في المقام الأول، مدعية أنها تسدي له النصيحة.
أطلقت لواحظ ضحكة رقيعة ممطوطة، هاتفة في دلال ممجوج: هم شافوا مني حاچة! اللي فچراب لواحظ كَتير.
هتفت ورد صديقتها محذرة: لواحظ! أنتِ ناوية على إيه يا بت عم خفاچى! احنا مش كد الناس دي، دول لحمها مر وما ليهم عزيز ولاغالي بره بدنتهم يا خية.
قهقهت لواحظ، هاتفة بلامبالاة: ولا يهمني، بكرة لما يبجى ولاد الحلبية أسياد البلد، هتعرفي إنه كان عندي حج.
هتفت ورد في ذعر: ولاد مين! دوول يدفنوكِ حية أنتِ وناسك كلهم، بلاها اللعبة دي يا حبيبتي، خلينا ماشيين چنب الحيط، ربنا يسترها معانا.
نظرت لواحظ إلى ورد في اشمئزاز هاتفة: أهو الكلام دِه، هو اللي مخلينا محلك سر، أعيش غازية الكل طمعان فيها، لكن أني هانم، وانولدت عشان أبجى ست الستات.
ودارت لواحظ حول نفسها في تيه وخيلاء، تستعرض جمالها الفتان القادر على سلب ألباب الرجال، ما دفع ورد لتتنهد في إشفاق، هاتفة في قلة حيلة: هجول إيه! اعملي ما بدالك، وربنا يسترها.
تطلعت لواحظ لصديقتها في كبر، واندفعت لخارج الخيمة، تمشى الهوينى حتى الشادر المنصوب لعروضهم الراقصة، متجاهلة أنظار الرجال المعلقة بها في كل خطوة.
★ ★ ★ ★
وصل شريف، لتهتف أمه ما أن طالعها محياه: ها، عملت إيه يا شريف! كلمت مامتها!
هتف شريف، محاولا تغيير الموضوع بمزاحه المصطنع: إيه ده يا حجوج! أنتِ إزاي لسه صاحية لحد دلوقتي! اللي فسنك ناموا من بدري يا جميل.
هتفت أمه مبتسمة: قول بقى يا شريف، خدت ميعاد نروح لهم فيه!
همس شريف: لا يا أم شريف، الموضوع هيتأجل شوية.
هتفت شريفة في امتعاض: ليه بس يا بني! ده أنا ما صدقت قلبك مال لواحدة، وقلت خلاص هى دي.
تنهد شريف مؤكدا، وهو يقبل هامة أمه: معلش بقى يا ماما، عندهم ظروف مخلتنيش أقدر افاتحهم فالموضوع، ربنا يسهل يمكن فالاجازة الجاية، كله بأمر الله.
همست شريفة رابتة على كتفه: ونعم بالله يا حبيبي.
دلف لغرفته مغلقا بابها خلفه، متمددا على فراشه بكامل ملابسه، يتطلع لسقف الغرفة في تيه، فمعرفتة بذاك السر الذي كان ينأي بها عنه، جعله يهتز داخليا، لا يعلم بحق ما الذي يعتريه! هل هى صدمة الحقيقة! وهل سيغير ذلك شيئا، من حقيقة مشاعره تجاهها!
★ ★ ★ ★
اندفع مناع إلى الجانب الآخر من النعمانية لإنقاذ أهل بيته من الغرق المحتم، عبر ذلك الجسر القديم، المقام بأول النجع، والذي كان يربط ضفتي النهر قديما، وتبعه عفيف بفرسه في حرص شديد لقدم الجسر، حتى وطأت أقدامه الضفة الآخرى، مندفعا في اتجاه البيوت، التي بدأت المياه تغمر أعتابها بشكل ينبئ بكارثة، وتطلع على قدر استطاعته ليرى بيوتا آخرى، أخذها اندفاع المياه في طريقه.
لمع البرق في السماء، وانقلب الليل نهارا، تبعه صوت الرعد، الذي كان يصرخ كامرأة مذعورة فوق رؤوسهم.
أخذ يتنقل، صارخا في كل من يقابله من أهل النجع: ع الچسر الجديم، روحوا ناحية الچسر الجديم.
كان صوته يحاول هزيمة صوت الرعد، الذي كان يأبى الهزيمة، ظل عفيف يصرخ ويصرخ، حتى كاد ان ينقطع صوته، وهو يأمر الناس بالتوجه للجسر القديم.
شعر أن الأمر لن يفلح بهذه الطريقة، فالكثير من الأسر ما تزال محصورة داخل بيوتها خوفا من الخروج، لا يعلمون أن البقاء يشكل خطر أكبر، وأن بقاءهم قد يعني هلاكهم وذويهم.
كانت الصرخات المذعورة للنساء والأطفال، تأتيه من هنا وهناك، فيدرك أن عليه التصرف سريعا، وإلا فإن الوضع سيخرج عن السيطرة، مع ازدياد سرعة اندفاع المياه، واستمرارهطول الأمطار بهذه الغزارة.
مد كفه نازعا إحدى العوارض الخشبية، واحتمى بجدار محاولا إشعالها، مخفقا عدة مرات، لكنه نجح أخيرا، حاملا إياها، ملوحا بها ليتجه الناس صوب الجسر.
كان يحاول أن يحافظ على الشعلة على قدر استطاعته مشتعلة لأطول فترة ممكنة، فيضع كفه محاولا حماية جزوتها من الخفوت بفعل المطر، وما أن تنطفيء حتى يعاود اشعالها، ظل على هذه الحال، حتى تنبه الناس لإشارته.
هتف عفيف أمرا مناع في حزم: اچمع الرچالة بسرعة.
نفذ مناع، وهو يخوض الماء، الذي وصل لمنسوب ركبتيه تقريبا.
هتف عفيف أمرا بصوت جهوري، في جمع الرجال، ليسمعه الجميع: كلكم تحت الچسر الجديم ياللاه، هنا المية يا دوب هتوصل لوسط اجصركم، هنسندوا الچسر لچل ما تعدي الحريم والعيال الصغيرة، هموا.
اندفع الرجال في عجالة للتنفيذ، وكل منهم تحثه الرغبة لإنقاذ أهله، والابتعاد بهم للجانب الآخر، ليكونوا في سلام.
نزل عفيف لعمق النهر، ومن بعده الرجال، يسند كل منهم، ذاك الجسر العتيق بكتفيه في محاولة ليكون المعبرالذي تمر منه النساء والأطفال، معبر أمن، يوصلهم للضفة الثانية للنعمانية.
كان أحد الرجال من كبار السن، يقف على طرف الجسر، مساعدا الأطفال والنساء في المرور، يحاول أن يضبط حمولة المرور، حتى لا تتتزاحم النساء، ويحدث ما لا يحمد عقباه، وعلى الجانب الآخر، كان رجلا مماثلا، يحثهن على المضي قدما، في اتجاه التلة المقام عليها البيت الكبير.
كان المطر يهطل بغزارة، وكأن أبواب السماء فُتحت على مصرعيها، والماء قد وصل لصدور الرجال، التي تحفظ توازن الجسر، حين مرت آخر مجموعة من النساء بأطفالهن .
أمر عفيف الجميع بالصعود في اتجاه الطرف الآخر، وكان هو آخر الخارجين من الماء، مندفعا يمتطي فرسه، بعد أن كان آخر العابرين مع العجوز من الضفة الآخرى، توقف حتى سارت آخر مجموعة في اتجاه البيت الكبير، مدققا النظر قدراستطاعته بالجانب الآخر من النهر، ليتأكد أن ما من أحد قد خلفه ورائه دون معاونة، لكن فجأة، بدأت شرارات عجيبة في التطاير هنا وهناك وكأن السماء ما أكتفت بعد.
كان أحد أبراج الكهرباء، المقام على الطرف البعيد من ذاك الجسر، في أول النجع، قد بدأت أسلاكه في قذف تلك الشرارات جراء البرق الذي يبدو انه ضرب أحداها، لكن الأمر كان أكثر سوءا، فقد انهار برج الكهرباء برمته، نتيجة تمرد صخرة على أبيها الجبل، مندفعة لتصطدم ببرج الكهرباء، ليسقط في اتجاه الجسر.
كان المشهد مهولا، بل مروعا، والشرارات تزداد تطايرا نتيجة انقطاع باقي أسلاك الكهرباء الرابطة للبرج بالأبراج الآخرى .
سقوط البرج زاد الهرج بين الناجين، ليندفعوا مسرعين في ذعر باتجاه التلة، وصرخات النساء وعويل الاطفال يثير الشفقة، صرخ مناع بلوعة في ظل الهرج الدائر، عندما وقعت عيناه على عفيف بموضعه الخطر ذاك: حاسب يا عفيف بيه، حاسب.
وساد الظلام الدامس أرجاء النجع.
الفصل العشرون من هنا