رواية ممر إلى قلب مجهول الفصل الرابع عشر 14بقلم ملك احمد


رواية ممر إلى قلب مجهول الفصل الرابع عشر 14 بقلم ملك احمد



انحنت رحيق باحترام، ثم خرجت من المجلس دون أن ترفع عينيها…
لكن قلبها كان يدق …
في المساء… بعد أن ابتلعت السماء آخر خيوط الشمس…
كان عُدي يجلس في مجلسه، يراجع بعض الرسائل على مهل، بينما النار الصغيرة بجواره تشتعل بهدوء…
ـ دق الباب.
رفع عُدي رأسه دون اهتمام ظاهر…

عُدي: ادخل…
فُتح الباب ببطء…
تقدمت رحيق بخطوات مترددة، ثم وقفت أمامه، وانحنت باحترام.
ظل ينظر إليها لحظة طويلة… لحظة أثقل من الكلام.
ثم قال بهدوء:
عُدي: هتمشي امتى؟
رفعت رحيق رأسها قليلًا،
رحيق: قبل شروق الشمس…
أومأ عُدي دون أن يتغير شيء في ملامحه:
عُدي: تمام…
ترددت رحيق للحظة ثم قالت بصوت متردد 
رحيق: تأمرني بحاجة يا سيدي؟
عُدي: لا يا رحيق… بس متنسيش قبل شروق الشمس التالت… تكوني هنا. أومأت بسرعة:
رحيق: حاضر يا سيدي…
عُدي: تمام… اتفضلي…
انحنت رحيق مرة أخرى، ثم خرجت.
ظل عُدي في مكانه…
لم يتحرك… لم يكتب… لم يقرأ…
فقط جلس شاردًا، كأن الرسائل كلها فقدت معناها.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في غرفة رحيق…
دخلت وهي تتنفس بسرعة، وكأنها كانت تركض رغم أنها لم تركض خطوة واحدة.
وضعت يدها على صدرها، ثم قالت بفرحة مكتومة:
رحيق: الحمدلله… هعرف أهرب…
اقتربت من المرآة، نظرت لوجهها الذي بدا مرهقًا… لكنها كانت تبتسم.
رحيق: بس لازم… لازم متأخرش عن الوقت المحدد…
جلست أمام النافذة الحديدية، تتأمل السماء…
النجوم كانت كثيرة… كأنها تراقبها.
همست رحيق بشرود:
رحيق: العالم ده… حلو أوي…
ابتسمت وهي تهمس لنفسها:
رحيق: عمري ما كنت أتخيل إني ممكن أرجع بالزمن… وأشوف العصر الفرعوني بعيني…
شعرت بجفونها تثقل…
كادت أن تغفو…
لكنها انتفضت فجأة!
وقفت بسرعة 
رحيق: لا… لا يا رحيق… متناميش!
بدأت تتجول داخل الغرفة، تدور وتتحرك كي لا يغلبها النعاس…
ثم قالت بإصرار:
رحيق: أنا هفضل صاحيه… لازم أرجع للعالم بتاعي…
فوقي يا رحيق!
توقفت أمام النافذة مرة أخرى…
حتى…
بدأ الضوء يتسلل من بعيد…
الشمس… بدأت تشرق.
تجمدت رحيق في مكانها، وعيناها اتسعتا بفرحة ممزوجة بتوتر.
رحيق: يلا يا رحيق… دي فرصتك!
أغمضت عينيها بسرعة…
وضعت يدها على القلادة…
ثم نزعتها من عنقها.
وفي لحظة…
شعرت ببرودة غريبة…
كأن مياه تغمر  قدميها.
فتحت عينيها فجأة…
لتجد نفسها…
في نفس المكان
نفس اللحظة.
قبل أن ترتدي القلادة.
وقفت مذهولة.
ثم أخذت نفسًا عميقًا… وابتسمت.
رحيق: رجعت…
ثم قالت بفرحة:
رحيق: الحمدلله… رجعت بجد…
اخذت نفس وتوجهت لغرفتها حتي تذهب لمنزلها لعائلتها ...
كانت تحتاج شيئًا واحدًا فقط…
أن ترى أمها… أن تطمئن أنها بخير.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

أمام منزل رحيق…
توقف التاكسي.
نزلت رحيق، والحقيبة على ظهرها، وعيناها تتحركان حولها بحذر.
تنهدت بعمق…
ثم تقدمت نحو البيت…
لكنها توقفت فجأة.
تراجعت خطوة للخلف بصدمة…
عيناها ثبتتا على شيء غريب…
صور معلقة في الشارع…
لافتة كبيرة أمام مدخل العمارة…
اقتربت بخطوات مرتعشة…
ثم قرأت…
"رحيق مفقودة منذ ثلاثة أيام… برجاء من يجدها التواصل على الرقم التالي…"
اتسعت عيناها… وشحب وجهها.
رحيق: إيه…؟!
لا… لا… مش للدرجة دي…
جرت بسرعة نحو الباب…
دقت .
مرة…
ولا رد.
دقت مرة أخرى…
حتى فُتح الباب أخيرًا.
ظهرت نجلاء… ترتدي إسدال الصلاة، وملامحها شاحبة من التعب.
لحظة أن رأت رحيق…
تجمدت.…
وانهمرت دموعها فجأة.
اقتربت بسرعة واحتضنتها بقوة، وكأنها تخاف أن تختفي من بين يديها.
نجلاء: إنتي كنتي فين يا رحيق؟!
إزاي… إزاي تسيبيني كل المدة دي؟!
كانت تبكي بحرقة…
ورحيق لم تستطع الكلام.
فقط قالت بصوت ببكاء :
رحيق: أنا… أنا آسفة يا ماما… والله آسفة…
ارتمت في حضنها، تبكي معها.
خرج عمر من غرفته وهو يتثاءب…
عمر: في إيه يا…
ثم توقف.
نظر إلى رحيق…
تجمد.
اقترب خطوة…
ثم قال بصوت مصدوم:
عمر: رحيق…؟!
التفتت له رحيق…
لكن قبل أن تنطق…
نزلت صفعة قوية على وجهها.
تجمد كل شيء.
نجلاء: عمر!!
وضعت رحيق يدها على خدها، والدموع ملأت عينيها.
أجابها بغضب ...
عمر: إنتي كنتي فين؟!
وإزاي تمشي من غير ما تقولي لحد؟!
لم تجب…
كانت تبكي فقط.
اقترب أكثر وهو يقول ...
عمر: مش عشان نفسيتك مش كويسة… يبقى تسيبي البيت وتخلّي الكل ينهار!
تنهد بعصبية ثم أكمل:
عمر: أمك… كانت بتعيط  كل يوم… مبتنامش… بتدعي بس إنك ترجعي…
قالت رحيق وهي تبكي :
رحيق: أنا… أنا آسفة…
أمسك عمر يدها بقوة:
عمر: اتفضلي… ادخلي أوضتك… يلا!
جرت رحيق إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
وقفت نجلاء خلف عمر، وضعت يدها على كتفه، تحاول تهدئته:
نجلاء: بس يا حبيبي… يمكن كانت غصب عنها…
لكن عمر أبعد يدها بحدة:
عمر: ماما… أنا مش عايز أتكلم…
ثم تركها وذهب.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في غرفة رحيق…
جلست على السرير، وانفجرت بالبكاء.
رحيق: أنا مش هروح العالم ده تاني…
أنا غلطانة… غلطانة…
ـ دُق الباب.
دخلت نجلاء بهدوء.
نجلاء: رحيق…
مسحت رحيق دموعها بسرعة، ثم قالت:
رحيق: نعم يا ماما؟
اقتربت نجلاء وجلست بجانبها.
نجلاء: متزعليش من عمر… ده أخوكي… وهو كان خايف عليكي…
ثم نظرت لها بحزن:
نجلاء: بس… مش كان المفروض تقوليلي إنك خارجة لوحدك؟
ابتلعت رحيق ريقها، ثم قالت بصوت منخفض:
رحيق: أنا آسفة والله… كنت محتاجة أكون لوحدي شوية…
سكتت نجلاء لحظة، ثم سألت:
نجلاء: طيب… كنتي فين طول المدة دي؟
صمتت رحيق…
كانت عيناها تهربان.
ثم قالت أخيرًا:
رحيق: كنت… في المستشفى…
اتسعت عينها وقالت ...
نجلاء: مستشفى؟! ليه؟ إنتي مالك؟
خفضت رحيق رأسها:
رحيق: تعبت جامد… واضطريت أركب محاليل… واحتجزوني…
احتضنتها نجلاء بحنان:
نجلاء: يا عيني يا بنتي… معلش…
همست رحيق:
رحيق: أنا آسفة يا ماما…
قالت نجلاء ...
نجلاء: بس متعيدهاش تاني… فاهمة؟
أومأت رحيق بسرعة.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في اليوم التالي…
دخلت مريم غرفة رحيق  وهي تفتح الباب:
اقتربت ووقفت أمامها وهي تقول ...
مريم: يا حيوانة! إنتي كنتي فين؟!
رفعت رحيق عينيها، والدموع تجمعت فيها من جديد.
رحيق: أنا… أنا آسفة…
اقتربت مريم فورًا واحتضنتها بقوة:
مريم: متعتذريش… بس قوليلي… كنتي فين؟!
تنهدت رحيق…
ثم قالت:
رحيق: هحكيلك كل حاجة…
جلست معها، وسردت كل ما حدث… القلادة… العالم الفرعوني… عُدي… الأيام…
كانت مريم تستمع بذهول.
مريم: رحيق… إنتي بتتكلمي بجد؟!
أومأت رحيق بجدية.
رحيق: آه…
قالت مريم وهي لا تصدق:
مريم: بس… إزاي؟!
تنهدت رحيق:
رحيق: وأنا ده اللي عايزة أفهمه… إزاي… وليه أنا بالذات؟
ثم أكملت بقلق:
رحيق: المشكلة إنه اداني يومين… يوم عدى… باقي يوم واحد بس…
نظرت لها مريم بقلق:
مريم: طب هتعملي إيه؟
وازاي هتقنعي طنط؟
مسكت رحيق يدها بسرعة:
رحيق: حاولي إنتي… عشان خاطري…
تنهدت مريم:
مريم: حاضر… هحاول.
خرجت مريم وخلفها رحيق.

في الصالة…

كانت نجلاء تجلس، وبجانبها عمر ممسك هاتفه.
اقتربت مريم بتوتر وقالت:
مريم: طنط… ممكن أطلب منك طلب؟
ابتسمت نجلاء:
نجلاء: اتفضلي يا حبيبتي…
قالت مريم بسرعة:
مريم: ممكن رحيق تقعد معايا أسبوع؟ أسبوع واحد بس…
كادت نجلاء ترد…
لكن عمر قال بحدة دون أن يرفع عينيه:
عمر: لا.
تجمدت مريم.
ثم قالت ..
مريم: أنا بكلم طنط على فكرة!
وقف عمر واقترب حتى أصبح أمامها:
عمر: وأنا أخوها… وبقولك لا.
نظرت مريم للأم، ثم قالت:
مريم: هاه يا طنط ؟
ـ ضغط عمر علي أسنانه قائلاً 
ـ عمر : انا إلي بكلمك يبقي بصيلي انا وكلميني انا ولا خايفه ...
ـ نظرت له وقالت بسخريه.
ـ مريم: نعم ؟ خايفه اخاف من اي ؟ وبعدين دي كانت في المستشفى وحضرتك متعرفش ..
نظر عمر ناحية رحيق، كانت تحاول سحب مريم للخلف.
رحيق: خلاص يا مريم… مش لازم…
لكن مريم لم تتراجع:
مريم: لا لازم!
أول ما ترجع تضربها بالقلم؟!
ضيق عمر عينيه:
عمر: مش إنتي اللي هتعلميني أتصرف!
رفعت مريم حاجبها بسخرية:
مريم: لا عادي جدًا… أنا هعلمك كمان.
ـ تركها عمر وذهب وأخذ هاتفه وفتح الباب وقبل أن يخرج نظر لرحيق قائلاً ..
عمر: أسبوع واحد يا رحيق…
ثم نظر لها بنظرة تحذير:
عمر: لو اتأخرتي عن الأسبوع… مش هيعجبك تصرفي.
ثم خرج من المنزل وهو غاضب.
وقفت رحيق للحظة… ثم تنفست بفرحة، كأنها نجت من كارثة.
ابتسمت نجلاء وقالت:
نجلاء: يلا يا رحيق… روحي جهزي لبسك.
أومأت رحيق بسرعة…
ثم ذهبت.


                الفصل الخامس عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة