
رواية قلب السلطة الفصل السابع والاربعون 47 بقلم مروه البطراوى
لم تكد "يقين" تستقر بابتسامتها على ذراع "شامل"، ولم تزل أصداء حلمها بفرحٍ يشبه هذه الليلة تتردد في صدرها، حتى انسلَّ صوتٌ نسائي رخيم من خلفها، واثق… ثابت… كأنه يعرف طريقه جيدًا إلى القلوب قبل الآذان:
— "يقين هانم… منوّرة."
انتفضت "يقين" انتفاضة خفيفة، واستدارت ببطء، لتقع عيناها على امرأةٍ تتقدم نحوهما بخطى محسوبة. لم يكن في مظهرها ما يُخطئه النظر؛ أناقة فاخرة، حضور نافذ، وملامح تُعلن الثراء والسلطة دون حاجة إلى تعريف.
تماسكت "يقين" سريعًا، وردّت بابتسامة مهذبة، وإن شابها تحفظٌ غريزي:
— "متشكرة… بس حضرتك مين؟ أنا أعرفك؟"
ضحكت السيدة ضحكة ناعمة، محسوبة، وكأنها تُلقي بطُعمٍ مغلف بالود، وقالت بنبرة ودودة تخفي تحتها ما هو أعمق:
— "معلش… الظروف ماخلتناش نتعرف كويس، بس إن شاء الله من هنا ورايح إحنا حبايب… نروح ونجي على بعض كتير."
انكمشت ابتسامة "يقين" تدريجيًا، وارتسمت في عينيها علامة استفهام صريحة:
— "نروح ونجي على بعض؟ حضرتك مين؟"
لم تتخلَّ السيدة عن هدوئها، بل اقتربت خطوة أخرى، وألقت بكلماتها بثباتٍ قاطع، كأنها لا تُدرك — أو لا تهتم — بما ستُحدثه:
— "أنا نادين الزغبي… مرات أسر العزبي، معرفة بيت غالي، والد ليلى مرات أخوكي."
توقفت لحظة قصيرة، ثم أضافت الجملة التي كانت كفيلة بقلب المشهد رأسًا على عقب:
— "وبالمرة… أبقى أم غيث… جوز نيرفانا الذهبي، بنت أخوكي رائد بيه."
ارتجّ المكان من وقع الاسم.
تجمّد الهواء.
وتوقّف النبض في الصدور.
"غيث… جوز مين؟!"
لم تخرج الصرخة من "يقين"، التي تحولت إلى تمثالٍ جامد، بل انفجرت من "شامل"، الذي انتفض كأن صاعقةً هوت على رأسه. اختفت ابتسامته الماكرة في لحظة، وحلّ محلها ذهولٌ حاد ورفضٌ صريح، وعيناه تتسعان بما لا تحتمله الصدمة.
ارتبكت "نادين" تحت وقع رد الفعل، لكنها حاولت التماسك، وقالت بقلقٍ صادق هذه المرة:
— "غيث… إبني… جوز نيرفانا بنت رائد بيه. مالكم؟ هو رائد بيه ماقالش؟ معقول؟"
ساد صمتٌ ثقيل… صمتٌ كاد يطبق على الأنفاس.
وفي تلك اللحظة ذاتها، كان "رائد" في الأعلى يفتح باب الغرفة، ويخرج بنيرفانا إلى القاعة، غير عابئٍ بالعاصفة التي انفجرت في الأسفل، ولا بالدمار الذي خلّفه قراره خلفه.
قلب السلطة | بقلمي مروه البطراوى 💜💜💜
تجمدت الدماء في عروق "شامل"، ولم تكن الصدمة نابعة من المفاجأة فحسب، بل من مرارة "الهزيمة" التي استشعرها بغتة. كانت عيناه تدوران في محجريهما كذئبٍ حُصر في زاوية ضيقة، بينما كانت "نادين الزغبي" تتأملهما بفضول ممزوج بانتصار طبقي لا تخطئه العين.
تمتم "شامل" بصوتٍ مخنوق، وعروق عنقه بارزة كحبالٍ مشدودة: — "غيث العزبي؟.. نيرفانا اتجوزت غيث العزبي؟ إمتى.. وإزاي؟"
التفتت "يقين" إليه، كانت ملامحها لوحة من الضياع، تنظر لشامل تارة ولنادين تارة أخرى، وكأنها تحاول استيعاب أن "الفرح" الذي كانت تحلم بمثله منذ لحظات، قد تحول إلى لغزٍ أسود يخص عائلتها هي. قالت بصوتٍ مرتعش: — "شامل.. أنت فاهم حاجة؟ رائد عمل كده من ورايا؟ أنا أخته الوحيدة"
لم يمنحها شامل إجابة، بل كانت نظراته مصوبة نحو السلم الرخامي، حيث بدأت الأضواء المسلطة تتحرك ببطء لتعلن عن ظهور "الملك وابنته".
ضحكت نادين باقتضاب، وهي تعدل من وضع عقدها الماسي، وقالت ببرود: — "يا حبيبتي يا يقين، رائد بيه مش أي حد.. ده رائد بيه أكيد كان مرتب كل حاجة عشان تبقى المفاجأة بجد. وبعدين غيث ونيرفانا لايقين على بعض أوي، مش كده يا.. يا أستاذ شامل؟"
نطق شامل اسمها وكأنه يلفظ سماً: — "يا محاسن الصدف.. نادين هانم الزغبي بنفسها بتبشرنا."
في تلك اللحظة، صدحت موسيقى مهيبة في أرجاء القاعة، وانفتحت الأبواب العلوية على مصراعيها. ظهر "رائد" ببدلته السوداء الفاخرة، يخطو بثباتٍ يحسد عليه، ونيرفانا بجانبه كفراشة بيضاء مسلوبة الإرادة، وجهها مخفي خلف طرحة رقيقة، لكن جسدها كان يرتجف برعشة خفيفة لم يلحظها سوى رائد الذي كان يضغط على ذراعها برفقٍ "آمر".
همس "شامل" وهو يجز على أسنانه، وعيناه تلمعان بوعيدٍ لم يره أحد: — "لعبتها صح يا رائد.. قلبت السلطة كلها لصالحك في ليلة واحدة.. بس اللعب لسه مخلصش."
انتبهت "يقين" لنبرة شامل الغريبة، فجذبت ذراعه بهلع: — "شامل، أنت بتقول إيه؟ رائد نازل.. لازم نطلع نستقبله"
لكن شامل لم يتحرك، ظل واقفاً مكانه، يراقب "رائد" وهو ينزل السلم بكل هيبة، وكأنه يرى فيه خصماً أزاحه عن رقعة الشطرنج بضربة قاضية.
على الجانب الآخر من القاعة، بدأت الهمسات تتصاعد بين المدعوين كالنار في الهشيم، والكل يترقب ظهور "العريس" الذي سيتسلم العروس من يد "رائد ".
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜
توقّف "رائد" عند آخر درجة قبل أرض القاعة.
لم يحتج أن يتلفّت كثيرًا… كان يعرف تمامًا أين ستقع عيونهم، وأي وجوهٍ ستنهار، وأي صمتٍ سيصرخ باسمه.
انفصلت "نيرفانا" عن ذراعه بهدوء محسوب، وقفت إلى جواره نصف خطوة خلفه، كأنها ظلّ القرار لا صوته. رفعت عينيها قليلًا، فالتقت نظرات "يقين".
لم تبتسم.
لم تعتذر.
بل اكتفت بنظرةٍ طويلة، مشوشة، تشبه من سار إلى مصيره وهو مغمض العينين.
قطع "شامل" المسافة بينه وبين "رائد" في خطوتين حادّتين، وصوته خرج أجشّ، لا يعرف المواربة:
— "إيه اللي بيحصل ده يا رائد؟!"
ثم أشار بيده إلى القاعة، وإلى الثوب الأبيض، وإلى "نادين":
— "جواز؟! وإنت سايبنا آخر ناس نعرف؟!"
رفع "رائد" حاجبه ببرود، وكأنه يتلقى سؤالًا إداريًا لا صرخة رجلٍ مكسور:
— "وأنا مطالب أشرح قراراتي لمين؟"
اشتعلت عينا "شامل"، واقترب أكثر، غير عابئٍ بالنظرات المتجمعة:
— "دي نيرفانا. بنتك .ودي يقين أختك"
تحرّكت "يقين" أخيرًا.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
لكن صوتها حين خرج كان أخطر من الاثنين.
— "وأنا؟"
التفت "رائد" إليها ببطء، نظرة مستقيمة، ثابتة، بلا زينة.
— "إنتِ عارفة إنك عمري ما تدخلتي في قراراتي."
ابتسمت "يقين" ابتسامة مشروخة، وقالت بنبرة موجوعة لكنها صلبة:
— "بس عمري ما اتخذت قرار من غير ما أقولك."
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت الموسيقى البعيد.
تنفّست "نيرفانا" بعمق، وكأنها تجمع شجاعة متأخرة، وقالت بهدوءٍ مرتبك:
— "عمو… لو سمحت…"
لم يكملها "رائد".
رفع يده إشارة للصمت، وقال دون أن ينظر إليها:
— "اللي حصل حصل."
ثم أضاف، موجّهًا حديثه للجميع:
— "الجوازة دي ضرورة. مش رفاهية. ومش موضوع مشاعر."
ضحك "شامل" ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
— "ضرورة لمين؟"
نظر "رائد" حوله، نظرة رجلٍ يحسب خسائره ولا يخشاها:
— "للكل… حتى اللي مش فاهم دلوقتي."
اهتزّت "يقين" عند الجملة.
اقتربت خطوة، حتى صارت أمامه مباشرة:
— "حتى نيرفانا؟"
هنا فقط… التفت "رائد" إلى ابنته.
نظر إليها نظرة طويلة، قاسية، أبوية، وقال بصوت منخفض لا يسمعه سواها:
— "أكتر واحدة."
انخفضت عينا "نيرفانا".
وفي تلك اللحظة، فهم الجميع أن العروس لم تكن منتصرة…
بل مُقدَّمة كقربان.
في طرف القاعة، كانت "نادين" تراقب المشهد بصمتٍ حذر، بينما تقدّم "غيث" بخطوات مترددة، وكأن الأرض تحته لم تعد ثابتة.
نظر إلى "نيرفانا"، ثم إلى "رائد"، وقال بصوتٍ حاول أن يبدو واثقًا:
— "أنا… مش فاهم ليه مقولتش ليهم ؟"
التفت إليه "رائد" أخيرًا، وقال بلهجة حاسمة أنهت الجدل:
— "مش مطلوب منك تفهم… المطلوب تنفّذ."
وهنا…
انكسرت آخر شعرة صبر عند "يقين".
— "كفاية"
صرختها شقّت القاعة، وأسكتت الموسيقى، وجذبت كل العيون.
— "إنت بتتكلم عن بنتك وعن جوزها وعننا… كأننا ورق في صفقة"
اقتربت أكثر، وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد:
— "إنت مش ملك… ولا إحنا رعايا."
حدّق فيها "رائد" طويلاً.
ثم قال بهدوءٍ مخيف:
— "في بيتي… أنا الملك."
ساد صمتٌ قاتل.
وفي قلب "يقين"، سقط آخر شيءٍ كان يُشبه الأخ.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜
كان العريس متألقًا ببذلته السوداء، و بالرغم من كل ما يحدث كان متقد النظرات، يكاد يلتهمها بعينيه شغفًا. وعندما مدّ "رائد" يد ابنته ليده، قبلها على رأسها،
وقف رائد قليلًا يتابعهم، و"غيث" يحتضن عروسه أمام الجميع، يلاطفها، يطبع القبل على خديها. تمايلت الموسيقى إيذانًا بالرقصة الأولى، فانسابا إلى ساحة الرقص، وسط تصفيق وضحكات الحضور.
أما على الجانب الآخر، فقد كان "شامل" يحترق . قلبه يشتعل، أنفاسه تتلاحق، بصره يضطرب. . تواجهت النظرات: تحدٍ من شامل، وبرود قاسٍ من رائد. لقد انكشف كل شيء.
قالت "يقين" بلهجة متوترة: — "أنا مش مصدقة اللي إنت عملته!" ثم أردفت بعنف: — "إزاي تعمل كده؟ إزاي تجوز بنتك من ورانا وتخلينا نيجي زي الغرب؟ ده الغرب طلعوا أحسن مننا، كانوا عارفين قبل ما يجوا!"
أجابها "رائد" ببرود شديد: — "حبيت أعملهالكوا مفاجأة. بقالي كتير ما لعبتش معاكوا يا يقين... ولا إيه يا شامل؟"
غرس نظراته الحادة في عيني "شامل"، فأطبق الأخير قبضته على أسنانه، بينما ارتجف قلب "يقين" وهي تصيح: — "إنت أكيد اتجننت يا رائد! إيه اللي يخليك تعمل كده وتخبي علينا؟ مالكش أي عذر... عيب على مركزك وسنك حتى"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة: — "عندِك حق. أنا فعلًا كنت غلطان في حاجات كتير... بس الليلة دي هصلّح كل غلطاتي. وزواج نيرفانا... أول غلطة اتصلحت الحمد لله."
صوّب نظره مباشرة إلى "شامل"، فأدرك الأخير المغزى. اشتعل الغضب في عينيه أكثر فأكثر، بينما كانت "يقين" تقول مذهولة: — "أنا مش قادرة أصدق اللي إنت بتقوله شامل... اتكلم! قول أي حاجة... إنت ساكت ليه؟"
وإذا بـ "رائد" ينفجر ضاحكًا... ضحكة عالية، هستيرية، جذبت أنظار الحاضرين. ارتبك "شامل"، نظر حوله في توتر، بينما استمر "رائد" يضحك بلا كابح، حتى علا صوته على وقع الموسيقى والهمسات. ثم بين نوبات ضحكه صاح: — "شامل مش هيتكلم يا كوكي... أنا اللي هتكل! بس اتكّي على الصبر... ماتستعجليش... ولا إيه يا شامل؟"
تجمدت الأجواء، وازدادت الضحكات غرابة... حتى بدا المشهد كله على شفا هاوية.
قلب السلطة بقلمي 💜
انطلقت السيارات السوداء تخترق سكون الليل، تتبع بعضها في موكب جنائزي المهابة، حتى توقفت فجأة أمام مبنى قديم ذو طابع كلاسيكي، تحيط به أسوار عالية وأشجار كثيفة تحجب ما وراءها. لم يكن هذا منزلاً، بل بدا وكأنه مخزن خاص أو "أتيليه" مهجور في منطقة معزولة.
ترجل "رائد" بهدوء، وفتح الباب لـ "يقين" بنفسه في إيماءة تجمع بين الرقيّ والسيطرة. ترجلت "يقين" وهي تلملم فستانها، تنظر حولها بريبة، بينما نزل "شامل" خلفها، وعيناه تجوبان المكان بحثاً عن أي تهديد، ويداه منقبضتان داخل جيوبه.
دخلوا إلى ردهة واسعة، كانت الإضاءة فيها خافتة تعتمد على مصابيح صفراء قديمة. في منتصف القاعة، كان هناك طاولة خشبية ضخمة وضع فوقها "رائد" مفاتيح سيارته وساعته، ثم التفت إليهما وهو يفك أزرار أكمامه ببطء:
- "عارف إن المكان غريب.. وعارف إن الأسئلة في دماغكم كتير.. بس هنا، مفيش وزير، ولا في حراسة بتسمع، ولا في تمثيل."
سحب "رائد" مقعداً خشبياً وجلس، مشيراً لهما بالجلوس، لكن "يقين" ظلت واقفة، وقالت بصوت يرتجف من شدة الانفعال: - "خلص يا رائد.. مفيش داعي للمقدمات دي. إنت عايز إيه؟ ليه جرتنا وراك زي العيال الصغيرة بعد ما كسرت فرحتنا بوجودنا وسط الناس؟"
ابتسم "رائد" ابتسامة غامضة، ثم نظر إلى "شامل" الذي كان يراقب كل حركة يقوم بها رائد بتركيز قاتل، وقال: - "شامل.. إنت أكتر واحد عارفني. تفتكر أنا جايبكم هنا عشان أعتذر؟ ولا عشان أقولكم إن اللي حصل كان غصب عني؟"
اندفع "شامل" خطوة للأمام، وقد نفد صبره: - "إنت جايبنا هنا عشان تفرض سيطرتك يا رائد. عشان تقول إنك لسه ماسك الخيوط كلها. بس اللعبة دي قدمت.. يقين مش هتبقى تحت طوعك تاني، وأنا مش هسيبك تلمس شعرة منها."
ضحك "رائد" ضحكة خافتة، جافة، خالية من أي مرح، ثم نهض فجأة واقترب من لوحة مغطاة بقطعة قماش سوداء كانت مسندة إلى الحائط. وضع يده عليها وقال بنبرة هادئة ومخيفة: - "السيطرة مش محتاجة مكان مهجور يا شامل.. السيطرة محتاجة 'حقيقة'. وإنتو الاتنين عايشين في كذبة بقالها سنين."
بلمحة سريعة، جذب "رائد" القماش الأسود، لتظهر خلفه مجموعة من الصور والوثائق القديمة المرتبة بعناية، وصورة كبيرة تجمع بين "رائد" ورجل آخر يشبه "شامل" إلى حد مذهل، لكنه كان غارقاً في دمائه في زاوية من زوايا الصورة.
شحب وجه "يقين" تماماً، وتراجعت خطوة للخلف وهي تضع يدها على فمها، بينما تسمر "شامل" في مكانه، وبرقت عيناه بصدمة زلزلت كيانه.
قال "رائد" وهو ينظر في عيني "شامل" مباشرة: - "اللي مات في حضني اليوم ده يا شامل.. ماماتش بسببي زي ما يقين مفهمالك. اللي مات ده كان بيحاول يحميني من 'أبوك'.. الشخص اللي إنت فاكره بطل،و اللي خلاك تدخل حياتي علشان تنتقم مني ليه كان هو اللي بايعنا كلنا."
ساد صمت مميت، لم يقطعه إلا صوت أنفاس "يقين" المتلاحقة. التفتت إلى "شامل" بذعر، ثم إلى "رائد"، وقبل أن تنطق، قال "رائد" بحدة: - "دلوقتي بس.. نقدر نصفي الحساب. يا ترى يا شامل، هتصدق الست اللي غرست فيك الكره من ناحيتي ، ولا هتصدق الورق اللي قدام عينك؟"
قلب السلطة بقلمي مروه 💜 💜
استيقظ الغول من غفوته الثقيلة.
فتح عينيه ببطءٍ بالغ، كأن جفنيه صخرتان تتنازعان الاستيقاظ. شعر برأسه متضخمًا، كأنه مجرّة مترامية الأطراف، يثقل كيانه، ويموج داخله بصدى متشظٍ يشبه انفجار نجوم بعيدة.
وقعت عيناه على الغرفة من حوله…
شاسعة، موحشة، متّسعة كتيهٍ بلا نهاية. لا حياة فيها، لا بهجة، لا أثر لملذّات اعتاد أن تحيط به كطقسٍ يومي.
لا طاولة خمور تلمع كؤوسها في الضوء،
ولا شقراء تتربّص عند حاشية سريره، تتعلّق بمئزره القطنيّ كأن وجودها معلّق بوجوده.
بحث بعينين مثقلتين عن خادمه الذي كان يهرع إليه مع الفجر، عن طاولة الفطور الباذخة، عن الضجيج المعتاد… فلم يجد شيئًا.
لا زينة، لا حضور، لا لذّة.
فقط أثاث عارٍ، كئيب، جامد…
كأنّه شاهد صامت على انكساره.
وفي قلب هذا الفراغ، تسللت إليه فكرة باردة:
كأن يدًا خفيّة أعادت تشكيل المكان عمدًا.
يدًا قاسية، متحكّمة…
يد نيرفانا.
كأنها جرّدته من كل ما اعتاد عليه، لتتركه وحيدًا أمام ذاته، أمام سلطته التي بدأت تتآكل في صمتٍ مهيب.
إليها…
كان الصمت يخيم على الغرفة، يثقل الهواء كما لو أنه غبارٌ خانق.
قطع "غيث" السكون فجأة، وصوته خرج صلبًا، متماسكًا، كالسيف حين يُشهر:
— "عشان كده رائد بيه قالي الكلام ده"
قالها بلهجة مشدودة، مشبعة بالاتهام والتوجّس.
لكن "نيرفانا" لم تُجب.
بقيت صامتة، ساكنة النظرات، كأنها تنظر إلى ما وراءه… إلى شيء لا يراه.
زاد الصمت من احتقانه، فتابع باستخفافٍ واضح، يقوّس شفتيه بازدراء:
— "عمومًا… أنا مايهمنيش حياتك كانت ماشية إزاي قبلي.
الكل عارف إنتِ جاية منين… وقضيتي حياتك ازاي ."
قست ملامحه، وتصلّب وجهه كصخرة، ثم أردف بصوت أجشّ:
— "بس لو لاحظت في يوم سلوك مش هو… هزعل أوي يا مراتي.
الجوازة دي ماكنتش على مزاجي أصلاً.
فهعتبر نفسي ضاربت على سهم عالي وسقط فجأة، زي البورصة."
توقف لحظة، ثم أضاف ببرود مهدِّد:
— "إنما على أي حال… هتفضلي مراتي، وهتلتزمي بعاداتي. غير كده…"
قاطعته "نيرفانا" بحدّة، وعيناها تقدحان شررًا:
— "غير كده إيه؟"
أثارته جرأتها.
ذلك التحدي العاري في نبرتها.
شعر كأنها تنزع عنه هيبته قطعة قطعة.
احمرّ وجهه، وقبض كفه على ذراع الكرسي المصنوع من خشب الجوز حتى كاد الخشب يصرخ.
ابتسمت "نيرفانا" باستخفاف، وكأنها تستمتع بإشعال النيران داخله.
ثم قالت بنبرة مستقيمة، قاطعة:
— "إنت جوزي… ماقلتش حاجة.
وأنا عارفة حدودي كويس.
بس مش هسمحلك تكلّمني بالطريقة دي تاني."
سكتت لحظة، ثم تابعت ببرود محسوب:
— "عدّيتك دلوقتي عشان مقدّرة الإحباط… أو الصدمة اللي إنت فيها.
بس خليك متأكد:
لما أعوز أعمل حاجة، هعملها… ومش هخاف منك."
اقتربت بنظرتها أكثر، وأضافت بهدوءٍ أخطر من الصراخ:
— "ساعتها قدامك اختيارات… وهتبقى حر تختار اللي يريحك.
غير كده يا بيبي… مالكش عندي حاجة. أوكي؟"
كانت كلماتها سهامًا مغروسة في كبريائه.
قال من بين أسنانه، ونظراته تشتعل:
— "شكلنا هنتعب مع بعض أوي يا حبيبتي."
ابتسمت ابتسامة ناعمة… مسمومة:
— "بس أنا مش ناوية أتعبك يا غيث.
صدقني… كل حاجة هعملها، إنت اللي هتحددها بتصرّفاتك."
نهضت بتكاسلٍ متعمّد، خطواتها واثقة، أنوثتها مستعرَضة بلا خوف.
تثاءبت بتصنّع، وقالت ببرود لاذع:
— "أنا تعبانة… اليوم كان طويل.
تصبح على خير يا بيبي… أشوفك الصبح."
ثم أرسلت قبلة في الهواء، لا تحمل ودًّا، بل إعلان تمرّد صريح، واستدارت نحو الفراش.
ظل "غيث" جالسًا يحدّق في أثرها.
نار تغلي في صدره، ومشاعر متضاربة تمزّقه:
غيرة؟
رغبة؟
جرح كرامة؟
أدرك أن شغفه بها لم يكن بريئًا، لكنه الآن أمام اختبارٍ قاسٍ:
إن خضع… خسر نفسه.
وإن واجه… دخل حربًا لا يعرف نهايتها.
ألقى برأسه للخلف، وصورة "رائد" تومض في ذهنه، وصدى صوته يتردّد كجرس إنذار.
عضّ على شفتيه وهمس في داخله:
— "يا نيرفانا… إنتِ فتحتي باب… وأنا مش عارف هعرف أقفله إزاي"
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜
كان الليل قد تمدّد فوق الصحراء كستارٍ كثيف، يبتلع الطريق ويترك القمر وحيدًا، شاحبًا، كعينٍ تراقب ولا تتدخل. .
البيت لم يكن مخيفًا بقدر ما كان فارغًا. فراغ ثقيل، خانق، كأنه يحمل أنفاسًا قديمة لم تُدفن. الغبار يكسو كل شيء، والأثاث متروك كذكريات فقدت معناها.
قادهم إلى الغرفة الداخلية.
كانت أوسع، أثقل… وفي قلبها سرير قديم، تتدلّى من قوائمه سلاسل صدئة، لا توحي بعنفٍ مباشر بقدر ما توحي باحتجاز، بعزلة، بسرٍ مخفي.
توقفت يقين مكانها.
شعرت بأنفاسها تضيق، لا بسبب ما ترى… بل بسبب ما تفهمه.
تناثرت على الأرض بقايا أشياء:
وشاح نسائي، كتاب مدرسي، زجاجة ماء فارغة.
أشياء عادية… لكنها في غير موضعها.
نظرت إلى رائد، فارتجفت.
ملامحه كانت جامدة، لكن عينيه كانتا تغليان. لم يكن غضبًا أعمى… بل غضب رجل يعرف.
نادى بصوت منخفض، لكنه نافذ: — دياب .
ظهر الحارس فورًا.
— تحت أمرك يا باشا.
نظر إليه رائد طويلًا، ثم قال: — خليك برا. محدش يدخل… مهما حصل.
تردّد ذيان لحظة: — تمام.
خرج، وأُغلق الباب.
ساد صمت خانق.
تجمّد شامل.
قال رائد بهدوء أخطر من الصراخ: — كنت فاكر إن السكوت هينسيني؟
فاكر إن قربك من أختي هيغطي على اللي عملته؟
شهقت يقين: — عمل إيه؟!
رفع رائد يده،
تحالف مع غريمي ضد بنتي
تراجع شامل خطوة، صوته مبحوح: — أنا… أنا كنت بحاول أحميها.
ضحك رائد. ضحكة قصيرة، قاسية: — تحميها مني؟
ولا من الحقيقة؟
أخرج من جيبه شريحة ذاكرة، لكنه لم يلوّح بها طويلًا. كسرها بين أصابعه بهدوء. — مش محتاج دليل.
أنا محتاج اعتراف.
اقترب خطوة من شامل: — بنتي اختفت…
وإنت الوحيد اللي كان قريب.
واللي حصل بعدها… كان اختياراتك.
انهارت يقين، دموعها تنهمر: — شامل… قولي إن ده مش حقيقي
لم ينظر إليها.
أخرج رائد سلاحه، لم يرفعه، فقط تركه ظاهرًا: — الليلة دي…
يا الحقيقة تطلع،
يا كل اللي مستخبي يدفن نفسه هنا.
تردّد الصدى في الغرفة،
وكانت يقين أول من أدرك:
هذا ليس تهديدًا…
بل نهاية طريق.
قلب السلطة بقلمي 💜
اتسعت عينا "شامل" وانقبضت عضلات وجهه في محاولة يائسة لثباتٍ زائف، بينما كانت فوهة المسدس تلمع تحت الضوء الخافت كعين شيطان تترصد أنفاسه.
ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى شهقات "يقين" التي انهارت قواها، فتركت ذراع شقيقها وتهالكت على الأرض، تغطي وجهها بيديها وهي تمتم بكلمات غير مفهومة، كأنها تحاول استحضار واقع آخر غير هذا الجحيم.
دنا "رائد" من "شامل" خطوة واحدة، وصوته أصبح الآن فحيحاً مخيفاً: ــ "سكتّ ليه يا شامل؟ مش كنت عامل فيها "السبع" اللي كسر شوكة رائد بيه؟ مش كنت فاكر إنك لما تسلم بنتي لادم ، و تخليه يصورها وهي مذلولة، إنك كده لويت دراعي؟"
ارتجف صوت "شامل" أخيراً، وخرج أجشاً مكسوراً: ــ "أنا ما سلمتهاش يا رائد.. إنت عارف إن ادم هو اللي كان.."
قاطعه "رائد" بصرخة هزت جدران الغرفة: ــ "ادم كان الأداة.. لكن إنت كنت العقل! إنت اللي خططت، وإنت اللي بعتّ لي الصور في ظرف أسود
ثم ضغط "رائد" فوهة السلاح بقوة على جبهة "شامل"، حتى غاص المعدن البارد في جلده، وتابع بابتسامة مرعبة: ــ "تفتكر أنا جوزتها لغيث ليه؟ عشان بحبه؟ ولا عشان هو الوحيد اللي نيرفانا محتاجة حمايته عشان ترجع "نيرفانا" بتاعة زمان؟ علي فكرة أنا رميت مهاب حليفك لغيث زي القطعة لأسد جريح.. وهو هيقوم بالواجب."
ارتعدت "يقين" ورفعت رأسها بذهول، وهي تنظر لـ "رائد" كأنها تراه لأول مرة: ــ "إنت مجنون يا رائد؟ إنت بعت بنتك و هينكشف أمرها و غيث هينتقم منها و منك و هتتفصح
التفت إليها "رائد" بنظرة خاطفة، ثم عاد بتركيزه لـ "شامل": ــ "بنتي مش ضعيفة يا يقين.. بنتي "بنت رائد". أما شامل.. فده بقى حسابي أنا. عارف السلاسل دي يا شامل؟"
أشار رائد بعينه نحو القيود الحديدية المتدلية من السرير: ــ السلاسل دي وحشاها ريحة "صاحب فكرة الاعتداء علي بنتي "."
في تلك اللحظة، دخل دياب فجأة، وقال بصوت جامد: ــ "باشا.. غيث بعت رسالة. بيقول إن كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا."
لمعت عين "رائد" ببريق النصر، وخفف ضغط السلاح قليلاً عن جبهة شامل، لكنه لم يبعده. همس في أذنه ببرود لاذع: ــ "سمعت؟ غيث "اتفق" معايا..يخلص من مهاب و انت هتكون المتهم الاول و الاخير .. إنت فاهم إنك "هربت" مني. الكل بيلعب.. بس أنا الوحيد اللي عارف قواعد اللعبة."
ثم أشار لـ "دياب ": ــ "كتفه يا دياب.. وعلقه في السلاسل دي. مش عايز دمه يتوسخ بيه المكان دلوقتي. أنا عايز يقين تتفرج على "بطلها" وهو بيتذل علشان تحرم تخلي عليا حاجه تخص بنتي
اندفع "دياب" وحراسه نحو "شامل" الذي حاول المقاومة في يأس، لكن ضربة واحدة بمؤخرة السلاح على رأسه جعلته يترنح، ليسقط تحت أقدام "رائد".
وقف "رائد" شامخاً، ينظر إلى "يقين" المنهارة، وقال بهدوء مخيف: ــ "قومي يا يقين.. امسحي دموعك. السهرة لسه في أولها.. وإحنا لسه مصفّيناش حساب "ادم " اللي واقف برا ومستني يطمن إن شامل خلص المهمة!"
علي فكرة أنا عرفت أن آدم حمدى هو حازم اللي وصلتواةليا معلومة غلط أنه ابني بطريقه غير شرعيه و الله صعبانين عليا و انتم مفكرين نفسكم ناصحين و انا مغفل
قلب السلطة بقلمي 💜
بعد خمس أشهر، نفّذ رائد فخّه وقتل آدم حمدي عن طريق شامل، أبلغ الشرطة وتورط رائد نفسه ببعض الأمور، فحُكم عليه بالسجن 15 سنة، بينما أصدر حكم بالإعدام على شامل. أما غيث، فقد قتل شقيق ليلى مهاب وأخفى جثته.
انفرجت شفتاها بابتسامةٍ واهنة، شقّت طريقها بصعوبةٍ بين الإنهاك والألم، وخرج صوتها متقطّعًا، رقيقًا كأنّه يُستخرج من قاع بئرٍ سحيق:
— ماما!..
اهتزّ قلب نيفين قبل قدميها، فأسرعت نحو السرير بجزعٍ ولهفة، جثت إلى جوارها، ضمّت يدها المرتعشة بين كفّيها، وراحت تطبع عليها قبلاتٍ متلاحقة، كأنّها تحاول أن تُعيدها إلى الحياة بالحب وحده.
— حبيبة قلبي… ألف حمد لله على سلامتك يا روحي.
(تتنفّس بارتعاش)
قلبي كان هيقف من الخوف عليكي… الحمد لله إنك رجعتيلي.
ابتسمت ليلى ابتسامةً عريضة على غير عادتها، ابتسامة من يحاول أن يقنع نفسه قبل غيره أنّه انتصر أخيرًا.
لمعت عيناها ببريقٍ غريب، أقرب للهوس منه للفرح، وهمست بصوتٍ يقطر شغفًا:
— النهارده… أسعد يوم في حياتي.
(تبتلع ريقها)
أخيرًا ابني جه… العوض اللي كنت بستناه بقالي شهور.
ربنا كريم أوي يا ماما… ابني بقى ليا لوحدي.
توقّفت لحظة، كأنها تجمع شتات فكرة، ثم أضافت بنبرةٍ حاسمة، تحمل بقايا رعبٍ قديم:
— خلاص…
ماعادش في رائد الذهبي.
ماعادش في خطر.
محدّش يقدر ياخده مني.
الشيطان… اتسجن خلاص.
ارتعشت يد نيفين بين أصابع ابنتها.
تبادلت الكلمات في حلقها قبل أن تنطق، لكنها أومأت برأسها محاولة تثبيت ابتسامةٍ واهنة:
— أيوه يا بنتي… كرم ربنا كبير.
الحمد لله اللي خلّصك من كل اللي فات.
عمرك ما تشكّي في لطف ربنا.
رفعت ليلى يدها ببطء، مسحت دمعة لم تشعر بها، ثم أغمضت عينيها قليلًا، كأنها ترى شيئًا لا يراه غيرها، وهمست بتعبٍ عميق:
— ونِعم بالله… الحمد لله يا رب.
(تتنفّس بعمق)
بس… أنا نفسي أشوفه.
نفسي آخده في حضني.
لو سمحتي يا ماما… خلي اللي جابني هناة يدخل عليّا بيه
تجمّدت نيفين.
— هه…؟
تقصدّي مين يا ليلى؟
فتحت ليلى عينيها بدهشةٍ طفولية، عقدت حاجبيها ببراءةٍ مشوبة بالاستغراب:
— قصدي ابني و اخويا طبعًا.
غسّان…مهاب
ابني و .اخويا
خلي مهاب يجيبهولي.
عضّت نيفين شفتها السفلى بقوة، حتى كادت تنزف.
لم يعد الكذب ممكنًا… ولا الرحمة قادرة على تأجيل الحقيقة.ان مهاب ڨتل بوشاية من رائد
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜
“لو الفصل لمس قلبك، سيبلي رأيك في كومنت 🤍
تحبّي رائد؟ ولا شايفاه شيطان السلطة؟
شايفة نيرفانا ضحية؟ ولا لاعبة؟
وكمان..