
في عتمة عقل فقد الإحساس بالعالم، غاص في نومٍ عميق داخل هاوية مظلمة، مرت أيام وشهور وهو مقيد داخل عقله، ثبات قاتل حتى ظن من حوله أنه لن يعود.
استسلم الجسد عندما فقد معنى الحياة، أصبح كالشجرة الخاوية، من يراه يحسده على هيئته.
شاب في منتصف العقد الثالث، شعره البني الكثيف ينسدل على ملامح وجهه باستدارة، ينام كالطفل الذي لم يرى النور بحياته، لا صوت، لا حراك، وكأنه ينتظر موعد ولادته الجديدة، وما ستحمل له من مفاجأت.
إنه رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة شركة السيوفي للأدوية (فارس السيوفي).
ينام ممدد داخل الفراش بأحد غرف مستشفى من أعرق المستشفيات المصرية، وبجواره يقف الطبيب المسئول عن حالته بعد أن طلبته المشفى للمرة الرابعة على مدار خمسة أيام، مطالبينه بأن يحضر ويفحص حالته التي تنبأ بأنه على وشك الخروج من هذا الثبات.
ينظر الطبيب عز إلى جهاز قياس إشارات المخ، يبدو على وجهه السعادة والتعجب، لا يصدق أن المخ بدأ في إصدار إشارات مرة أخرى بعد ثبات دام لشهور دون أمل، في معجزة طبية جديدة لم يراها بعينيه من قبل، فهناك تضرر كبير بالمخ أثر سقوطه داخل منزله من الطابق العلوي إلى البهو، وظل ينزف لساعات حتى انتبه عامل الحديقة بأن لا وجود لأي أصوات داخل المنزل، وحين نُقل إلى المشفى كان يعاني من سكتة دماغية، وظن الأطباء أن لا أمل في شفاءه، ولكن أراد الله أن يعطيه فرصة بحياة جديدة.
تُرى... سيولد من جديد؟!
ظل عز يتابع الحالة باهتمام، وهناك أشخاص من عائلة فارس تنتظر بالخارج بتوتر، قد تأخر الطبيب بالفحص كثيرًا، ثم تحولت نظراتهم إلى الخوف عندما سمعو أصوات الأجهزة تعلو داخل الغرفة، وبدأت الممرضات تركض خارج الغرفة.
بعد قليل، خرج عز من الغرفة سعيدًا وقال: ديه معجزة، الدكتور فارس بدأ فعلًا يعطي إشارات من المخ للجسم، وأنا طلبت قسم المخ والأعصاب يجو يتابعو معايا المعجزة ديه، بس خلاص هو إن شاء الله هيفوق قريب جدًا.
كمال: يعني ابن أخويا هيرجع فعلًا؟!
عز: احتمال كبير اه.
كمال: الحمد لله، طيب ينفع ندخل نشوفه؟!
عز: مش دلوقتي، نشوف بس الحالة وعلى أساسها هنسمح بالزيارة.
جلال: لازم ابن خالي يفوق يلاقينا كلنا حواليه، إحنا عيلته ومش عايزينه يحس إنه بقى لوحده بعد كل المدة ديه كلها.
عز: إن شاء الله يفوق ويعرف إنتو عملتو إيه علشانه.
____________
أصوات تخترق مسامعه للحظات بين الحين والآخر، ثم يعود إلى ثباته، حتى رأى نور ينبعث أمام عينيه، وجه لا يرى ملامحه جيدًا ولكنها فتاة، ترتدي ثوب أبيض ناصع البياض، وجهها يعبق كحقل ورد في صباح يوم ربيعي مشمس، ابتسامتها تنير وجهها وينتشر نورها داخل عتمة ذلك العقل، تردد داخل عقله وهو ينظر إليها:"إنتي مين؟"
بدأت تركض من أمامه بخفة، كفراشة تحلق في ثنايا عقله وتنشر ألوان أجناحتها بداخله، تنير عتمة ذلك العقل ليرى الحياة زاهية من جديد.
اختفت من أمامه فبدأ يبحث عنها بكل مكان، يركض ويصيح بلا صوت، بدأ صدره يعلو ويهبط واخترق سمعه بعض الأصوات، هناك من يتحدث حوله، لا يعرف من هم.
ثم فتح عينيه ببطء، يحرك أهدابه سريعًا متألمًا من الضوء الذي اخترق حدقتيه، ثم سمع أحدهم يقول بسعادة.
ناهد: فارس، حمد الله على السلامة، فتح عينك بقى متقفلهاش تاني.
عقد حاجبيه، "فارس" هل تتحدث معي؟ هل هذا أنا؟
فتح عينيه ونظر حوله، وجد رجل في العقد الخامس من عمره، وشاب في العقد الثالث، ومن تحدثت إليه في عقدها الخامس أيضًا، وأمام الفراش تقف فتاة تنظر إليه بدموع الفرح، عينيها تبتسم والدموع تتلألأ داخلها.
أخفض عينيه وشرد بالفراغ، ثم اقترب أحدهم وفتح عينيه وسلط إضاءة بداخلها، يبدو وأنه الطبيب ويقوم بفحصه، نظر إليه فقال عز: حمد الله على السلامة يا دكتور.
نظر حوله تائهًا، لا يعرف من هم، بل لا يعرف من هو.
فنظر إليه وقال: مين دول؟ وأنا مين؟
عز: أيوة أنا متوقع كده برده.
ثم نظر إلى كمال وقال: زي ما قلت لحضرتك، المخ تضرر جدًا والجزء المسئول عن الذاكرة الداخلية هو أكتر جزء فيه مشكلة.
جلال: يعني بجد فقد الذاكرة؟
عز: إحنا قدام معجزة طبية، فكرة إنه يقوم ويفوق ويتكلم طبيعي ديه كفاية، بالنسبة للذاكرة فا هي محدش عارف هترجع ولا لأ، بس زي ما قلت لحضرتك المستشفى اتفقت مع دكتورة هتيجي وتتابع الحالة عشان تهيئه إن يقدر يتأقلم مع الوضع الجديد، أما الباقي فا عليكم إنتو زي ما قلت، لازم تفكروه بكل حاجة، تحكوله أي حاجة حصلت مهمة في حياته، فارس محتاجلكم بجد.
كمال: عينينا ليه، بس يقوم بالسلامة.
كان يسمع ما يقوله الطبيب ويحاول أن يستوعب حالته، حتى اقتربت منه تلك الفتاة الباكية وقالت: فارس إنت مش فاكرني، أنا نيرة، أكيد هتفتكرني، حتى لو مش فاكرني بعقلك قلبك هيفكرك بيا.
نظر إليها قليلًا ثم قال: إنتي مين؟!
نيرة: أنا خطيبتك، أنا استنيتك كتير أوي يا فارس، كنت هتجنن عليك، مش مصدقة إنك قدامي وبتكلمني دلوقتي، حمد الله على السلامة يا حبيبي.
شرد يتذكر وجه تلك الفتاة التي رأها بالحلم، لا يعلم لما يبحث عنها حوله، ثم نظر إلى نيرة، لا تبدو عليها نفس الهالة التي رأها بالحلم.
تنهد بضيق وقال: أنا مين؟ أنا ليه مش فاكر حد ولا فاهم حاجة! حد يقولي أنا مين وإيه اللي بيحصل فيا ده، وإيه اللي جابني هنا.
عز: إهدى يا دكتور، إحنا هنفهمك كل حاجة.
إنت جيت هنا من حوالي ٧ شهور، بعد ما الجنايني بتاع فيلة حضرتك لقاك واقع جوا، واضح إنك وقعت من الدور اللي فوق لتحت ودماغك للأسف نزلت على تمثال كان في نص الفيلا، طبعًا المخ اتضرر جدًا والذاكرة فيها خلل بسبب ده، وعيلة حضرتك دايمًا كانو جنبك ومستنينك، بس إحنا دلوقتي قدامنا تأهيل جسدي عشان الفترة اللي الجسم كان خامل فيها، وتأهيل نفسي عشان تقدر تعيش حياتك بصورة طبيعية من جديد.
ناهد: متخافش يا حبيبي إحنا كلنا معاك.
فارس: طيب إنتو مين؟
كمال: أنا عمك كمال السيوفي.
جلال: وأنا ابن عمتك ناهد، ديه.
ناهد: أيوة أنا عمتك.
كمال: وديه خطيبتك نيرة، بنتي.
نظر إليهم فارس ثم قال: وبابا وماما؟
كمال: الله يرحمهم، أخويا مات من سنتين، ومراته ماتت من وإنت ١٠ سنين، بس أنا زي أبوك بالظبط، اعتبرني هو، متخافش يا فارس كلنا معاك.
فارس بارتباك: طيب مليش إخوات؟
أومأت له نيرة بلا، فقال جلال: وأنا رحت فين يعني؟ طول عمرنا مع بعض زي الأخوات، ده إحنا متربيين سوا.
تنهد بهدوء وقال: الحمد لله إنك موجودين، بس إحكولي أكتر.
عز: طيب هستأذن أنا يا دكتور عشان أتابع مع الدكتورة النفسية، وكمان لازم أبلغ القسم إن حضرتك قمت بالسلامة.
عقد فارس حاجبيه وقال: ليه؟
عز: هو.... الصراحة لما الجنايني لقى حضرتك كان فيه... كان يعني فيه واحد مقتول جوا الفيلا.
فتح فارس عينيه مشدوهًا وقال: إيه؟ مقتول!
ناهد: إهدى يا فارس، مفيش حاجة، ده عم عبده، هو الراجل كان دايمًا موجود في الفيلا، حتى الخدم لما كانو بياخدو أجازة هو مكنش بيرضى يسيبك.
كمال: أبوك الله يرحمه كان موصيه عليك، واضح إن فيه حد دخل الفيلا، منعرفش حرامي ولا مين راح قتله وإنت وقعت.
فارس: طيب أنا مش فاكر حاجة، هقول للبوليس إيه لما يجي؟
عز: لازم يجيو ويتأكدو من الحالة، وهطلب الدكتورة النفسية كمان عشان نبدأ بالعلاج فورًا. حمد الله على السلامة يا دكتور.
ذهب عز، ونظر فارس إلى نيرة التي تجلس بجواره وتمسك بيده، ثم قال: هو أنا دكتور؟
نيرة: دكتور كيميائي، وعندك شركة تصنيع أدوية بتديرها بنفسك، كانت بتاعت عمي.
جلال: متقلقش الشركة تحت عيني، مستنية ترجع وتديرها بنفسك.
ظل يتحدث معهم، يسألهم عن نفسه وهم يجاوبون، يسمع ما يقال عنه وكأنهم يقصون عليه رواية عن شخص غريب، يتعرف على نفسه من خلالهم، يرى صورته في أعينهم، والأصعب أنه مجبر أن يصدقهم.
حاول أن يهدأ من هذا الشعور الذي يطبق على صدره، هم عائلته ومن المؤكد أنهم لن يضروه، يرى حبهم له، وجودهم بجواره وانتظارهم لعودته كانت كافية، يحاولون أن يهونو الصعاب عليه، يطمئنوه، وهذا كل ما يحتاجه الآن.
بعد قليل، دخلت الممرضة وهي تحمل بعض الأطعمة الخفيفة وطلبت منه أن يتناولها، جلست نيرة بجواره وأخذت تطعمه بهدوء، تنظر إليه بابتسامة هادئة بريئة، تعجب في نفسه؛ إذًا من تلك الفتاة التي رأها بالحلم؟!
______________
مر الوقت، وفارس لايزال يحاول أن يستوعب ما يحدث من حوله، ثم دخل الطبيب عز ومعه طبيب العلاج الطبيعي، وطلب من العائلة أن تخرج قليلًا كي يتم عمل فحص لأطراف الجسد، فغادرو الغرفة.
بعد دقائق، طرق أحدهم الباب وفتحت الممرضة، كان فارس يتابع مع الطبيب الذي يفحص جسده، ثم انتبه إلى تلك الفتاة التي تدخل من الباب، لتتجمد عينيه على ملامح وجهها، وقالت بابتسامة: دكتور عز، إزيك؟
هي! تلك الفتاة من الحلم، ذات الابتسامة، إنها هي دون شك، هل تعرفني؟!
كاد عز يتحدث ولكن قاطعه فارس قائلًا باندفاع: إنتي مين؟
نظرت إليه، واختفت تلك الابتسامة عن وجهها، ثم عقدت حاجبيها قليلًا، وقال عز: ديه الدكتورة النفسية يا دكتور، أنسة يارا عبد العزيز.
تطلعا ببعضهما البعض دون حديث، وشعور غريب يتخلل داخل صدره، لم يشعر به مع أحد حتى الآن، شعور بالألفة، كيف؟ ولماذا لم يشعر بهذا الشعور مع عائلته ونيرة؟!
يارا: أهلًا وسهلًا يا دكتور فارس.
فارس: أهلًا بيكي.
ثم تحدث الطبيب قائلًا: هنعمل جلسات علاج طبيعي عشان الجسم يستعيد نشاطه ويقدر يتحرك بشكل طبيعي من تاني.
كان يتحدث مع فارس الذي لم ينتبه لما يقول، هو فقط يتطلع بها بهدوء، يحاول أن يعرف سر ذلك الشعور، حتى ارتبكت من نظرته واقتربت من عز وقالت: إنت متأكد إنه فاقد الذاكرة؟
عز بتعجب: ليه بتقولي كده؟! طبعًا متأكد جدًا، ليه هو إنتي تعرفيه؟
فارس باندفاع: أيوه، إنتي تعرفيني ولا لأ؟!
عز: هو إنت فاكرها.
فارس: لأ، مش فاكر، بس حاسس كده إني أعرفها، إحنا نعرف بعض صح؟
عقدت يارا حاجبيها وقالت: شفتك قبل كده.
فارس: بجد! بس غريب يعني إني أحس إني أعرفك ومحسش كده مع عيلتي.
عز: مش مفهوم بس ديه حاجة كويسة جدًا، يعني بداية أمل.
فارس: هو إنت متأكد إنهم عيلتي صح؟
عز: أيوة طبعًا، كلكم من عيلة السيوفي، البطاقات مع المستشفى وبعدين هما متابعين حالتك من أول يوم جيت هنا، لو مش عيلتك هيعملو كده ليه؟
تنهد فارس بحزن وقال: أنا مش فاهم حاجة بجد.
نظرت له يارا قليلًا ثم قالت: لأ فاقد الذاكرة فعلًا.
عز: ليه؟
يارا: عشان ديه مش تصرفات فارس السيوفي، هيئته مختلفة، حتى نبرة صوته مختلفة. تمامًا.
فارس: إزاى يعني؟
يارا: الثقة والغرور اللي كانو عند فارس السيوفي قبل الحادثة مش موجودين خالص، بالعكس باين عليك خايف ومتوتر.
فارس: أكيد من اللي بيحصل معايا.
يارا: مش مطلوب منك تبرر مشاعرك، مشاعرك ملكك ومحدش هيناقشك فيها.
ثم نظرت نحو عز وقالت: ممكن نتكلم أنا وهو لوحدنا شوية؟
عز: اه طبعًا.
خرج مع الطبيب، وترك يارا بالغرفة معه وحدها، حملت كرسي ووضعته بجانب الفراش، ثم أخرجت مسجل صغير وقامت بتشغيله وجلست بشموخ على الكرسي وقالت: قولي بقى يا دكتور فارس، فاكر إيه من حياتك بالظبط؟
فارس: هو إحنا شوفنا بعض فين؟ وإيه اللي حصل لما شوفنا بعض قبل كده؟
يارا: مفتكرش إن اللي حصل بينا زمان هيفيد في علاجك، ده موقف يعني وعدى وخلص، فا ممكن نركز على حالتك دلوقتي عشان أكتب تقرير بالحالة.
فارس: حتى لو موقف صغير ومكنش هيفرق زمان فهو حاليًا فارق معايا، الإحساس اللي جوايا ده محستوش مع حد، مش حاسس إني عارف حد من الواقفين جنبي والمفروض إنهم عيلتي، لكن إنتي مش من دمي زي ما بيقولو بس حاسس إني أعرفك.
يارا: ده طبيعي في حالتك إنك تبقى مش قادر ترتاح مع حد في الأول، وطبعًا ده بسبب أنك حاسس بغربة وسط عيلتك.
فارس: وطبيعي أحس كده مع واحدة شفتها مرة واحدة!
يارا: لا مش ده المقصود، بص عامة إنت حالتك صعبة شوية، فا عشان الموضوع ميبقاش صعب عليك خلي قلبك يدلك على الطريق الصح، قلبك فاكر مين اللي كان بيحبه ومين لا.
تطلع إليها بصمت، وماذا عن هذا الحلم؟ أيعقل أن أتذكرك أنتِ دون الجميع وتخترقي أحلامي وتكوني أول وجه أراه قبل أن أفتح عيني؟ والآن تخبريني أن قلبي هو من يتذكرك، فكيف هذا وما كان بيننا هو مجرد لقاء واحد؟
فارس: طيب ممكن تحكيلي اللي حصل بينا زمان؟
يارا: ممكن بس مش قبل ما تجاوبني الأول.
فارس: معلش يا دكتورة استحمليني شوية.
يارا: مصلحة العلاج أهم دلوقتي.
فارس: طيب سؤال تاني، إنتي كنتي بتضحك وبعدين لما بصيتيلي الضحكة اختفت؛ هو أنا ضايقتك قبل كده؟
تنهدت يارا وقالت: مش أوي يعني.
فارس: طيب بما إني بعرف كل حاجة عني من الناس فا حابب أسألك سؤال تاني، أنا كنت شخص كويس ولا لأ؟
تنهدت يارا وقالت: من اللي شفته منك فا... لأ، بس ممكن يكون الموقف الوحيد اللي حصل بينا ده هو السبب في إني أخد انطباع عنك كده، فا عشان كده بقولك اسأل عن شخصيتك في اللي قريب منك على طول، عيلتك هما أنسب ناس.
فارس بضيق: مش حاسس بيهم، مش حاسس إني عارفهم، أنا جوايا إحساس بالوحدة بجد مش قادر استحمله.
يارا: حبايبك لازم يبقو جنبك الفترة ديه، حد إنت قادر تتأقلم معاه وتثق فيه عشان الوقت ده في العلاج محتاج تبني جدار ثقة مع حد من غير خوف.
ظل ينظر إليها بشرود، الغريب أنه لم يشعر بذلك سوى معاها هي.
كاد يتحدث ولكن قاطع حديثه طرقات على الباب، ثم دخل الضابط ومعه بعض العساكر ووقف أمام فارس وقال بحزم: فارس السيوفي! أخيرًا فقت، بقالي شهور مستنيك على نار.
وقفت يارا وقالت: هو مش فاكر حاجة عشان تستجوبه يا حضرة الظابط.
الضابط عوني: بس الأدلة اللي عندي كفيلة تخليني أحبسه، وبعدين نبقى نشوف موضوع الذاكرة ده.
فارس: تحبسني! ليه أنا عملت إيه؟
عوني: فيه جريمة قتل حصلت جوا بيتك، مفيش حد كان موجود مع القتيل غيرك إنت، مسدس الجريمة كان جوا الفيلا ومن غير بصمات، مفيش أي حاجة بتدل إن فيه حد دخل جوا الفيلا أو خرج منها، وكل ده معناه حاجة واحدة بس، إنت اللي قتلته.
اندفع أحدهم داخل الغرفة، رجل طويل القامة قوي البنية، كان يلهث وكأنه جاء يركض من مكان بعيد، نظر إلى عوني وقال: فارس باشا استحالة يكون قتل عم عبده، وأنا قلت لحضرتك كده في التحقيق، ولسه حضرتك مصر إن هو اللي قتل.
زفر عوني وقال: أنا ليا بالأدلة اللي عندي.
صدع صوت كمال من خلفه وقال بحزم: وفارس غير كامل الأهلية حاليًا عشان يتحاسب على أي حاجة عملها، حتى مش هيقدر يشهد باللي حصل أو يدفع التهمة عنه، أظن حضرتك عارف إن قانونًا متقدرش تسجنه أو توجهله اتهامات وهو في الوضع ده، ولو أصريت على توجيه التهم ليه وتسويء سمعته هنتخذ إجراءات قانونية ضدك، فارس من أكبر المستثمرين ودكتور محترم ومعروف في الوسط الإقتصادي.
صاح فارس عاليًا وقال: اسكتو كلكو، لو سمحت يا حضرة الظابط ركز معايا أنا، هو... أنا فعلًا قتلت؟
نظر له عوني بتعجب، كيف تغير هكذا؟
أجابه ذلك الرجل الذي اقتحم الغرفة وقال: لأ... إنت مقتلتش حد، عم عبده كان من أقرب الناس ليك، واللي أنا متأكد منه إنه كان بيحميك ومات بدالك، والدليل إنك وقعت بالشكل ده من فوق، وأكيد موقعتش لوحدك.
نظر له فارس وشعر بالارتياح من حديثه، ثم تأمله للحظات وقال: إنت مين؟
تنهد بحزن وقال: أنا البودي جارد بتاعك، اسمي سعد، حمد الله على السلامة يا باشا.
فارس: إنت شغال معايا من إمتى؟
سعد: مش كتير، بس خيرك مغرقني، ياريتني ممشتش من البيت يومها.
فارس: وكان عندي بودي جارد قبلك؟
سعد: لأ، حضرتك عينتني قبل الحادثة بأسبوعين بس.
فارس: هو أنا كنت بتهدد من حد يا عمي قبل الحادثة؟
تنهد كمال وقال: أكبر منافس ليك في السوق هو سيف الدهشان، ولما حسيت بالخطر منه عينت بودي جارد.
فارس: تفتكر هو اللي ورا الحادثة.
يارا: سيف الدهشان سمعته في السوق زي الجنيه الدهب.
عوني: بالظبط، عشان كده مفيش تهمة إتوجهت ليه في القضية ديه.
فارس بحزن: وأنا سمعتي وحشة للدرجة ديه! إني ابقى مجني عليه جوا بيتي وتتهمني بجريمة قتل؟!
نظرو إلى بعضهم البعض بصمت، فنظر فارس أمامه بشرود، وقال بحزن: أنا تحت أمرك يا حضرة الظابط، لو شايف إني فعلًا قتلت وعايز تسجني أنا مش همنعك، ولا ههددك بحاجة أبدًا، لو متأكد إني عملت جريمة زي ديه يبقى لازم أدفع تمنها.
تردد ذات السؤال بداخل عقولهم جميعًا... من هذا؟!
كيف تغير بهذا الشكل الملحوظ؟
أما هو، فكان يشعر بالهزيمة، جميع من حوله يرونه سيئًا، ماذا فعل كي يرى كل هذه النظرات التي تتهمه بأبشع التهم؟ من أنا... خير أم شر؟!
يتبع...
الفصل الثاني من هنا