
في البيوت الفقيرة لا تُخفى الأسرار خلف الجدران، بل تتكدس فوق الطاولات القديمة وتُشرب مع أكواب الشاي الباردة.
هناك... حيث الوجوه البسيطة تخفي أطماعًا أكبر من حجم المكان، كانت تُحاك خيوط الخداع بصمت مخيف، بينما رجل في مكان آخر يفتش عن نفسه بين أنياب الماضي، يلملم بقايا روح عذبتها الذنوب والمعاصي، وضمير استيقظ بعد أعوام من العمر ليعود محاسبًا بقوة.
أصبح النوم رفاهية لا يملكها، هل هو قاتل أم مجني عليه؟ هل الشر كان مصاحبًا لاسمه؟ هل فعل من أخطاء ليصل أحدهم لمحاولة قتله؟
ظل يترنح بين أفكار لا تنبأ بالخير، حتى أعطته الممرضة بعد العقاقير الطبية ونام على أثرها.
________
أما يارا، فكانت تجلس بالفراش، تحتضن جسدها بقوة كي يهدأ من رعشته التي تخللت أوصالها حين تذكرت ما حدث بالماضي، لاتزال تتذكر ما حدث بالتفصيل، نظراته التي اعتدت على جميع أنحاء جسدها، لمسته التي جعلتها تشعر بالإشمئزاز من نفسها، حرارة جسده التي شعرت بها وهو يقترب منها عنوة.
أغمضت عينيها تحارب ذلك الشعور بقوة، بعد أن حاولت التعافي من الأمر لشهور، تفاجأت اليوم بأنه يجلس أمامها، استطاعت بقدرتها على التحكم في مشاعرها بحكم عملها أن تدفن تلك الذكرى بداخلها وتتعامل معه بطريقة مهنية، وما جعلها توافق على متابعة تلك الحالة هو ذلك التحول الذي حدث بشخصيته، نظرته لم تعد كما كانت، بل أصبح إنسانًا جديدًا، وحين لمست إحتياجه لها لم تتردد للحظة في علاجه.
قاطع أفكارها دخول أمها منال الغرفة، اعتدلت يارا في جلستها وابتسمت لها وقالت: تعالي يا ست الكل أقعدي.
جلست منال أمامها وهي تتنفس بصعوبة، ثم قالت: من ساعة ما جيتي وإنتي قاعدة لوحدك، خير يا حبيبتي فيه حاجة مزعلاكي؟
يارا: يعني حاجة حصلت في الشغل كده مضيقاني شوية.
منال: خير، قوليلي فيه إيه.
تحمحمت يارا وقالت: فاكرة... الراجل ده اللي رحت عنده الفيلا وحاول يعني يتهجم عليا؟
منال بضيق: اه، اسمه... فارس صح؟ وإيه اللي فكرك بالسيرة ديه تاني؟
يارا: النهاردة طلبني دكتور عز عشان حالة في المستشفى عنده، وفجأة لقيته هو المريض، حالته غريبة جدًا، فقدان ذاكرة كلي ومفيش أمل ترجعله تاني.
منال: يا ستار يارب، وده حصل إزاي؟
يارا: وقع من ارتفاع ونزل على تمثال حديد، عمل عمليات في المخ والجمجمة كانت مكسورة، بقاله ٧ شهور في غيبوبة، لدرجة الناس كانت بتتعامل معاه على ميت، وفجأة رجع تاني.
منال بصدمة: إوعي تقوليلي إنك هتعالجيه! هو اه مش فاكر حاجة بس واحد زي ده ميستاهلش المساعدة.
يارا: مش هكدب عليكي، الأول مكنتش هقبل الحالة، بس لقيت قدامي حد تاني خالص، اتغير تمامًا، حتى نظرته اختلفت.
هو فعلًا اللي بيفقد الذاكرة بينسى الحاجات اللي غيرت طبيعته ووصلته إنه يبقى زي فارس كده، بس ده حتى نظراته العادية بقت حاجة تانية، كأنه طفل مولود جديد في جسم راجل كبير، فاهم وعاقل بس روحه لسه طاهرة.
منال: بس ممكن يرجع تاني لطباعه القديمة.
يارا: ممكن لو اتعرض لنفس العوامل اللي غيرته.
منال: يبقى علاجه مش أمان، بلاش يا بنتي.
تنهدت يارا وقالت: مش عارفة يا ماما، بس متعودتش أشوف حد محتاجني وأرفض مساعدته، بصي أنا همشي في علاجه ولو حسيت إن الموضوع خطر عليا هبعد.
منال: مش هقدر أقولك متعالجيهوش عشان ده واجبك ولازم تعمليه، وأنا واثقة إنك هتقدرى تحمي نفسك، ووقت ما تحسي إن هو وجع لعاداته القديمة سيبيه.
أومأت لها بالإيجاب، ثم ابتسمت وقالت: خدتي دوا يا منولة ولا لأ؟
منال: خدته يا عين منولة.
يارا: بعد بكرة هنروح المستشفى عشان نعمل الكشف الدوري.
منال: ما خلاص بقى يا يارا، أنا بقيت كويسة.
يارا: معلش يا حبيبتي، هي أشعة صغننة بس نطمن إن مفيش أورام في الجسم، ساعة واحدة ونمشي، وأنا حجزتلك النهاردة مع دكتور منير وهو هيخلص الكشف على طول.
منال: أنا بس زهقت، وما صدقت خلصت من المرض ده، إنتي تعبتي معايا أوي يا بنتي وصرفتي كتير أوي في العلاج والعملية والكيماوي.
يارا: أنا ولا تعبانة ولا فارق معايا الفلوس، هو أنا ليا غيرك يا ست الكل.
منال: ربنا يراضيكي يا حبيبتي يبعتلك ابن الحلال اللي يسعد قلبك.
____________
كانت نيرة تجلس بفراشها، تتطلع بهاتفها وهي تنظر إلى صورة يونس، الخجل يمنعها من الحديث معه ولكن اشتياقها له أجبرها أن ترسل له رسالة محملة بالندم:"أنا بحبك أوي يا يونس."
وصلت الرسالة إلى هاتف يونس الذي تطلع إلى محتواها بابتسامة، ثم أرسل لها:"وأنا كمان يا قلبي."
لاحظت أخته أميرة ابتسامته، فقالت مداعبة له: يا عيني على الحب، لامور يا ناس.
يونس: بس يا بت.
ضحكت أميرة وقالت: بس بصراحة معاك حق، نيرة حلوة وشاطرة، وذكية كمان جدًا، أنا كمان بحبها، كان نفسي تيجي تعيش معانا، بس يلا بقى حقها تتدلع.
يونس: على فكرة هي مش رافضة إنها تعيش هنا معانا، كل ده من عمي كمال.
دخلت سهير وهي تحمل أكواب العصير بيدها، ثم قالت وهي تقدم العصير لهما: لولا بس البت نيرة ديه عسولة وتدخل القلب أنا مكنتش وافقت تناسب اللي اسمه كمال ده، ده راجل طماع دايمًا بيبص للي في إيد غيره، ده حتى أخوه عزام أبو فارس كان بيعامله أسوء معاملة بعد ما ربنا فتح عليه.
يونس: إنتي تعرفيهم من زمان يا ماما، متعرفيش أخوه عزام بقى في العز ده إزاي؟
سهير: هو كمل دراسته، مكنش لعبي زي أخواته، وبعد لما إتخرج عرفت إن إشتغل في شركة كبيرة أوي، وإتجوز بنت صاحب الشركة، ونقلته بقى حتة تانية زي ما أنت شايف كده.
كان الأول بيجي ويودهم بس بعد ما مات أبوه وأمه مبقاش يجي هنا، وكذا مرة كمال كان بيقول على القهوة قدام أبوك الله يرحمه إنه مش بيعبرهم.
أميرة: بما إن عمي كمال عينه دايمًا على الفلوس فهو أكيد طمع في فلوس أخوه، عشان كده بعد عنهم.
يونس: تغور الفلوس، أهو مات وسابها وابنه بقى ميت على القرش وطبعه صعب بسببه، وفي الآخر مرمي في المستشفى بقاله شهور ومحدش وقف جنبه غير عيلته، لو كل واحد يبص للدنيا ديه صح مكنش فكر لا في فلوس ولا في جاه، البني آدم سيرة واللي بيفضل منه مع سيرته الطيبة هو عياله اللي يدعوله في الدنيا بعد ما يموت، لكن لا فلوس ولا جاه ولا عربيات ولا بيوت هي اللي بتنفع.
سهير: ومين يا ابني يفهم الدنيا ديه غير اللي عارف ربنا كويس.
________
مر الليل، وسطعت شمس النهار تبعث أمل جديد في قلوب فقدت هويتها، تتحرك مقلتيه خلف أهدابه المغلقة ليرى ذات الحلم يتكرر... هي، يارا التي تظهر كالملاك البريء تطوف داخل عقله، تلامس قلبه بشعور رقيق، يشعر بسعادة لا مثيل لها وهو يركض خلفها، ولكن حين اختفت انتفض مستيقظًا، وجد سعد ينام بجواره على الكرسي، بدأ يتنفس براحة، ورغبته في معرفة سر لقاءهما الذي تخفيه يارا عنه تزداد.
__________
أما نيرة فاستيقظت بعد حرب من الأحلام التي أرقت نومها طوال الليل، فكان بداية يومها شاقة للغاية، خرجت من غرفتها فوجدت جلال يجلس مع كمال بالخارج، فقالت: صباح الخير.
جلال: مالك يا بنتي عاملة كده ليه؟
نيرة: منمتش كويس بس.
جلال: كنت لسه بقول لعمي يدخل يصحيكي عشان نروح الشركة سوا زي ما اتفقنا.
نيرة: اه صح، ده نسيت أقول ليونس.
كمال بضيق: يادي السيرة الهباب على الصبح.
نيرة بحدة: بابا أنا مصدعة ومش طايقة نفسي، لو سمحت بلاش الطريقة ديه.
وكزه جلال وقال: خلاص بقى يا خالي مش وقته.
كمال بحدة: يعني تاخد إذنه هو وهي لسه في بيتي، هو مش جوزها لسه.
تحركت نيرة من أمامه وهي تقول بضيق: يووووه.
وقف كمال وقال بحدة: مش عاجبك يا بنت نعوم! ماشي، متزعليش بقى من اللي هعمله.
وقف جلال وأمسك بيده وقال: بس بقى يا عمي، بنتك لو عندت معاك هنخسر كلنا، اسكت بقى وسيبها تخلص مهمتها، وبعدين يا سيدي نبقى نطفش يونس زي ما أنت عايز.
كمال: أقعد إنت هديني كده لحد ما ألاقيها متجوزاه، وبعدين هي ديه هتعرف تعمل حاجة! ديه خايبة.
جلال: كل اللي مطلوب منها تكسب ثقة فارس وتاخد إمضته على التوكيل العام، وساعتها هنخلص كل حاجة.
زفر كمال وجلس مجددًا وقال: أما نشوف.
أما نيرة فعادت إلى غرفتها واتصلت بيونس الذي كان يهم بالخروج من المنزل، فتلقى المكالمة وقال بابتسامة: أحلى صباح في الدنيا يا نوارة قلبي.
ثم نزل الدرج وهو يتحدث معاها، فرأى سماح تقف أمام باب منزلها تكنس التراب أمامه، وحين سمعت حديثه معها ورأت ابتسامته نظرت إليه بحزن، ثم أبعدت عينيها عنه حتى لا يرى تلك العبارات التي تجمعت داخل مقلتيها.
أما يونس فأخفض صوته قليلًا حين رأها، وسمع نيرة تقول: معلش يا حبيبي، إمبارح كنت تعبانة أوي مقدرتش أكلمك، وكان حصل حاجة كده عايزة أقولك عليها.
خرج يونس من المنزل وقال: قولي حبيبي.
نيرة: لما كنا في المستشفى إمبارح فارس طلب مننا أنا وجلال نتابع الشغل لحد ما هو يعني يرجع للشركة، لأن لسه عنده علاج طبيعي وتأهيل نفسي، بصراحة يا يونس مقدرتش أرفض، حالته صعبة وتايه خالص، فا قلت أقولك قبل ما أروح النهاردة.
يونس: بس ديه شركة أدوية، هتشتغلي إيه هناك؟
نيرة: في الحسابات، وجلال ماسك الإدارة مكانه، هو طلب مني أساعده لأنه مش بيفهم في الحسابات وخايف يكون الموظفين بيسرقو من الشركة.
تنهد يونس وقال: طيب. مقدرش أقولك لأ، روحي.
نيرة: لأ متضايق، خلاص مش هروح.
يونس: لأ روحي، أنا مش متضايق، هو قريبك ومحتاجلك برده، بس مؤقت لحد ما يرجع لشركته، وإن شاء الله ترجعي تقعدي في البيت تاني، أنا مش بحب الست تخرج وتغيب عن عيني طول اليوم، وبتضايق لما مش ببقى معاكي وبخاف حد يضايقك.
نيرة بابتسامة: متخافش عليا يا حبيبي، نيرة بمية راجل.
ابتسم يونس وقال: أحلى نوارة.
انهت نيرة المكالمة وبدلت ثيابها إستعدادًا للذهاب.
______________
بعد قليل، دخل الطبيب ومعه بعض الممرضات، ثم ساعدو فارس على الجلوس على كرسي متحرك، وذهب معهم لعمل تمارين للعلاج الطبيعي.
بعد حوالي ساعة، عاد فارس إلى غرفته مرهقًا، وجد سعد ينتظره فوقف أمامه وقال: صباح الخير يا باشا، قلقت عليك لما ملقتكش في السرير بس الممرضة قالتلي إنك في العلاج الطبيعي.
فارس بألم: ساعدني يا سعد مش قادر أقف.
تقدم منه وسانده حتى عاد إلى الفراش واستلقى عليه وهو يغمض عينيه.
ثم قالت الممرضة: ثواني ووجبة الفطار هتيجي ومعاها مسكن.
أومأ لها فارس وغادرت الغرفة، بعد وقت عادت وهي تحمل الطعام وشرع فارس بالأكل، ثم قال سعد: هروح أنا أفطر يا باشا وارجع تاني، مش محتاج حاجة مني؟
فارس: اه، لو تعرف تروح البيت تجيب هدوم ليا بس.
سعد: عيوني يا باشا.
فارس: هي عيلتي فين؟
سعد: لسه بدري على الزيارة، على العموم مش هتأخر لأن البيت مش بعيد.
أومأ له فارس بالإيجاب ثم غادر سعد.
بعد وقت، دخلت يارا الغرفة مبتسمة وقالت: صباح الخير يا فارس.
نظر إليها وهو يرى ابتسامتها التي تنير أحلامه، فابتسم رغمًا عنه وقال: صباح النور.
جلست يارا بجواره وقالت: شكلنا أحسن النهاردة.
فارس: لأ خالص، أنا نمت بصعوبة إمبارح جدًا، سعد قالي حاجة خلتني متلغبط زيادة.
يارا: إيه هي يا ترى؟
فارس: شاكك إن أنا اللي كنت مقصود بالقتل، وإن عم عبده إتقتل مكاني.
يارا: اممممم. منطقي، يعني اللي هيدخل البيت هيبقى يقصد صاحبه مش اللي شغال فيه.
فارس بضيق: هو أنا كنت بعمل إيه زمان عشان الناس تبقى خايفة مني كده وحد عايز يقتلني، ده حتى إنتي مش عايزة تقوليلي أنا قابلتك فين قبل كده، زي ما يكون مصيبة جديدة ومشفقة عليا إني أعرفها دلوقتي.
تنهدت يارا وقالت: ديه حقيقة، لقيت وضعك إمبارح مش كويس فا مردتش أقولك.
فارس: بس أنا عايز أعرف، هو.... إحنا كان بينا حاجة؟!
عقدت يارا حاجبيها وقالت: حاجة زي إيه؟
فارس: بصي أنا مش هكدب عليكي، أنا حلمت بيكي إمبارح قبل ما أفوق، وحلمت بيكي تاني النهاردة، وحاسس براحة معاكي جدًا، فا شكيت إن كان بينا حاجة يعني عاطفية.
يارا: لأ خالص، المرة اللي قابلتك فيها كانت بصفتي دكتورة برده، بس مكنتش بعالجك.
الحقيقة كنت جاية بخصوص مريضة كانت عندي، حالتها كانت صعبة وحلها كان في إيدك، بس إنت رفضت تساعدها.
فارس بدهشة: رفضت ليه!
يارا: قولتلي ساعتها ميشرفنيش أتجوز واحدة زيها سلمتني نفسها بورقة عرفي، ولما طلقتها جاية تقول إكتب عليا عشان أهلي هيجوزوني، ببساطة البنت كانت هتتفضح وإنت رفضت تكتب عليها.
نظر فارس إلى الفراغ، لم يبدي أي رد فعل، كان الذي بداخله معقد للغاية، لا يعرف أيحزن على أفعاله أم يلعن ذاته!
كانت يارا تراقب تعابير وجهه بصمت، وتدون ملاحظتها.
________
وصل جلال ونيرة إلى الشركة، وبعد أن استلمت نيرة عملها كنائب مدير الحسابات، ذهب جلال إلى غرفة مكتبه كمدير عام للشركة، لفت انتباهه وجه المساعدة التي كانت تقف متأهبة أمامه، تنظر إليه بتوتر ولم تتحدث.
حين دخل الغرفة، رجد رجل يجلس على مكتبه، يرتدي ثياب فاخرة وبيده أفخم سيجار، ينفث دخانها بالهواء بكل ثقة، ويقف بجواره رجلين يتميزان ببنية قوية وطول القامة، يبعثا الرعب داخل قلب من يقف أمامهما.
نظر لهم جلال متعجبًا، تأهب من هيئتهم ومن دخولهم إلى غرفته بهذه الطريقة، فحاول إخراج صوته وقال بصوت مرتعش: إنتو مين؟
تحدث بصوت أجش، وقال عدنان: عرفت إن فارس السيوفي فاق، فجيت أقولك تبلغه إن إتفقنا زي ما هو، وتفكره كويس إن عدنان الخولي مش بيلغي أتفاق غير بالدم، ولما يخرج من المستشفى خليه يكلمني، وده الكارت بتاعي.
بلع جلال ريقه بصعوبة، وتجمد جسده وهو يمر بجواره، وعلم أن عودة فارس ستكون بمثابة إعلان حرب لن يخرج منها أحد معافى.
يتبع....
الفصل الرابع من هنا