
رواية استثنائية في دائرة الرفض الفصل التاسع عشر 19 ج 2 بقلم بتول عبدالرحمن
تيم كان لسه هيوقع بس قبل ما يوقع يونس شد الورق من إيده بعنف
"مش هيحصل."
في ثانية تيم حس إن عقله انفجر، بص ليونس بنظرة مرعبة وقال من بين سنانه
"هات الورق."
يونس رد بعند
"انسى"
وبكل بساطة قطع الورق كذا مره، في اللحظة دي تيم حسن أنه هينفجر، أحمد وقف يتفرج بهدوء وقال ببرود مستفز
"شكل اخوك مش عايزك ترتاح."
تيم وقف بالعافية، بالرغم من أن رجله مش ثابتة بس غضبه خلاه يتحرك، قرب من يونس بسرعة ومسكه من هدومه جامد
"انت مالك؟! انت غبي؟!"
يونس زقه وقال
"انت اللي غبي! اللي بيحصل ده مينفعش! ولما تفوق هتضرب نفسك بميت جزمة"
كلامه فجر آخر ذرة سيطرة عند تيم، ضرب يونس بغيظ وعنف وهو بيصرخ
"ملكش دعوة بيا!"
يونس اتصدم من الضربة بس قبل ما يرد أحمد قال وهو بيرجع لورا
"شكلكوا بتصفوا حسابات، اسيبكوا تتصافوا."
تيم ساب يونس فورًا ولف لأحمد، مسكه بعنف من جاكيته
"فين الحقنة؟!"
أحمد بصله بهدوء مستمتع بالمشهد
"بعد اللي اخوك عمله؟ انسى."
تيم زقه بعنف خبطه في العربية وهو بيصرخ "الحقنة!"
أحمد بص في عينه ثواني، شاف الانهيار الكامل اللي كان مستنيه من البداية، ابتسم ابتسامة صغيرة، كفاية أنه وصله للحالة اللي عايز يشوفه بيها، قال "المرادي هديهالك، بس بكره كل حاجة بحساب."
طلع الحقنة من جيبه، مجرد ما تيم شافها حس بفرحة ضخمة ضربت جسمه كله، فرحة مهينة، تقيلة على قلبه، بس مش هيقدر يرفضها، نتشها من إيد أحمد بسرعة وكأنها أغلى حاجة في الدنيا ومن غير أي تفكير غرسها بعنف وسحبها، ثواني والراحة بدأت تزحف لجسمه بالتدريج.
أنفاسه هديت.....
الرعشة خفت.....
الوجع اختفى كأنه مكانش موجود أصلًا....
تيم رجع قعد على الأرض جنب العربية، راسه مالت لورا وغمض عينه، ملامحه ارتخت بالكامل، ده الوضع المفضل ليه اخر يومين، احمد انسحب وابتسامة سمجة على وشه.
أما يونس فكان واقف مكانه، باصصله بصدمة حقيقية، لأول مرة يشوف أخوه بالشكل ده، مكسور، مهزوم، ومستعد يبيع نفسه مقابل حقنة.
يونس قرب منه ببطء، ولسه آثر الضربه على وشه، بصله بعدم استيعاب وقال بصوت مخنوق
"إنت، إنت كنت هتبيع الشركة علشان حقنة؟!"
تيم مفتحش عينه حتى، كان سايب جسمه يغرق في الإحساس اللي رجعله توازنه مؤقتًا.
يونس ضحك بصدمة وهو بيحط إيده على دماغه "يا نهار اسود، ده انت واقع للآخر فعلًا."
تيم فتح عينه ببطء، بصله بنظرة تقيلة وقال ببرود مرعب
"قولتلك متتدخلش."
يونس انفجر
"وأسيبك تمضي على ربع الشركة؟! انت واعي لنفسك؟! واعي كنت بتعمل ايه؟!"
تيم رد وهو مغمض عينيه تاني
" كنت واعي لوجع جسمي وروحي بس"
يونس وقف قدامه وقال بعصبية
"ده مش وجع يا تيم، دي مصيبة! انت بقيت عبد للحاجة دي!"
تيم فتح عينه فورًا وبصله بحدة، بس للأسف استهلك كل طاقته انهارده ومعندوش حيل حتى للكلام، حاول يقوم، وقف بالعافية وسند على العربية.
يونس كان بيبصله بقهر حقيقي
"أنا عمري ما تخيلتك كده."
تيم ضحك ضحكة قصيرة باهتة كلها سخرية من نفسه
"وأنا كمان."
سكتوا ثواني، يونس بصله وقال ببطء
"من امتى؟"
تيم مردش، يونس قرب أكتر
"من امتى وانت واقع في الخرا ده؟"
تيم لف وشه الناحية التانية وقال
"مش مهم."
يونس شد على شعره بعصبية
"لا مهم! مهم علشان أفهم أخويا راح فين! مهم علشان اللي شوفته النهارده ده مش تيم اللي أعرفه."
تيم أخيرًا بصله، وعينيه لأول مرة كان فيهم حاجة شبه الانكسار وقال بهدوء مرعب
"تيم اللي تعرفه لو مكنش خد الحقنة دي من شوية كان زمانه بيصرخ دلوقتي زي الحيوان قدامك."
يونس سكت، تيم كمل وهو بيبص قدامه
"انت مجربتش اللي انا فيه ."
افتكر للحظة الوجع، تكسير عضمه، النار اللي تحت جلده، رجفة إيده، الإحساس إنه بيتخنق، مجرد أنه افتكر خلى ملامحه تتشد، قال بصوت أوطى
"لما بتبدأ بتبقى مستعد تعمل أي حاجة علشان توقف، مش انا اللي هقولك يعني"
يونس قلبه وجعه عليه رغم غضبه وقال
" يبقى تتعالج"
تيم ضحك بسخرية
"سهلة أوي على لسانك."
يونس قال بعصبية
"أومال ايه؟! هتفضل تحت رجلين الراجل ده يلعب فيك زي ما هو عايز، انهارده الربع وبكره ايه؟!"
تيم سكت وده لوحده كان مرعب، لأن يونس لأول مرة يحس إن تيم نفسه مش عارف الإجابة، يونس فضل باصصله شوية، مستني أي رد، أي اعتراض، أي عصبية من تيم زي عادته بس تيم كان ساكت وده اللي خوفه أكتر.
يونس قال بهدوء أقل
"هما ماسكين عليك ايه بالظبط؟ مجرد الإدمان؟"
تيم ضحك ضحكة باهتة وقال
"مجرد؟"
يونس سكت، تيم سند بضهره على العربية، عينيه تايهة في الشارع الضلمه وقال
"الإدمان ده كفاية يدفن أي حد."
يونس بصله بعدم استيعاب
"إزاي أصلاً وصلت لكده؟! انت عمرك ما كنت بتقرب للحاجات دي."
تيم ابتسم بسخرية مريرة
"أهو قربت."
يونس اتعصب
"بطل الطريقة المستفزة دي واتكلم جد!"
تيم فجأة انفجر
"عايزني أقولك ايه؟! أن انا اتغفلت غصب عني، أن اتغدر بيا، أني مطلوب مني دلوقتي امسك مكان ماما، أن مراقبتك انت وسالي ليها واصراركوا تعرفوا ايه وراها فتح أبواب الجحيم حتى بعد الوقت ده كله عليا انا، انتوا فتحتوا باب معرفتوش تقفلوه، والمطلوب مني دلوقتي اقفله انا، بس قفله صعب اوي ومكلف، واولهم اللي انا فيه دلوقتي ده"
يونس اتصدم من نبرته، تيم كان بيتنفس بعنف تاني، قال وهو بيضغط على شعره بعصبية
"وإحنا افتكرنا إن الموضوع انتهى بموتها."
يونس فضل ساكت كام ثانية، بيستوعب بصعوبة الكلام اللي سمعه.
تيم ضحك ضحكة قصيرة مريرة وكمل
" أنا مش مستوعب نفسي أصلًا، من كام يوم بس كنت ببص لأي مدمن باحتقار أنه وصل نفسه للحالة دي."
يونس حس بغصة من كلامه
"إنت بتقول إيه؟"
تيم لف يبصله
"بقول إن الناس دي عمرها ما نسيت اللي سيادتك عملته، اه سكتوا، بس عشان كانوا مستنين الوقت الصح بس."
يونس عقد حواجبه
" بس انت مالك، انت ملكش دعوه، الموضوع خلص من زمان"
تيم رد بعصبية
" متهيألك، سيادتك روحت سلمت كام واحد مهم من رجالتهم، اللي لما عرفوا أنهم اتسلموا قتلوها، فأنت شوف بقا ضيعت عليهم كام ضحية من كام واحد شغال معاهم"
يونس ملامحه اتشدت، تيم كمل
" كنت فاكر اني خلصت من حمل كبير على قلبي بس اكتشفت أنه لاء"
يونس قال بحدة
"طب ما تقولنا! بدل ما تلبس لوحدك."
تيم بصله بجمود
" اسكت يا يونس، اسكت"
يونس سكت، تيم ضحك بسخرية من نفسه
"عارف أسوأ حاجة إيه؟"
يونس بصله وهو كمل
"إني كل مرة بقول دي آخر مرة ومش باخد خطوة، لاني مش عارف افكر."
غمض عينيه بعنف وقال
"أنا بقيت بكره نفسي."
يونس قلبه اتقبض، قرب منه أكتر وقال بهدوء "بصلي."
تيم مفتحش عينه، يونس كرر
"بصلي يا تيم."
تيم فتح عينه أخيرًا ويونس قال بجدية
"إنت أخويا... فاهم؟ مهما حصل إنت أخويا ومش هسيبك."
تيم ابتسم ابتسامة باهتة جدًا
"متقولش كلام مش هتعرف تنفذه."
يونس رد فورًا
"هعرف، طالما انت شايف انك غلط يبقى لازم تنجي نفسك وهتقدر"
تيم ضحك بخفة
"الحتة دي بتختفي أول ما الأعراض تبدأ."
افتكر من شوية، ازاي كان مستعد يمضي على أي حاجة مهما كانت، ازاي ضرب يونس نفسه، ازاي كل اللي كان شايفه وقتها هو الحقنة وبس.
وشه اتشد باشمئزاز من نفسه، قال بصوت واطي
"أنا ضربتك."
يونس بصله وقال
"كنت مش في وعيك."
تيم هز راسه بنفي
"لا كنت، وده الأسوأ."
سكتوا تاني، بعد لحظات يونس قال
"هنعمل ايه دلوقتي؟"
تيم رد تلقائي
"مش عارف، مش في دماغي حاجة، مش عارف افكر"
يونس قرب منه وقال بجدية
"بصلي، انت لو كملت معاهم هيدمروك، دول مش عايزينك مدمن وبس، دول عايزينك تحت رجلهم."
تيم كان عارف، عارف إن أحمد النهارده اداله الجرعة بسهولة علشان يكسره أكتر، يخليه يفتكر إنه مهما قاوم، في الآخر هيرجع يطلبها، وعارف إن المرة الجاية مش هتبقى هدية، ولا اللي بعدها.
تيم فتح باب العربية وركب علامة أنه بينهي الجدال، يونس اتنهد ولف ركب مكانه، كان سايق على سرعة هادية، كل شوية يبص لتيم بطرف عينه ولسه مش مستوعب اللي عرفه، لمح موبايله منور للمرة اللي مش عارف كام، مسكه بسرعة وبص للشاشة وبعدين قال
"سالي رنت كتير جدا."
تيم كان سند راسه على الكرسي، مرهق تمامًا وقال "احنا هنتنيل نروح اهو."
يونس زفر بضيق وقال
"أنا حاسس إني في كابوس بصراحة، ا....."
قاطعة فونه اللي رن، بص للشاشة بسرعة ورد بضيق
"إيه يا سالي في إيه؟!"
سالي صوتها كان متوتر وفرحان في نفس الوقت "يونس، يسر ولدت."
يونس اتفاجئ وقال بصدمة
"إيه؟!!"
سالي ضحكت
"آه يا حبيبي، بنتك شرفت."
يونس قال بذهول ولسه عقله بيحسبها
"بس لسه فاضل شوية!"
سالي ضحكت رغم توترها
"بقولك ولدت يا يونس، أنجز، عشان لما يسر تفوق تكون إنت موجود."
يونس ملامحه لانت وقال بفرحة
"يا نهار أبيض! بجد؟! يسر كويسة؟!"
سالي قالت
"كويسة الحمدلله، والبيبي زي القمر، بس تعالى بسرعة."
يونس ضحك وهو مش مصدق
"جاي حالًا... حالًا!"
قفل المكالمة وبص قدامه وهو مبتسم بغباء من الفرحة وبعدها لف لتيم فجأة وقال
"تيم، أنا بقيت أب للمرة التانية!"
تيم بصله ويونس كمل بفرحة حقيقية
" يا الله على جمال الاحساس ده"
تيم ابتسم ابتسامة خفيفة بالعافية وقال
"مبروك."
يونس كان حاسس إنه عايز يطير فعلًا، كل توتره اختفى للحظات وقال بسرعة
"لا لا البطء ده مش نافع"
ضغط على البنزين وانطلق بالعربية بسرعة وهو عايز يوصل بأي شكل وهو طول الطريق مبتسم، أخيرًا وصل المستشفى بسرعة، وقف العربية بشكل شبه عشوائي ونزل جري وهو بيقول لتيم
"اقفل العربية وحصلني!"
تيم ضحك بخفة على سربعته ونزل بهدوء، لف ناحية كرسي السواق وركن العربية عدل قبل ما يقفلها وينزل.
في نفس الوقت، يونس كان داخل المستشفى بسرعة جنونية، تقريبًا بيجري في الطرقة لحد ما وصل للأوضة، أول ما دخل، مهتمش لا بسالي ولا أهل يسر، هو بص على يسر اللي كانت نايمة بإرهاق واضح، شعرها مبعتر شوية ووشها شاحب من التعب، لكن رغم ده كله، كانت مبتسمة وهي باصة للبنوته الصغيرة اللي في حضنها، يونس قرب منها ببطء، يسر رفعت عينها عليه أول ما قرب وابتسمت بتعب "حمدلله على السلامة."
يونس ضحك بخفة، عينيه كانت مليانة انبهار، يسر كانت مراعية انبهاره ده، نفس انبهاره بأول بنوته، مامت يسر جت بابتسامه شالت البنوته وادتها ليونس وهيا بتقول بفرحة
" قول بسم الله"
يونس ابتسم وسمي وهو بيشيل البنت وبيبصلها بفرحة، البنت كانت صغيرة جدًا، ملامحها هادية، وملفوفة كويس في البطانية، يسر قالت وهي بتحاول تعدل قعدتها
"كان نفسي اقرفك لما الطلق جه."
يونس مكانش سامعها، كان مركز مع بنته، حس بحاجة بتشد قلبه بشكل غريب، إحساس عمره ما بيتعود عليه مهما اتكرر، رفع عينه ليسر وقال بصوت مليان امتنان حقيقي
"تعبتي أوي؟"
يسر هزت راسها بتعب
"شوية؟ كنت عايزاك معايا"
يونس قرب منها وباس راسها بحنان واضح
"شكرًا."
يسر ابتسمت بخجل خفيف
"على ايه؟"
يونس بص للبنت تاني وقال
"على كل ده."
سالي كانت مبتسمة ومامت يسر قال
"ما شاء الله، ربنا يحفظهالكم."
تيم كان واقف عند الباب وهو متابعهم وجواه فرحة حقيقيه، يونس قرب منه ومدله البنوته، تيم بصلها واتجمد مكانه لحظة، عينيه نزلت على جسمها الصغير جدًا، صغيرة لدرجة خاف يلمسها أصلًا.
قال بتردد واضح
"لاء، مش هعرف"
يونس ضحك بخفة وقال
" ليه يا عم عويل ولا ايه، خد شيلها."
تيم رجع خطوة بسيطة وقال وهو مكشر
"هتقع مني."
سالي ابتسمت وقالت بتشجيع
" يلا يا تيم انت مشوفتش نور اول ولادتها ومشيلتهاش"
تيم بصلهم بضيق خفيف، بس الحقيقة إنه كان خايف فعلًا، يونس قرب أكتر ومد البنت ناحيته تاني "خدها، مش هتقع."
تيم فضل متردد ثواني، بعدها مد إيده ببطء شديد كأنه بيتعامل مع حاجة هشة جدًا، يونس ساعده يحطها بين دراعاته صح وحماة يونس اتدخلت لحد ما استقرت بين ايديه، بص للبنت الصغيرة بانبهار غريب، وشها هادي جدًا، كل حاجة فيها صغيره جدا، هيا اصلا صغيرة جدا، حس قلبه اتقبض بشكل وجعه، اول مره يشيل بيبي في أول يوم مولود فيه،
البنت حركت وشها سنة صغيرة وهيا نايمة وتيم تلقائيًا قربها أكتر لصدره بخوف لا تقع.
يونس كان واقف يبصله وساكت، أول مرة يشوف نظرة زي دي في عين تيم، تيم همس من غير ما يحس
"صغيرة أوي..."
مامت يسر ابتسمت بحنان
"دي لسه يومها الأول."
تيم فضل باصص عليها وابتسامة اترسمت على وشه، كان مركز معاها كأنه نسي وجودهم كلهم، ابتسامته كانت صادقة جدا، يمكن أول ابتسامة حقيقية تطلع منه من أيام.
أخد نفس هادي ومدها ليونس بحذر شديد وهو خايف، يونس أخدها بابتسامة واسعة وقرب من يسر وحط البنت في حضنها تاني وهو بيقول بحماس واضح
"أنا عارف إن احنا اتفقنا على اسم، بس أنا قررت أسميها ياسمين."
يسر اتجمدت لحظة وبصتله بعدم استيعاب "ياسمين؟"
يونس هز راسه بابتسامة هادية وهو بيأكد
"آه، ياسمين."
مامت يسر شهقت بخفة، وإيديها اتحطت على قلبها بسرعة وعينيها لمعت بالدموع فورًا، يسر نزلت عينيها على بنتها الصغيرة، وشفايفها اترعشت، واضح إنها بتحاول تتمالك نفسها، بس دموعها نزلت غصب عنها وقالت بصوت مخنوق
"بجد يا يونس؟"
يونس قرب منها أكتر، وقعد جنبها على السرير وقال بهدوء
" بجد يا قلب يونس"
مامت يسر دموعها نزلت وهيا بتبتسم
"الله يرحمها يارب وحشتني"
يونس قال بابتسامة
" ربنا يرحمها يارب"
يسر بصت للبنت الصغيرة في حضنها وابتسمت وسط دموعها وهيا بتلمس خدها الصغير
"ياسمين..."
تاني يوم.....
فريده كانت واقفة قدام المراية بتظبط نفسها للمره الأخيرة، ملامحها هادية من بره، لكن من جوه عكس كده تماما، من امبارح وكلام حسام بيلف في دماغها، وطريقة بعده عنها كانت موجعة أكتر بالنسبالها، كانت بتحاول تركز في أي حاجة تانية لكن التفكير ارهقها جدا، باب الأوضة اتفتح وحسام دخل، أول ما شافها وقف لحظة باستغراب وقال
"على فين؟!"
فريده بصتله من المراية وردت بهدوء
"يسر ولدت، هروح أشوفها."
حسام عقد حواجبه بخفة
"شايفك بتجهزي يعني وناوية تنزلي من غير ما تعرفيني؟!"
فريده لفت تبصله وقالت
"كنت هقولك لما أخلص عادي."
حسام فضل باصصلها ثواني وبعدين قال
"ابقى عدي عليا لما تخلصي، عشان شوفت كام بيت وهننزل نشوف هنستقر على إيه."
فريده سكتت لحظة وبعدين قالت
"إنت مصمم ننقل."
حسام رد مباشرة
"آه مصمم، وعلى كلٍ البيوت هتعجبك أوي."
فريده ابتسمت ابتسامة خفيفة باهتة
"بالرغم إني بحب بيتي... بس تمام، اللي إنت شايفه، أهو على الأقل تجهزلك أوضة بدل نومتك في الصالون."
الجملة خرجت منها طبيعية فيها سخرية بس حسام لمح الزعل فيها، بصلها لحظة طويلة كأنه هيتكلم بس في الاخر قال
"هوصلك في طريقي، استني."
سابها ودخل يجهز وفريده فضلت واقفة مكانها، حاسة بغصة خفيفة، حتى كلامهم العادي بقا فيه برود غريب.
بعد شوية، حسام خرج وهو لابس قميص أسود تحت بدلته السوده وساعته، ملامحه هادية كعادته بس الإرهاق باين عليه، مسك مفاتيحه وقال
"يلا؟"
فريده أخدت شنطتها ومشيت وراه بهدوء، نزلوا الاتنين من غير كلام تقريبًا لحد ما ركبوا العربية، الطريق كان هادي وصامت، فريده كانت باصة من الشباك، وحسام مركز في السواقة، لكن كل واحد فيهم حاسس بالتاني جدًا، وحاسس بالمسافة اللي بينهم أكتر.
العربية وقفت قدام المستشفى، حسام طفى العربية وهو باصص قدامه شوية وفريده كانت بتفك الحزام بهدوء.
قبل ما تنزل حسام قال
"متطوليش."
فريده بصتله بطرف عينها وقالت بنبرة خفيفة فيها تريقة بسيطة
"حاضر، أي أوامر تانية؟"
حسام لف وشه ناحيتها، صوته طلع هادي
"خلي بالك على نفسك."
فريده سكتت لحظة، بصتله كام ثانية وبعدين قالت بهدوء
"وإنت كمان."
فتحت الباب ونزلت، حسام فضل متابعها بعينه وهيا داخلة المستشفى لحد ما اختفت جوا، بعدها سند راسه على الكرسي لحظة وزفر بهدوء.
هو زعلان، وموجوع، ومش متقبل اللي بيحصل في حياتهم الفترة الاخيرة، لكن المشكلة إنه مهما حاول يبعد، قلبه لسه متعلق بيها بنفس القوة.
أما فريده، فكانت ماشية في الممر وهيا حاسة بثقل غريب في قلبها، لأول مرة تحس إن بينهم كلام كتير أوي، ومفيش حد فيهم عارف يقوله.
تيم كان في الشركة من بدري جدًا، سبق أغلب الموظفين، المرادي ملامحه كانت أهدى بشكل غريب، هدوء شخص رجعتله ثقته، كان قاعد في مكتبه ومعاه علاء واتنين من المدراء اللي بيثق فيهم جدًا، بيتناقشوا وتيم مركز معاهم بشكل واضح، كأنه بيحاول يظبط كل تفصيلة بنفسه، بعد وقت السكرتيرة خبطت بخفة ودخلت
"باشمهندس، باشمهندسة سديم وصلت."
تيم رفع عينه وقال
" ناديلها"
السكرتيرة هزت راسها وخرجت، وبعد دقايق سديم خبطت ودخلت.
أول ما دخلت بصتله بسرعة، ملامحه جامدة كالعادة، بس ليه حست بتوتر اول ما دخلت، تيم شاورلها "اقعدي، عايز أتكلم معاكي شوية."
سديم قربت وقعدت قدامه وهيا لسه جواها ضيق منه ومن طريقته معاها آخر مرة فقالت
"خير يارب؟"
تيم سند ضهره وقال بهدوء
"أخدت كام قرار، ولازم تعرفيهم."
سديم عقدت حواجبها
"أممم... إيه هما؟"
تيم رد مباشرة
"أنا هغيب عن الشركة فترة كويسة، مش عارف قد إيه بالظبط بس هغيب، ومش هعرف طبعًا أي حاجة بتحصل هنا أو إيه اللي بيتم، اتفقت مع علاء وكام مدير هنا على اللي هيتم، وفاضل إنتي."
سديم أول ما فهمت قصده، عينيها لمعت وقالت بفرحة واضحة
"هتتعالج؟!"
تيم تجاهل الحماس اللي في صوتها وكمل
"بصفتك المديرة التنفيذية أنا اديتك صلاحيات التوقيع، وطبعًا إنتي عارفة يعني إيه مديرة تنفيذية معاها صلاحيات توقيع، وجودك دلوقتي وكلامي معاكي معناه حاجة واحدة، وهيا إني بثق فيكي."
سديم سكتت تبصله بتركيز وهو كمل
"بس هطلب منك طلب."
سديم قالت
"اتفضل."
تيم قال بجدية
"مش هتيجي الشركة تاني."
سديم رمشت باستغراب
"مش فاهمة."
تيم قال
"أحمد مش هيسيبك في حالك لو عرف إنك شغالة هنا مكاني، بكل الطرق هيحاول يأذيكي، فأنا عايزك تتابعي كل حاجة وإنتي قاعدة في بيتك."
وقف لحظة وبعدين كمل
"أنا قدامهم مشيتك ومش واثق فيكي، بس من وراهم إنتي المديرة هنا، وشركتي كلها تحت إيدك، أنا اتفقت مع علاء على كل حاجة متقلقيش، يعني كل حاجة تمام وأنا محضرلها كويس."
سديم كانت سامعاه بتركيز شديد وهو كمل
"وأنا طبعًا مش هكمل اليوم انهارده وإنتي كذلك، أحمد هييجي النهارده بعد الضهر، ومش عايزه يشوفك هنا وأنا مش موجود."
سديم سألت بقلق
"وهييجي يعمل إيه؟"
تيم رد ببرود
"مش مهم، المهم تكوني فهمتي كلامي كويس."
سديم هزت راسها ببطء وبعدها سألت تاني
"إنت بجد هتتعالج؟"
تيم بصلها شوية وقال
"إنتي شايفة إيه؟"
سديم اتنهدت وقالت
"ده قرار سليم، أنا عارفة إنك هتقضي أيام وحشة أوي بس هتعدي، كل ما تحس إنك مش قادر افتكر إنها فترة وإنك هترجع قوي تاني."
ابتسمتله ابتسامة صغيرة وكملت
"وأنا أوعدك إني هعمل كل اللي في إيدي عشان أوقف الشركة دي على رجليها طول ما إنت غايب، متقلقش إنت سايب الشركة في إيد أمينة."
تيم ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا متعدتش شفايفه، سديم فتحت شنطتها وطلعت حجاب صغير ملفوف بعناية ومدتهوله
"خد ده، خليه معاك، هيحميك، معايا واحد زيه وقولت لصاحبتي تعملك واحد."
تيم بص للحجاب ثواني وبعدين بصلها وقال
"يعني أحمد عمل فيكي كل ده وإنتي معاكي الحجاب اللي بيحمي ده؟"
سديم هزت راسها ببساطة فتيم قال
"لاء شكرًا، خليه لحد تاني."
سديم قالت بسرعة
"أنا عملتهولك مخصوص، ده باسمك انت."
تيم فضل باصصلها لحظة، بعدها مد إيده أخده منها وقال بهدوء
"شكرًا إنك فكرتي فيا."
سديم ابتسمت تلقائي، قامت وقفت وهيا ماسكة شنطتها
"نتقابل على خير إن شاء الله."
لفت علشان تخرج بس وقفت فجأة وبعدها رجعت ناحيته وحضنته، تيم اتجمد مكانه للحظة، واضح إنه متوقعش الحركة دي أبدًا.
سديم حضنته بهدوء من غير كلام وكأنها بتحاول تطمنه أو يمكن تودعه وهيا خايفة فعلًا ميعرفش يرجع زي الأول.
أما تيم، ففضل ثابت، ولأول مرة من وقت طويل حس إن حد بيعامله كإنسان، مش كمشكلة أو صفقة أو مشروع لازم يسيطروا عليه.
فريدة كانت واقفة جنب حسام قدام باب ڤيلا جديدة من ضمن الڤلل اللي اختارها، فتح الباب بهدوء وقال
"اتفضلي."
فريدة دخلت الأول، وأول ما خدت كام خطوة لجوه وقفت تلقائي، عينيها اتحركت حوالين المكان بانبهار واضح، الصالة واسعة بشكل مريح، الإضاءة دافية، التفاصيل شيك جدًا من غير مبالغة، وكل ركن فيه روح غريبة كأنه متفصل على ذوقها هيا وبس، دخل حسام وراها وهو متابع رد فعلها من غير ما يبين، فريدة بدأت تتحرك في المكان بحماس وكل شوية عينيها توسع أكتر، حسام ابتسم بخفة وهو شايف لمعة عينيه، هو أصلًا كان متأكد إنها هتعشق المكان لأنه قبل ما يشتريه كان عامل كل حاجة على مزاجها هيا، من زمان وهو بيسألها وسط الكلام العادي عن بيت أحلامها وكان بيحفظ كل إجابة وهو مقرر ينفذ كل حاجة هيا بتتمناها، كل تفصيلة قالتها يومًا حتى لو بهزار كانت موجودة هنا، فريدة تقريبا لفت البيت كله وهيا مبهورة فعلًا، بصتله وقالت بحماس طفولي
"حلو أوي أوي بجد، ده تحفة!"
حسام رد بعدم انتباه متعمد
"آه"
فريدة قربت أكتر وهيا لسه بتبص حوالين المكان
"انا كنت فقدت الأمل، ليه مجبتنيش هنا الأول؟!"
حسام رد ببرود متعمد
"مجاش في دماغي."
فريدة ضحكت وهيا بتلف حوالين نفسها والمكان
"إزاي كل حاجة هنا زي ما كنت بتمنى بيتي يكون؟! اللي عمله أكيد كان قاعد جوه دماغي."
حسام ابتسم تلقائي، ابتسامة صغيرة جدًا، بس أول ما بصتله خباها بسرعة ورجع لبروده المعتاد، قال وهو حاطط إيده في جيبه
"طب كويس، المهم استقرينا."
فريدة كانت فرحانة فعلًا لدرجة إنها بدأت تتحرك قدامه بحماس وهيا بتشاور على كل ركن وبتقول ناوية تنظم البيت ازاي بطريقتها، كانت بتتكلم بسرعة وحماس حقيقي، حسام كان مركز معاها جدًا، سواء عليها أو على كلامها أو على طريقتها وهيا متحمسة، على لمعة عينيها، على ضحكتها اللي مختفية بقالها أيام ورجعت دلوقتي، فضل ساكت يسمعها لحد ما وقفت فجأة وسألته بابتسامة
"إيه رأيك؟"
حسام اتأخر ثانية وكأنه فاق من شروده وقال
"رأيي في إيه؟ كنتي بتتكلمي؟ معلش مركزتش في كلامك."
الصمت اللي نزل بعدها كان خفيف، ابتسامتها اختفت بالتدريج ولمعة عينيها هديت، بصت بعيد وهيا بتحاول متبينش إنها اتضايقت وقالت بهدوء
"خلاص مفيش حاجة."
بعدها أخدت شنطتها وقالت
"لو خلاص يلا نروح، فريد وحشني."
حسام حس بنبرتها اللي اتغيرت وحس إنه بوّظ اللحظة بنفسه، ورغم كده رد بضيق خفيف
"تمام، اتفضلي."
فريدة عدت من جنبه بهدوء، وهو فضل واقف مكانه ثواني يبصلها، البيت اللي عمله علشان يفرحها قدر فعلًا يفرحها، بس هو بنفسه كسر فرحتها دي.
مر شهر.... واتنين... والحياة عند الكل اتغيرت تدريجيا.......
يتبع.....