رواية قلوب علي الهامش الفصل التاسع 9 بقلم يارا علاء الدين


رواية قلوب علي الهامش الفصل التاسع 9 بقلم يارا علاء الدين



كان الليل ساكنًا بصورة مريبة، والهواء مُثقلًا برطوبة خانقة، كأنّ شيئًا مظلمًا ينتظر أن يقع. مشت هدى بخطوات مترددة، كل خفقة في قلبها تصرخ: 
عودي. لكن قدماها كانتا تُكابدان الرعب، وتسيران بها نحو المصيرالمجهول.
ارتجفت أصابعها وهي تضغط على جرس الفيلا، ثم تراجعت خطوة، لكنها لم تُكمل... إذ فُتح الباب قبل أن تفيق من ترددها.
وقف زين أمامها، بقميص مفتوح الزر العلوي، وعطرٍ ثقيل يتصاعد كسُحب خانقة.
ابتسم ببرود وقال:
– إيه ده؟ مش مصدق إنك جيتي فعلًا.
ترددت، نظرت حولها كأنها تبحث عن مفر، ثم قالت بصوت خافت:
– ممكن نتكلم... بس بهدوء، من فضلك.
رفع حاجبًا، ثم مال بجسده قليلًا إلى الجانب:
– اتفضلي… بس خلي بالك، أنا ما بحبش تضييع الوقت.
دخلت بخطى بطيئة، والباب يُغلق خلفها كأنّه فخّ يُطبق.
جلست على طرف الأريكة، تشبك أصابعها وتفركها بتوتر ظاهر.
قالت دون أن ترفع رأسها:
– زين… أنا مش هنكر إني اتعلقت بيك، وكنت عايشة في وهم كبير، بس دلوقتي... كل اللي بطلبه منك، تسيبني في حالي، أنا مش قادرة أكمل.
ضحك بسخرية:
– في حالك؟ مين قالك إن الباب ده بيتقفل كده بالساهل؟
رفعت نظرها إليه، والدموع تملأ عينيها:
– أرجوك... بلاش تعذبني أكتر من كده، أنا تعبت.
اقترب منها، جلس أمامها، نبرة صوته تغيّرت:
– لا يا هدى..اهدي كده ده اليوم طويل, ولسه فيه كلام كتير عايزين نقوله.
ابتعدت عنه، وهي تهمس:
– إنت مريض!
ابتسم ابتسامة أثارت اشمئزازها:
– مريض بيكي.
ثم اقترب منها بسرعة، وامتدت يده نحو ذراعها بقوة.
صرخت:
– زين… سيبني، حرام عليك!
لكن قبضته ازدادت إحكامًا.

في لحظة مقاومة، امتدت يدها المرتعشة إلى الطاولة المجاورة، التقطت فازة زجاجية ثقيلة، وبلا وعي... هوت بها على رأسه.
طقطقة.
صرخة مكتومة، جسد زين يهوي على الأرض، والدم يسيل ببطء.
وقفت تلهث، لا تصدّق ما رأت… ثم تركت الفازة تسقط من يدها، وركضت نحو الباب كمن يهرب من النار.
خرجت إلى الشارع، والمطر بدأ يتساقط بغزارة كأنّ الماء يغسل دمها بالنيابة عنها.
لاتعلم كيف وصلت غرفتها بهذه السرعة, أغلقت الباب خلفها، أسندت ظهرها إليه، وانهارت على الأرض. لم تستطع حتى البكاء، فقط شهقات غير مكتملة تتردد في صدرها.
جلست ساعات... تتنفس بصعوبة، ترتجف.
كل زاوية في الغرفة تبدو وكأنها تُحدّق بها. كل ظل يُشبه ماضيًا يطاردها.
دخلت المرحاض غسلت عنها تلك النجاسة, ثم تمدّدت على السرير دون أن تنام، فكلّما أغمضت عينيها، رأت وجهه... الدم على جبينه... صوته، ضحكته، سُمه.
ثم... في منتصف الليل، وهي لا تزال جالسة تحت البطانية، فتحت هاتفها بلا وعي, تتصفحه لعله يخفف من أفكارها التي صارت وحشًا أوشك أن يلتهمها.
(خبر عاجل)
العثور على جثة زين الناجي داخل فيلا بمنطقة نائية، مصابًا بجرح في الرأس… والقاتل مجهول.
شهقت بصوت عالٍ، كأنّ كل الهواء في الغرفة خرج دفعة واحدة.
حدّقت في الشاشة، ثم وضعت يدها على فمها المرتجف.
همست:
– مستحيل.
لكن عينيها بقيتا معلّقتين على الشاشة، لا ترمش، ولا تهرب… كأنها تقرأ نبوءة لم تكن تتوقع أنها ستُكتب... باسمها.

2-

كان الفناء شبه خالٍ في ذلك الصباح، الشمس تتسلّل بخجل بين غيوم ثقيلة، وأصوات التلاميذ تتردد من بعيد كأصداء باهتة.
صفية كانت تمر عبر الممر المؤدي إلى غرفة المعلمات، تحمل في يدها بعض الأوراق، ملامحها هادئة لكن عيناها تعبّران عن شيء داخلي لا يُقال.
وقبل أن تفتح الباب، فوجئت بيوسف المنشاوي يخرج من غرفة الإدارة، يحمل ملفًا بيده، ويبدو عليه التوتر.
توقفت لثوانٍ، وتوقف هو الآخر.
قال مترددًا:
– صباح الخير يا أستاذة صفية.
أومأت له برأسها:
– صباح النور.
تقدّم خطوة واحدة، ثم قال:
– سمعت من الإدارة إنكِ اعتذرتِ عن استكمال العمل في المشروع, ممكن أعرف ليه؟
نظرت إليه مباشرة، وقالت بثبات:
- معلش اعذرني مقدرش أقول أسباب.
أطرق قليلًا، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
– حضرتك من أنشط المدرسات، وجودك هيكون إضافة حقيقية.
قالت دون أن تُغيّر نبرة صوتها:
– السبب شخصي.
– طب… ممكن أطلب منك تعيدي التفكير؟ المشروع محتاج ناس زيك.
رفعت حاجبيها قليلاً، وقالت بنبرة خالية من المجاملة:
– معلش ده قرار نهائي.
صمت يوسف، كأن الكلمات جمدت في حلقه. كان يحاول أن يجد جملة واحدة تُقنعها، لكن ملامحها الحازمة أغلقت كل الأبواب.
أردفت، وهي تنظر إلى ساعتها:
– اتأخرت على حصتي... عن إذنك.
ثم استدارت، وخطواتها تمضي ثابتة، لا تلتفت.
أما هو، فظل واقفًا مكانه، يحمل الملف كأن ثقله صار أكبر فجأة، وعيناه تتبعانها وهي تختفي خلف الباب... دون أن تترك خلفها سوى الصمت.
3-

منذ اللحظة التي أعلن فيها خبر وفاة مريم، لم يهدأ قلب رنا.
حاولت الاتصال بنور مرارًا، هاتفه مغلق.
أرسلت رسائل... لم يجب.
سألت في الشركة، تحفظ الجميع. حاولت الوصول إلى أقرب زملائه... لا أحد يعرف أين ذهب.
لكنها لم تيأس.
وفي مساءٍ رماديٍ ثقيل، وقفت أمام باب شقته التي حصلت على عنوانها بشق الأنفس. يدها ترتجف قبل أن تطرق.
طرقات خفيفة... ثم صمت.
دقائق... فُتح الباب.
وقف نور أمامها، شاحب الوجه، لحية خفيفة غير معتادة تغطي وجهه، وملامحه مثقلة بشيء لا يُفسّر.
تجمّدت نظراته لحظة، ثم قال ببرود:
– إنتِ بتعملي إيه هنا؟
أجابت بصوت منخفض:
– البقاء لله يا نور.
– عرفتي الشقة ازاى؟
لم ترد.
قال بصوت أكثر حدّة:
– إيه اللي جابك شقة واحد عايش لوحده في الوقت ده؟
شهقت، وقد آلمها تلميحه أكثر من أي شيء:
– نور… أنا ماجيتش غير عشان أطمن عليك… إنت كنت جنبي وقت ما احتاجت حد وملقتش غيرك.
ضحك بسخرية:
- بتعملي الواجب يعني بترديهالي, طيب ياست كتر خيرك.
-   مش كده… بالله عليك ما تفهمنيش غلط.
اقترب منها خطوة، صوته أصبح أكثر قسوة، وعيناه لا ترفّان:
- الغلط إنك اتعودتِ تعملي كل حاجة من غير صح وغلط, يعني إنتِ بنت الجارحي, كل اللي تعوزيه بييجي لحد عندك.
قالت، والدمعة في طرف عينها تحارب لئلا تسقط:
- معاك حق.
نظر إليها لحظة، ثم قال بنبرة منخفضة، كأنها طُعنة أخيرة:
– امشي يا رنا.
لم تتحرك، ظلّت تنظر إليه، تحاول أن ترى فيه شيئًا من ذاك الحنان القديم.
لكنه لم يكن هناك.
استدارت ببطء، وخطواتها تحمل كل ما تبقّى فيها من كرامة.
أغلق الباب خلفها... وظل واقفًا، يضع يده على قلبه يحاول أن يمنعه من الانهيار.

4-

عاد يوسف إلى الفيلا بخطوات بطيئة، كأن كل ما فيه أثقل من أن يُحمل.
كان الظلام قد بدأ يتسلل إلى الممرات الهادئة، والأنوار الناعمة تُلقي ظلالًا طويلة فوق الأرضية الرخامية.
خلع معطفه بصمت، ووضع مفاتيحه على الطاولة الصغيرة في المدخل، ثم اتجه نحو الصالة.
هناك، كان رؤوف بك جالسًا بكامل وقاره، يُقلب في أوراقٍ بين يديه، وعلى الأريكة المقابلة كانت لبنى هانم، ترتشف فنجانًا صغيرًا من الشاي، كما اعتادت كل مساء.
رفع والده عينيه فور دخوله، ثم قال بصوت ثابت لا يرحم:
– يوسف… تعالى.
توقّف يوسف لحظة، ثم اقترب، وسأل بنبرة منهكة:
– خير؟
وضع رؤوف بك الأوراق جانبًا، ونظر إليه مباشرة:
– الفرح حددته مع الجارحي… هيكون نهاية الأسبوع.
اختنق الهواء في صدر يوسف، كأنه اصطدم بشيء صلب.
قال ببطء، كأنما يتأكد مما سمع:
– امتى حصل ده؟
أجاب دون تردد:
– كل حاجة اترتبت، القاعة، المدعوين، التفاصيل كلها, حتى الفيلا هتقعدوا معانا هنا لحد ما الفيلا بتاعتكم تجهز.
هز يوسف رأسه غير مصدق:
– بس...أنا لسه ناقصني حاجات كتير.
قطعه رؤوف بجفاء:
- مبحبش أكرر كلامي مرتين, الموضوع منتهي.
نظر يوسف إلى أمه، لعلها تعارض… تسانده، لكنه وجدها تهز رأسها بهدوء، وتقول:
-  والدك معاه حق يا يوسف، إحنا خلصنا كل حاجة, كفاية تأخير.
قال، وقد ارتفع صوته قليلاً رغمًا عنه:
-  وأنا؟ حد سألني أنا عايز إيه؟!
نهض رؤوف من مقعده، واقترب منه خطوة، ثم قال بنبرة فيها حدّة لا تُخطئ:
- لو فاكر إن ليك رفاهية الاعتراض فإنت موهوم!
تجمّد يوسف في مكانه، الكلمات تصفعه، لكنها لم تُسقطه... بل أخرسته.
ثم قال بصوت خافت، مكسور:
-  حاضر.
استدار وخرج من الصالة دون أن يضيف كلمة.
وفي داخله… كان شيءٌ ما ينكسر، ببطء، كصوت زجاج يُداس في ممرٍ معتم.

5-

كانت خطوات رنا على الدرج ثقيلة، تُقاوم الدمع تارة، وتُكابر على الانكسار تارة أخرى. ملامحها جامدة، لكنها ليست ثابتة… بل كأنها على وشك الانهيار.
فتحت باب الفيلا بهدوء، كأنها تخشى أن تصدر منها أي حركة تُعلن عن هشاشتها. وضعت حقيبتها على الطاولة، خلعت معطفها ببطء، وتوجهت نحو الصالة دون أن تنطق بكلمة.
كانت ميسون هانم تجلس هناك، بكامل أناقتها، تنهي مكالمة سريعة وهي تبتسم بثقة رتيبة.
وحين رأت رنا، قالت بنبرة عملية لا تعرف الحنان:
– أخيرًا جيتي، كنت لسه هرنلك.
لم تُجب رنا، فقط جلست بهدوء، تنظر إلى الأرض.
أردفت ميسون، وهي تُعدّل جلستها:
– والدك اتفق مع المنشاوي… الفرح آخر الأسبوع.
رفعت رنا عينيها ببطء، في لحظة صمت غريبة، وكأنها تنتظر أن تستوعب الكلمة.
– الاسبوع ده؟
قالتها بذهول خافت.
– أيوه، ومفيش مجال لتأجيل تاني. كفاية تأخير.
ظلت تنظر إليها لحظة، ثم شهقت ضحكة قصيرة، كأنها لا تصدق ما يحدث… أو ربما قررت فجأة ألا تهتم.
قالت بهدوء ساخر:
- وماله نعمل الفرح, منعملش ليه؟
نظرت إليها والدتها باستغراب:
- بتتكلمي كده ليه؟
لم ترد, تركتها وتحركت نحو غرفتها, أغلقت الباب خلفها، ووقفت تتأمل نفسها في المرآة.
وجهها شاحب، وعيناها غارقتان في اللاشيء.
أخذت هاتفها، فتحت الكاميرا، التقطت صورة عابرة وهي تبتسم بتكلّف.
ثم كتبت:
وأخيرًا…بدأ العد التنازلي. أيام تفصلنا عن مراسم حفل زفافي مع يوسف حبيب العمر.
ونشرتها على كل وسائل التواصل الاجتماعي.
وقبل أن تضع الهاتف جانبًا، أوقفت يدها، وأعادت قراءة المنشور.
همست، وعيناها تلمعان برغبة جارحة:
- همشي حاضر يا نور, هبعد أوي!
ثم رمت الهاتف على السرير، واستلقت على ظهرها، بينما سقف الغرفة يدور في عينيها، لا يحمل سوى سؤالٍ واحد:
هل حقًا كسبت؟… أم خسرت كل شيء؟.


                   الفصل العاشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة