
رواية قلوب علي الهامش الفصل الثالث 3 بقلم يارا علاء الدين
في مساءٍ شتويٍ بارد، كانت صفية جالسة على أريكة صغيرة في غرفة المعيشة، تلفّ شالًا صوفيًا حول كتفيها وتحتضن كوب الشاي الثقيل الذي لا تستغني عنه بعد يوم عمل طويل.
صوت التلفاز في الخلفية ينبعث منه برنامج قديم عن الشعر العربي، لكنها لم تكن تتابع. كانت شاردة، تنظر إلى البخار المتصاعد من الشاي وكأنها تقرأ فيه شيئًا لا يُقال.
في تلك اللحظة، خرجت سناء من المطبخ، تمسح يديها في منشفة مطبخ باهتة، وقالت:
- عملت شوربة عدس، هتيجي تاكلي معانا ولا مش قادرة زي عوايدك؟
ضحكت صفية بخفة، وقالت:
- مش قادرة ياسناء والله, الواحد في دوامة من الصبح.
رفعت سناء حاجبيها وقالت:
- خير, فيه حاجة حصلت في المدرسة ولا إيه؟
أجابت صفية وهي ترتشف من الشاي:
- أبدًا, زيارة كده من واحد من الناس اللي فوق, بيقولك هيرمم المدرسة, قال يعني بيهتموا, ما كلهم بياخدوا اللقطة وخلاص!
قبل أن ترد سناء، دخل ياسين إلى الغرفة، طفل في التاسعة من عمره، يحمل كتابًا بين يديه، وقال بصوت فيه رجاء:
- ماما ممكن تقرأيلي القصة دي قبل ما أنام؟
نظرت إليه صفية، وابتسمت ابتسامة دافئة، ثم فتحت ذراعيها:
- تعالى هنا يا حبيبي، نقرأ سوا.
جلس في حضنها، وبدأت تقرأ له القصة بصوتٍ هادئٍ رخيم، بينما سناء تقف عند الباب، تراقبهما بابتسامة فيها شجن... شجن امرأة رأت الحياة تأخذ منها الكثير، لكنها تشكر الله على ما تبقّى.
وبين سطور القصة وصمت الغرفة، شعرت صفية، ولو للحظة قصيرة، أن هذا الركن الصغير في الحياة... يكفي.
2-
-
كانت السماء ملبدة بالغيوم، والهواء مشبع برائحة مطر خفيف بدأ لتوّه في الهطول. أمام مدخل شركة أركان، اصطفّت السيارات على جانبي الطريق، وصوت الزحام المعتاد في وسط المدينة يملأ الأجواء.
رنا كانت تعبر الشارع بخطى متعجلة، تحتضن ملفًا صغيرًا بيدها، وفي الأخرى حقيبتها، فيما يعلو وجهها توتر واضح. نظرت إلى ساعة يدها، ثم رفعت بصرها نحو مبنى الشركة.
لم تكن تنتبه للسيارة المسرعة القادمة من الاتجاه الجانبي، والتي لم يستطع سائقها التوقف في الوقت المناسب.
صوت الفرامل ممزوجًا بصرخة مرتفعة... ثم صدمة... وسقوط.
سقطت أرضًا بجانب الرصيف، وقد ارتطمت ركبتها بالأسفلت بقوة. تهاوت الحقيبة على الأرض، وتناثر الملف منها في اتجاهات مختلفة.
في اللحظة ذاتها، كان نور يهمّ بالخروج من بوابة الشركة، حاملاً كوبًا من القهوة بيد، وهاتفه في الأخرى، حين سمع صوت الارتطام.
التفت سريعًا، واتسعت عيناه...
- يا الله, آنسة رنا؟
ركض نحوها، وانحنى فورًا بجانبها، وقد تناثرت القهوة من يده دون أن يشعر.
- إنتي كويسة؟
كان وجهها شاحبًا، تتنفس بسرعة، وتمسك بركبتها اليسرى بقوة.
رجلي... مش قادرة أحرّكها, دماغي كمان واجعاني.
رفع نظره نحو السائق المرتبك الذي ترجل من السيارة:
- شيلها معايا بسرعة نوديها المستشفى.
ثم التفت إليها مجددًا، وصوته أقل حدة:
- متقلقيش هتبقي كويسة.
همست بألم، تحاول أن تبتلع دموعها:
- بجد؟
ابتلع ريقه، وبحزن لم يستطع إخفاءه قال:
- اتماسكي, الموضوع بسيط بإذن الله.
مد يده بهدوء، وسحب جاكيته ليضعه تحت رأسها، ثم جلس بجانبها في المقعد الخلفي من السيارة, قبل أن تنطلق السيارة مسرعة.
في رواق المستشفى، كانت الإضاءة باهتة، والجو مشبع برائحة معقّمات نفّاذة. ممرضون يتحرّكون بخطى سريعة، وأصوات أجهزة المراقبة تنبض برتابة ثابتة.
خلف ستارة بيضاء، كانت رنا ممددة على سرير صغير، ما تزال تحت تأثير الصدمة. ركبتها اليسرى مغطاة بجبيرة بيضاء، وآثار الخبطات واضحة على كفها وجانب وجهها.
وقف نور خارج الغرفة، يراقب من بعيد، تملأ صدره أنفاس متوترة. كان يحاول الاتصال بعائلتها، دون جدوى.
- اقترب منه الطبيب شاب يبدو في منتصف الثلاثينيات، وقال بجدية:
عندها كسر بسيط في رجلها الشمال، وكدمات في الدراع. محتاجة راحة ومتابعة... بس مفيش حاجة خطر الحمد لله.
أومأ نور برأسه وقال:
- طيب... ممكن أشوفها؟
هز الطبيب رأسه إيجابًا، ثم مضى.
دخل نور بخطوات حذرة، ليجدها ممددة، تنظر إلى السقف في شرود.
- آنسة رنا, عاملة إيه دلوقتي؟
التفتت إليه ببطء، ملامحها باهتة ومرهقة:
- كويسة, ممكن تجبلي موبايلي لو سمحت أكلم بابا.
اقترب منها وجلس على الكرسي المجاور، نظر في عينيها على استحياء وقال:
- أنا حاولت أتصل بيهم من على موبايلك, بس محدش رد.
ضحكت ضحكة مكسورة فقد توقعت تلك الإجابة:
- لا لا أكيد إنت غلطان, هات الموبايل أنا هكلمهم.
ناولها هاتفها بحزن, قبل أن تحتد نبرتها قائلة:
- إنت قاعد معايا ليه؟ هو إنت اللي خبطتني؟ كنت سبتني ومشيت.
قال دون تردد، صوته صادق وبسيط:
- إزاي هسيبك في موقف زي ده, ومفيش حد معاكي.
سكتت للحظة، ثم قالت:
- أنا مش متعودة حد يبقى معايا, أنا قوية ومش بحتاج لحد!
كانت كلماتها تشير لعمق كبير, فهمه هو دون أن تتفوه به, قال محاولًا تغيير دفة الحديث:
ممكن ترني على خطيبك, لو والدك ووالدتك مشغولين.
رغبة عارمة انتابتها الآن في البكاء إلا أنها قاومتها بصرامة:
- معاك حق.
لم يمرّ وقت طويل حتى انفتح باب الغرفة بهدوء، ودخل يوسف المنشاوي، أنيقًا كالعادة، لكن ملامحه مشدودة، وعيناه تفتشان الغرفة قبل أن تستقر على رنا الممددة على السرير، وعلى نور الجالس إلى جوارها.
تقدّم بخطى ثابتة، وصوته بارد:
- رنا... إيه اللي حصل؟
رفعت رأسها قليلاً، ملامحها بلا تعبير:
- عربية خبطتني... وأنا داخلة الشركة.
اقترب أكثر، وعيناه لا تغفلان عن نور، الذي نهض بهدوء من مقعده، دون أن ينطق.
قال يوسف، بنبرة واضحة في فجاجتها:
- مين حضرتك؟ وبتعمل إيه هنا بالظبط؟
أجابه نور بهدوء، صوته ثابت:
- مهندس نور سليمان, كنت واقف عند باب الشركة... شُفتها وهي بتقع، ونقلتها للمستشفى.
ابتسم يوسف وصافحه بهدوء:
- شكرًا يابشمهندس على شهامتك.
لم يرد نور، فقط نظر إليه، ثم أعاد نظره إلى رنا.
تدخّلت رنا، بنبرة متعبة:
- مسابنيش ولا لحظة من ساعة الحادثة.
نظر إليها يوسف، وشيء أشبه بالغيرة الممزوجة بالاستعلاء ظهر في صوته:
- كتر خيرك يا بشمهندس نور, تعبناك, أنا جيت تقدر تمشي!
نور تنفّس بعمق، ثم قال بنبرة حيادية وهو يتجه نحو الباب:
- أكيد, عن إذنكم, ألف سلامة على حضرتك, ثم خرج.
نظرت إليه رنا طويلًا، بعينين تقولان ما عجز لسانها عن التعبير به، ثم أومأت برأسها بخفة.
يوسف شبك ذراعيه، وابتسم بسخرية لرنا التي كانت على وشك الانفجار:
- شهم أوي نور ده!
رمقته بنظرة حادة:
- مستفز أوي حقيقي.
صمت لحظات قبل أن تردف:
- أنا عايزة أروح الفيلا دلوقتي لو سمحت, خلي الدكتور يعملي إذن خروج.
اتسعت ابتسامته وهو يشير بسبباته نحو عينيه, واحدة تلو الأخرى, ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
3-
-
كان الليل قد أسدل ستاره على المدينة، وأضواء الشارع تنعكس على وجه نور وهو يدخل شقته بصمت، خطواته بطيئة وكأنها مثقلة بما مرّ به خلال اليوم.
فتح الباب بهدوء، فوصل إليه صوت حركة خفيفة من المطبخ.
خرجت مريم، تمسح يديها في منشفة مطبخ قديمة، وبابتسامة تلقائية قالت:
- إيه يا حبيبي، اتأخرت ليه كده؟ أنا قلقت عليك أوي.
نظر إليها، وعيناه تخفيان شيئًا لا تعرفه، ثم قال بصوت متعب:
- حصل موقف غريب أوي النهارده يا أمي.
اقتربت منه بقلق:
- خير؟ احكيلي يا نور قلبي.
جلس على طرف الأريكة، مرّر يده على وجهه، ثم قال:
- فيه بنت... واحدة من العملاء اللي المفروض بشتغل معاهم وهي داخلة الشركة، اتخبطت بعربية. كنت واقف أدام الشركة, ووديتها علطول على المستشفى.
شهقت مريم بقلق:
- يا ربي! طب هي كويسة؟ حصل لها إيه؟
- كسر في رجلها وشوية كدمات، أنا مسبتهاش فضلت معاها لحد ما اتطمنا عليها.
صمت قليلًا، ثم أردف:
- بس اللي صدمني بجد... إن محدش من أهلها جه. لا أمها، ولا أبوها، حاولت أتصل بيهم كتير من تليفونها ولا حد رد, ولا كأنها بنتهم.
مريم جلست بجواره وربتت على كتفه:
- يا حبيبتي يا بنتي, معلش لازم نلتمس ليهم العذر يابني, الله أعلم بظروفهم.
همس بخفوت:
- معاكَ حق!
نظرت إليه نظرة بها حنان الدنيا ثم قالت:
- عارف يا نور, قدر ربنا كله خير يا ابني, بتشوف حاجات ظاهرها شر لكنها مليانة خير, ممكن منشوفوش وقتها, بس لازم نبقى متأكدين من كده.
تنهد بعمق، وقال بصوت أقرب للهمس:
- ونعم بالله, عندك حق يا مرمر, قوليلي صحيح الريحة الحلوة اللي مالية الشارع كله دي مسقعة؟
ابتسمت بخجل:
- أه يا حبيبي, يالا بقى قبل ماتبرد, غير هدومك لحد أغرفلك الأكل.
قبّل رأسها:
- ربنا مايحرمني منك ياست الكل.
- ولامنك يا نور قلبي.
يتبع...
الفصل الرابع من هنا