
رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل الرابع عشر 14 بقلم عاصم زاهر خليل
غَدْرُ الذِّئَابِ وتَفَجُّرُ العَهْدِ المَلَكِيّ
ساد صمت مطبق على أرجاء المكان؛ النمر جثة هامدة ممزقة ينساب دمها على التراب، والرمح الخشبي المغروس في جبهته ما زال يسطع ويتوهج بنور سحري وضياء خارق يخطف الأبصار. وفي زاوية الساحة، كانت الصغيرة إسراء تبكي من فرط الرعب وجسدها ينتفض، بينما وقف الفارس زاهر متسمراً في مكانه كالصخرة الأصيلة، واجماً وعيناه الحادتان تتساءلان بذهول وصدمة عن سر هذه القوة الملكية العتيقة التي تفجرت من الفتى للتو. أما عاصم، فقد وقف بشموخ كالمارد، يلفه الغموض، وعيناه مشدودتان بقوة وتركيز مرعب على جثة النمر الملقاة عند الأقدام.
وفي وسط هذا الذهول، انشق باب الكهف فجأة؛ وخرجت سمية تركض من الداخل بسرعة وهلع بعد أن هالتها الأصوات الصاخبة، وقالت بنبرة لاهثة: «ماذا حدث؟! لِما أصواتكم عالـ...»
ولم تكمل كلمتها؛ إذ تجمد الحرف في حنجرتها وشُلّ لسانها بسبب الرؤية الصادمة التي جثمت أمام عينيها. رأت النمر الضخم المتهالك جثة هامدة عند أقدام ابنتها، وفي رأسه رمح يسطع بضوء غريب ومهيب لم تره طوال حياتها. لم تستطع تمالك نفسها أو حبس مشاعر الأمومة الجياشة؛ ركضت بجنون نحو ابنتها وهي تنادي بنحيب: «ابنتي! هل أنتِ بخير؟!». ولما وصلت إليها، ارتمت أرضاً وضمتها إلى صدرها بحنان جارف وهي تحاول تهدئتها، بينما كانت إسراء ترتجف وتشهق بالبكاء بين يديها.
لكن لحظات الأمان لم تدم سوى ثوانٍ معدودة؛ إذ قاطع هذا المشهد العاطفي صوت جهوري حاقد، قادم من جهة ممر القرية المظلم، صوت يحمل نبرة السخرية والموت، وهو يقول: «وأخيراً وجدناك يا زاهر.. لن ترى الشمس بعد هذا اليوم!».
التفت زاهر وعاصم بسرعة إعصارية وبنفس اللحظة نحو مصدر الصوت، وفي تلك اللحظة، شخُصت عينا زاهر بذهول وصدمة زلزلتا كيانه، وقال بنبرة مخنوقة لا تكاد تُصدق: «أنت!!»
قهقه الشخص القادم من الظلام بضحكة هستيرية ملأت أرجاء الوادي، وقال ممتعاً ناظريه بصدمة الفارس: «ههههه! لم تتوقع ذلك، صحيح؟ ولكن.. اعلم أنني قد كرهتك بشدة منذ اليوم الأول الذي انضممت فيه إلى الجيش! والآن، انظر حولك.. أنت محاصر بالكامل من فرساني النخبة ومن السحرة الأقوياء، فماذا ستفعل الآن أيها القائد العظيم؟»
تراجع زاهر خطوتين إلى الخلف بثبات، ملقياً بجسده كاملاً كدرع بشري ليحمي ابنته وزوجته خلف ظهره. وفي هذه الأثناء، وبحركة خاطفة لم يلاحظها أحد من الغزاة لشدة انشغالهم بالحديث، اقترب عاصم من جثة النمر بهدوء وصمت كأنه ظل، وانتزع رمحه الساطع بضربة واحدة، وتراجع بخطوات وئيدة ليتمركز بجانب زاهر، مشكلاً حائط صد يحمي إسراء وسمية من أي غدر.
نظر زاهر إلى الخائن، وصدح صوته بتساؤل مرير: «ولِماذا أعطيتني حصانك الشخصي أول ما خرجت من العاصمة وأنت تكرهني إلى هذا الحد الفظيع؟!»
فضحك الشخص مرة أخرى بخبث هز الأشجار، وقال بنبرة تفيض بالشماتة: «من أجل أن تثق بي لا غير! ولتستعمله في رحلتك فتدلنا خطى الحصان وسحره إلى هذا الفتى الذي يقف بجانبك.. لأنه يملك شيئاً ثميناً يخصنا ويرجع إلينا!»، وكان يشير بإصبعه الحاقدة مباشرة نحو عاصم.
نزلت الكلمات كالصاعقة؛ صدمة عنيفة ألجمت عاصم وزاهر معاً. تضاربت الأفكار في عقولهم كأمواج البحر: ماذا يريدون من عاصم بالذات؟! وما هو هذا الشيء السري الذي يمتلكه الفتى ويريدونه بهذه الشراسة والتتبع؟!
قبض زاهر على مقبض سيفه الحديدي حتى ابيضت مفاصله، وقال بنبرة تزلزل الأرض: «لن تأخذوا منه شيئاً إلا على جثتي!»
رد الرجل الخائن ببرود قاتل وهو يشير لفرسانه وسحرته: «إن كنت ستتحمل الموت أنت كفارس، فزوجتك وابنتك الصغيرة لن يتحملا وطأته! لذلك، سلمني إياه وفوراً دون مقاومة، وإلا ستموت زوجتك وابنتك الجميلة هذه أمام عينيك!»
هنا، في لحظة حبست الأنفاس، تقدم عاصم بخطوات واثقة ومهيبة خطفت الأنظار، ودخل إلى ساحة المفاوضات مضحياً بنفسه، وقال بنبرة حادة وصارمة: «ماذا تريد مني؟ قل لي وأنا سأعطيك إياه وسآتي معك.. ولكن، يجب أن تعدني عهداً قاطعاً ألا تمسهم بسوء أبداً».
ابتسم القائد الغادر بخبث وقال: «حسناً.. أعدك بهذا، ولكني أريدك أنت بالكامل، بجسدك وروحك، أن تأتي معي الآن».
صاح زاهر بصراخ هستيري وعيونه تفيض بالخوف على الفتى: «ماذا تفعل يا مجنون؟! لن أسمح لك أن تذهب معهم أبداً! أنت لا تعلم ما يمكنهم فعله بك.. إنهم وحوش!»
التفت عاصم إلى زاهر، ونظر إليه باحترام عميق وإجلال تلمذت الأيام، وقال بصوت هادئ: «معلمي.. أنا آسف جداً، ولكن لا يمكنني رؤيتكم تتأذون أو تموتون أمامي دون أن أفعل شيئاً». ثم التفت واقترب من سمية الجاثية على الأرض، ونظر إليها بعاطفة جياشة وقال بنبرة دافئة: «وأنتِ يا خالتي.. أحبكِ جداً، لقد عاملتِني طوال هذه السنوات الأربع وكأنني ابنكِ الحقيقي».
وهنا، انفجرت سمية بالبكاء المرير، وصارت شهقاتها تمزق القلوب، وقالت من بين دموعها المنسكبة: «لا تذهب معهم يا بني! يمكننا تحمل كل شيء.. حتى لو كان الموت هو المصير، سنموت هنا معاً كعائلة واحدة، ولا تسلم نفسك لهم!»
أخذ عاصم دقيقة صمت، ثم قال بثبات لا يتزحزح: «لقد اتخذت قراري بالفعل.. وإذا صار الشيء الذي يدور في رأسي الآن، سأبحث عنكم من جديد ونلتقي».
ثم التفت في لقطة وداع أخيرة إلى الصغيرة إسراء التي كانت تبكي ودموعها الحارة تملأ وجهها الرقيق، وانحنى قليلاً وربت على كتفها بحنان وقال مطمئناً إياها: «لا تخافي يا إسراء.. سيصلح كل شيء بإذن الله».
استدار عاصم بكبرياء ملكي، وصار يمشي بخطوات ثابتة ووئيدة باتجاه كتيبة الأعداء. وعندما وصل إليهم، رفع القائد الخائن يده مشيراً لرجاله؛ فتقدم رجلان ضخمان من الفرسان وأمسكا بعاصم بعنف وقسوة، وجذبا ذراعيه بقوة وأجبروه على الركوع تحت أقدامهم على التراب.
وفي تلك اللحظة، انطلقت من حنجرة القائد ضحكة هستيرية ساخرة دوت في أرجاء الغابة، وقال بوقاحة: «يا لك من مغفل ساذج! هل صدقت حقاً أنني سأتركهم يذهبون هكذا بسلام؟! إنك تحلم يا فتى!». ثم التفت لرجاله وصاح بدموية: «اقضوا عليهم جميعاً الآن.. أبيدوهم!».
مع سماع أمر الإبادة، اشتدت عروق عاصم وبرزت في رقبتي وجسده كالحبال من شدة الغضب، وصار يصرخ ويهتز محاولاً الفكاك وهو يصيح: «اتركوهم يا غدارين! قلت لكم اتركوهم!!»
وفي الجانب الآخر، تأهب الفارس زاهر بكل ما يملك من غريزة حربية، دافعاً بزوجته وابنته خلفه مجدداً، وصاح بصوت هز الجبال: «من يقترب اليوم.. سيفارق رأسه جسده، أقسم بهذا بالدم!».
اقترب اثنان من الفرسان المدججين بالسلاح ولم يأبهوا بتهديده، فاندفع زاهر نحوهما ببراعة وسرعة لا تليق إلا بقائد جيش مخضرم، وراوغهما بحركات سيف سحرية خاطفة، وفي لمحة بصر وجيز، شق سيفه الحديدي الهواء ليقطع رأسيهما معاً في لحظات، لتتطاير الرؤوس وتسيل الدماء على الأرض.
ولكن، في لحظة غادرة وخاطفة، أحاط به ساحران من الأعداء، ووجها نحوه طاقة سحرية سوداء كبلت حركته وشلت أطرافه، ليكتفه اثنان من الفرسان من خلفه بفعل السحر الأسود مستغلين عجزه.
وفي نفس الوقت، تحرك فرسان آخرون بخطوات واثقة وأسلحة مشهرة نحو زوجته سمية وابنته إسراء لذبحهما. هنا، اشتد صراخ عاصم وزاهر بدوي عاصف، وبحناجر تمزقت من القهر والجنون ألّا يلمسهم أحد.
وفي تلك اللحظة الرهيبة الحابسة للأنفاس.. انفتحت بوابات الجحيم الملكي! تفجرت ولمعت لمعة غريبة ومرعبة جداً في عيني عاصم، وفجأة، انبعثت طاقة حرارية هائلة تذيب الصخر، وظهر على كتفه طائر أسطوري مهيب مشكل بالكامل من النيران المشتعلة!
فرد الطائر الناري جناحيه العظيمين في الفضاء، وبدأ يشع ويفج بهالة أرجوانية ملكية شديدة وضخمة، هالة مرعبة ومظلمة تقذف الرعب والذعر القاتل في قلب وعقل كل من تجرأ ونظر إليه.
الفصل الخامس عشر من هنا