
رواية قلبي يسطا الفصل الثالث 3 بقلم هاجر عبد الحليم
وقفت دُرة أمام الباب الصاج، كأنها لا تواجه مكانًا، بل تختبر قرارًا اتخذته بصعوبة.
الأفرول الكحلي كان مرتبًا بدقة، وعلى صدره اسمها الصغير يلمع بالذهبي.
في يدها كيس أسود، وفي عينيها ثبات لا يشبه التردد.
كانت واقفة كمن عقدت اتفاقًا مع نفسها: لا عودة قبل الإتمام.
الباب انفتح من الداخل.
ظهر يوسف.
تجمد مكانه في اللحظة نفسها.
لم تتحرك عيناه في البداية، كأنه يحاول التأكد أن الصورة حقيقية.
وجهه مرهق، تحته هالات داكنة، وذقنه غير محلوقة منذ يومين، وملابسه كما هي منذ الأمس.
كان يتوقع أنها لن تأتي.
"صباح الخير يسطا"
ثبتت نظرتها عليه دون تحدٍّ، كأنها تضع مسافة هادئة بينهما.
تحرك فكه ببطء، وابتلع ريقه قبل أن يرد.
"اي اللي جابك؟."
وضعت الكيس على الأرض بحذر، ثم انحنت وفتحته.
تحركت أصابعها بثبات، وأخرجت الأدوات واحدة تلو الأخرى.
زرجينة، طقم بنط، WD-40، وعلبة جوانات.
رفعت رأسها إليه.
"ده تمن غلطتي المبدئي. سألت وقالوا لي دي العدة اللي تطلع المسمار المكسور من غير خراطة."
في الخلف، تحركت رؤوس الصنايعية، وارتفعت همهمات خفيفة.
انتقل بصر يوسف بين الأدوات ووجهها ببطء، وكأنه يزن الموقف كله من جديد.
شاطرة محاولة كويسة بس ياتري جيبتي فلوس العدة منين؟
" دي فلوسي يسطا
ثم توقفت لحظة قصيرة قبل أن تكمل، وهي تشد على طرف الكيس.
"هشتغل بيها واوعدك هصلح غلطتي في فلوس جيالي من جمعية كنت داخلاها اول م قبضها هديلك تمنها ودا وعد شرف مني
صمت
لم يكن صمته رفضًا واضحًا، ولا قبولًا صريحًا.
كان صمت رجل فقد عاد يراجع حدوده لأول مرة منذ وقت طويل.
ثم استدار ودخل الورشة.
"إلبسي الجوانتي طيب."
الساعة 2 ظهرًا
كانت الشمس فوق الورشة بلا رحمة، والحديد يحتفظ بحرارتها كأنه يضاعفها.
تحت السيارة المرسيدس المرفوعة على الزحافة، كانت دُرة مستلقية، تتحرك بحذر، وذراعاها تعملان تحت ضغط شديد.
الأفرول التصق بجسدها، وشعرها خرج من نظامه الصارم.
فوقها، كان يوسف يراقب كل حركة، ينحني أحيانًا، يشير بيده:
"لفي براحة... سنة شمال... أيوه... دوسي سنة كمان... حاسبي!"
ثم حدثت الحركة الصغيرة.
اهتزاز خفيف في الكوريك.
توقف الهواء للحظة.
"في إيه؟"
خرج صوتها سريعًا.
لكن قبل أن يصل رد، انخفضت السيارة سنتيمترًا.
"دُرة حاسبي!!"
انفجر صوت يوسف في المكان.
تجمد الجميع.
وانضغط الحديد على الزحافة.
واحتُبس ذراعها تحت الوزن.
خرجت منها صرخة قصيرة، لم تكتمل، ثم انكسر الصوت داخل الألم.
ارتبك المكان بالكامل.
"ارفعوا العربية!!"
تحرك يوسف بعنف، ورمى المفتاح من يده.
"عبده الكوريك! بسرعة قبل م تتاذي يلا حالا
وجهها شحب فجأة، وشفاها ارتجفت وهي تنظر إليه.
"يوسف... دراعي... هيتكسر."
توقفت عينه عندها لثانية أطول من اللازم.
ثم خلع فانلته الحمالات ورماها جانبًا.
"وسعوا كده يابهايم!!"
دفعهم بجسده دون تفكير.
"لما أقول ارفعوا... ارفعوا معايا!"
"يا أسطا إنت اتجننت؟ دي طن ونص!"
"قولت ارفعوا انتو مش بتفهمو كلامي يتسمع بدون مناقشة!!!"
ارتفع صوته حتى غطى الفوضى.
وببطء شديد، تحركت السيارة سنتيمترًا.
! شد دراعها يا عبده!"
نجح عبده في سحب ذراعها.
وفي اللحظة نفسها، فقد يوسف توازنه.
سقط تحت السيارة.
وارتدت الزحافة بعنف.
اندفعت دُرة إليه فورًا.
ركعت بجواره، ويدها ترتفع إلى وجهه دون وعي.
كانت ترتجف.
"يوسف! إنت كويس بصلي انا اسفة والله سامحني بس ليه تعرض نفسك للأذي هيكون حلو يعني.؟!"
فتح عينيه بصعوبة، ونظر إليها من زاوية الألم.
"عشان..."
توقف، ثم أكمل بصوت متهدج:
"عشان الأسطا... مايسيبش صنايعي عنده يتأذي. حتى لو... حتى لو الصنايعي ده... باشمهندسة غبية.
آخر النهار
كان يوسف جالسًا على كرسي خشبي، وظهره ملفوف بالشاش.
ودُرة أمامه على إطار كاوتش قديم، وذراعها ملفوف.
الصمت بينهما كان مختلفًا عن بداية اليوم. أثقل، أهدأ.
بقولك بالنسبة للي حصل.."
قالت وهي تنظر للأرض.
"أنا والله هصلحه بس الصبر."
هز رأسه ببطء.
"المسمار طلع خلاص."
"إمتى دا؟"
"سر المهنة مش هقولك."
أخرج من جيبه قطعة معدنية مكسورة، ووضعها في يدها.
"خدي. احتفظي بيه. للذكري عشان لما تخلصي شغلك معايا تفضلي فاكراني"
لم تسحب يدها.
ولم يسحب هو يده.
نهض ببطء، متألمًا.
"روحي. أبوكي هيقلق. عليكي"
"هاجي بكرة مش همشي انا ه قلبك"
ضحك.
ضحكة قصيرة، حقيقية، خرجت لأول مرة من صدره منذ وقت طويل.
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا