رواية قلوب علي الهامش الفصل الثاني 2 بقلم يارا علاء الدين


رواية قلوب علي الهامش الفصل الثاني 2 بقلم يارا علاء الدين



كان صوت ماكينة الخياطة يتردد في الغرفة، كأنها تغزل الزمن، أو تحاول ترقيع فجوة..
خمس وعشرون عامًا, مرت على هذا المشهد دون أن تشعر .
توقفت مريم عن الخياطة فجأة. نظرت إلى يدها، ثم إلى الماكينة التي بدت وكأنها تسألها: لسّه فاكرة؟
أغمضت عينيها، سالت دمعة سريعة على وجنتيها, حاولت أن تداريها, عندما سمعت صوته يقترب.
دخل نورإلى الغرفة وهو يرتب ياقة قميصه الأبيض, قال بابتسامة ناعسة:
صباح الخير يا أمي... إنتي صاحية من بدري؟
ابتسمت ابتسامتها الصافية:
- صباحك نور يا قلب أمك... أيوة ياحبيبي, أقوم أعملك الفطار؟
- برده يا مرمر يعني عايش معاكي بقالي كتير ولسه بتسألي نفس الأسئلة, مانتي عارفة إني مبفطرش قبل ما أنزل.
- يا حبيبي غلط تنزل من غير فطار كده. 
- مفيش فايدة في الأمهات, المهم ادعيلي المدير طلب مني أشتغل النهارده على مشروع كبير هيبقى نقلة تانية للشركة.
قالت وهي تحاول أن تخفي قلقها:
-ربنا يوفقك يا حبيبي ويكتبلك في كل خطوة سلامة.
اقترب منها، وقبّل رأسها:
-متحرمش منك ولا من خوفك عليا ده.
خرج نور، ووقفت مريم مكانها، تنظر نحو الباب, بداخلها قلقها المعتاد كلما بدأ مشروعًا جديدًا, رغم نجاحه المتوقع, لكنها تخاف, وكيف لاتخاف؟ وهو نور حياتها! 
في الطابق الثالث من شركة التصميم الهندسي "أركان"، كان المكتب الواسع ينبض بنشاط صباحي هادئ. الموظفون يتنقلون بين المكاتب، والهواء ممتلئ برائحة القهوة.
جلس نور أمام شاشته، يراجع بعض التصاميم، حين سمع صوت السكرتيرة يناديه:
- الأستاذ هاني طالبك في مكتبه، حالًا يا بشمهندس.
نهض بخفة, وسار بخطى هادئة نحو المكتب, طرق الباب، ودخل بهدوء.
هاني، مدير التصميم في الشركة، كان رجلًا في الأربعينات، ممتلئ الحضور، دائم الابتسامة المحترفة, ثابتَا, متزنًا.
قال وهو يشير لنور بالجلوس:
- صباح الخير يا نور, ايه أخبار التصاميم الأخيرة؟
رد بابتسامة خفيفة:
- تمام الحمد لله سلمتها... كله ماشي كويس. 
ابتسم وهو يفتح ملفًا أمامه:
- تمام جدًا, نتكلم بقى عن المشروع اللى بلغتك بيه امبارح, المشروع ده مهم... مش بس لأنه كبير، بس كمان لأنه حساس.
صمت لحظة ثم أردف:
- فيلا كبيرة في المعادي، بتاعة واحدة اسمها رنا الجارحي... بنت رجل الأعمال سليم الجارحي... وخطيبها يوسف المنشاوي، أكيد سمعت عن العيلتين؟
نور ابتسم وهو يهز رأسه:
- أكيد يا بشمهندس, الموضوع بقى تريند!
اتسعت ابتسامته:
- عايزين تصميم ديكورات داخلية كاملة للفيلا، وعايزين الشغل يتم على أعلى مستوى... واللي هيكون شغال معاها بشكل مباشر... هو حضرتك, مش عايز أي أخطاء, زي مانت معودني يا نور.
أومأبرأسه قائلًا:
- متقلقش يا مدير.
ضغط هاني على الزر الداخلي:
- دخلي آنسة رنا لو سمحتي.
بعد ثوانٍ...
دخلت رنا الجارحي.
أنوثة راقية... حضور قوي... وعينان مليئتان بالحكايات.
ترتدي بذلة بلون سكري، بشعر مشدود للخلف وطوق بسيط، ومع ذلك بدت كأنها خارجة من غلاف مجلة فخمة.
قال هاني، بابتسامة رسمية:
- آنسة رنا، ده نور... المصمم اللي هيكون مسؤول عن مشروع الفيلا... من أكتر الناس المتميزين في الشركة, واللي أنا واثق إنه هيعجبك شغلهم.
نظرت إلى نور للحظة، ثم مدت يدها بأدب:
- أهلاً وسهلاً.
ابتسم دون أن يمد يده:
- أهلاً بحضرتك.
رمقته بنظرة نارية, زادت من احمرار وجنتيها, كيف يجرؤ؟ هذا المغرور!
لم يلحظ هاني تلك النظرة, فقال وهو يغلق الملف:
- خد آنسة رنا واتكلموا براحتكم في مكتبك يا نور، اتفقوا على كل التفاصيل... ومحتاج تصور مبدئي خلال يومين.
خرجا من مكتب المدير، واتجهوا إلى المكتب الزجاجي الخاص بنور.
جلس نور على الطاولة، بينما رنا فتحت جهازها المحمول، تحاول أن تشتت نفسها عن سخافة الموقف السابق.
تنحنح نور قائلًا:
- حضرتك تحبي تشربي إيه؟
قالت بنبرة حادة: أنا مش جاية أشرب, نتكلم في الشغل من فضلك.
ثم أردفت: 
- الفيلا مساحتها 900 متر... دورين، وعايزة يبقى في طابع عصري بسيط، من غير بهرجة... بس في نفس الوقت يكون مميز, مش عايزاه تقليدي خالص, عايزة فيلا رنا الجارحي, متكونش زي أي فيلا!
مرر نور يده بين شعره الكثيف الناعم، أسود اللون, حيث كان مرتبًا بعناية واضحة تعكس ذوقه الرفيع ثم قال:
- يعني حضرتك عايزة ستايل مودرن ناعم؟ حاجة minimal لكن تبين قيمة المكان.
قالت وهي توميء برأسها:
- بالظبط من الآخر، عايزين الناس تقول واو.
ابتسم نور وهو ينظر إلى الشاشة:
- تمام يا أفندم, تحت أمرك.
ضحكت بخفة، ثم نظرت له نظرة أقرب للدهشة:
- أفندم؟ إيه يابني أنت من التسعينات ولاإيه؟
صمت لحظة، ثم قال: 
- عمر الاحترام ما كان ليه زمن معين!
ثم أردف وهو يعود بنظره للشاشة:
- يومين بإذن الله والتصاميم تبقى عند حضرتك.
اكتفت بإيماءة رأسها, دون أن ترد, ثم تركته وانصرفت.
لكنها، لأول مرة منذ زمن طويل...
ابتسمت بدون سبب.

2-

في مدرسة الصفا الإبتدائية, كانت صفية تقف في فناء المدرسة خلال الفسحة، تراجع جدول الحصص وهي ترتشف شايها الثقيل.
كان الجو باردًا، والطلبة يركضون ويضحكون، بينما هي تقف بثبات وسط كل هذه الفوضى.
نظرت إلى الباب الرئيسي...
ورأت سيارة فخمة تقف أمام المدرسة.
نزل منها رجل يرتدي بذلة رسمية، وساعة لامعة في معصمه.
كانت الزيارة مهنية، متابعة من إدارة مجموعة المنشاوي للمدارس.
دخل إلى المدرسة بخطى ثابتة.
كانت هي تقف عند المدخل، فمر بجانبها, لمحت وجهه للحظة...يوسف المنشاوي.

لم تعرفه، لكنها شعرت بشيء في حضوره...
شيءٌ كأنها رأته في حلم قديم، أو قرأته في رواية ذات مساء.
بعدها بساعة تقريبًأ...
كان يوسف يسير بجوار مدير المدرسة، رجل ستيني وقور يُدعى الأستاذ محسن، يرتدي بذلة باهتة وحذاءً يئن تحت ثقل قدميه. يتحدث بحماس عن رؤية المنشاوي لتطوير العملية التعليمية في المدرسة، ويوسف يجيب بإيماءات مقتضبة، وعيناه تتنقل بين الجدران المتقشرة والنوافذ المهشّمة والمقاعد المتهالكة.
قال المدير وهو يفتح باب أحد الفصول:
وده فصل خامسة (ب)، من أكتر الفصول المتميزة... والأستاذة صفية من أكتر المدرسات انضباطًا.
دخل يوسف، يتبعه المدير، ليجدها واقفة أمام السبورة، تشرح درسًا عن "المفعول المطلق"، والطلاب منضبطون كأنهم في عرض عسكري.
توقف الحديث حين رأت المدير ومعه الزائر.
نظرت صفية إلى يوسف، نظرة هادئة، لكنها مشتعلة من الداخل، ثم قالت بصوت عالٍ:
- ردوا السلام بصوت عالي يا حبايبي. 
ردّ الفصل في صوت واحد:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ابتسم المدير، ثم قال وهو يشير إلى يوسف:
- ده الأستاذ يوسف المنشاوي، من مشروع التطوير, التابع لشركة المنشاوي, بيشوف إزاي نقدر نحسّن الفصول والبنية الأساسية.
أومأت صفية برأسها، وقالت وهي تحدجه بنظرة ذات معنى:
- أهلاً وسهلاً، إحنا فعلاً محتاجين تطوير كبير, مش بس في الأساسات لكن في حاجات كتير.
رفع يوسف حاجبه مستفهمًا:
- حضرتك تقصدي في الإدارة... ولا في هيئة التدريس؟
نظرت إليه نظرة مطوّلة، ثم قالت:
- محتاجين تغيير للنفوس.
ضحك المدير ليخفف التوتر، وقال:
- الأستاذة صفية دايمًا بتحب تهزر كده.
يوسف لم يرد، بل سار بخطى بطيئة بين المقاعد، تأمل السبورة، ثم التفت قائلًا:
- واضح إن حضرتك شاطرة في العربي أوي. 
قالت بهدوء حاد:
- وأنا شايفة إن ده ميخصش حضرتك.
ابتسم ابتسامة باهتة، ونظر للمدير قائلًا:
- تمام, ممكن نشوف الدور اللي فوق.
قالت صفية، وهي تمسك بالطبشور:
- تكلّم الزائرُ تكلُّمًا أحمقَ.
تكلمًا: مفعول مطلق منصوب, أحمق نعت أو صفة!
خرج يوسف دون تعليق.
أما المدير فابتسم بخجل، ثم همس وهو يغلق الباب:
- ممتازة فعلًا.
صفية عادت للشرح... لكن يدها كانت ترتجف خفيفًا، كأن شيئًا ما في ذلك الرجل أثار في داخلها شيئًا لم تعتده.

3-

كانت الفيلا ساكنة على غير عادتها، يغمرها ضوء مغسول بلون الغروب، والسكون يُخيّم على الممرات المزينة بالرخام الأبيض والتحف الأوروبية.
وقفت رنا أمام الباب الخشبي الكبير، تنظر إلى السقف المرتفع، ثم زفرت بصوت مسموع قبل أن تضغط الجرس.
فتح يوسف الباب بنفسه، دون خدم، مرتديًا قميصًا كحليًا بأكمام مطوية وبنطال رمادي.
نظر إليها للحظة، وقال:
- مقولتيش إنك جاية يعني.
ردت بثبات:
- نعم؟ أنا مكلماك الصبح وقايلالك!
فتح الباب على وسعه وقال ببرود:
- اتفضلي يا عروسة.
دخلت دون أن تعلّق، نظرت إلى الجدران، ثم قالت وهي تدس يديها في جيبي معطفها:
- أنت نسيت إني روحت انهارده للشركة اللي هتعملنا الفيلا؟
أغلق الباب خلفها وقال وهو يتقدّم نحو الصالة:
- لا فاكر.
قالت وهي تسير خلفه:
- بلاش برود, أنا جاية نشتغل على بيت المفروض هيجمعنا.
استدار فجأة نحوها وقال:
- يجمعنا؟ إنتي مصدقة إن الجوازة ديه هتكمل!
توقفت، ثم رفعت حاجبيها بدهشة:
- إنت بتهزر!
اقترب منها قليلًا، ثم قال بنبرة ناعمة لكنها حادة:
- خوفتي كده ليه يا عروسة, شكلك وقعتي!
قالت دون تردد:
- إنت مستفز بجد!
اقترب أكثر، نظر في عينيها وقال بلهجة ساخرة:
- مش أكتر منك. 
نظرت إليه بثبات، ثم قالت:
- هتختار معايا ولا أمشي؟
ضحك بخفة وقال:
- شكلك حلو وإنتي متعصبة, اقعدي.
قالت وهي تتجه نحو الأريكة الكبيرة:
- أمال هدى فين؟
قال باستهزاء:
- هتتصاحبي على أختي عشان تجيبلك أخباري بقى, وتخليني أقع في حبك, انسي!
سكتت لحظة، ثم استدارت نحوه، وقالت بهدوء:
- إنت شكلك بتشوف أفلام كتير, ومغرور كمان, إنت مش بتشوف نفسك في المراية يابني!
نظر إليها، للمرة الأولى دون سخرية، ثم قال:
- أنا حقيقي مكنتش عايز أظلمك معايا, بس مادام إنتي موافقة, يبقى إنتي اللي اختارتي!
عاد الصمت بينهما، صمت هشّ لكنه مملوء بالتوتر، ثم قالت رنا وهي تتوجه نحو الباب:
- لما تخلص التصاميم هبعتهالك, شكلك كده كده مش هتختار!
قال وهو يراقبها تغادر:
- ومن امتى بختار حاجة!
أغلقت الباب خلفها بصمت، وتركت وراءها كلمات تئنّ في صدره, دون مخرج!

يتبع......


                     الفصل الثالث من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة