
رواية قلبي يسطا الفصل الثامن 8 والأخير بقلم هاجر عبد الحليم
_أمام الورشة. الرابعة فجرًا._
كانت سيارات الإطفاء قد غادرت. لم يتبقَ من الورشة سوى هيكل أسود متفحم. الحائط سقط، والسقف انهار، والباب الصاج ذاب. رائحة الحريق الخانقة تملأ المكان.
كان يوسف جالسًا على الرصيف المقابل، صامتًا. في يده شيء أسود متفحم. كان نصف الجوانتي الأحمر الخاص بدُرة. النصف الآخر احترق تمامًا، لكن عبارة "م. دُرة - عدة الأسطى" كانت لا تزال واضحة.
عبده جالس بجواره يبكي:
"هنعمل إيه يا أسطا؟ هتروح فين؟ أخواتك البنات؟ هتصرف عليهم منين والله صعبان عليا يسطا ...منه لله اللي واجعك كدا حسبي يالله ف اللي يستحل شقا غيره
لم يرد يوسف. الدمار الحقيقي لم يكن في الورشة، كان في صدره. لقد خسر الورشة، وخسر الفتاة التي أحبها، وخسر نفسه.
وفجأة... سمع صوت خطواتها. صوت الخف المنزلي وهو يركض على الأسفلت.
رفع رأسه ببطء، غير مصدق.
ورآها.
قادمة من آخر الشارع، بعباءتها السوداء، وشعرها الأشعث، ووجهها المغطى بالتراب، وقدماها تنزفان.
لكنها تركض إليه.
دُرة صارخة بصوت مبحوح من البكاء والركض:
"يوسف!"
وقف غير مصدق.
يوسف:
"إنتي بتعملي إيه هنا واي منظرك دا؟
وصلت إليه وارتمت في حضنه. لم يكن عناقًا رومانسيًا. كان عناق نجاة. عناق غريق وجد شاطئه. تشبثت يداها برقبته، ودفنت وجهها في صدره المتسخ.
دُرة وهي تشهق:
"جيت عشانك. "
شعر بها يوسف. شعر بجسدها المرتجف، وبدموعها التي أغرقت قميصه، وبقلبها الذي يكاد يخرج من صدره ليطمئن على قلبه. فطوقها بذراعيه، كأنه يحميها من العالم كله، من الحريق، من والدها، من نفسه.
يوسف بصوت مكسور:
"متخافيش انا كويس والله"
ابتعدت عنه قليلًا، وأمسكت وجهه بيديها الاثنتين. تأملت السواد تحت عينيه، والدمعة التي خانته، والانكسار في ظهره. ثم استدارت ونظرت إلى الورشة المحترقة. ثم عادت ونظرت إليه مرة أخرى.
دُرة:
"هنرجع نبني الورشة من جديد
سحبته من يده، وأوقفته في مواجهة الرماد.
دُرة وهي تشير إلى صدره:
"لازم يكون عندك إيمان بنفسك انه مفيش اي ظرف يقدر يوقعك الورشة هترجع لأنها عايشة جواك.."
أخذت الجوانتي المحروق من يده، وارتدته في يدها. نصفه سليم، ونصفه تحول إلى فحم.
نزل يوسف على ركبتيه. في منتصف الشارع. أمام الرماد. أمام عبده. أمام العالم كله.
أمسك بيدها وهي ترتدي الجوانتي المحروق، ورفعها إلى شفتيه وقبلها. قبل يدها، وقبل الجوانتي، وقبل الحرق الذي فيه.
يوسف بصوت متهدج:
"تتجوزيني يا دُرة؟
"تتجوزي أسطا مابقاش عنده غير هدومه اللي عليه؟
نزلت دُرة على ركبتيها أمامه. دموعها تنهمر، لكن ضحكة انتصار تشق طريقها على شفتيها.
دُرة:
"أتجوزك اه أتجوزك وإنت مفلس. أتجوزك وإنت على الرصيف. أتجوزك لو هنعيش في أوضة على السطوح او عشة مش فارقة المهم اعيش معاك وف حضنك."
وضعت جبينها على جبينه.
دُرة:
"عشان إنت... إنت بيتي. وإنت أماني. وإنت دنيتي كلها و مفيش دُرة من غير يوسف."
نهض، وأنهضها معه.
ونظر إلى عبده الذي كان يبكي ويضحك في نفس الوقت:
"لم العدة اللي فضلت سليمة يا عبده.
عبده وهو يمسح دموعه:
"علم وينفذ يا كبير!
_بعد ثلاثة أشهر._
أعيد بناء الورشة. طوبة طوبة، وبمجهود ذاتي.
ليس بقرض، ولا بأموال والدها.
بالعرق.
يوسف يعمل عشرين ساعة في اليوم، ودُرة تعمل صباحًا في مكتب استشارات هندسية، ومساءً على الرصيف تبيع قطع غيار مستوردة وتدير الحسابات.
عبده جمع الصنايعية القدامى، وقال لهم: "الأسطى لو فتح كشك سجاير، هنقف جنبه ونشتري منه".
اليوم هو الافتتاح.
لا توجد زينة مبالغ فيها، ولا منسق أسطوانات.
توجد لافتة حديدية، لحمها يوسف بيديه:
_"ورشة السفروت - من الرماد قمنا
وتحتها، الجوانتي الأحمر المحروق، محفوظ داخل صندوق زجاجي مضاد للرصاص، معلق على الحائط.
_الساعة الثامنة مساءً. الافتتاح._
الحرفيين كلها متجمعة، لكن يسودها صمت مترقب.
توقفت أمام الورشة خمس سيارات سوداء.
ترجل منها المعلم رضوان، وذراعه ما زالت في الجبس، ومعه عشرة من رجاله. وفي يده الأخرى... عقد.
وقف يوسف على الباب بأفروله الجديد. ودُرة بجانبه، ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، وفوقه أفرول العمل الخاص بها. كانت حاملًا في شهرها الثاني، لكن لا أحد يعلم بعد.
يوسف بصوت منخفض. صوت الخطر:
"جاي تبارك ولا جاي تقول شكل للبيع؟
ألقى رضوان العقد على الأرض.
رضوان:
"جاي أشتري. الورشة دي، والشارع ده، والحتة اللي إنت واقف عليها... بقت ملكي... اشتريتها رسمي."
أخرج أوراقًا ولوح بها.
"بـ 2 مليون جنيه. عشان أهدها وأعملها جراج كبير. والمزاد كان علني."
شهق الصنايعية.
عبده أمسك بقطعة حديد: "على جثتنا يا معلم! مش هتتهد!"
ضحك رضوان:
"جثثكم رخيصة أوي. بكرة الصبح الجرافة هتشيلها كلها. واللي هيقف قصادها... هبلغ عنه إنه حرق ورشته عشان ياخد فلوس التأمين."
نظر إلى دُرة بخبث:
"سامعة يا باشمهندسة؟ جوزك هيتحبس تاني. وبالقانون المرة دي، ومش هيطلع منها."
اشتعل الدم في رأس دُرة.
وقبل أن تنطق، وصلت سيارة المستشار هاشم.
ترجل منها وحده، دون سائق. بكامل هيبته.
ساد الصمت المكان.
نظر المستشار إلى العقد الملقى على الأرض، ثم إلى رضوان، ثم إلى الورشة الجديدة.
وأخيرًا، نظر إلى يوسف.
المستشار:
"إنت بنيت دي في 3 شهور؟ لوحدك؟"
يوسف ورأسه مرفوعة:
"أيوه. أنا والرجالة."
هز المستشار رأسه.
ثم انحنى، والتقط عقد رضوان، ومزقه إلى نصفين أمام الجميع.
المستشار:
"الأرض دي... أنا اشتريتها امبارح. بـ 3 مليون. كاش."
وألقى عقدًا جديدًا على صدر يوسف.
"ومكتوبة باسم... حفيدي."
وأشار إلى بطن دُرة.
ساد الذهول في الشارع كله.
وضعت دُرة يدها على فمها. والدها يعلم.
تجمد يوسف في مكانه.
تغير وجه رضوان واصفر:
"إنت... إنت بتلعب بيا يا سيادة المستشار؟ بعد كل اللي عملته؟"
اقترب منه المستشار، وهمس في أذنه بكلمة واحدة فقط.
كلمة واحدة جعلت وجه رضوان يشحب تمامًا.
ابتلع رضوان ريقه، وجمع رجاله: "يلا يا رجالة. احنا آسفين يا أسطا. آسفين يا ست الكل. حقكم علينا."
وركبوا سياراتهم واختفوا في لمح البصر.
ساد الصمت في الورشة.
عدل المستشار من هندامه، ونظر إلى يوسف.
المستشار:
"المرة اللي فاتت طلعتك عشان خاطر بنتي. المرة دي... عشانك إنت. عشان الراجل اللي وقف قصادي اقدر أأتمنه على بنتي وعلى حفيدي."
مد يده ليوسف.
يوسف نظر إلى اليد الممدودة، ثم إلى دُرة، ثم عانق المستشار. عانق والد زوجته. عانق الرجل الذي صار أبًا له.
انفجرت دُرة في البكاء. ركضت وعانقت والدها، ثم ارتمت في حضن يوسف.
_بعد خمس سنوات._
صارت لافتة الورشة يندرج تحتها ثلاثة فروع في الحرفيين.
وعلى باب الفرع الرئيسي، طفل صغير في الرابعة من عمره، يرتدي أفرولًا صغيرًا على مقاسه، ويمسك بمفتاح إنجليزي لعبة.
الطفل:
"بابا! ماما بتقولك سيب الموتور وتعالى اتغدى! الأكل هيبرد!"
يوسف وهو يخرج من تحت سيارة:
"حاضر قول لماما جاي حالًا!"
دُرة تطل من المكتب الزجاجي المكيف، مرتدية بدلة مهندسين أنيقة، وتتابع العمال عبر كاميرات المراقبة. تلوح له من خلف الزجاج:
"يوسف! سيب الشحم ده وتعالى! ابنك هياكل المفتاح!"
ضحك يوسف، وحمل ابنه، ورفعه على كتفه.
نظر إلى الجوانتي المحروق الذي لا يزال معلقًا في مكانه، يشهد على كل شيء.
ثم نظر إلى زوجته، إلى عائلته، إلى حلمه الذي تحقق.
وقال بحمد:
"الحمد لله. الورشة كبرت... والعيلة كبرت... وقلب الأسطا... لسه بيدق، ولسه بيحب.
تمت بحمد الله
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا
وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك
كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك