
رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل الرابع 4 بقلم عاصم زاهر خليل
🔥 "الوهج الناري وزلزال الكهف"
على أطراف الغابة السوداء، خيّم ذهولٌ ثقيلٌ وصدمةٌ ألجمت الألسن. كان عاصم واقفاً في مكانه، تتجمد الدماء في عروقه وهو يشهد جثة الساحر الغارقة بالدماء أمامه. في تلك الأثناء، كان زاهر يغرق في لُجّة من الرعب على عائلته؛ فالسحرة الآن عرفوا مكانهم، والقادم سيكون أشد فتكاً.
وفي عمق ذلك الرعب، تسلل الشك إلى عقل الفارس.. نظر إلى عاصم وتملكه تساؤلٌ حارق: "من هذا الطفل بحق الجحيم؟!".
التفت زاهر نحو عاصم، وعيناه تشتعلان بالريبة: «ذئب.. من أنت؟ ولماذا لم يؤثر سحر الموت فيك؟»
ارتبك عاصم، وتلعثمت الكلمات على شفتيه: «حتى أنا.. أنا متفاجئ! لا أدري ماذا حدث حقاً!»
تراجع زاهر بخطوة للوراء، وحدّث نفسه: «هذا الطفل ليس عادياً أبداً.. هناك سرٌّ مظلم يكتنفه، ويجب أن أكتشفه بنفسي، لكن الوقت الآن لا يرحمنا».
أطلق زاهر نظرة تفحص حادة اخترقت ملامح عاصم، فلم يجد فيه أي أثر لقوة خارقة. ولكن، وعندما كان على وشك خفض عينيه، لمح شيئاً جعله يتسمر في مكانه.. الرمح الصدأ!
في قبضة عاصم، كان الرمح ينبض بوهج خفيف جداً، خافت بالكاد يُرى بالعين المجردة، وبدأت قشور الصدأ تتساقط عنه ببطء شديد. شخصٌ عادي لن يلاحظ هذا التغير الطفيف، لكن زاهر لم يكن شخصاً عادياً.. إنه فارس متمرس وشديد الملاحظة.
هنا، انجلت الحقيقة لزاهر كصاعقة: السر ليس في عاصم، السر يكمن في هذا الرمح اللعين!
كتم زاهر سرّه ولم ينطق بكلمة، بل صاح محفزاً: «دعونا نتحرك من هنا فوراً!»
انطلقوا كالسّهام بين الأشجار المتشابكة، يمزقون عتمة الغابة، لا يلتفتون خلفهم، وكل خطوة تزيد من توجسهم من أن يكون السحرة قد بدؤوا بالاقتراب وهم يسمعون أصوات الرياح تضرب الأشجار وتبعث الرهبة في نفوسهم.
لكن عاصم كان في عالم آخر، غائباً عن وعيهم، يغرق في تساؤلاته: لماذا شعرت بتلك الحرارة الشديدة تسري في الرمح عندما هاجمني الساحر؟ هل كان ذلك حقيقة، أم أن الرعب والتوتر خيِّل إليه ذلك؟
لكن الأكيد، أنه في تلك اللحظة الرهيبة، أحس وكأن الرمح قد التحم بجسده، أصبح جزءاً من روحه وليس مجرد أداة جامدة يمسكها بيده!
كان زاهر يراقب شروده ونظراته المعلقة بالرمح، فتيقّن الفارس أن عاصم شعر بشيء ما، وعرف في الوقت نفسه أن الفتى مسكين لا يفقه شيئاً عن حقيقة القوة المرعبة التي يحملها.
استمر الصمت والتفكير يعصف بعقولهم حتى قادتهم الخطى إلى فوهة كهف سحيق.
تقدموا إلى الداخل، ومع أولى خطواتهم، ابتلعهم ظلامٌ دامس حجب عنهم كل رؤية. توغلوا بحذر شديد، تتلفت عيونهم رعباً وترقباً. وعندما وطأت أقدامهم منتصف الكهف، سرت قشعريرة في أجسادهم؛ لقد شعروا جميعاً بأنهم محاصرون ومراقبون من قِبل أزواج لا تحصى من العيون المتوهجة في الظلام!
انتابهم خوفٌ صاعق، وكان عاصم أول من رصد التحرك، فنظر نحو العيون مباشرة هو وزاهر، وتأهبوا للقتال في الحال.. وفي تلك اللحظة، هجمت عليهم تلك الكائنات دفعة واحدة!
رفع عاصم الرمح بكلتا يديه غريزياً ليحمي وجهه من الموت المحتوم.. لكن، لم يحدث ما توقعوه! لم تكن تلك الكائنات سوى سرب ضخم من الخفافيش العملاقة. وبما أن الخفافيش ترى في أحلك الظلمات، فقد أبصرت الرمح بوضوح مرعب، فالتفت بحلقات سريعة نحو سقف الكهف، وهربت مذعورة من فتحة صغيرة في الأعلى.
وهنا.. انطلقت المعجزة!
توهج الرمح في يد عاصم فجأة بوميض أحمر ناريّ، متفجر ويعمي الأبصار، أضاء أركان الكهف المظلم كأنه شمس انفتحت في جوفه. في ثوانٍ معدودة، تلاشى كل الصدأ عن جسد الرمح ليظهر معدنه الفخم، وطار ببطء وهيبة ساحرة من يد عاصم تحت أنظار الجميع المخنوقة بالصدمة والرعب الحقيقي!
استقر الرمح في الفتحة العليا التي هربت منها الخفافيش، متخذاً وضعاً أفقياً مهيباً، ثم دار نصف دورة محورّية، ليزداد سطوعه لدرجة تكاد تعمي الأعين. ومع تلك الدورة، اهتزت جدران الكهف بعنف، وتساقطت الحصى والصخور من السقف، كأن زلزالاً مدمراً يضرب الأرض من تحتهم..