
رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم رشا روميه
« إتفاق مشروط »
"الجزء الثاني"
وبين كل قصد وتفسيره ظن وليتنا نعلم بأن بعض الظن إثم ، لِمَ تَترُك فِكرك للظنون فربما كان إحساس القلب صدقٌ يُخبرَك ، فإن تشوشت أفكارك وحل الظنون برأسك تذكر أن القلب لا يكذب ..
المخابرات العامة (مكتب عهد )...
مسحت فوق شعرها الأسود بتوتر فكم كان لقائها به محطم لثبات أعصابها ، صامدة كالجليد بمهب رياحه الساخنة التى كادت أن تذيب ثباتها وقوتها ، لم تكن كالصخر معه بل تبدلت ، إستطاع أن يغير بداخلها ما ظنت أنه لن يتغير ، حتى أنه أظهر ما لم تكن تظن أنها تملكه ...
جلست تستجمع شتاتها بإضطراب ..
- إيه الورطة دى يا ربي .. يعني عشان أشتغل لازم أكون معاه ...
ثم أردفت مستنكرة إحساسها بالضعف أمامه ...
- مينفعش أبقى ضعيفة كدة معاه ... فرِقت إيه عن ماما وخالتي "زكيه" و "وعد" ... مهما كان إللي جوايا و إللي مش لازم مخلوق يحس بيه .. لازم أكون قوية محدش يقدر يهزني ...
رغم إحساسها بالضعف حين قابلته منذ قليل إلا أنها أقوى من أى شئ وستسطيع إخفاء هذا الشعور بداخلها حتى تقضى عليه تمامًا فلن تسمح لقلبها أن يفرض سطوته عليها ، إنها قوية وستظل قوية ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
إنتبهت لطرقات دقت بابها لتسمح للقادم بالدخول لتفاجئ بعودة "طه" والذى كان من نصيبه تلك النظرات المشمئزة الغاضبة ...
- إنت تاني ...!!!!
إنها متمردته مهما فعلت يسرى عشقها بأوردته فتقدم دون الإكتراث لإسلوبها الفظ فهو يدرك أن خلف كل تلك القسوة قلب من ألماس يتمنى أن يحظى هو به ، بثقة شديدة تمرس عليها لعدة دقائق قبل أن يدلف إلى مكتبها تحدث "طه" ...
- أيوة يا "عهد" ... أنا جاي أكلمك فى موضوع مهم أوى مينفعش يتأجل ...
تطلعت نحوه دون تعقيب بإنتظار أن يلقي ما في جعبته ويتركها ليستطرد "طه" على الفور ...
- "عهد" ... إحنا زملاء من فترة وإشتغلنا مع بعض وفهمتك كويس ... عارف إنك إنسانة مختلفة عن الـ ...
قاطعته بتملل ...
- إنجز ... ملهاش لازمه المقدمة الطويلة دي ... إدخل في الموضوع على طول ... خليك واضح وبلاش لف و دوران ...
حدتها المباشرة جعلته يشعر ببعض الإرتباك ليستكمل ...
- تمام ... "عهد" ... أنا بحبك وعايز أتجوزك ... أظن مفيش وضوح أكتر من كدة ...
لم تتمالك ضحكتها الساخرة التى خرجت من شفاهها لتظهر حُسنها الذى تخفيه خلف وجهها المقتضب طيلة الوقت ...
- والله ضحكتني يا "طه" ...( ثم تجهمت وحدجته بنظرة حادة ) .. إنت بتهزر صح ..؟؟؟!!!
إبتلع ريقه بإضطراب ثم أكمل ببعض الثبات ...
- لا يا "عهد" مش بهزر ... أنا بتكلم بجد ... وإنتِ لازم تسمعي وتفهمي ... مش كل حاجة تاخديها بعنف كدة ....!!!
رفعت حاجبها بإستنكار لتقف من جلستها بتشدق وشموخ لتردف بإنفعال ..
- إنت مش حتفرض عليا أسمع إيه ومسمعش إيه ... وخليك فى حدودك يا حضرة الضابط ... أنا لحد دلوقتِ بكلمك بإحترام .. مفيش داعي تخليني أقل منك ...
دنا "طه" تجاهها يريد لو تمنحه فرصته لإيضاح مدى صدقه وحبه لها ليتحدث بنبرة ناعمة حالمية فربما تشعر به ...
- بلاش القسوة دي ... "عهد" أنا بحبك ... ونفسي يجمعنا بيت واحد .. صدقيني إنتِ لو لفيتي الدنيا بحالها مش حتلاقي حد يحبك قدي ...
كلمات حانية لكنها بالوقت الخطأ ومن الشخص الخطأ ، أخطاء لا يمكن لنفسها وقلبها تحملها ، هل ستصبح زوجة مستضعفة يتحكم بها أحدهم !!! هل ستصبح كأمها وأختها وخالتها تتقبل حياة كريهة لمجرد وجودها بكنف رجل !!! مجرد تخيلها لتلك الحياة جعلها تصرخ رافضة ...
- لااااااااا ... لا أنا عاوزة أتجوز ولا عاوزة حد يحبني ... أنا عاوزة أفضل زى ما أنا كدة ...
إستنكر "طه" رفضها المطلق قائلًا ...
- بس كل بنت مسيرها تتجوز ... إيه .. حتترهبني ...؟؟!!!!! إفهميني يا "عهد" ...
قاطعته مرة أخرى وقد إزدادت حدتها ولمعت حدقتيها ببريق منفعل ...
- مش عاوزة أفهم حاجة ... لأ يعني لأ ... ومتكلمنيش في الموضوع ده تاني نهاااااائي ... فاهم ... ودلوقتِ إتفضل من غير مطرود عندي حاجات مهمة عايزة أخلصها قبل الإجتماع ...
لملم "طه" كرامته المهدورة برفضها التام والتمسك بحدتها ووحشيتها وضربها لمشاعره عرض الحائط ليخرج من مكتبها بضيق بالغ لكنه لم يفقد الأمل بإعادة طلبه بوقت آخر ، فربما تحتاج أن يثبت لها مدى عشقه لها ليحظى بموافقتها ، وعليه إثبات لها ذلك بالقريب ...
❈-❈-❈
بيت النجار (شقة فريد) ...
أسرعت "حنين" بخطواتها المتعجلة تجاه الباب لتغلقه أولًا حتى لا يسترق أحدهم السمع إليهم لتعود مرة أخرى تجاه "فريد" الذى جلس بزهو مما قد توصل إليه مع "حامد" بالأمس ...
جلست تهمس بصوت خفيض متسائله ...
- قولي بقى بالتفصيل الممل "حامد" قالك إيه ...؟؟! وناوي يعمل إيه بالضبط ...؟!!
بتفاخر شديد أخذ "فريد" يقص عليها حديثهم كاملًا ثم عقب ...
- يعني كدة إن أى شحنة حقوله على تفاصيلها ممكن يبعت فيها حاجة لو طلعت من الميناء لينا نصيب فيها ... ولو إتمسكت يبقى إحنا في السليم ويلبسها "مأمون" لأن هو إللي بيمضي بالإستلام ...
مالت "حنين" بفمها بسعادة فأخيرًا ستقف بأبواب الثراء وتجدى حياتها مع هذا المعتوه نفعًا لتهمس بتأمل ...
- ياااه ... إمتى يجي اليوم ده بقى ...
- على طول يا "نونه" ... أنا جبت له تفاصيل شحنات لسه مطلعتش من بلدها ... لقيتها فى مكتب أبويا ... أنا جبتها معايا أهى ... عشان أديها لـ"حامد" النهاردة ...
لمعت عينا "حنين" ببريق طامع ...
- يا حبيبي يا "فريد" ... أنا مش مصدقه إن بيننا وبين الفلوس خطوة ...
وقفت "حنين" بإستعراض تمثيلي لما تتمناه في خيالها ...
- ونقب على وش الدنيا ... وأشتري دهب ... دهب كتير .. أكتر من أمك ... وهدوم ومجوهرات وأكل ... أكل كتير أوى ... وأسيب البيت العره ده ونسكن فى سرايا كبيرة ... مليانة خدم وحشم ... يااااه ...
ظل يتابعها "فريد" ببلاهة متخيلًا تلك الحياة الرغدة التى تحلم بها "حنين" وهو معها فما عليهم سوى تنفيذ إتفاقهم مع "حامد" لينالا مال لم يقدرا حتى على الحصول عليه بأحلامهم ....
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
الشيخ كرامه ...
أجواء يملؤها إنقباض للنفس لما تهيمن به روح الشعوذة والدجل التى يخدع بها ضعيفي النفوس كتلك الجالسة بإنتظار أن يسمح لها صاحب الكرامة كما يطلق عليه باللقاء الميمون ...
تَقَصَد "كرامه" أن تجلس "صباح" لبعض الوقت يتلف بها أعصابها ويسيطر على تفكيرها بأسحاره وكراماته حتى يسلب مالها الذى ستغدقه عليه لقاء ما سيقوم به ...
حتى حان اللقاء لتدلف "صباح" للغرفة ذاتها التى قابلته بها من قبل ليزيد من الأبخرة والدخان الكثيف ليرجف نفسها المهترئة ...
- حــــــــــــــي ....
قالها "كرامة" بصوته الخشن لتنتفض "صباح" المغيبة لها لتبتلع ريقها المتحجر وهي تلقي ما تعرفه عن دينها فقط ...
- سلام عليكم يا شيخنا ...
- السلام على من إتبع الهدى .... إقعدي عندك ...
بصوت مفخم مزيف خرج من حنجرته ليزيدها رهبة به لتنصاع على الفور لأمره جالسة فوق المقعد البعيد متسائله ...
- إيه الأخبار يا شيخ ... عملت لي العمل ...؟!!!
دفع بأصابعه للهواء كما لو كان يكلم أشخاص غير مرئية ..
- أعذروها ... جاهلة متعرفش حاجة ...
حلقت بأعينها الزائغة حولها دون رؤية من يتحدث معهم ...
- هاه ... هم مين ...!!!
نظر نحوها بأعينه الملطخة بالسواد ...
- الأسيــــــاد ...
ضربت صدرها بكفها عدة مرات بفزع قبل أن تبصق بداخل ملابسها ...
- ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم ...
ألقى "كرامه" بعض البخور بالموقد ليزداد الدخان كثافة قائلًا ..
- العمل إتعمل ... خرااااب ومرض و فراق وهم ....
إتسعت بسمتها بشماته لتتأكد ...
- والنبي صحيح ...
- وأكتر ... كلها كام يوم وتشوفي البشاير بعينك يا "صباح" يا بنت "جمالات" ...
أخرجت "صباح" دفعة جديدة من الأوراق المالية لتضعها فوق الطاولة ...
- وأنا جاهزة لأى طلبات ... من جنية لألف ...
لم يشأ "كرامه" أن ينهي معاملته معها وفكر بإستغلالها لكسب المزيد من المال ...
- وبعد إسبوع تجيلي حكون عملت لك عمل تاني وتالت ... ما هو الأعمال دي لازم تتجدد ...
- وماله يا أخويا ... وأنا سداده ...
لاحت بسمة ماكرة فوق ثغر "كرامه" الذى وجد بئر يستطيع أن يربح به بالسيطرة على عقل تلك الجاهلة التى ستنساق لخداعة ودجله مستغلًا سواد قلبها ونفسها الضعيفة البعيدة عن الله وظنها أن للإنسان قدرة على أذية مخلوق مثله دون إرادة الله الذى قال ﴿ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ﴾ ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
حي النعماني (مكتبة بحر) ...
ستبقى بداخلي سرًا وحلمًا أتتوق لواقعه وأنتِ لا تشعرين ، هل يمكن للقلب أن يخبئ إرتجافه دون أن يشعر المحبوب ، هل سيظل عشقي حبيسًا بين أضلعي رفقًا بقلب أحب في صمت تمنى أن يصرخ بمكنونة للعلن فإني أحب غافلتي ...
تاه "بحر" بتفاصيلها الرقيقة وهي تتحدث عن الكتب الجديدة وما وضعته هنا وهناك ، لم يفقه كلمة مما تفوهت به فقد شرد بدقات قلبه تجاهها دون أن تدرى عنه شيئًا ، عشق لم يعد يتحمل بقائه سرًا ...
أخذ يتردد هل يخبرها الآن بعشقه لها أم ينتظر بعد ...
رفعت رأسها الصغير لتتعلق سوداوتيها المتستعتان به قبل أن تستكملها ببسمتها العذبة قائله ...
- إيـــــه ... إللي واخد عقلك ... سرحان كدة ليه ...؟؟!
إنتبه لها "بحر" بعودته من شروده المتيم ليجاوبها بإهتمام ...
- هاه ... لا أبدًا ... معاكِ ...
أسندت وجنتها بقبضتها ثم وضعت مرفقها فوق الطاولة تستكمل تحديقها به ...
- لا واضح ... بقالي شويه بكلمك وإنت مش بترد عليا ...
ضحك بخفة ثم تابع وهو يجلس بالمقعد المجاور لها ..
- يعني معلش .. سرحت شوية ...
بفراسة بغير محلها عقبت "نغم" ...
- اااه ... شكل البنت إللي إنت بتحبها شاغله دماغك ... ما تقولي هي مين وأنا أكلمهالك ...
دارت عيناه بإضطراب متحيرًا هل يخبرها أم لا ، فربما تلك إشارة أخيرة لإخبارها ، تحفز "بحر" لقرار توتر للغاية حين إتخذه قائلًا بنبرة يملؤها الوله لتلك اللؤلؤة التى سرقت قلبه وأنارت حياته القاحلة ..
- يا ريت ... يا ريت يا "نغم" ... أنا بحبها أوى أوى ... ونفسي تحس بيا ...
ضمت شفتيها الصغيرتان بتحفز ثم أردفت بحماس ...
- طب يلا ... مستنى أيه ... قول مين هي وأنا حقولها على طول ...
تهدج صدره للحظات لإضطراب تنفسه وتعالى ضربات هذا الخافق بين ضلوعه ليهمس بعشق حالمي ...
- إنتِ ... إنتِ يا "نغم" ... بحبك إنتِ ...
تلاشت بسمتها تدريجيًا لتطالعه بصدمة قوية لم تستطع إخفائها لتردف بعد صمت دام للحظات بنبرة متحشرجة ...
- بتحب مين ؟؟!
- إنتِ ...
إرتفع صدرها الناهج بإضطراب فقد حاول عقلها رفض تصديق الأمر ...
- لأ طبعًا ... إنت أكيد قصدك حد تاني ... أنا لأ ...
لم تكن عيناه لتخطئ هدفها حين تطلع نحوها بهيام أرادت لو تعود لغشاوتها السابقة حين أجابها ...
- قلبي لا يمكن يغلط ... قلبي بيحبك إنتِ يا "نغم" ... وعمره ما يملاه غيرك ...
إرتجاف قوى سرى بجسدها وهي تنهض من جلستها كمن سكب ماء باردًا فوق رأسها للتو ...
- لأ لاا لالالاااا ... أنا لأ ... أنا مينفعش ...
أخذت تشير بسبابتها رافضة لعشقه وتصريحه لها بحبه ، لم تكن تظن أنها هي المقصودة من حديثه السابق ، لم تكن لتتخيل ذلك مطلقًا..
زاغت عيناها بحيرة فماذا ستفعل الآن هل تترك العمل وتتخلى عن الفرصة الوحيدة التى سنحت لها ، أم تقبل وجودها معه وهي تعلم ما بقلبه ...
كيف ستقبل بذلك وعشق "مأمون" متوغلًا بداخل قلبها ؟؟! إنه لا منازع له فهو حبيبها الأوحد حتى لو كان من جانبها فقط ...
شحب وجهها بصورة أقلقت "بحر" ليشاركها وقفتها بوجه مقتضب ...
- مالك ... ليه تحسي إنك مخضوضة كدة ... هو أنا كلامي ضايقك للدرجة دي ..؟؟
لملمت شفتيها الصغيرتان بتوتر دون معرفة كيف تنهى هذا الأمر فهي لا تحسن التصرف مطلقًا لتجيبه بتوجس ...
- أنا ... أنا ... مش عارفه ... أصل اااا ...
برغبةٍ ملحة من هذا العاشق حاول لفت إنتباهها لمشاعره وأن تعطيه وتعطي نفسها الفرصة لذلك ...
- أصل إيه بس ... حقيقي يا "نغم" أنا بحبك ويا ريت متتسرعيش وتدينا فرصة يمكن نقرب من بعض ...
زاغت عيناها بإضطراب شديد حتى ظهر جليًا على ملامحها التخوف وربما الفزع لتلتزم الصمت الذى جعل "بحر" يشعر بأنها على غير سجيتها ، بل انه ربما يزيد الأمر بالضغط عليها وهي غير مستعدة ومتوقعه لذلك ليجيبها بغصة ...
- عمومًا إعتبري إن أنا مقولتش حاجة ... أنا مش حضغط عليكِ ... وأسبب لك أى قلق ... أنا بس كنت بقول إللي جوايا ... ومش فرض عليكِ في أى حاجة ...
رفعت سوداوتيها الواسعتان تجاهه فكم هو متحضر بشكل مفاجئ ، زادها رد فعله إحترامًا له لتومئ بخفة كغريق وصل لبر الأمان ...
تألم قلبه برفضها الهادئ جعله يفضل الإنسحاب الآن فيبدو أن اليوم ليس بأسعد أيامه ...
- أنا عمري ما حضايقك .. ولا أضغط عليكِ ... وإحنا بنشتغل مع بعض كأن محصلش حاجة ... وأوعدك مش حفتح الموضوع ده تاني خالص طالما ضايقك بالصورة دي ....
نكس عيناه قليلًا ليردف بضيق حاول إخفائه كأن الأمر لم يؤثر به لكن ذلك كان جليًا للغاية ...
- بعد إذنك .. عندي مشوار مهم لازم أروحه ... سلام ..
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
فضل الهرب عن البقاء بهذا الوضع المتأزم لحين أن يهدأ قلبه المفطور فيبدو أنه كان بعيدًا للغاية عن قلبها وفكرها ..
شعرت بالحزن تجاهه لكنها لن تقبل عشقًا فقلبها ممتلئ بما لا يمكن إستبداله مهما حدث ....
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
المستشفى ...
بقلب مرهف لمن يحتاج الرحمة والشفقة فصدق من أسماهن ملائكة الرحمة ، وقفت "شجن" إلى جوار "أيوب" الجالس فوق أحد المقاعد المتحركة لا حول له ولا قوة ، مالت برأسها للأمام قائله ...
- خلاص كدة ... قاعد مرتاح ...
بملامح مستكينة أجابها "أيوب" ...
- الحمد لله يا بنتي ...
رفعت رأسها تجاه الطبيب لمرة أخرى متسائله ...
- خلاص يا دكتور ... نمشي بقى ...؟؟؟
أجابها الطبيب على الفور ...
- مفيش مشكلة ... وأى متابعة مع المستشفى يحجز بس قبلها عشان السفر ...
- إن شاء الله ...
دفعت "شجن" بالمقعد المتحرك فقد حان مغادرة المستشفى لإستقرار حالة "أيوب" رغم إصابته التى أقعدته عن الحركة ...
- يلا بينا يا عم "أيوب" ..
توقفت "شجن" حين وصلت لباب المستشفي وقد راودها القلق من بقائه بمفرده ..
- إبقى طمني عليك يا عم "أيوب" أنا مش عارفة حتعمل إيه لوحدك ...
- ربنا كريم يا بنتي .. وبرضة لو وافقتي على إللي قلت لك عليه كلميني ...
رغم تيقنها بأن هذا أمر يستحيل حدوثه إلا أنها أجابته بلياقة ...
- حاضر ... خد بالك إنت من نفسك .. وأنا حبقى أتصل بيك عشان أطمن عليك ...
أشار "أيوب" تجاه إحدى السيارات قائلًا ...
- العربية أهى إللي حتوصلني ...
رفعت "شجن" رأسها تجاه السيارة المستأجرة التى سيستقلها "أيوب" للمغادرة والعودة إلى بلده وبيته ، ساعدته للركوب لينطلق سائقها مبتعدًا عنها وهي تلوح له مودعة ليترك بقلبها إحساس منكسر كمن فقدت والدها للمرة الثانية فقد تعلقت بهذا الرجل بقوة ...
❈-❈-❈
شركة عسرانكو للإستيراد والتصدير ...
وإن كان للغير مهابة فلن تهز من الجبال حصوة ، بزيارة مفاجئة من السيد "عسران" صاحب شركة عسرانكو لموظفه الجديد "خالد دويدار" ليتابع سير العمل ..
لم تكن تلك الزيارة سوى إسقاط لكِبر نفس من "عسران" بوجود قامة كالمستشار "خالد دويدار" يعمل تحت إمرته بالشركة ليخطو إلى داخل المكتب بخيلاء وتعالي ...
- ها ... إيه الأخبار ...؟؟!
لم يكن من "خالد" إلا برفع حدقتيه فقط من خلف نظارته الطبية يطالع من حضر للتو دون الإكتراث بتلك الغطرسة الفارغة التي يقوم بها ، وبثقة تامة يتحلى بها وضع قلمه بهدوء شديد فوق المكتب ليعلن بذلك تفرغه لزائره المريب ...
إلتزم "خالد" الصمت لبعض الوقت قبل أن يجيب بتساؤل هادئ به نبرة إستنكار لطريقة تساؤل الزائر المتعالية ...
- أخبار إيه ...؟؟!
أجابه "عسران" بإيضاح محدود الذكاء ..
- حيكون إيه يعني ... الشغل طبعًا ...
كان من إتفاق "خالد" مع "فوزي" أن عمله بالشركة مستقل تمامًا ، لا رقيب ولا محدد لعمله لهذا لم يكترث لهذا الرجل ليجيبه وهو يعود لقراءة ما يتابعه ...
- تمام ... الشغل تمام ...
قبض "عسران" كفه يكبح غضبه من هذا المخلوق الغير مبالي لوجوده ، فجميع العاملين من صغيرهم لكبيرهم يوقرونه ويحسبون لوجوده ألف حساب ...
تطلع بأعين مغتاظة تجاه مساعده الذى يرافقه بهذا المرور على العاملين ليسرع المساعد بتنبيه "خالد" بماهية هذا الرجل ليزيد من التبجيل والتملق كما يود "عسران" ...
- يا حضرة المستشار ... ده الأستاذ "عسران" ... صاحب الشركة ..
لم يزد "خالد" عن هدوئه شيئًا ليردف ببعض الترحاب الباهت ...
- أه تمام ... أهلًا و سهلًا ...
كز "عسران" على أسنانه قائلًا ...
- إنت مشغول أوى كدة ...؟!!!
أجابه "خالد" بثقة متناهية لكن بلياقة وذوق عالٍ ...
- أيوة مشغول ... لو محتاج حاجة إتفضل ...
لم يكن يريد سوى تملق معتاد من الآخرون يقوم به رجل بمكانة "خالد" لكن الأمر يبدو أنه صعب للغاية ليفضل "عسران" المغادرة حتى لا تقل هيبته لأكثر من ذلك بتجاهل "خالد" ...
- لأ لأ شكرًا .. كمل شغلك ... كمل ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
قالها ببعض الغرور أثناء مغادرته لكن "خالد" لم يكترث بهذا النقص بالنفس فهو يدرك تلك الفئة من الناس التى تستشعر قوتها بالتعالي على من يعملون لديهم لكنه لن يمكنه من تلك الفرصة مطلقًا فهو أرفع من ذلك ...
❈-❈-❈
مستشفي الأمل (منار) ...
تحضرت "منار" للمغادرة للبقاء مع "غدير" كما طلب منها "عيسى" حين إسترعى إنتباهها صوت أنثوي مألوف للغاية أثناء إنشغالها بلملمة أغراضها قبل الرحيل ...
- أنا قلت أعدى عليكِ ... من زمان مشوفتكيش يا دكتورة ...
تهلل وجه "منار" بتألق لرؤية إبنة خالتها "هالة" التى لم ترها منذ بعض الوقت ...
- "هالة" ...!! إزيك يا حبيبتي وحشاني ...
تقدمت تلك المرأة الطويلة ذات المنكبين العريضين والوجه القمحاوي المستطيل ..
- حبيبتي يا "منار" .. فينك وحشاني جدًا ...
جلست "منار" وهي تدعو "هالة" لمرافقتها ...
- أقعدي يا حبيبتي .... ما إنتِ عارفه مشغولة إزاى خصوصًا لما "خالد" طلع معاش ...
بتفهم شديد لمشاغلها أجابتها "هالة" ..
- عارفة حبيبتي ... عشان كدة كنت هنا فى المستشفى قلت أحود عليكِ أشوفك ...
بإمتنان لوجودها وتفقدها من وقت لآخر ...
- ربنا ما يحرمني من سؤالك ده ... بس قوليلي ... خير جايه المستشفى ليه بعد الشر ...؟؟!
زمت "هالة" فمها جانبيًا بتحسر ...
- مرات "علي" إبني مدوخاني والله ... تعبانة وعندها مشاكل فى موضوع الحمل ... فقلت آجى هنا أشوفك وأسألك على دكتور كويس هنا فى المستشفى ...
دارت "منار" بعينيها لوهلة ثم أردفت ...
- اه حبيبتي ... ربنا ييسر لها الأمر يا رب ... بس أقولك ... العيادة بتاعتي أجرها دكتور شاطر يا "هالة" وده تخصصة .. الحمل وأطفال الأنابيب والعقم ... أسمع إنه ممتاز ...
إتسعت عينا "هالة" بسعادة لتردف بإمتنان ...
- بجد والله ... يا ريت ... خلاص من بكرة نروح له طالما شاطر كدة ... ( ثم أنهت حديثها بدعاء أثار حفيظة "منار" قليلًا ) ... ربنا يرزقهم ويخلف على "عيسى" يا رب وتفرحي بأولاده يا رب ...
أجابتها بنفس متتوقة ..
- يا رب ...
بالطبع تحب "غدير" ولا يهمها التدخل بينها وبين "عيسى" لكنها تتمنى أن تقر عينها برؤية أحفادها وأن يرزق "عيسى" بالذرية الصالحة ...
بعد جلسة حميمية بينهما غادرت "منار" برفقة إبنة خالتها وهما تتجاذبات أطراف الأحاديث من هنا وهناك خاصة بما يخص أبنائهم لتعد "هالة" بزيارة قريبة لـ"منار" وعائلتها ...
❈-❈-❈
بيت محفوظ الأسمر ...
يبدأ تنازلك حين تدفعك الحياة لمصافحة من كان يجب عليك صفعه ، لكن متى ينتهى هذا التنازل فهو كخيط غزل من الصوف متى بدأت جذب طرفه حتى ينحل بقية الغزل بطرفة عين دون أن تدرى ...
بملامح شرسة وأعين مترقبة وقفت "عتاب" بتوتر تنتظر خروج أخيها "محب" من غرفته لتلحق به قبل ذهابه للمعرض ..
ثوانٍ قليلة ولمحت طيفة يعيد إحدى خصلات شعره المنمق إلى الخلف وهو يخرج من غرفته ...
بسرعة شديدة تقابلت معه أمام غرفته فهي لم تمهله الفرصة للخروج إليها ...
- "محب" .. عايزاك ...
سحب "محب" شهيقًا طويلًا للغاية قبل أن يزفره بتملل وهو يقلب عينيه للأعلى ...
- فيه إيه تاني يا "عتاب" ؟!! ... ما تهدي بقى ...
بقوة وسيطرة على الأوضاع فقد أوشكت على إمتلاك كل شئ بين يديها ...
- بس ... إسمعني وإنت ساكت ...
- قولي وخلصيني ...
دارت للخلف أولًا لتتأكد من أن "وعد" ليست بالجوار ثم أردفت ...
- "وعد" خرجت إمبارح ... أكيد أكيد راحت لأختها عشان تخليها توافق على الجواز ..
تطلع نحوها "محب" بإهتمام منصتًا إليها بشدة ..
- وبعدين ...؟!!
دارت مرة أخرى حول نفسها بقلق لتدفعه نحو غرفته مرة أخرى قائله ...
- تعالى نكمل جوه ... أنا مش مرتاحه للواقفه هنا ...
دلف "محب" مرة أخرى لداخل غرفته لترافقه "عتاب" ثم أغلقت الباب من خلفهم قبل أن تستطرد ...
- بص بقى ... إحنا خلاص دخلنا في الجد ... ولازم نعمل إللي إتفقنا عليه ... حقنا مش حيرجع إلا لما ناخده من البلوة دى ... فاهمني ...
مال "محب" بجذعه قليلًا للأمام وهو يلوح بكفيه بتحير ...
- ما تقوليلي حتعملي إيه وتخلصيني ... أنا زهقت يا "عتاب" ...!!!
رفعت حاجبها بمكر لتردف بقوة ...
- حقولك ... إحنا البت دى مكوشه على كل حاجة وعاملة فيها سهتانه وضعيفة وطيبة ... بس أنا متأكدة إنها هي السبب وراء كل إللي حصل ده ... فلوسنا لازم ناخدها منها ومن إبنها ... ولازم تبقى تحت عينك لحد ما تعرف تاخد الوصاية منها ... المهم دلوقتِ عايزاك تبلفها وتخليها خاتم فى صباعك ... عايزاها تديك كل حاجة من نفسها أصلًا ... مش عاوزين شوشرة ...
ضم شفتيه بقلة صبر ثم أردف ...
- والمطلوب مني ...؟؟!
- تِطلع لها دلوقتِ وتحدد معاها معاد كتب الكتاب ... وخليك حنين معاها ... وبعد كدة حقولك نعمل معاها إيه ...
تنهد "محب" طويلًا وهو يزيح "عتاب" عن طريقه ...
- طيب ... وسعي كدة ... أنا طالع لها ...
بسمة إنتصار علت ثغر "عتاب" فهي المسيطرة وها هو "محب" ينفذ كل ما تطلبه منه دون تأخير فيبدو أن ربحها قريب للغاية ، فـ"وعد" إما أن تقبل شرطهم بالزواج من "محب" أو يسلمونها للشرطة بتهمة قتل "عاطف" ووقتها ستؤول الوصاية لـ"محب" ، لكن "عتاب" لن تتخذ طريق ربما تخسر به أو تتعطل بمكسبها ولن تتحمل مسؤولية طفل هي بغنى عنها فإجبار "وعد" أيسر الطرق وأقصرها ....
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
شقة "وعد" ...
طرقات ناعمة دقت بابها لتتوجس من الطارق لكن عليها تلبية صاحبها ، فتحت الباب برفق ليطل وجه "محب" يدنو من "وعد" قائلًا بهمس حالمي غريب على مسامعها ...
- صباح الخير ...
إبتلعت ريقها المتحشرج قبل أن تجيبه بتوتر ...
- صباح الخير يا "محب" ...
سلط حدقتيه الساحرة بخاصتيها الزرقاوتين مستكملًا بنبرة حانية للغاية ، نبرة لم تطرق لسماعها من قبل ...
- حبيبتي عاملة إيه ...؟!!
كلمة إخترقت سماعها لتذوب بقلبها المشتاق لكلمة حانية فكلمة (حبيبتى) تقال لها لأول مرة بحياتها ، فكم إشتاقت لكلمات محبة لكن ليس من هذا الرجل ، تهدج صدرها بإضطراب لتردد بإستغراب ...
- حبيبتك ...؟؟؟
تقدم خطوة أخرى حتى كادت تهوى أرضًا لشدة قربه منها حين أثنى جذعه ليهمس بنبرة عاشقة بجانب أذنها ...
- حبيبتي و روحي إللي عايش عشانها ... ده أنا ما صدقت إنك وافقتي نتجوز ... قوليها وريحيني ...
إختلج قلبها المتصارع بدقاته بداخلها لتجيبه بتحشرج ...
- أقول ... أقول إيه ...؟؟؟
- تتجوزيني يا "وعد" ...؟؟!
رفعت زرقاوتيها تتطلع بملامحه الوسيمة عن قرب وقد فاهت بتشتت فهل لها رفاهية الإختيار ، لقد فُرض عليها إتفاق مشروط وقبلت به رغمًا عنها ، إستكمل حالميته بقوله ...
- عاوزاني يا "وعد" ... تتجوزيني حبيبتي ... قولي ... وأوعدك ... إللي إنتِ حتقوليه ... حنفذه ... بس ... إرحمي قلبي إللي ما صدق الفرصة جت له ... "وعد" ... أنا بحبك ...
زاغت عيناها بتشتت فهل ترفض وتستقل بحياتها ، أم تقبل زواجها ممن نطق كلمة (أحبك) لأول مرة على مسامعها ...
لحظات من الصمت أنهتها "وعد" برد قاطع ...
الفصل الثاني والعشرون من هنا