رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل السادس 6 بقلم عاصم زاهر خليل

رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل السادس 6 بقلم عاصم زاهر خليل


 ​«وميض الرمح وقاهر الكوبرى»

في جوف الكهف السحيق، كانت الأنفاس محبوسة والقلوب تواجه اضطرابها، حيث جثا الفارس زاهر وزوجته سمية وبنتهما الصغيرة إسراء، يعتصر عقولهم التفكير بحثاً عن حيلة أو وسيلة ينتشلون بها عاصم من قاع تلك الهوة الملعونة.


​وفي ذروة ذلك الصمت الواجف، انشق العدم بغتة! وبزغ من رحم الفراغ جسدٌ مادي طفولي في التاسعة من عمره، يطوق عنقه قلادة تشع بوهج أسطوري يكاد يطمس ضياء الرمح المعلق في السقف. وما إن حطت قدماه على الأرض الصلبة بجانبهم، حتى بدأت تلك الأنوار العنيفة تخبو وتتلاشى، مفسحة المجال لخيوط الفجر الأولى لتشق عتمة الكهف.


​ومع انجلاء الغبار، تجسد المشهد بوضوح هائل؛ كان عاصم واقفاً هناك، تكسوه هيبة الملوك، والقلادة الذهبية تستقر على صدره بوقار مرعب. وفي تلك اللحظة، أصدر الرمح المعلق طقطقة خفيفة، ودار نصف دورة محورّية عكس اتجاهه الأول، ليسقط طيعاً مستقراً بجانب عاصم تماماً. هنا، خرقت الصغيرة إسراء جدار الصمت بصيحة مبهجة وقالت: «أنظر يا أبي! لقد عاد الذئب!»


​تحلق زاهر وعائلته حول الفتى مذهولين، وتقدم منه الفارس وسأله بلهفة: «يا ذئب.. أخبرني ماذا حدث معك في الأسفل؟»


أجاب عاصم بجمود وهو يحاول استجماع شتات نفسه: «لا شيء.. فقط شعرت وكأنني أهوي في فراغ سحيق، وعندما ارتطمت بالملجأ في القاع لم يمسسني سوء، بل ظهرت هذه القلادة بغتة أمام عيني، وما إن طوقت بها عنقي حتى وجدت نفسي بينكم مجدداً».


​هنا، تغلغلت الريبة في وجدان زاهر، وتيقن أن هذا الصغير الذي يلقب نفسه بـ "الذئب" ليس طفلاً عادياً بالمرة، وأن هذا الكهف والرمح والقلادة يرتبطون به برباط سحري غامض وضارب في القدم.


نظر زاهر إلى صدر الفتى وقال: «هل لى أن تعطيني هذه القلادة لأفحصها وأقارنها بالتي أحملها معي؟»


​ناول عاصم القلادة للفارس، فأخذ زاهر يقلبها تحت الضوء بتمعن دقيق، لكنه لم يجد فيها شيئاً غير مألوف سوى رسمة لتاج ملكي فخم مرصع بالجواهر، ونقش على وجهها الآخر حرف (أ) مكتوباً بـ الخط المسند اليمني القديم. أما القلادة الأخرى التي كانت بحوزة زاهر، فقد حوت كلمات قليلة ومبهمة عجز الفارس عن فك طلاسمها، فنفث بضيق وقال بحنق: «ما هذه الكلمات؟ لم أستطع قراءتها أبداً!»


​ثم تابع محاولاً حسم الموقف: «لا يهم الآن.. خذوا قسطاً من الراحة جميعاً، وسأخرج أنا لاستطلاع الأرجاء والبحث عن صيد نقتات به، فلا يمكننا البقاء هكذا بلا طعام».


أعاد زاهر القلادة إلى عاصم وهمّ بالخروج، فتشبثت به الصغيرة إسراء قائلة بخوف طفولي: «أبي! لا تذهب وتتركنا.. أنا خائفة جداً!»


التفت إليها الأب وربت عليها مطمئناً: «لا تخافي يا ابنتي، إن "الذئب" معكم هنا وهو سيحميكم بالتأكيد». ثم رمق عاصم بنظرة حازمة وقال: «لقد تركتهم في أمانتك حتى أعود».


​غادر زاهر مسرعاً دون أن ينتظر رداً من الصغير، لتخيم على الكهف مجدداً أجواء من الترقب الخانق. انزوت إسراء في حضن والدتها سمية، التي أخذت تمسد على شعرها وتقبل رأسها بهدوء وهي تهمس: «لا تخافي يا حبيبتي، سيعود أباكِ بعد قليل».


​في تلك الأثناء، كان عاصم جالساً بمفردة يقلب القلادة الذهبية بين أنامله بتمعن شديد، ولم يكن قد مد يده بعد ليرفع الرمح الراقد على الأرض. وفجأة، بدأ جسد الرمح يصدر ومضات ضوئية خافتة حركت فضول الفتى. اقترب عاصم منه ورفعه، ليتفاجأ بأن الرمح أصبح أخف وزناً بكثير من ذي قبل! وعندما تفحص نصله، لمح بصدمة نفس علامة التاج المرصع بالجواهر، وبجانبه نفس حرف (أ) المحفور بالخط المسند.


​لم يستمر تأمل عاصم طويلاً، إذ مزق سكون المكان صراخ ذعر وحشي انطلق من حنجرة إسراء: «آآآه.. أمي! إنها أفعى عملاقة!»


​انتفض عاصم واثقاً في مكانه، وتحركت جوارحه بشجاعة صنديدة لا تليق أبداً بطفل في التاسعة من عمره. تقدم بخطوات ثابتة نحو أفعى "كوبرى" مرعبة وخرافية الحجم، انبعثت من شقوق الكهف ووقفت تشهر أنيابها في وجه إسراء ووالدتها التي شلّ الرعب حركتها وألجم لسانها.


​صاحت إسراء ببكاء مرير: «أين أنت يا أبي؟ أرجوك أسرع لتنقذنا!»


وفي تلك اللحظة الحرجة، تمترس عاصم بجسده النحيل فاصلاً بين الأفعى والعائلة، مواجهاً الوحش وجهاً لوجه، ورغم التردد والتوتر الذي تملك ملامحه، إلا أن عزم البقاء كان أقوى. اقتربت الكوبرى منه وهي تطلق فحيحاً مرعباً وتخرج لسانها المشقوق باتجاهه، فاستجمع عاصم كل ذرة شجاعة في روحه، ومد الرمح نحوها.


​فجأة، أضاء الرمح إضاءة طفيفة كأنه يوجه رسالة تحذير صارمة للوحش، مما جعل الأفعى تتردد للحظات وتتراجع خطوة. لكن غريزة القتل دفعتها للهجوم مجدداً، ولما انقضت لتلدغه بصورة مميتة، أغمض عاصم عينيه بقوة ورفع الرمح بوجهها وصاح بكل ما أوتي من قوة: «ابتعدي عناااااا!»


​ومع تلك الصيحة، انفجرت طاقة الرمح العنيفة، وانطلق من نصله شعاع أحمر قاني كأنه كتلة من الجحيم المتفجر، ليصطدم مباشرة برأس الأفعى. إثر الارتطام، حدث انفجار مهول تزلزلت له جدران الكهف وبدأت صخوره تتشقق نتيجة الموجات الارتدادية العنيفة.


​كان عصف الانفجار مدمراً لدرجة أنه كاد يطيح بعاصم وسمية وإسراء ويسحقهم، ولكن في تلك الأجزاء من الثانية، انطلقت من القلادة المعلقة في عنق عاصم كرة هائلة وشفافة، غلفتهم جميعاً كدرع حصين. ضربت موجات الانفجار جدار القبة الشفافة كالصواعق المتتالية وانتشرت شرارتها في أرجاء الكهف، بينما ظل الثلاثة في مأمن تام داخل الدائرة.


​مرت دقائق معدودة حتى انقشع الضوء، لينظروا بذهول وصدمة لا توصف إلى جثة الأفعى العملاقة وهي تتلوى في نزعها الأخير على الأرض.. بلا رأس!


​صدح صوت الصغيرة إسراء بانباهار شديد وهي تقفز قائلة: «واااااو! أخي الذئب، أنت قوي جداً! عندما أكبر سأصبح مقاتلة مثلك تماماً!»


زجرتها أمها على الفور بملامح ممزوجة بالصدمة: «إسراء! اصمتي، ما هذا الكلام؟!»


​ثم التفتت سمية بنظراتها نحو عاصم، وغرقت في بحر من الأفكار والهواجس وهي تحدث نفسها: "هذه القوة المرعبة.. لقد كان أبي يمتلك نفس هذه القوة عندما..."


​لكن حبل أفكارها انقطع فجأة مع وصول زاهر، الذي اقتحم الكهف يركض بأنفاس متلاحقة، وجسده يتصبب عرقاً، ويمسك بيده أرنباً برياً كبيراً. نظر إليهم بهلع وقال: «ماذا حدث هنا؟! لقد سمعت دوي انفجار عنيف رجّ أركان المكان وأنا عند أطراف الغابة، فأتيت راكضاً بأقصى سرعتي.. طمئنوني!»..



                     الفصل السابع من هنا

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة