رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم الفصل الثامن عشر 18 بقلم رشا روميه

رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم الفصل الثامن عشر 18 بقلم رشا روميه


 « سأعترف بكل شيء»

"الجزء الثاني"

سكون يليه سكون ربما هذا الصمت هو الصديق الوفي الذى يصاحبها طيلة الوقت ، صديق لا يتغير ولا يجرح ولا يخون ...

قضت "عهد" ليلتها بنوم متقطع ونفس ضائقة ، تتمنى لو ترجع "عهد" القديمة التى لا تمتلك قلبًا ينبض ويتألم ، إدراكها لوجوده مؤلمًا للغاية ، لكنها يجب أن تكون غير ذلك ، فحتى إعترافها لنفسها عليها أن تنساه ، عليها إكمال حياتها كما تعرفها وليس كما إكتشفتها مؤخرًا ...


حل الصباح بعد ساعات طويلة ليبدأ يوم غير إعتيادي ، يوم ستتجلى به لقاءات يتجنبها الجميع ...

رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه

تجهزت "نغم" و "شجن" للذهاب لعملهم دون تغيير يذكر يإرتدائهم نفس ملابس الأمس فليس لديهم رفاهية التبديل العديدة لخياراتهم المحدودة ...

مرت الفتاتان ببطء من أمام شقة عمهما نزولًا نحو أسفل الدرج ليمرا بـ"حنين" التى مازالت تفتح باب شقتها تتابع المغادر والوارد على البيت بطبيعتها المتلصصة ...


تابعت أيضًا "صباح" خروجهن بهدوء تلك المرة ، فقد كانت تترقب خروجهن الآن فإثارة المشاكل معهما الآن ليس بذات الأهمية لما تخطط له ...

فور إدراكها برحيل بنات "زكيه" إتجهت على الفور بخطوات متعجلة لم تدنو من كونها سريعة بالمرة بل كانت كـ دب يتحرك بثنياته الثقيلة بين أرجاء الأثاث الضخم منعدم الذوق والوجاهة ...

أسرعت نحو إبنتها تسحبها من ساعدها قبل أن تهمس بتشدق ...

- يلا يلا ... بنات الخدامة نزلوا ...

قضمت "راويه" شفتيها بإستياء لما هى مجبرة عليه لتردف بتساؤل تدرك جيدًا الإجابة عنه مسبقًا ...

- إنتِ لسه مصممة ...؟!!

توسطت "صباح" خصرها بكفوفها الغليظة لتصدر أساروها صوت ضجيجها المحبب لتتحدث بصوتها الخشن ...

- نعم يا أختى ...؟!!!!! إنتِ لسه بتسألي ... غوري يلا على فوق ... وعلى الله ترجعي من غير القطر بتاعهم كلهم ... يا ويلك مني يا بت "فخري" لو مجيبتيهوش ...

لوت "راويه" فمها جانبيًا قبل أن تدب الأرض بقدميها الثقيلتان ...

- حاضر حغير هدومي وأطلع لهم ..

تطلعت بها "صباح" بدونية قبل أن تردف بحنق ...

- وحيفرق إيه عن اللي إنتِ متهببه ولابساه ...!!!

قضبت "راويه" وجهها الغاضب ثم ألقت عليها نظرة مختنقة من طريقة والدتها معها ، نعم هي تدرك أنها ليست جميلة بل دميمة قبيحة المظهر والمعشر أيضًا ، لكن لم لا تنفك والدتها بتذكيرها بذلك ، دائمًا ما تشعر منها بالنفور أليست إبنتها والتى يجب أن تُشعرها بأنها أفضل من الجميع ، ألا يقولون هذا بالأمثال الشعبية ( القرد في عين أمه غزال ) ، لم لا تراها غزالًا ولا حتى عنزة !! بل كل ما تفعله هو أن تحقر منها ومن دمامتها وعنوستها طيلة الوقت ، أجابت والدتها بنفس ضائقة ...

- طالعه أهو وأمري لله ... ولو إن أنا مبحبش أروح عندها ...

ألقت "صباح" حديثها السام بوجهها قائله ...

- أهو عشانك من عشاني يا بايرة .. ياللي مش لاقيه حد يعبرك ...

إتخذت "راويه" خطواتها البطيئة وهي تغمغم بحنق ...

- والله لو جالي صرصار لأوافق عليه و أخلص منكوا كلكوا ...

وضعت قدمها بدرجات السلم التى لم تصعد إليه منذ سنوات طويلة للغاية قد مضت ...

وقفت أمام باب شقة "زكيه" لبعض الوقت بعينان متوترتان وقلب خافق فتلك أول مرة تقدم على فعل مثل هذا لكنها بالنهاية إتخذت قرارها الحاسم ودقت الباب ...


زكيه ..

بعد مغادرة بناتها وإنشغالها بأعمال المنزل تفاجئت بطرقات تدق بابها ، إضطرب قلبها الضعيف ونظرت نحو الباب بتخوف فمن هذا الذى يدق بابها فلم يأتها زائر منذ وقت طويل للغاية ، زاد تفاجؤها حينما وجدت "راويه" تقف ببابها لتتسع حدقتيها بذهول قائله ...

- "راويه" ...!!!!

تكلفت "راويه" بإبتسامة مزيفة هزيلة للغاية قبل أن تردف ...

- صباح الخير يا مرات عمي ..

- صباح الخير ...

قالتها "زكيه" بتوجس من حضورها لكنها إنتظرت أن تبرر "روايه" مجيئها لزيارتها الغريبة وبهذا الوقت من الصباح ...

- أنا .. ااا ... كنت جايه أقعد معاكِ شوية ... أنا أصلي عايزة أسألك على حاجة ...

أشارت لها "زكيه" بطيب خاطر رغم توجسها نحو الداخل تدعوها للدخول ...

- إتفضلي يا "راويه" ... إدخلي ...

تقدمت "راويه" بخطواتها وهى تدور بعينيها بأرجاء تلك الشقة القديمة المتهالكة وقد تعجبت من تقبلهم للبقاء بهذا المكان المهترئ الذى يضيق بالنفس ، الجدران القديمة وآثار اللون الإسمنتي الرمادي يرمم تلك التشققات بصورة كئيبة للغاية ، لكن كل شئ مازال بموضعه كما كان عمها على قيد الحياة ...

جلست بهذا المقعد الذى تذكرته على الفور وهي تستدير تجاه تلك البسيطة متحلية بنبرة كاذبة صدقتها "زكيه" بسهولة ...

- شوفي يا مرات عمي ... أنا مش زي أمي ... أنا زهقت من كتر المشاكل بينك وبينها ... عشان كدة إستنيت وهي نايمة وجيت أقولك أنا ماليش دعوة باللي هي بتعمله ... أنا مش زيها ....

ساذجة لينه القلب حتى مع كِبَر عمرها وخبرتها بالحياة إلا أنها تظل سطحية ، لها قلب طيب رقيق يصدق بسهولة ، هتفت "زكيه" بصدق وصفاء قلب ...

- عفا الله عما سلف ... إنتِ برضه زي "شجن" و "نغم" ... ومهما حصل الظفر ميطلعش من اللحم ...

دهشة "روايه" كانت أعظم بكثير من طيبة قلب تلك السيدة ، فغرت فاها ببعض الصدمة فهل بهذه السهولة تسامح وتعفو ..؟؟!! ، إنها لم تعتاد تلك النفوس الصافية ولا الحنو الظاهر بملامح "زكيه" ، نظرت "روايه" ببعض الشك فليس هناك من يسامح بهذا اليسر لتردف بإرتياب ...

- هو إنتِ سامحتيني بجد ...؟؟!! بسهولة كدة ...؟؟!

بتأكيد شديد أجابتها "زكيه" ..

- طبعًا يا حبيبتي ... الدنيا مش مستاهلة إن الأهل يخبطوا في بعض ... ربنا يهدى الجميع ...

دارت عينا "راويه" بإندهاش لكن رغم ما تراه بتلك الطيبة إلا أن عليها مهمة يجب إتمامها ، لانت نبرة "راويه" كثيرًا وهي تترجي "زكيه" ...

- طب ممكن تستسمحي بنات عمي على اللي حصل مننا ... كفاية مشاكل بقى ...

- طبعًا يا حبيبتي ... وهم كمان أكيد حيسامحوا ....

ضيقت "راويه" بين حاجبيها بإستغراب من ثقة "زكيه" فهل تتحدث جديًا أم أن هناك خدعة بالأمر ، نعم بالتأكيد هي تخدعها وتسايرها بالحديث لمعرفة غرضها من الزيارة ، لابد أنها إرتابت بها فليس هناك من يتحلى بطيبة لهذه الدرجة ...

دق هاتف "زكيه" لتطالع شاشته بوجه قلق ثم أردفت ..

- معلش حبيبتي إنتِ مش غريبة ... دقيقة واحدة ... حرد على التليفون ده ...

- أه طبعًا ... طبعًا ... إتفضلي ...

قالتها "راويه" لتسنح لها الفرصة للوصول لغايتها لعمل السحر لهن ، بينما دلفت "زكيه" نحو الداخل لإجابة المتصل ....

- السلام عليكم ... إزيك يا "وعد" ...

- وعليكم السلام ... إزيك يا خالتي ...

كعادة نبرتها الحزينة تنهدت لها "زكيه" متسائلة بإشفاق ...

- مالك بس يا حبيبتي ....إنتِ لسه زعلانه ...؟!!

لملمت "وعد" شفاهها المرتجفة تتماسك حتى لا تنجرف بالبكاء لتجيبها بإختناق ...

- أعمل إيه بس ... قلبي مخنوق ... تعبت أوى يا خالتي ...

بيقين بأن فرج الله قريب لتلك المسكينة ...

- فرجه قريب ... بلاش تعملي كدة ...

سحبت "وعد" نفسًا طويلًا مضطربًا ثم عقبت ...

- يا رب يا خالتي ... يا رب ....بقولك يا خالتي ... هي "عهد" ما إتصلتش بيكِ ... أنا بقالي فترة مش عارفه أكلمها ... تليفونها على طول مقفول ...

- يمكن مشغولة ولا حاجة يا بنتي ...

تقوست شفتي "وعد" وهي تنطق حروفها بحشرجة ..

- أنا عارفة إنها أكيد قافلة التليفون عشان مش عايزة تكلمني ... أنا عارفة إنها زعلانه مني ...

حاولت "زكيه" تلطيف الأمر ...

- لا يا حبيبتي ... هي أكيد مشغولة ولا وراها شغل ... حاولي تاني ... كلميها يا حبيبتي ... إنتوا مالكوش غير بعض ...

أومأت "وعد" عدة مرات بتفهم لذلك ...

- عندك حق ... إحنا مالناش غير بعض ... أنا حكلمها تاني ... أنا كنت بسألك بس هي كلمتك ولا لأ ...

- لا والله حبيبتي .. متكلمناش بقالنا فترة ...

أنهت "وعد" محادثتها لتستعد أولًا للإتصال بـ"عهد" فلن تتواني عن قُربها وسندها لها ، لكن عليها أولًا أن تهدأ قليلًا فلا داعي للبكاء ...


عادت "زكيه" لـ"راويه" التى كانت تلملم ردائها إستعدادًا للمغادرة ...

- إيه ده ... إنتِ نازله ولا إيه ..؟؟! 

إصطنعت "راويه" بسمة وسط إرتباكها الشديد ...

- أه ... أنا خايفة أمي تكون صحيت متلاقينيش وتعمل مشكلة ...

ألحت عليها "زكيه" بالبقاء بكرمها الغير محدود الغير متوافق مع إمكانياتها المادية إطلاقًا ...

- من غير حتي ما تشربي حاجة ... لا والله لازم تقعدي ...

- معلش يا مرات عمي ... خليها مرة تانية ...

أنهت "راويه" عبارتها لتتجه مسرعة نحو باب الشقة لتغادر تحت أعين "زكيه" المندهشة ...

دقائق تمر كساعات وسط تخبط وتوتر "صباح" أثناء إنتظارها عودة إبنتها ، وقت تخيلت به بأحلامها القميئة مثلها بما سيحدث بعد أن تتم السحر لـ"زكيه" وبناتها وما سيطالهم من أذى ...

قطع أحلام يقظتها قدوم "راويه" حين فتحت الباب وهي تتلفت خلفها للتأكد بأنه ليس هناك من يتبعها أو يلاحظها ...

أسرعت "صباح" بتلهف ...

- ها ... عملتي إيه .. ؟؟!!

أخرجت "راويه" خبيئتها من ردائها لتمد به يدها تجاه والدتها بحقيبة بلاستيكية سوداء قائله بإمتعاض ...

- دول إللي عرفت أجيبهم ...

لمعت عينا "صباح" بوهج ماكر ثم هتفت بسعادة ...

- بت أمك بصحيح ... هو ده الكلام ... من بكرة أروح للشيخ "كرامه" ... هو إللي حيخلص كل حاجة ...

رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه

❈-❈-❈


شقة عهد ...

بللت شعرها الأسود بالماء وهي تمسح بكفيها فوق خصلاته الناعمة الملساء فوق رأسها قبل أن تطالع وجهها المستكين بالمرآة ، مظهر طالما خصت به نفسها فقط ...

عادت للجلوس فوق المقعد تدور بعينيها الناعستين باحثة عن سبب يجعلها تتغيب اليوم ولأول مرة عن عملها ...

هى تخشى من مواجهة ربما تحدث ، وربما أيضًا لا تتقابل الوجوه مرة أخرى ، لكنها يجب بكلتا الحالتين أن تكون على أهبة الإستعداد ...

لم يكذب من قال أن الألم ثمن القوة ، وعليها تحمل الألم وحدها كما تحملته طيلة عمرها ...

وكما تمنت تمامًا بإختلاق عذر لنفسها للغياب دق رنين هاتفها الذى لم تسمع دقاته منذ سفرها ..

نظرت بتملل تجاه شاشته حين ظهر إسم أختها "وعد" يتلألأ بالشاشة ، كما لو كانت تعلم أنها بحاجتها لأن تكون إلى جوارها ، أن تستمع فقط لصوتها الرقيق لتشعر بأنها ليست بمفردها ، حتى لو لم تقدر بضعفها وخنوعها أن تكون سندًا لها ، إلا أن شعورها أنها إلى جوارها يكفيها ...

تنهدت بقوة أولًا قبل أن تردف بفظاظة تدعى بها القوة وعدم الإهتمام ...

- ألو ....

تلقت صوت "وعد" الهادئ الناعم بالطرف الآخر كوسادة ناعمة تلقى عليها إنهاكها والآمها ..

- "عهد" حبيبتي .. وحشتيني أوى ... كنتِ فين ...؟!! إتصلت بيكِ كتير أوى تليفونك كان مقفول ...؟!!

عيون حزينة وقلب مفعم بالإنكسار لكن صوتها أعلن خلاف ذلك لتردف بخشونة ...

- كان عندي شغل ...

- لم تبالي "وعد" بخشونة "عهد" فقد إعتادتها ولن يمنعها إسلوبها الجاف من محبتها لها لتردف بحنو ..

- ربنا يقويكِ حبيبتي ... وحشتيني يا "عهد" ...

أرادت لو تجيبها بنفس هادئة ونبرة لينه حانية مثلها ، لكنها وجدت نفسها تستكمل بجفاء ...

- أيوة ... وبعدين يعني ...؟!!!

شعرت "وعد" بأن "عهد" مازالت متضايقة منها لتردف بطلبها بنبرة مرتجفة متوجسة ..

- عاوزة أشوفك ... عاوزة أجيلك أقعد معاكِ وأتكلم معاكِ ... ( ثم أنهتها بعبارة مترجية ) ... وحشني الكلام معاكِ نفسي أقولك كل إللي جوه قلبي ..

بعد صمت دام للحظات وجدت "عهد" نفسها تردف بهدوء لم تعتاده ..

- ماشي يا "وعد" ...


تهللت "وعد" بموافقة أختها لتردف بسعادة لما تسمعه بأذنيها ...

- بجد ... بجد يا "عهد" آجيلك ... بجد والله ...؟!!

لم تصدق سماحها لها برؤيتها بعد كل هذا الغياب لتؤكد "عهد" ذلك ..

- أيوة ... تعالي ...

- حالًا ... حالًا ... جيالك يا أختى ... جيالك ...

أنهت مكالمتها لتجد "عهد" سببًا أخيرًا لتغيبها اليوم عن العمل ، فسوف تقضيه مع أختها التى لم ترها منذ شهور مضت ...


❈-❈-❈


بيت المستشار خالد دويدار ...

غلبه الحماس اليوم كما لو كان يبدأ مغامرة من بدايتها ، مغامرة تحمل طبع آخر وتحدى بداخل نفسه ...

بحُلة رسمية زادت من وسامته وغموض عيناه القاتمتان تجهز "معتصم" للذهاب نحو مقر المخابرات العامة (الجهاز) بأول يوم عمل بعد عودته من مهمته الطويلة بسويسرا ...

رغم جاهزيته لمقابلة السيد "نظمي" وإطلاعه على تفاصيل المهمة كاملة إلا أن حماسه كان يكمن بإتجاه مغاير ، فاليوم سيلتقى معها كزميل عمل لا يمكنها الهروب من واقع يجمعهما معًا من جديد ...

تأنق للغاية ليغادر منزل والديه متجهًا لمبني المخابرات العامة بحزم وقوة ...


❈-❈-❈


مبني المخابرات العامة (الجهاز) ...

دقت خطواته القوية بأرضية الممر معلنة وصول قائدها المغوار الذى لانت له الصعاب وتحدى العراقيل حتى تمام مهمته ، ليست مهمة واحدة بل العديد والعديد من المهمات الخطرة والصعبة التى لا يمكن لسواه إقتناص النجاح من بين أغوار المخاطر ...

دلف "معتصم" بشموخ لداخل مكتب السيد "نظمي" ، شخصيته الفريدة المتمردة جعلته رغم تقديره لرئيسه بالعمل إلا أنه يتعامل بذات القوة التى يتعامل بها مع الآخرون لهذا كان لـ"معتصم" وضع فريد وخاص للغاية ...

بثقة تامة وكلمات قليلة بدأ "معتصم" لقائه مع نظمي" ...

- صباح الخير يا فندم ...

تهلل وجه "نظمي" برؤيته لقناص المهمات وورقته الرابحة ...

- "معتصم" ... حمد الله على السلامه ... تعالي أقعد ...

جلس "معتصم" بالمقعد المقابل لـ"نظمي" وهو يضم شفتيه الممتلئتان بغرور ...

- وصلك الجهاز يا "نظمي" بيه ...؟؟

أعاد "نظمي" جذعه للخلف بأريحية و فخر ليظهر بقية جسده الممتلئ ...

- أكيد ... طبعًا ما أنا عارف أنا بعت مين يخلص المهمة دى ... 

إطراء أسعد "معتصم" لكنه معتاد عليه ، رفع "معتصم" عنيناه المتجولتان بزهو مال للغرور بعض الشيء ...

- شكرًا يا "نظمي" بيه ... أظن كدة أنا أتميت المهمة خارج مصر ...

تذكر "نظمي" وعده لـ"معتصم" قبل سفره الأخير والذى طال كثيرًا بأنه سيُكلفه فيما بعد بمهمات بداخل الوطن وليس بخارجه ، إبتسم "نظمي" بخفة قائلًا ...

- وأنا عند وعدي ... من النهارده شغلك كله جوه مصر ... إختار المجموعة إللي تناسبك من الجهاز وإبدأ .. إحنا محتاجين هنا برضه حد زيك يا "معتصم" ...

لاح طيفها أمام أعينه ليميل برأسه قليلًا بخيلاء فهي بالتأكيد العضو الأول الذى سيضمه لمجموعته القادمة ...

- تمام يا "نظمي" بيه ... أنا حجهز قايمه بأفراد المجموعة وأعرضها على سعادتك ... هو ممكن لحد دلوقتِ أضم الضابط "عهد" ... كانت ممتازة جدًا فى المهمة الأخيرة ...

بترحيب شديد فهو لن يرفض لـ"معتصم" طلب ...

- تمام .. تمام ... إعتبرها معاك .. وأى حد تختاره أنا معنديش مشكلة ...

قطع حديثهم طرقات بباب مكتب "نظمي" ليتتوق "معتصم" للدالف فربما تكون هي ، لكن خُيبَ ظنه حين رأى شاب حديث العهد بالجهاز لم يره من قبل ...

- صباح الخير ... 

أشار "نظمي" له بالدخول وهو يأشر عليه معرفًا "معتصم" به ...

- إتفضل يا "طه" ... ده بقى يا سيدي واحد من الكوادر الجداد ... أظن ممكن يفيدك جدًا يا "معتصم" ...

أثار إسم "معتصم" إنتباه "طه" ليهتف بحماس و إنبهار بشخصية "معتصم" ...

- "معتصم" ...!!! "معتصم دويدار" ... أنا مش مصدق إني قابلتك أخيرًا يا "معتصم" باشا ... ده إنت أيقونة والله ...

بثقة وغرور فهذا طبعه المعتاد ليجيبه بإيمائه خفيفه وخيلاء ...

- شكرًا يا "طه" ...

تقدم "طه" نحو "معتصم" قائلًا بتعظيم لما سمعه عن قدرات هذا الضابط الهائلة ..

- لا حقيقي ... أنا كان نفسي أقابلك بجد ... 

ضحك "معتصم" ضحكته الرزينة ...

- بس كدة ... أدينا إتقابلنا ... ده إحنا ممكن نشتغل مع بعض كمان ...

إتسعت عينا "طه" الضيقتان بتفاجئ ...

- ده يبقى شرف ليا يا فندم ...

عقب "نظمي" برضا ...

- بشاير المجموعة بدأت تبان أهى ...

لاح تساؤل "طه" الذى جاء لأجله ليلقى بسؤاله الذى إسترعى إنتباه "معتصم" الكامل حين نطق "طه" إسم خاطفة قلبه ...

- هي "عهد" مجتش لسه ولا إيه ... ؟؟! أنا قلبت الجهاز كلها عليها ...

ضرب "نظمي" مكتبه بخفة ضاحكًا ...

- يا أخي غلبتنا بالست "عهد" بتاعتك دي ... حتلاقيها زمانها جايه ... هي إللي زى دى بتغيب أبدًا ...

لم يبالي "معتصم" بشئ سوى بكلمة "نظمي" ( بتاعتك) ، كلمة جعلته مرتابًا بالأمر لكنه لم يظهر أى من ظنه إليهم ، وقف "معتصم" يدنو قليلًا من "طه" متسائلًا بهدوء ...

- هو إنت و "عهد" بتشتغلوا مع بعض ...؟!!

أجابه "طه" بحماس وقد لمعت عيناه ببريق أدركه "معتصم" على الفور ...

- لأ ... شغل إيه ... أنا مش بتكلم على الشغل خالص ... إحنا حنتجوز إن شاء الله ...

صاعقة ضربت قلبه بمقتل ، لم يظن أن "عهد" يربطها علاقة من أى نوع بآخر ، لماذا ظن أنها متاحة ولا ينشغل قلبها بغيره ؟؟!!! ، لحظات من الصدمة لم تظهر لمن يتطلعوا به بل إكتفى بحبسها بداخل نفسه ، فغموضه يجعل ملاحظة ما بداخل نفسه لأمر مستحيل للغاية ...

شعور غريب تملكه ، إحساس لم يراوده من قبل ، شعور مؤلم لنفسه وقلبه ... إنها الغيرة ... 

صمت "معتصم" قليلًا قبل أن يردف بنبرة جادة إضطرب إثرها "طه" فقد كان مبتسمًا ممازحًا منذ قليل ...

- تمام يا حضرة الضابط ... 

قالها "معتصم" وهو يتطلع تجاه "طه" بنظرة غريبة لم يفهمها الأخير ثم إستطرد بجدية تامة ...

- ترتيب أفراد المجموعة حتكون على مكتب سيادتك يا "نظمي" بيه بكرة الصبح ...

إتخذ خطوة تجاه باب المكتب للمغادرة قبل أن يلتفت بجانب وجهه فقط تجاه "طه" المحدق به موجهًا له حديثه المقتضب ...

- إنت حتكون معايا ... و ... أكيد حضرة الضابط "عهد" ....

أنهى عبارته مغادرًا وقد تخبط بمشاعره لأول مرة بحياته ، شعر بالضيق والإنقباض لقد ظن أنه سيستعيدها ويخبرها بما تحرك داخله تجاهها ، لكنها لم تكن له إنها لسواه ...

ستعطي مشاعرها وحبها لغيره ، لقد ظن أن قلبيهما تلاقا لينتفض الساكن بين ضلوعهما لكن يبدو أن ظنه لم يكن صحيحًا ...

غصة علقت بقلبه حين علم بأمر زواجها من "طه" معلنًا ضياع فرصته بقربه منها وإصلاح ما أفسده بسيويسرا ...

لقد لعبت الظنون برأسه ونسي أن بعض الظن إثم ...


❈-❈-❈


شقة عهد ...

وقفت وحدي بأوقات لا يتجاوزها المرء إلا جماعة ، إعتدت وحدتي حتى أصبحت هي رفيقتي وسندي ، لكن اليوم على البوح بما كمن بقلبي ، لم أعد أقوى على الكتمان فسوچف أعترف بكل شيء ...

تلهف قلبها لرؤية أختها التى غابت عنها لشهور طويلة ، لأيام عدة قاست بها حنينها وشوقها إليها متحملة بُعدها عنها فربما تشعر بخطأها وتتراجع عما سوف تُججلقى به نفسها ..

صاحب طرقات باب شقتها دقات قلبها التى هتفت معلنة شوقها لأختها لكنها أظهرت قناع البرود والتجاهل خاصتها لتجيب الطارق بوجه جامد صامت ...

فتحت الباب لتجد "وعد" تقف قبالتها بتلك الإبتسامة العريضة والأعين الدامعة ، كانت تود لو تقابلها بنفس المشاعر المرهفة التى تتجلى بملامحها بسهولة لكن الأمر على "عهد" كان صعبًا للغاية ...

لم تعطها "وعد" فرصة لإتخاذ قرار الخطوة الأولى لتلقى بنفسها بأحضان أختها تطوقانها بذراعيها بشوق وإحتياج لقربها وحنانها ...

لم تقاوم "عهد" عناق أختها فقد كانت تحتاجه أكثر منها حتى ولم تظهر ذلك ...

همست "وعد" بنبرتها الرقيقة ...

- وحشتيني أوى أوى ...

تنهدت "عهد" بصمت كما لو أن تنفسها المنتظم براحة وسكينة هو إجابة عن إشتياقها هي أيضًا لها ...

بعض لحظات من الحنين قضبت "عهد" حاجبيها بإستغراب وهو تنظر للفراغ من خلف "وعد" لتتسائل بتعجب ..

- فين "زين" ...؟؟! 

ضغطت "وعد" بأسنانها فوق شفتها السفلية ثم قوست حاجبيها بتأثر قائله ...

- وديته عند خالتي "زكيه" ...

تراجعت "عهد" لخطوة إلي الخلف تطالع وجه أختها بتفحص تود كشف ما تخفيه تلك الضعيفة ..

- ليه ...؟!! مجبتيش إبنك ليه يا "وعد" ...؟!!!

سحبت "وعد" نفسًا متألمًا إنتهى بانتفاضة جسدها كمحاولة فاشلة للتحلى ببعض القوة لهذا اللقاء ...

- عشان عاوزاكِ لوحدنا ... مش عايزة أى حد معانا ...

مدت "عهد" ذراعها لتغلق الباب الذى مازال مفتوحًا قبل أن تردف بجدية وإرتياب بما تخفيه "وعد" ...

- هي إيه الحكاية ...؟! إدخلي ...

تقدمت "وعد" تجاه الداخل فكل شئ حولها مرتب بعناية كما كانت والدتهم تفعل تمامًا ، لم يتغير بالبيت شئ ، وربما ذلك أمر بعث الراحة بداخلها فإحساس الأمان مفقود تمامًا تتمنى أن تتشبث بأى شئ يشعرها به ...

إلتفت "وعد" تجاه "عهد" التى لحقت بها لتبدأ تهاوى قوتها الضعيفة ...

- متزعليش مني يا أختى ... غصب عني ...

يا ليتها لم تنطقها ، فـ"عهد" كانت على وشك الإنفجار وضعف "وعد" حقق لها غايتها ، لتنهال بإنفعالها و حِطدتها على تلك السلبية ...

- غصب عنك ...؟؟!! ليه ... ليه بتعملي فى نفسك وفينا كدة ...؟!! ليه بتعيدي حياة كرهناها ... ليه ضعيفة وخايبة بالشكل ده ... ما إنتِ عارفة كويس الضُعاف بيجري لهم إيه ...؟؟! 

أشارت "عهد" بطول ذراعها نحو الفراغ وهي تنتفض بغضب إشتد له حمرة وجهها لإنفعالها الشديد فقد وقعت إحداهما بالهاوية ...

- مش شايفة إللي حصل لأمك ... ولا لخالتك "زكيه" ...؟!! مش شايفة قدام عينك ضعفهم عمل فيهم إيه ... إنتِ ليه غبية كدة ....؟؟! ليييييه ...؟!!؟

تهدج صدر "وعد" بقوة لتنهار بنشيج وبكاء حاولت ألا تنساق خلفه لكنها لم تقدر على الإطلاق ...

- قلبي خاني يا "عهد" ... غصب عني كنت بدأت أحب "عاطف" ... كنت عايزة حياتنا تمشي ... كان نفسي يبقى ليا زوج بيحبني ويخاف عليا  ... كان نفسي فى بيت إتحرمت منه .....!!!!!!

صوتها المتهدج وإحساسها بالتحسر والندم جعل "عهد" ولأول مرة تشعر بمعنى ضعفها ، لقد فهمت أخيرًا ما معني أن ينساق قلبك رغمًا عنك ، أن يحب من لا يحبك ، لقد أدركت أن النسيان ليس بتلك السهولة ...

لأول مرة تعاطفت مع أختها فقد مرت بمرارة التجربة ، لكن .... إحساسها بالضعف ليس من شيمها ، فلن تستسلم ولن تترك أختها تتخبط بتلك المتاهة ، بل عليها الأخذ بيدها والعبور بها لبر الأمان ...

رفعت "عهد" عنقها للأعلى بشموخ فلن يكسرهما رجل لتعقب بقوة أرادت بثها بـ"وعد" ...

- كان لازم تختارى نفسك ... فوقى من إللي إنتِ فيه .. و إللي إنتِ ناوية عليه ... لازم تكوني قوية وأنا معاكِ ... متخافيش ... هاتي إبنك وتعالي هنا ... أنا حاحميكِ متخافيش ...

رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه

زادت شهقاتها وبكائها وهي تحرك رأسها نفيًا حتى أن "عهد" لم تفهم لم ترفض ذلك ...

- مش حينفع ... مقدرش ... مقدرش ...

إحتدت "عهد" بقسوة لتفيق أختها من خنوعها ...

- هو إيه اللي متقدريش ... سيبي لهم البيت ... تعالي هنا ... وقعتي مرة ... مش لازم تقعي كل مرة ... فوقي يا "وعد" فوقي ...

رفعت "وعد" عيناها المغرغرة بالدموع نحو الأعلى قبل أن تردف بإنفعال ...

- إنتِ مش فاهمة حاجة .... مش فاهمة حاجة خالص ...!!!

أجابتها "عهد" بحدة ..

- فهميني ...!!

إرتجف جسد "وعد" بشدة وهي تصرخ معترفة بما لم تستطع كتمانه لأكثر من ذلك ...

- أنا مينفعش أسيب البيت هناك ... مينفعش ... أنا ... أنا ....

- إنتِ إيه ... ؟؟! ما تنطقي ...!!!

بنبرة قوية مهتزة كنفسها الهشة تمامًا ...

- أنا إللي قتلت "عاطف" يا "عهد" ... أنا قتلته ...



                 الفصل التاسع عشر من هنا 

        لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة