رواية أرض الدوم الفصل الثلاثون 30 بقلم رحمة نبيل

رواية أرض الدوم الفصل الثلاثون 30 بقلم رحمة نبيل


[ قعر الجحيم ] 

اهداء للعزيزة ( Salma Amr )، اهداء طال انتظاره في الواقع حيث أنها اشترطت أن يكلل اسمها بدموع القراء، وها أنا افي بعهدي لها بعد ثلاثين فصلًا من الرخاء .


مرحبًا في عنق الزجاجة، حيث تبدأ المتعة .....


* تنويه بعض المشاهد قد تكون حادة على نفسية البعض لذا يمكن تخطيها ببساطة لما يليها ولن تؤثر باذن الله، لكنها هامة في الجزء القادم *


صلوا على نبي الرحمة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


طالت نظرات حاتم للورقة بين أصابعه وكأنه ينتظر منها التحدث بأن ما خُط عليها صحيح .


ابتسم بسمة غريبة وهو يتحدث بجدية مشيرًا ليحيى برأسه :


_ خبرني يا يحيى شو اسمه لابن جدك ؟


توقف يحيى عما يفعل والذي لم يكن مفهومًا في الواقع كان فقط يعبث بالورق أمامه بتركيز معدوم :


_ جدي حليم ؟


_ لا التاني، اعتقد اسمه فرج ؟؟ 


_ ايوة اه اسمه فرج بس مش فاكر ابنه اسمه الحقيقة .


رفع له حاتم عيونه بعدما كان يحدق في الورقة مبتسمًا بخبث شديد وقد ظن أن يحيى سيسير معه على نفس الطريق الذي يسير عليه الآن ويتفاجي بنفس الشكل :


_ شو ؟


_ ايه ؟ انا مش مهتم الحقيقة فمكنتش بركز اوي ثم علاقتنا بيهم مش كبيرة لدرجة اعرف اسمه، بس ممكن لو سمعته اعرفه، اعتقد كان اسمه سمير باين .


هز حاتم رأسه بيأس يدس الورقة داخل جيب بنطاله، ومن ثم أشار ليحيى أن يخرج منه ويلحق به وبالفعل تحركا بهدوء مستغلين هدوء المنزل في هذه اللحظة، خرجوا من المنزل بالكامل في طريقهم لمنزلهم مع غنيمتهم، ويحيى يضم بين أحضانه الورق وكأنه لا يصدق أنهم وصلوا له، يكاد لا يستوعب أنه وصل لهنا، الآن ؟؟ 


بعد كل هذا الوقت ؟


بهذه البساطة كان الأمر أمامهم ؟ كانت لحظة إدراك متأخرة وصل لها لا يصدق أنه هنا يحمل بين يديه مفتاح جميع أحلامه هو وإخوته .


اتسعت بسمته شيئًا فشيء حتى تحولت لضحكات غير مصدقة :


_ انا مش مصدق والله ما مصدق، فين ..فين بقى ...الخازوق فين ؟!


نظر له حاتم بحنق ولم يكد يتحدث بكلمة حتى توقفت أقدامه فجأة يبصر في منتصف الطريق قبل منزل رايانا جسد مسلم متيبسًا بشكل غريب .


يبدو كما لو أنه سقط من قافلته في منتصف الطريق وقد ضل باقية الرحلة ..


عيون شاخصة ووجه اسود ودموع تسيل دون شعور، كان يبدو كما لو أنه جثة أو اسوء حتى ...


اتسعت عيونه بخوف وهو يهرول صوبه ينادي بصوت مرتفع مرتعب أن تكون نوبة غير محسوبة :


- مسلم ...شو بك ...مسلم .


وبمجرد أن وصل له امسك كتفه وهو يجبره على النظر له يمسك وجهه بين يديه يجفف دموعه وهو يهمس بلوعة وخوف :


_ مسلم شو بك ؟ حدا صايرله شي، ولك شو بك .


كل ذلك ويحيى يقف على بُعد خطوات لا يفهم ما يحدث وقد بدأت يده ترتجف وهو يقترب من مسلم يراقب حالته مرتعبًا أن تكون نوبة أخرى تسحب شقيقه منهم .


_ مسلم ...مسلم مالك يا حبيبي أنت سامعني ؟


كل ذلك ومسلم فقط شاخص الابصار وافكار سوداء تدور بعقله عما يمكن أن يمس رايانا .


هناك في هذه المنظمة حيث لا حدود للعقل ولا منطق، قد يفعلوا بها ما لم ولن يتخيله يومًا وكل هذا بسببه هو، بسببه هو قد تكون الآن بين أيديهم يعذوبنها باسوء الطرق التي قد يفكر بها حي .


رفع يده مرتجفة صوب وجهه وهو يدفنه بهما يحاول التفكير، أن يخرج نفسه من هذه الحالة، يتحرك، لكن كامل جسده كان متجمدًا .


فكرة أن تقع رايانا في شيء لم يتحمله هو بكل الجبروت الذي اكتسبه، شيء هو كرجل يبكي حينما يراه اصابه بشلل مفاجئ حتى سقط ارضًا فجأة وكأن قدمه لم تعد تحمله، سقطة قوية فجأة وبلا مقدمات بشكل جعل يحيى يلقي كل ما بيده وهو يصرخ يحاول التقاط جسد شقيقه لكنه لم يلحق به ..


وحاتم لم يستوعب حتى ما حدث إلا بعدما استقر جسد مسلم ارضًا وتهاوى بلا مقدمات وكأنه جثة بلا روح .


مسطح أمامه بلا حركة ولا كلمة واحدة وقد بدا أنه فقد في هذه اللحظة كل اشارة حياة بجسده .


ويحيى جواره يحرك في جسده برعب باكيًا من الهلع :


_ يا مسلم مالك، يا مسلم بالله عليك ...ماله الحق يا حاتم ...ده عادي بالله عليك ده بيحصل عادي؟! ...هو ماله ...يا نـــاس حد يلحقني ..اخويـــــا .


وحاتم فاقد للنطق لا يعي ما يحدث حوله ولم يدرك ما يجب فعله، إلا حينما وجد يحيى يجذب قدمه وهو يصرخ باكيًا به :


_ يا حاتم شوف مسلم ماله، يا حاتم بالله عليك هو حصله قبل كده حاجة زي دي، اخويا ماله ؟


كان يتحدث باكيًا مرتعبًا وهو يضم مسلم له، يحاول أن يهدأ نفسه وقلبه، لكن منظر مسلم وهو يسقط ارضًا بلا مقدمات جعل قلبه يهوي مرتعبًا .


لم يستفق سوى على يحيى الذي نهض بسرعة يحاول رفع جسد مسلم، وقد كانت جميع أعصابه مرتخية من الخوف، لكنه تمالك نفسه يحمل مسلم بين أحضانه يركض به مرتعبًا دون تفكير صوب المنزل وكأنه يبحث عمن يخبره أن شقيقه بخير.


وحاتم ثواني واستفاق من صدمته يمسك الاوراق من الأرض وقد كان يعلم كم تعني لمسلم، ومن ثم لحق بيحيى وهو يفكر فيما يمكن أن يكون قد حدث لمسلم ليصل لهذه المرحلة ..


ــــــــــــــــــــــــــــــــ


كان المنزل أشبه بمقبرة منذ سُحبت رايانا من بينهم، شيما ما تزال جالسة ارضًا في البهو دون كلمة ولا حركة فقط مصدومة مرعوبة مما يحدث لهم .


وعزيز لم يظل بمنزله بل خرج يعلم وجهته صوب هؤلاء الكلاب الذين سلبوه ابنته فقط لأنه أفشى باسرارهم، لن يعود سوى بابنته .


تاركًا خلفه شيما تبكي في منتصف البهو وهي تهتز مرتجفة من الرعب تناجي ربها أن يعيد لها ابنتها .


رايانا صغيرتها التي ربتها على يديها منذ كانت طفلة لا تفقه شيء، حركت رأسها في المكان وكأنها تبحث عن طيفها، تتلمس همساتها وهي تناديها " شيما " .


سقطت دموعها أكثر وقد بدأت شهقاتها تعلو وتعلو وانخرطت في موجة بكاء استمرت دقائق طويلة حتى شعرت بكامل جسدها وقد تخدر من جلستها، نظرت حولها تبصر فراغ موحش في المنزل وصمت مرعب .


استندت على الاثاث حولها تتحرك صوب الغرفة وكل ما أرادته في هذه اللحظة هو الاطمئنان، أن يربت أحدهم على ظهرها ويخبرها أن رايانا بخير وستعود .


طرقت باب غرفة الجدة ومن ثم تحركت بهدوء تهمس بصوت باكي مرتجف :


_ يا جدة ..


لكن لم يصل لها صوت، دفعت البابا كعادتها ودخلت لتجد جسد الجدة ساجد على سجادة الصلاة، تحركت صوب الفراش تنتظر أن تفرغ من صلاتها، لكن بعد مرور خمس دقائق لم تتحرك بها الجدة تعجبت شيما، المرأة لم تكن تصلي سوى على مقعد إلا مرات قليلة ولم تكن تطيل بسبب مرض عظامها .


لكن هذه المرة اطالت أكثر من اللازم اقتربت شيما منها تناديها بصوت مرتجف .


_ يا جدة أنتِ كويسة ؟


لكن لم يصل لها أي صوت أو حتى تصدر منها حركة مما جعل الخوف يدفعها صوب هز المرأة بهدوء :


_ يا جدة....


وفجأة سقط جسد المرأة بقوة ارضًا وقد كان وجهها فاقدًا لكل معاني الحياة، تراجعت شيما للخلف بصدمة تراقب شحوب وجهها المرعب، وجمودخع المخيف .


قبل أن تستوعب ما حدث لتطلق صرخة رنّ صداها في كامل أنحاء المنزل ..


مالت صوبها تجذب جسد العجوز وهي تصرخ وتلطم :


_ يا جــــدة ...يا جـــدة بالله عليكِ لا ...لا بلاش أنتِ كمان .


لكن لم يصل لها شيء من المرأة التي يبدو أن روحها فاضت لربما حينما كان بين يديه، وكأن قلبها لم يتحمل الحزن على فقدان حفيدتها والشخص الوحيد الذي عاشت له .


وشيما جوارها تلطم وجنتيها وتصرخ وتستنجد بالجدران علها تسمع، لكن وحينما لم يصل لها الرد تركت المرأة وركضت بين ممرات المنزل والذي كان أشبه بمقبرة في هذه اللحظة تضيق جدرانها عليها .


حتى وصلت للطريق أمام المنزل تلطم وتصرخ برعب وقد فقدت كل منطق في عقلها، أو بالأحرى فقدت عقلها وقد كان ما حدث أقصى من تحملها، فقدت عقلها وهي تركض بين الطرقات تلطم وجنتيها وتصرخ بكلمات غير مفهومة .


تارة باسم رايانا .

وتارة أخرى باسم الجدة .


ويلها ابنتها، وويلها المرأة التي اتخذتها والدتها ...


فقدتهما، في يوم واحد وفي اقل من ساعتين، كانت تصرخ على اطلال ذكرياتهما والخوف كل الخوف أن يظلوا مجرد ذكرى .........


ــــــــــــــــــــ


    حاولت الإفلات من بين أيديهم تهرب من المكان لكن أي مكان وأي هروب، هي حتى لا تدرك ما يحدث معها ..


ساعات طويلة لا تعلم عددها وهي تتحرك من غرفة لاخرى تجلس أمام رجال ونساء، والمرعب أنها لا تفهم ما يتحدثون به، هي لا تفهم لغتهم، هي لا تفهم ما يريدون قوله، فما اسوء أن تسقط في مثل هذا الجحيم دون حتى أن تدرك ما ينتوون لك ولو بكلمة .


هذا الأمر كاد يصيبها بنوبة صرع لتسقط ارضًا وتصرخ من كل الضغط الذي تتعرض له، منذ دقائق فقط اخرجوها من غرفة كانت بها تتعرض للتعنيف من رجل يصرخ بها وهو يضرب الطاولة ويضربها أحيان وهي لا تفهم، لا تستطيع حتى الرد عليه ولا تعلم ما الذي يريده .


فقط نظرت له برعب وهي تضع يديها أمام وجهها تبكي بصوت مرتفع وتردد كلمة واحدة :


_ مش فاهمة ....مش فاهمة ....مش فاهمة .


والأمر لم يقتصر فقط على حديث هذا الرجل، فهي لم تكن تفهم سبب وجودها هنا، من هؤلاء وما الذي يبتغونه منها، أين مسلم، لماذا هي ؟!


فجأة توقفت أمام غرفة أخرى ولم تكد تفكر حتى في العذاب الذي ينتظرها خلف هذا الباب حتى فُتح  ودُفعت بقوة لدرجة أنها سقطت بعنف ارضًا، شعرت بدوار قاتل بسبب السقطة وكذلك بسبب الضربة التي تلقتها في وقت سابق داخل غرفتها حينما حاولوا خطفها ...ونجحوا للاسف .


بالإضافة لضربات عديدة في إحدى الغرف هنا .


حاولت أن تتمالك الدوار بصعوبة، لكن ذلك الصفير في أذنها والذي اختلط مع نفس الكلمات بنفس اللغة، وذلك الضوء في المكان جعلوها تفقد القدرة على التماسك .


وتسقط رأسها ارضًا في لحظات استسلام، ولم تسمع شيء ولم تشعر بشيء سوى بعد دقائق حينما وصل لمسامعها صوت غريب بلغة مألوفة .


_ بتسمعيني ؟ 


قاومت الغشاوة التي تغطي عيونها بصعوبة، تتمسك بتلك الكلمة كطوق نجاة، كلام ميزه عقلها، أم أن هذا خيال ؟ لأن الكلمات الأخرى ما تزال تصدح حولها ؟


_ سمعاني ؟ أنتِ واعية ؟


فتحت عيونها بصعوبة تحاول أن تبصر من بين خيوط الضوء التي كانت أشبه بسهام موجهة عليها في هذه اللحظة، حاولت فتح عيونها بصعوبة، لكن لم تستطع فاغلقتها بقوة تتحدث بصوت خرج منخفضًا :


_ راسـ...راسي بتوجعني .


شعر بظل يخيم عليها يمنع عنها خيوط الضوء فأدركت أن الرجل الذي يتحدث بلغتها قد اقترب منها ولم تملك حتى الفرصة لتبتعد عنه، ضغطت على الأرض باصابعها وهي تحاول التحرك، لكن لم تستطع .


سمعت صوته جوار أذنها يردد بصوت خافت :


_ كيفاش لقيتي روحك بين يدي هاد الناس؟ 


حاولت رايانا أن تفتح عيونها بصعوبة بسبب الضوء والوجع، حتى استطاعت ذلك لتبصر جسد أحدهم يجلس أمامها القرفصاء ويناظرها بشكل غريب .


فتحت فمها للتحدث مجددًا ولم يخرج معها سوى كلمة واحدة مرتجفة وكأن ما يتحدث هو جسدها المنهك وليس عقلها الذي يحاول معرفة ما يحدث معهم في هذا المكان ومع هؤلاء الغرب:


_ عطـ..عطشانة .


نظر لها الشاب ثواني قبل أن يستقيم بجلسته ويتحرك صوب بعض الأفراد الذين يجلسون في ركن الغرفة يتحدث معهم بنفس اللغة التي لم تفهمها لكنها تعلم أنها الإنجليزية .


ومن ثم عاد بعد دقيقتين يحمل بين يديه قارورة مياه وهو يمدها لها :


_ اتفضلي .


سقطت دمعة من عيون رايانا وقد شعرت أن حتى ابسط شيء يجب أن تتوسل له .


حاولت دفع الأرض أسفلها بصعوبة، ومن ثم نظرت له تبصر شاب بنظرات غير ثابتة، لكن حالتها كانت صعبة لتركز في ملامح أو أي شيء، هي فقط مدت يد مرتجفة تلتقط منه القارورة ومن ثم سحبتها لفمها ترتشف منها بسرعة ولهفة لا تعلم متى تكون لها فرصة الارتواء مجددًا .


وفي خضم حالتها هذه انفجرت ببكاء قوي وقد شعرت برثاء النفس يندفع داخلها تتساءل عما جنته يدها ليحدث لها هذا .


لقد تعرضت لضرب مبرح في أرجاء جسدها بعد وصولها مباشرة، حتى أنها تشعر أن أصابع يدها تحطمت بالكامل .


رفعت عيون باكية لذلك الشاب تتحدث بصوت مرتجف خائف موجوع :


_ انا فين ؟ بعمل ايه هنا ؟


نظر لها الشاب نظرة لم تدري هويتها، هل كانت رعبًا أم شفقة، لكنها لم تكن جيدة بالمرة .


سقطت دموع رايانا دون أن تدري حتى ما الذي ينتظرها .


والشاب لم يتحدث بكلمة مخافة أن يسحبونه بعيدًا عنها .


نظر خلفه صوب الرجال ينتظر منهم أوامر لما يريدون وبالفعل بدأ أحدهم يتحدث بكلمات جامدة جعلت أعين الشاب تتسع بقوة وصدمة .


ورايانا تتابع تعابيره وكأنها اتخذتها قاموسًا لها، حتى سمعت اسم جعل كامل جسدها يرتجف " مسلم " .


سقطت دموعها بقوة وهي ترفع عيونها للشاب تردد اسم مسلم بصوت خافت :


_ مسلم ؟؟ هما ...هما يعرفوا مسلم ؟


استدار لها الشاب ينظر لها بخوف وقد شعرت رايانا أن جسده بالكامل تخشب بشكل صعب يتساءل بصوت واضح كي لا يظنون به التآمر يختار لهجتها وسيلة بعيدة عن لهجته التي قد تبدو لها صعبة :


_ أنتِ تعرفي مسلم ؟!


وقبل أن تجيبه همس بصوت منخفض :


_ اهدري معايا بصوت هابط .


نظرت له بعدم فهم وقد كان غرضه الاول هو ألا يصل معنى كلماته لسماعاتهم التي يرتدونها في الخلف، لذا عكف على شحن كل كلمة غير مفهومة في لهجته وأي لهجة أخرى سمعها حتى لا يصل المعنى لهم .


ورايانا رفعت عيونها له تحاول إدراك ما يريد قوله، هي بحكم أنها كانت غجرية وعاشت مع قومها على الترحال التقطت الكثير من اللهجات التي يمكن لعقل تخيلها .


رمشت وقد أدركت ما يريد قوله لذا همست بصوت خافت وقد خمنت أنه من شمال افريقيا، تحديدًا المغرب العربي، لذا همست بكلمة لا تدرك إن كانت حتى تتذكر نطقها بشكل صحيح أو قالتها كما يجب أو هو يعلمها من الأساس  :


_ أرغاز إيو ...( زوجي ) 


اتسعت عيون الشاب بصدمة من قدرتها على التحدث بالأمازيغية، كان الأمر مستحيلًا، هو عاش فترة بين قبيلته ولا يتقنها بالكامل .


لكن رايانا في الواقع لم تكن تفهم منها سوى القليل بسبب معاشرتها لبعض الامازيغ في فترة من فترات حياتها، ولا تدرك حتى إن كانت اللهجة التي تعلمتها هي نفسها ما يتم التحدث به في المغرب العربي، ولا تعلم من الكلمات سوى القليل .


أما عن الشاب توتر بسرعة ينظر للخلف للجميع وقد شعر أن نهايته ستكون على يد الفتاة، لكنه دين في رقبته وما اعتاد يومًا أن يحمل دينًا لأحدهم، والآن جاء وقت رد الدين لمسلم .


_ما تخبّري حتى واحد بهاد الحقيقة، مفهوم؟


نظرت له بعدم فهم ..


ولم تكد تستفسر عن كلمة قالها حتى استدار يتحدث مع الجميع بلغة غير مفهومة وقد أبصرت رايانا نظرات الشك وعدم التصديق على وجوه الجميع، لكن ما اخافها حقًا هو انتفاضة جسد الشاب أمامها وهو يصرخ بكلمة لم تفهمها ومن بعدها .


ظــــــــــــلام ........


ــــــــــــــــــــــــــــ


كانت الفوضى تعم المكان في منزل المريدي لا أحد يفهم ما يحدث ويلهم رايانا وويلهم مسلم الذي فقد إحساسه بما يحيطه واخيرًا الجدة التي وصل لهم خبر رحيلها ...


كان أحمد هو أول من يذهب لمنزل البارو ليكون مع زوجته فيما حدث بعدما وصل لهم خبر رحيل الجدة المفاجئ والباقيين جالسين في بهو المنزل بلا حول ولا قوة ومسلم في غرفة جانبهم لا يسمعهم ولا يتحدث بكلمة ولولا أن شيما أخبرت ساڤا ما حدث لظلوا في جهلهم .


كانت ساڤا تقف في منزل رايانا وهي تراقب المكان حولها تشعر بالعجز، بين أحضانها شيما التي لم تعد تعي ما يحدث معها والكثير من الأشخاص حولها يجهزون سرادق العزاء بعد ساعات طويلة من رحيل الجدة .


رايانا ستموت بحسرتها حينما تعلم، والاسوء أنها لم تبصرها مرة أخيرة، لم تحتضنها مرة أخيرة .


مسحت ساڤا دموعها من أسفل نقابها وهي تبصر أحمد يقترب منها بهدوء متحدثًا :


_ ساڤا خدي الست شيما وروحي البيت، بلاش تفضل هنا وقت العزا، هي فيها اللي مكفيها .


عضت ساڤا شفتيها تحاول كبت شهقاتها، ولم تجادل أحمد بشيء وهي تسحب معها شيما خارج المنزل وكان آخر ما نظرت له شيما هو نعش الجدة الذي يقبع داخل غرفتها فسقطت دموعها وضربت كف بالآخر ورحلت دون أن تعلم ما الذي يجب فعله .


وحتى عزيز اختفى منذ رحل ناويًا الشر لمن كان يعمل معهم تاركًا إياها تتخبط بين الجميع حتى ابصرها رجب وأرسل لاولاد المريدي وبدأ يجهز العزاء .


تحركت ساڤا بضعف مع شيما وصوت بكائها بدأ يخرج وأحمد يتابعهم بتعب، يود فقط الانتهاء من العزاء ودفن السيدة ليعلم ما يحدث مع مسلم ومع زوجته، هو لاول مرة في حياته لا يدرك كيف يتصرف .


خرج للعزاء ليبصر رجب يتقدم السرادق وهو يستقبل الرجال الذين جاءوا من كل حدب وصوب يعزون برحيل زوجة البارو الاولى والتي كانت بمثابة والدة للجميع وكان زوجها خير رجال هذه القبيلة .


توقف أحمد جوار رجب الذي ربت على كتفه بحنان :


_ الحمدلله الذي لم يثقل عليها ميتتها، قول الحمدلله يا بني .


هز أحمد رأسه وهو يستقبل الرجال وقد قرر عدم إقامة عزاء نساء، ليس وهن بهذا الانهيار :


_ الحمدلله، ربنا يرحمها ..


واستمر العزاء قبل أن يتحرك الرجال مع أحمد صوب المنزل يخرجون النعش، وأحمد يحمله معهم وهو ينظر لرجب بجهل لمكان المدافن والاخير أشار له أن يلحق به .


وبمجرد أن خطوا خارج المنزل وجد أحمد جسد مسلم يندفع ويستلم النعش من أحد الرجال بملامح غريبة، ومن ثم تحرك معهم دون كلمة .


مسلم في هذه اللحظة كان في حالة لاوعي لما يحدث هو فقط يدرك أن رايانا لو كانت هنا كانت ...كانت ستحزن إن لم يتأكد بنفسه أن جدتها ستكون بخير داخل قبرها .


وخلفهم عيسى وحاتم بعدما تركوا يحيى في المنزل مع النساء.


عيسى الذي كان يراقب الكفن بحزن شديد على هذه السيدة التي ربما قابلها مرة أو اثنتين، لكنها كانت من الحنان والطيبة التي تجعله يحزن عليها ويعلم أن رايانا سيكون معها كامل الحق لتفعل أكثر.


تحرك مسلم مع الرجال وهو يتمسك بالنعش لا يبصر شيء سوى غشاوة تعلو عيونه، ساعات طويلة مرت منذ رحيل رايانا وهو ....


مجرد وسخ حقير لا حول ولا قوة له حتى ليحرك اصبعًا .


توقف مع الرجال أمام القبر وبدأوا في انزال الكفن له، والشيخ جوارهم يدعوا والجميع يأمن على دعواته، ومسلم فقط يراقب جسد السيدة وهو يهبط للقبر ببطء شديد، نظرات شاردة لا يشعر أنه هنا فعليًا ...


حتى بدأ التراب يتجمع فوق جسدها، وهذا كان يوحي له بأفكار كثيرة جميعها ستنتهي بدفنهم بمثل هذه المقبرة، هذا إن كان من الكرم الذي يجعله يكرمهم بالدفن .


هو سيذهب لهم ولو اضطر لارتداء حزام ناسف وتفجير نفسه بينهم سيفعل، سيفعل لو ذهب وقطعوه والقوه به عشاء لكلابهم، لكنه لن يدعها بين أيديهم طويلًا .


_ مسلم....مسلم يلا .


كان صوت عيسى وهو يتمسك بمرفق أخيه بخوف من أن يكون مسلم قد أصابه سوء، كانت ملامح مسلم مرعبة، خالية من أي مشاعر، وجهه كأنه أصبح اسود اللون مخيفًا، مخيف لدرجة أنه كان يخاف الاقتراب منه أو التحدث له .


_ مسلم .


_ روح أنت، أنا هاجي وراك .


نظر عيسى خلفه صوب أحمد وحاتم، حاتم الذي كان صامتًا منذ ما حدث خائفًا من حدوث ما بعقله، حديث شيما أن رايانا تم اختطافها وحالة مسلم تنذر بالسوء .


أشار أحمد لعيسى أن يتحرك معه، ورغم علمه أن مسلم لا يجب تركه في هذه الحالة، إلا أنه يدرك أيضًا أن وجود حاتم قد يساهم في الأمر.


نظر لحاتم بتوسل أن يساعد مسلم ومن ثم أمسك بكف عيسى ورحل، أما عن حاتم ظل ينظر لظهر مسلم ثواني، زادت لدقائق حتى قرر الحديث أخيرًا :


_ هاد أمير ابنه لجدك، كان على اتصال بالبارو واللي معه، بعتقد أنه متعاون معهم .


صمت حينما لم يجد أي استجابة من مسلم بكلماته، فأكمل بجدية :


_ هو اللي خطفها ؟


ومسلم لم يبدي أي ردة فعل لكلماته، فعض حاتم شفتيه قبل أن يهمس بصوت وصل لمسلم واضحًا :


_ المنظمة ؟


وانتفاضة جسد مسلم التي شعر بها حاتم جعلت الأخير يشهق بصدمة وقد ارتجف قلبه من الأمر يتحرك في وقت مسلم بسرعة والذي كان يراقب القبر بلا أي ردة فعل :


_ مسلم هل هم من فعلوا ؟؟ اختطفوا زوجتك ؟؟ 


والكلمة كانت أقوى من اقوى صفعة على وجه مسلم، اختطفوا زوجته، أخذوها من بين يديه، ذلك العناق الذي منحه لها قبل العودة للمنزل كان .... الأخير.


شحب وجه حاتم يتحدث بصوت مرتجف :


_ ماذا ...ماذا ستفعل ؟


نظر له مسلم بملامح وجه لا تنبأ بالخير ليتراجع حاتم بصدمة للخلف :


_ أنت.... أنت لن تفعل هذا ...مسلم لن ...لن تسلمهم نفسك سوف ....سوف ...لا لا ...لن أسمح لك أن تفعل هذا بنفسك .


ومسلم لم يجادله فقط نظر أمامه بهدوء وصمت، لقد أتخذ قراره وانتهى الأمر، سيعود لأجلها حتى وإن لن ينجو حيًا وهذا اغلب الظن، لكنه لن يخرج من المكان أو يودع الحياة قبل التأكد أن رايانا ستكون هنا مع عائلته بخير .


_ مسلم أنت لا تعي ما تفعل صحيح ؟! عودتك لهم لن تنقذها، بل ...بل قد ...قد يجبرونك على قتلها ..بل وتقطيعها بيديك العارتين ويكونوا من الكرم لعدم اجبارك على اكلها حية أنت لا ...لا تتخيل ما يمكن أن يفعلوه بك وبها، وجودك مع نقطة ضعفك أمامهم سيفتح الطريق أمام عقولهم ليدمروك باشد الطرق قذارة .


نظر له مسلم ثواني قبل أن يبتسم بسمة صغيرة ويرحل ببساطة لكن ليس قبل أن يهمس بصوت خشن :


_ إذن لهم ما يتمنونه، لكن إن قُدر لمعدتي أن تتلوث بدماء، فستكون دمائهم هم....


ـــــــــــــــــــــــــ


_ ما تفعله ليس عدلًا جوليان، لقد وعدتني بأن السيارة ستكون لي إن فعلت ما أردته .


ضحك جوليان بسخرية وهو يتحرك بعيدًا عن رفيقه يلوح بمفتاح السيارة في الهواء دون اهتمام :


_ أكبر خطأ ترتكبه في حق نفسك هو أن تثق بي يا عزيزي .


_ هذا خيانة للوعد جوليان .


اتسعت بسمة جوليان بقوة وهو يلوح للرجل ساخرًا :


_ غريب أن يخرج هذا الحديث من وسخ يهودي مثلك ديفيد .


ختم حديثه يتجاهل الاخير وهو يتحرك بين الممرات يحرك رقبته بارهاق شديد، يفكر في الخروج لمنزله يستحم ويذهب لأي ملهى يحصل له على امرأة يقضي معها الليلة .


لكن ما كاد ينفذ أول أفكاره بالخروج من هذا المكان القذر حتى وجد جسد يسد الطريق أمامه ببنية جسدية قوية وملامح خشنة سمراء تذكره بمسلم وقومه .


ابتسم جوليان بسمة ساخرة يحرك عيونه صعودًا وهبوطًا على الشاب :


_ أوه هل قررت واخيرًا أن هذا النجس يستحق رفقتك سيد زكي ؟


نظر له زكي ثواني، قبل أن يجذب مرفقه بعيدًا عن بوابة المنظمة صوب الموقف السيارات يتركه بقوة ومن ثم نظر له :


_ أنت كنت رفيق مسلم وصديق له .


ابتسم جوليان بسمة ساخرة وهو يحرك مفاتيح سيارته بين أصابعه ولم يصحح له شيء:


_ يقولون ذلك .


_ أريد منك أن تساعدني في شيء يخصه.


_ رجاء سيد زكي لا تقس على قلبي وتذكره بالفقيد العزيز مسلم و...


_ اعلم أنك تعرف حقيقة أنه حي جوليان، فتوقف عن العبث معي .


اعتدل جوليان في وقفته بتحفز كبير، يضيق عيونه على زكي متعجبًا معرفته هذه الحقيقة، والسبيل لذلك هو أن يكون مسلم ظهر بنفسه له وهذا مستحيل، أو أن يكون الجميع قد بذلك ولم يكن زكي استثناء. 


_ ما الذي تقصده .


نظر زكي حوله ومن ثم همس بصوت خافت :


_ لقد علموا بحقيقة أن مسلم حي وهرب منهم، المنظمة بأكملها تتحدث في هذا منذ البارحة بعد رحيلك لتلك المهمة والآن...


ضيق جوليان عيونه وفي الواقع هذا لم يزعجه، هكذا سيعود مسلم صاغرًا، نعم سيُعذب قليلًا لكنه سيكون مثله على الأقل لا فرار له من مصيرهم .


_ أوه هذا رائع، والآن ما الذي تريده مني ؟؟ تنظيم حفلة استقبال له ؟!


تحدث باسترخاء وهو يستند على سيارته في الخلف مبتسمًا بهدوء شديد قبل أن يهتف زكي بضيق :


_ احتاج رقم اتواصل به معه، لا بد أنك تتواصل معه بالفعل .


اتسعت عيون جوليان قبل أن يضحك بسخرية :


_ منذ متى اخذت عني فكرة خاطئة أنني اساعد الحمقى زكي ؟


_ منذ اللحظة التي علمت بها مقدار خوفك من معرفتهم أنك كنت تعلم هذه الحقيقة ولم تصارحهم بها، زيارتك الأخيرة لمصر لم تكن لأجل طقسها أو معالمها السياحية يا عزيزي .


ختم زكي حديثه دفعة واحدة والبسمة تعلو وجهه بشكل جعل جوليان يشعر برغبة عميقة في تكسير فكه بالكامل .


_ لماذا تريد التحدث له، هي مسألة وقت ويكون هنا وحديثك لن يغير شيئًا في هذا .


ولم يكد يتحرك خطوة واحدة حتى توقفت أقدامه فجأة وصوت زكي صدح في المكان بأكمله :


_ لقد اختطفوا أحد أفراد عائلته.


تجمدت اقدام جوليان ولم يستطع التقدم خطوة أو التراجع مثلها، ظل شاخصًا بابصاره مكانه حتى سمع صوت زكي وهو يقترب منه .


_ وأنت خير من يعلم ماذا يفعلون هنا حينما يستخدمون أفراد عائلتك جوليان .


نظر له جوليان بملامح غريبة قبل أن يفتح سيارته ويصعد لها بسرعة كبيرة ويتحرك صوب المنزل وقد فقد في هذه اللحظة كل حماسه لأي شيء سوى سجن نفسه بعيدًا عن هذا المكان القذر الذي ورغم كل ما أعطاه له، أخذ منه في المقابل .


وزكي ما يزال يراقبه وهو يدعو ربه أن يمتلك ذلك الوسخ أي ذرة ضمير ليساعد المسكينة بالداخل .


وعلى ذكر رايانا ارتجف جسده وكادت ساقه ترتخي حينما تذكر ما فعلوه بها، وهو لم يستطع سوى الصراخ فقط قبل أن يُسحب بعيدًا عنها .


رفع عيونه ينظر صوب المنظمة وقد بدأ صدره يُشحن بالغضب، مصرًا على إخراج هذه الفتاة من هنا، ليس لدينه الذي يدين به لمسلم بعدما ساعده يومًا، بل لأنه لن يُسمح أن تُنتهك امرأة تؤمن بدينه وتتحدث بلسانه في هذا المكان القذر ......


ـــــــــــــــــــــــــــ


مساء اليوم الثاني، ساعات طويلة مرت منذ اختفت رايانا ولا أحد يعلم ما الذي يحدث معها في هذه اللحظة .


لكن مسلم وحاتم يعلمون، ويدركون أن ما يحدث لها في هذه الثانية هو شيء لا يتمنى أي الجالسين أن يمر كفكرة عابرة حتى على رأسه.


توقف أحمد عن التحرك بشكل هيستيري ومن ثم رفع عيونه صوب حاتم لا يصدق ما سمع في هذه اللحظة، كل هذه الحقائق كانت أكبر من استيعابهم جميعًا .


_ يعني انت عايز تفهمني دلوقتي أن في الوقت اللي احنا كنا عايشين فيه حياتنا عادي ومفكرين اخونا حقق حلمه كان هناك بـ 


توقف عن الحديث وقد فشل عن وصف ما سمعه من حاتم، عاجز عن إيجاد كلمة يعبر بها عما تعرض له مسلم وصوت بكاء نور المرتفع يعلو في المكان، وقد انهارت بين أحضان عيسى الذي كان يكبت دموعه بصعوبة يصيبه بالجنون .


ويحيى فقط جالس في الركن يضم قدميه لصدره، متكوم على المقعد دون أن يتحدث بكلمة، شارد في اللاشيء وكأنه يتمسك بأي خيط وهمي يبعد عقله عما يقال حوله .


وحاتم الذي ترفع عن ذكر تفاصيل كثيرة كان يبصر ردة فعلهم، يدرك ما يدور في صدورهم في هذه اللحظة ويعلم كم المشاعر التي تتحارب داخل قلوبهم .


لكنه لا يملك من أمره سوى أن يخبرهم بعدما وصل اذاهم لأحد أفراد عائلة مسلم فلا ضامن أنه لن يطال آخر.


ألقى أحمد جسده على المقعد خلفه وهو يدفن وجهه بين يديه ثواني قبل أن يصرخ صرخة مرتفعة كابتًا إياها في كفه وقد كان العجز يكبله .


_ احنا ....ايه اللي وصلنا لكده ؟ احنا مالنا بكل ده .. يارب مش مصدق إن كل ده بيحصل لينا بجد .


كل ذلك ويحيى فقط متكوم بعيد لا يسمع سوى صوت صرخات مسلم ولا يبصر سوى دموعه أمامه، يبصره الآن يتعذب أمام عيونه وهو لا يملك شيء يفعله سوى التأفف من حياته العادية، الغضب من موقف سخيف تعرض له .


وأخوه ...اخوه في النصف الآخر من العالم يتعذب .


دفن وجهه بين أقدامه وهو يحاول تمالك نفسه لكن انتفاضة جسده كانت تفضح كل ما يدور داخله، لكن لم يكن أحدهم منتبهًا لما يحدث معه وكل بعالمه الخاص، عداها .


كانت تجلس جواره وهي تراقبه بعيون ملتمعة من الدموع، الحسرة التي تبصرها في عيون يحيى للمرة الأولى، والانطفاء الذي تراه فيه قتلوها، لم تتخيل يومًا أن تبصر يحيى بهذا الشكل .


مالت برأسها تهمس بصوت باكي تكبت به غصاتها :


_ يحيى ..


ويحيى لم يتحدث أو يجبها بكلمة واحدة، فقط ظل متكومًا على نفسه دون كلمة قبل أن ينتفض من مكانه ويركض بعيدًا عن الجميع بشكل جعل كارا تتراجع للخلف بخوف وهي تراقبه بأعين شاخصة .


ويحيى بمجرد أن دخل الغرفة اغلقها على وانفجر في بكاء حار وهو يسقط ارضًا، بكاء من فقد كل عزيز وغالي وقد بدأت شهقاته تخنقه، أنفاسه تتقطع وتخرج بصعوبة من بين بكائه .


وصوت عيسى أمام الباب يطرق بخوف :


_ يا يحيى بالله عليك ما تسيبني أنت كمان، افتحلي بلاش تعمل زي مسلم .


ويحيى فقط منهار ارضًا لا يقدر حتى على تحريك جسده ليفتح لعيسى .


والجميع في خارج كانوا في حالة حداد غير معروف على من، رايانا أم جدتها أم مسلم أم أنفسهم؟!


دقائق وسمع أحمد صوت الباب يفتح ويخرج يحيى بعدما تماسك قليلًا يجذب عيسى لاحضانه بحنان مقبلًا رأسه بلطف وهو يهمس بصوت خرج بصعوبة :


_ متخافش يا حبيبي كل حاجة هتكون كويسة متقلقش يا عيسى .


بكى عيسى واخيرًا بعدما كان متماسكًا وكأنه فقط كان ينتظر العثور على حضن يبكي به، ويحيى يقبل رأسه بحنان شديد :


_ خلاص يا عسعوسي الموضوع عدى ومسلم دلوقتي بينا وبإذن الله هيكون بخير وخلاص .


ختم حديثه الذي لا يقتنع هو به حتى في اللحظة التي أبصر بها الجميع مسلم يخرج من غرفته بملامح جامدة لا تشبه بأي شكل مسلم الذي يعرفونه، يسحب حقيبته ويرتدي حقيبة ظهر أخرى، ومن ثم نظر للجميع نظرة صغيرة قبل أن يتحرك صوب الباب بهدوء دون كلمة واحدة .


والجميع يلاحقونه بنظراتهم ولا أحد يستطيع التحدث بكلمة ومازالت صدمة ما حدث لهم تلجم الألسنة .


لكن اول من فاق وهرول خلفه كان حاتم الذي امسك الحقيبة بسرعة يردد بفزع :


- لوين مسلم ؟


نظر له مسلم نظرات جعلته يعلم أن الشخص أمامه لم يكن رفيقه فتراجع بخوف خطوة، ليس خوفًا منه بل تخفزًا لأي شيء .


الرجل الذي يقف أمامه الآن كان على استعداد ليخرج سلاحه ويضربه رصاصة إن اغضبه .


_ مسلم ...


هز مسلم رأسه واجاب ببساطة شديدة وهو ينظر لساعة يده :


_ الطيارة بعد ست ساعات يا دوبك اكون وصلت القاهرة قبل ما الكاونتر يفتح .


_ مسافر ؟ بتمزح أنت ؟؟ هيك بدون ما تدرس الوضع، لوين مفكر حالك رايح وأنت اكتر حدا فينا بيعرف هما شو قادرين يساووا فيك وفيها .


ومسلم لم يهتز له شعرة واحدة وحاتم شعر بالغضب يتملك منه أكثر:


_ ولك إذا ما بتخاف على نفسك خاف عليها .


لكن مسلم لم يتحرك ولم تتغير ملامحه ولو بمقدار شعرة واحدة، ويحيى دفع عيسى بهدوء يتحرك صوب مسلم يتوسله بعيونه :


_ هاجي معاك يا مسلم .


نظر له مسلم بهدوء ولم يتحدث بكلمة وهو يحمل حقيبته ويتحرك صوب الباب ليركض له يحيى يمسك بيده متوسلًا إياه:


_ مسلم خدني معاك، بالله عليك بلاش تسيبني هنا لدماغي أنا هاجي معاك .


ابتسم له مسلم بسمة صغيرة يربت على يده :


_ صعب يا يحيى فيه تذاكر واوارق سفر وفيزا وحوارات عشان تسافر دي امريكا مش آخر الشارع، وأنا مش هقدر استنى ساعة زيادة وهي معاهم .


_ يا مسلم أنا ...هي الحاجات دي هتطلع في وقت قد ايه ؟؟ ممكن اعملها مستعجل انهاردة وتخلص ونسافر؟؟ هما محتاجين ايه ؟ مش الفلوس هتخلصها ؟ انا ...بيع نصيبي في الأرض أنا متنازل عنه والله وخد الفلوس كلها وسفرني معاك بس متسافرش لوحدك .

ومسلم نظر له بهدوء مريب لينهار يحيى واستدار صوب حاتم يتحدث بهيسترية :


_ حاتم طب أنت روح معاه وأنا هشوف موضوع الاوراق ده، متخلوش يروح لوحده ليهم .


كان حاتم يتابع ما يحدث ومسلم يراقب يحيى وعيسى الذي يقف بعيدًا يراقبه بأعين دامعة متوسلة ألا يذهب .


مسح حاتم وجهه وهو يركض صوب غرفته بسرعة كبيرة يحمل حقيبة يجذب بها كل ما يقابله بعبث ولا يهتم ما الذي يضعه أو يأخذه معه .


اخرج الحقيقة الصغيرة الخاصة بأوراق سفره ومن ثم تحرك بسرعة ليخرج ويبصر يحيى يمسك بيد مسلم وهو يتوسله :


_ بالله عليك يا مسلم لترجع اوعدني، اوعدني ترجع، يا مسلم بالله عليك ما تكسرني كده بلاش تكسرني بيك يا مسلم .


نظر له مسلم بجمود في حين كان يحترق من الداخل، لم يكن يمتلك أن يعده بشيء، لم يكن يعلم هل يستطيع قطع مثل هذا الوعد الذي يعلم أنه غير متأكد من تنفيذه ؟


حرك عيونه بين الجميع وشيء واحد في رأسه هو سيعيد رايانا، قبل أن ينالوا منها ما نالوا منه، ولو حتى بمقدار ذرة .


تحرك حاتم صوبه يحمل حقيبة ظهر صغيرة يشير له بملامح حادة مصممة :


_ يلا ...


نظر له مسلم بملامح رافضة هو لن يجر معه حاتم لهذا، ليس الآن وليس أبدًا .


لكن حاتم أندفع له بقوة يشير له محذرًا :


_ اسمع فكرة أنه تسافر لحالك هي بس باحلامك، وحتى باحلامك ما بسيبك، بظن إنا متفقين مو هيك !


لم يجب عليه مسلم بل فقط نظر له برفض، ابتسم له حاتم :


_ مو قلت الطيارة بعد ست ساعات لكان خلينا نتحرك.


_ حاتم أنت مش ....


_ أنا مو شو خلصت مسلم بسافر معك وإلا ما بتتحرك، التذكرة بجيبها من المطار يلا .


تنفس مسلم بصوت عالي وقد كانت أشبه بتنهيدة راحة، رغم أنه لم يكن يريد سحب أحدهم معه لهذا لكن لا ينكر ارتياحه لوجود حاتم، على الأقل وفي اسوء الاحوال سيكون هناك من يعيد رايانا إن سقط هو .


رفع عيونه صوب عائلته يراقب عيسى الذي يقف بعيدًا ينتفض جسده من البكاء ليشير له مسلم يردد بصوت حاني :


_ تعالى يا عيسى .


اندفع له عيسى بسرعة وهو يلقي بجسده بين أحضان أخيه باكيًا، ومسلم ضمه يربت عليه بحب شديد، يحاول أن يهدئه :


_ خلاص يا عيسى اهدى .


_ بالله عليك ما تسيبني يامسلم أنا.... أنا خايف اوي .


_ متخافش يا عيسى هرجع بإذن الله .


كلمة خرجت مترددة وكأنها أبت أن تخرج من فمه .


لكنه نطق بها فقط كي يطمئن عيسى، استدار صوب يحيى الذي كان يراقبه بقهر ليتحرك صوبه يجذبه بالقوة لاحضانه يربت عليه ويحيى فقط تنفس بصوت مرتفع :


_ هستناك ترجع يا مسلم .


بلل مسلم شفتيه وهو يهمس بصوت منخفض لم يصل سوى له يعلم أن يحيى أكثر شخص قد يعتني بها يحنو عليها ويحميها :


_ لو ....لو رايانا رجعت من غيري ...اعتبرها امانتي عندك يا يحيى، خد بالك منها وخرجها من هنا و....حققلها كل اللي يسعدها، بالله عليك لتاخد بالك منها يا يحيى.


سقطت دموع يحيى وهو يضم مسلم يمسك به بين أحضانه وكأنه يخشى تركه فتكون المرة الأخيرة التي يضمه بها، كانت الفكرة مرعبة وهو يتمسك به أكثر ينفي برأسه يترجاه :


_ لا يا مسلم بالله عليك ما تعمل فيا كده يا مسلم، هترجع معاها، محدش ...محدش هياخد باله منها غيرك، محدش هيسعدها غيرك يا مسلم .


ومسلم فقط همس له بتوسل:


_ اوعدني يا يحيى، اوعدني عشان اكون مرتاح .


سقطت دموع يحيى يأبى تركه، يخشى أن يكون الأخير ولا يستغله :


_ والله العظيم بروحي يا مسلم، هديها حياتي كلها لو تحب .


ابتسم مسلم بسمة صغيرة يمزح معه :


_ لا خلي حياتك لمراتك انا بس عايزك تاخد بالك منها .


انفجر يحيى في البكاء وهو يضم مسلم له أكثر، يحاول ألا يفقد دفئه ليس وهو لم يشبع منه بعد، لو كان يعلم أن الوداع أقرب من نفسه اللاحق ما تركه منذ ذلك العناق الذي استقبله به حينما عاد .


ولا يدري هل يتمنى لو لم يأتوا لهذا المكان ؟ أم لو أنه أخذ أخاه واخفاه بعيدًا عن الجميع .


تماسك مسلم وهو يربت على كتفه بحب، ثم ابتعد بصعوبة صوب نورهان التي بكت بصمت دون كلمة واحدة ومسلم صامت لا يريد أن يزيدها، بل فقط همس بحنان :


_ مفيش حد في الدنيا كلها ممكن يحبك قده، لو ...لو قررتي في يوم أنك مش حابة تكملي حياتك لوحدك مش هتلاقي احسن حاتم يشاركك الحياة دي يا نونو .


ومن ثم تركها مصدومة من كلماته شاردة في حاتم الذي كان يقف في الخلف ينظر لها بنظرات طويلة وكأنها...نظرات وداع ؟


ومسلم تحرك صوب أحمد الذي جذبه بقوة لاحضانه يودعه وهو يربت على ظهره بقوة :


_ مستنيك يا مسلم باذن الله هترجعوا كلكم بخير يا صاحبي. 


ابتسم مسلم بسمة صغيرة ومن ثم نظر صوب إحدى غرف المنزل :


_ خلي بالك من شيما، وخلي بالك من الكل انا بكون مطمن طول ما انت معاهم، عارف أنك صوت العقل فيهم .


ابتسم أحمد له ومن ثم ابتعد مسلم ينظر صوب ساڤا التي كانت صامتة لا يظهر منها سوى عيون حمراء تبدو كما لو أنها أبصرت بها جحيمًا .


_ هرجعهالك، هترجع باذن الله .


هزت ساڤا رأسها بلا كلمة، ومسلم نظر نظرة أخيرة للجميع وكأنه يودعهم بصمت، قبل أن يمنحهم بسمة صغيرة يرفع الحقيبة فوق كتفه ويتحرك بسرعة قبل أن يضعف بنظرة أو تؤلمه كلمة .


وحاتم نظر للجميع نظرة صغيرة ومن ثم اقترب من نورهان لا يعلم ما يجب قوله لكنه لا يضمن أن يكون في الحياة بقية ليحقق حلمه الوحيد وتكون له .


انزل حقيبة ظهره يبحث به عن شيء حتى عثر على سلسال ذهبي على شكل نبتة الزيتون يبتسم بسمة صغيرة يمده لها :


_ خليه معك لحتى ارجع ولبسك ياه ..


نظرت نورهان للسلسال بصدمة والدموع ما تزال عالقة بجفونها، تمد يدها بتردد وهو ابتسم بسمة صغيرة :


_ هاد كان لامي، هلق الك صار .


صمت ثواني ثم قال واخيرًا :


_ بحياتي ما حبيت ولا راح حب واحدة قدك يا نورهان، بس حبيتك تعرفي هالشي قبل ما امشي، انتبهيلي ع حالك لحتى ارجع .


ابتسم ومن ثم تحرك بسرعة قبل أن ينتبه له أحدهم وهي فقط نظرت للسلسال ثواني قبل أن تهمس بصوت ملتاع :


_ حاتم ...


توقفت أقدام حاتم ينظر لها بتعجب فابتسمت له بسمة موجوعة :


_ هترجع صح ؟؟


_ عساني.


ومن ثم تحرك خلف مسلم بسرعة يحمل في أعقابه سعادة مؤقتة ووعد وأمل، وخوف .....


ــــــــــــــــــــــــ


البرودة أسفل جسدها كانت أهون ما مرت به حتى الآن، الوجع في كامل أرجاء جسدها والدماء التي تسيل منه كانوا أقل ما مرت به منذ جاءت هذا المكان .


الخزي ...الخزي كان أشد وطأة من كل ذلك، لقد نزعوا عنها كامل ثيابها تقريبًا تاركين إياها بالقليل فقط قبل أن تشعر بشيء معدني يقطع في جسدها والأصوات من حولها تزداد حتى فقدت الوعي .


واخذت تستيقظ كل ساعة تنظر حولها لغرفة بيضاء فارغة إلا من جسدها ومن ثم تغلق عيونها داعية أن تسحبها غيبوبة أخرى لا تستيقظ منها إلا في منزلها أو قبرها .


لكن اصوات الصرخات حولها والدماء التي تغطي أحد الجدران كانوا يحيلون بينها وبين راحتها .


دماء ...دماؤها.


تتعجب أن جسدها يخزن كل هذا الدم، لقد نزفت بقدر لم تبصره يومًا، ابتسمت بسمة موجوعة وهي تستدير بصعوبة وكل عضلة في جسدها تصرخ مطالبة بالرحمة، حتى استطاعت واخيرًا التسطح على ظهرها وأخذت تراقب السقف يلا حركة واحدة .


في حياتها ورغم كل ما تعرضت له منذ طفولتها كانت هذه الساعات هي الأشد وطأة بينهم، وأكثرهم خزيًا واشدهم وجعًا ..


سقطت دموعها بقوة تود فقط معرفة ما الذنب الذي جنته؟ هل الأمر علاقة بوالدها ؟


لكن هم سألوها عن ...مسلم .


كيف لمسلم أن يكون له علاقة بمثل هؤلاء الأشخاص ؟ لا يمكن أن يكون مسلم بكل ما به من حنان ولطف يعرف هؤلاء الـ.


صمت عقلها لحظة حينما أدركت فجأة وأخذت تربط الخيوط سويًا، ماضي مسلم الذي حوله لهذه الصورة، حالته النفسية التي أخبرها أنه أصيب بها بسبب ما تعرض له .


هل يعقل ؟؟


حقيقة مرعبة ضربت رأسها ..


مسلم ...مسلم تعرض لكل هذا ؟؟


وعند هذه النقطة وقبل أن تنجرف وتدرك أن ما مرت به كان أبسط أنواع العذاب الذي مر به مسلم، هم لم يعذبونها بمفهومهم، هم فقط ضروها وهذا شيء بسيط .


في هذه اللحظة سمعت صوت فتح الباب فتكومت على نفسها. 


 تحاول اخفاء ما يظهر من جسدها، لكن يبدو أن من دخل كان معتادًا على رؤية مثل هذا، لم يهتم وهو يجلس القرفصاء جوارها يراقبها بأعين باردة، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة يشير لمن خلفه :


_ احضروها .


ومن ثم نهض يغادر وهم اقتربوا من رايانا يحاولون سحبها عن الأرض وهي تقاوم، نفس مقاومتها التي قاومتها أثناء محاولتهم نزع ثيابها، قاومت حتى تلقت ضربة افقدتها كل شعور قد تشعر به ..


وكما المرة الأولى فشلت في المقاومة لدرجة شعرت برغبة قوية في ترك نفسها لهم علهم يقتلونها وتتخلص من هذا ...


شعرت بكل جزء من الأرض يحتك بجسدها وهي تُسحب بين ممرات تحاول المقاومة، أو على الأقل تصاب بالعمى كي لا تبصر ذُل نفسها ...


ولم تتوقف أفكارها إلا حينما اشتمت أنفها رائحة صدى الدماء، وروائح أخرى قذرة، وقد بدأ الضوء يخفت وهي تصل معهم لغرفة شبه مظلمة لا تبصر بها شيء، وقبل التفكير في مصيرها وجدت جسدها يلقى كالخرقة البالية في تلك الغرفة ويرحلون .


والغريب أن جسدها لم يسقط على أرض صلبة بل على أجساد و...جثث .


وإن كانت ظنت أن ما مرت به منذ ساعات كان العذاب، فهي في قعر الجحيم بدأ الآن وهي في هذه الغرفة الملئية بالجثث والقليل من الناجين والظلام لا يسمح لها حتى أن تبصر ما الذي يتم تجهيزه لها، لكنها تراجعت بقوة وهي تصرخ مبتعدة عن الجثث، تصرخ و تدفع الأجساد بعيدًا عنها حتى تكومت في ركن بعيد تبصر بعض الأجساد تقترب منها ويدها تتحرك حولها وكأنها تبحث عن شيء تنجو به من هذا المكان، لكن قبل أن تفعل شيء شعرت بيد لزجة تتحرك على قدمها ومن ثم صرختها التي رنت في الإرجاء .....


ـــــــــــــــــــــــــــ


يجلس في المطار وهو يشعر بلهيب داخل صدره، يحترق في انتظار أن يحين موعد الطائرة، لكن خمس ساعات، خمس ساعات تأخير في رحلته بسبب اسباب وصفوها في المطار بكل حمق أنها اسباب تشغيلية، وهذا كان أكثر من قدرته على الانتظار .


انتفض من جوار حاتم الذي نظر له بعدم فهم، ومسلم لم يتوقف لتفسير ما يدور داخل رأسه يتحرك بين طرقات المطار بلهفة وجسده بالكامل يرتجف من الغضب والخوف، أوقف أحد موظفي الضيافة الأرضية وهو يمسكه بسرعة ولهفة :


_ محتاج طيارة خاصة ممكن ...ممكن احجزها منين ؟


نظر له الموظف بصدمة من تحفز جسد مسلم وكأنه سيقاتله :


_ فيه شركات كتير هنا بتأجر رحلات خاصة لو تحب ابحث على الويب سايت و...


_ لا لا مش عايز ابحث ولا اتنيل، أنت بس شاورلي على مكان اقدر احجز منه طيارة تقلع في خلال ساعة.


_ حضرتك بتقول ايه ؟ ده مستحيل مفيش أي طيارة تقدر ....


_ أنت ملكش دعوة بس قولي احجزها منين اخلص .


تراجع الشاب بخوف وهو يشير له أن يلحق به :


_ تمام اللي تشوفه حضرتك ممكن اوصلك لمكتب هنا وهما ممكن يساعدوك .


وبالفعل تحرك معه بسرعة وهو يشعر أن دمه يغلي وكل خلية منه تتمنى لو كان يستطيع السفر بآلة زمن ويصل لها في لمح البصر .


فجأة شعر باهتزاز هاتفه أخرجه ينظر له نظرة سريعة سرعان ما اتسعت عيونه بقوة حينما أبصر رسالة حاتم التي جعلته يلتفت بحثًا عن المكان الذي تركه به .


نظر صوب الموظف وهو يجذبه يردد بسرعة :


_ ينفع تخلص ليا الإجراءات، احجز ليا طيارة خاصة على امريكا، مطار سانت لويس .


نظر له الشاب بعدم فهم، ومسلم اخرج محفظته يخرج منها بطاقة بنكية سوداء يضعها في كف الشاب وهو يشير له بجدية :


_ احجزها وأنا هـ.


وقبل الاكمال في جنونه هذا أبصر جسد حاتم يقترب منه بسرعة وهو يرفع الهاتف الخاص به في الهواء :


_ جوليان ...


انتفض صدر مسلم وقد كان يحاول الوصول لذلك الوسخ منذ ما حدث لكنه لم يستطع ذلك .. 


ارتجف كف مسلم وهو ينتزع الهاتف من يد حاتم يشير له على الشاب وبطاقته :


_ حاتم كمل معاه إجراءات حجز الطيارة .


نظر له حاتم دون فهم، لكنه لم يناقش بل تحرك مع الشاب صوب المكتب تاركًا مسلم يقف في منتصف الطريق يضع الهاتف على أذنه ينتظر كلمة من جوليان.


ومسلم تلاشى كل صوت حوله سوى صوت انفاس جوليان من الطرف الآخر ولو كان يعلم جوليان أن مسلم لا يتمنى في هذه الثانية شيء بقدر منع النفس التالي له لهرب منه ودفن نفسه في الأرض السابعة .


صمت ومنح كامل انتباهه لكل كلمة تصدر من الطرف الآخر..


وبمجرد أن تحدث جوليان شعر مسلم بنيران تستعر داخل صدره، ذلك الوسخ باعه لهم، يقسم بالله ليحيلن حياته جحيم ويجعل كل وسخ في هذه الأرض القذرة يركض خلف حروف اسمه للقصاص ممن قتلهم جوليان .


_  هل اشتقت لي ؟!


_ أيـــــــــــــن هــــــــــــي ........


ــــــــــــــــــــــــــــــــ


الجحيم طبقات ومستويات، وهنا قعر الجحيم ....


دمتم سالمين....


            الفصل الواحد والثلاثون من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة