رواية قلبي يسطا الفصل الخامس 5 بقلم هاجر عبد الحليم


رواية قلبي يسطا الفصل الخامس 5 بقلم هاجر عبد الحليم


_اليوم الخامس. الورشة. التاسعة صباحًا._

كان الجو في الورشة مشحونًا بالتوتر منذ المشادة الأخيرة مع المستشار. يوسف يعمل في صمت، لكن عينيه لا تكادان تفارقان ذراع دُرة الذي ما زال في الجبس. أما هي، فكانت منهمكة في إصلاح محرك قديم، تصدر ضجيجًا متعمدًا بمفتاح العجل بيدها السليمة.

اقترب منها يوسف وانتزع المفتاح من قبضتها فجأة."

دُرة اعتدلت ووضعت يدها السليمة في خصرها، ورمقته بنظرة تحدٍ:  

"م  تسيبني أشتغل يا أسطا ولا إنت عايز تطلعني مابفهمش قدام الصنايعية؟ وعايز تثبت انه الورشة مينفعش تقوم من غيرك وانت الوحيد اللي تقدر تجيب الديب من ديله؟ ثم انا تلميذتك عيب عليك

يوسف ألقى المفتاح على المنضدة وأطلق زفرة حانقة:  

"تلميذتي؟ يا شيخة اتنيلي. ده أنا لو علمت القرد كان زمانه فتح ورشة لوحده. إنتي دماغك أنشف من الحجر. وبعدين أنا خايف عليكي، فيها إيه دي؟ ولا الخوف بقة عيب؟"

دُرة اقتربت خطوة:  

"تخاف عليا؟ لا يا راجل؟ من إمتى الحنية دي؟ فاكرني هعيط من كلمتين؟ فوق يا يوسف. أنا مش مستنية شفقة من حد. أنا هنا عشان أثبت نفسي. ولو على أبويا... شيله من دماغك خالص هو مش هيتعرض ليك تاني."

في تلك اللحظة، اقتحم هدوء الورشة صوت محرك هادر، أعقبه صرير فرامل عنيف كاد يحطم الزجاج. توقفت سيارة جيب رانجلر حمراء مرفوعة أمام الباب تمامًا، وكأنها تتحدى كل من في المكان.

ترجلت منها امرأة فارعة الطول، ذات شعر أسود فاحم وعينين كحيلتين. كانت ترتدي سروالًا من الجلد الضيق وبلوزة حمراء جريئة، وحذاء بكعب عالٍ لا يتناسب مطلقًا مع أرضية الورشة. خلعت نظارتها الشمسية ببطء، وابتسامة جانبية تعلو شفتيها.  

إنها بسمة. "البسكوتة" كما يلقبها أهل الحرفيين.، وخطيبة يوسف السابقة التي هجرته

دلفت إلى الداخل وصوت كعبها يقرع الأرض.  

بسمة:  

"يا مساء الفل على أحلى ورشة وناس. إيه يا سفروت، كده برضه تخبي عني إنك بقيت بتشغل بنات هنا لما الخبر جالي جريت عندك وقلت آجي أبارك بنفسي."

تجمد العمال في أماكنهم. همس عبده لزميله:  

".. دي البلوة رجعت. استرها علينا يا رب."

يوسف شحب وجهه وسقط المفتاح من يده.  

يوسف:  

 العربية فيها حاجة؟."

تجاهلته بسمة تمامًا واتجهت إليه مباشرة، ثم مدت سبابتها ذات الطلاء الأحمر ومررتها على سترته عند موضع جرحه.  

بسمة:  

"عربية إيه يا روحي؟ أنا جاية أشوفك إنت. وحشتني يا جو. وحشتني أيام ما كنا بنسهر هنا للفجر وأنا بتعلم منك. فاكر ولا عملت فيها ناسي؟ مين الوحش اللي معور الأسطا بتاعي كده؟"

تراجع يوسف خطوة إلى الوراء وتشنج فكه.  

يوسف:  

"بسمة، اتكلمي عدل. إحنا في شغل ومكان اكل عيش وعيب اوي شغل السهوكة بتاعك دا انا راجل غريب عنك. وموضوعنا خلص من سنين وبلاش توهمي نفسك انه احنا ممكن نرجع لبعض لانه خلاص كان فيه وخلص.

دارت بسمة حوله ببطء وهي تتفحص المكان بعينين متعاليتين، حتى استقرت نظرتها على دُرة.  

بسمة:  

"دي بقى الباشمهندسة الجديدة؟ لا حلوة  بس مجيتها اي مدخلتش دماغي بربع جنيه. قال إيه، سايبة النادي والشوبينج والفلوس والدلع كله وجاية تلعب في الزيت  والشحم كأنه بقا موضة والكل بيجري وراه"

كانت دُرة تمسح يدها بخرقة، فتوقفت ورفعت عينيها ببرود.  

دُرة:  

اخرة لسانك الطويل دا معروف بالنسبالي هقصه وافعصه تحت رجلي انتي جاية عشان تقلي بيا وفاكراني هسكت اقسم بالله اسمعك موشح من اللي قلبك يحبه وبردو محدش هينجدك مني

اتسعت عينا بسمة من الصدمة.  

بسمة:  

"إنتي بتردي عليا يا بتاعة إنتي؟ إنتي ماتعرفيش أنا مين؟"

دُرة:  

"لا انا اسفة والله محصليش الشرف بس استني ثواني جايز اكون عندي علم ااه افتكرت ايوة. واحدة سابت راجل يسوى تقله دهب عشان قالت على شقاه وعلى لقمته 'تربة'. وعايزة تعيش ف غنى ومعندهاش استعداد تدفن نفسها بالحياه مع  واحد لسة بيبني نفسه "

صمت مطبق خيم على الورشة. يوسف ينظر إلى دُرة بذهول لم يستطع إخفاءه.  

يوسف:  

"بسمة، روحي."

اقتربت بسمة من يوسف وتشبثت بذراعه السليم بأظافرها.  

بسمة:  

انا بس عايزاك تفضى ليا ساعة ياجو نرجع ايام زمان؟"

وغمزت لدُرة. هنا وضعت دُرة السيخ الحديدي على الأرض، فأحدث صوتًا مدويًا.  

دُرة بصوت خافت لكنه قاطع كالسيف:  

"اي المسخرة وقلة الأدب دي؟

اشتعل وجه بسمة.  

بسمة:  

وانتي مالك بينا واحدة محشرة صحيح

خطت دُرة خطوة حتى كادت تلتصق بها:  

" لو فكرتي تقربي منه تاني، هنيمك ف المستشفي وتخرجي منه ع قبرك عدل... اتفضلي بره."

لم ينطق يوسف، بل اكتفى بالنظر إلى دُرة بإعجاب لم يره أحد من قبل. ثم قال بهدوء:  

يوسف:  

"سمعتيها. اتفضلي يا بسمة."

صرخت بسمة وتوعدت، ثم صفعت الباب وانطلقت بسيارتها محدثة عاصفة من الغبار.  

بعد ثوانٍ من الصمت، انفجر العمال بالتصفيق.  

عبده:  

"أقسم بالله أسطا دُرة بميت راجل!"

استدار يوسف إلى دُرة التي كانت توليه ظهرها، وأذناها شعلتان من الحمرة.  

يوسف هامسًا:  

"إنتي... بتغيري عليا؟"

استدارت دُرة بحدة:  

"أغير؟ من دي؟ ليه شايفني عبيطة؟ أنا بس مابحبش حد يقرب من حاجتي. 

ثم ركضت نحو المخزن، وتعثرت في عتبة الباب من شدة ارتباكها.  

بقي يوسف مكانه، ثم انفجر في ضحكة مجلجلة لم يضحكها منذ سنوات.



                 الفصل السادس من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة