
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الثامن 8 بقلم اية محمود
"مريم!"
صوت ياسر كان مرتعش لأول مرة.
ركع جنبها بسرعة.
وحاول يفوقها.
"مريم... افتحي عينيكي."
لكن مفيش استجابة.
حس بقلبه بيهبط.
مد إيده المرتعشة ناحية نبضها.
ولما حس إنه موجود...
أخذ نفسًا طويلًا.
لكنه ما ارتاحش.
لأن وشها كان شاحب بشكل مخيف.
ودموعها كانت لسه على خدها.
الدموع اللي هو بنفسه كان سببها.
في لحظة واحدة...
افتكر كل حاجة.
افتكرها وهي بتحاول تتكلم معاه.
وهي بتحاول تفهمه.
وهي بتقوله:
"أنا عملتلك إيه؟"
وحس لأول مرة إن السؤال ده بيطارده.
لأنه فعلًا...
ما كانش عنده إجابة.
شالها بسرعة.
ونزل بيها على أقرب مستشفى.
طول الطريق كان بيبص عليها كل ثانية.
وكأنه خايف تختفي.
أو تصحى وتبصله بنفس النظرة المكسورة.
وصل المستشفى.
ودخل بيها الطوارئ.
الدكاترة أخدوها منه بسرعة.
واتقفل الباب.
أما هو...
ففضل واقف بره.
لوحده.
لأول مرة من سنين...
حاسس إنه ضعيف.
قعد على الكرسي.
ودفن وشه بين إيديه.
ومشاهد كتير بدأت تعدي قدامه.
مريم وهي فرحانة يوم كتب الكتاب.
مريم وهي بتستناه يتكلم معاها.
مريم وهي بتبكي.
كلها مشاهد كان بيتجاهلها.
لكن النهارده...
ما قدرش يهرب منها.
بعد وقت طويل...
خرج الدكتور.
وقف ياسر بسرعة.
"هي كويسة؟"
الدكتور بصله بجدية.
"فقدت الوعي من شدة الصدمة والألم."
ابتلع ياسر ريقه.
فكمل الدكتور:
"وفي إصابة قوية في ذراعها."
نزل ياسر عينيه للأرض.
وما قدرش يبص للدكتور.
لأنه كان عارف.
عارف مين السبب.
بعد شوية...
سمحوا له يشوفها.
دخل الأوضة ببطء.
ولقاها نايمة.
هادية.
بشكل وجعه أكتر.
قرب من السرير.
وبص للجبيرة على ذراعها.
وحس بغصة في قلبه.
مد إيده...
وبعدين سحبها بسرعة.
كأنه مش مستحق حتى يلمسها.
وقعد على الكرسي جنبها.
لأول مرة من وقت طويل...
ما كانش بيفكر في مريم اللي ضاعت منه.
ولا في وجعه.
ولا في نفسه.
كان باصص للبنت اللي قدامه.
البنت اللي ظلمها.
واللي رغم كل اللي عمله فيها...
عمرها ما أذتُه.
ولأول مرة...
بدأ يخاف.
مش من خسارة حب قديم.
لكن من إنه يكون خسر إنسانة بريئة...
للأبد.
بعد عدت ساعات...
وياسر لسه قاعد جنب السرير.
متحركش.
ولا خرج.
ولا حتى بص في موبايله.
كل شوية يبص لمريم.
وكل مرة يحس بذنب أكبر.
كانت نايمة بهدوء.
وشها شاحب.
وإيدها متجبسة.
والمنظر كله كان بيخنقه.
وفجأة...
حركت صوابعها.
ياسر انتبه فورًا.
وقام من مكانه.
"مريم؟"
بدأت تفتح عينيها ببطء.
ورمشِت كذا مرة.
واضح إنها مش مستوعبة هي فين.
لكن أول ما شافته واقف قدامها...
اتغير وشها.
وظهر الخوف في عينيها.
الخوف.
مش الزعل.
مش الغضب.
الخوف.
والحاجة دي بالذات...
كسرت حاجة جواه.
لان مريم كانت دائماً بتبصله بحب.
أو بأمل.
أو حتى بوجع.
إنما خوف؟
دي أول مرة.
حاول يتكلم.
"مريم..."
لكنها أبعدت نظرها عنه فورًا.
وكأنها مش عايزة تشوفه.
سكت شوية.
وبعدين قال بصوت منخفض:
"عاملة إيه؟"
مريم ما ردتش.
فضلت باصة للسقف.
وكأنها ما سمعتش السؤال أصلًا.
حاول مرة تانية.
"الدكتور قال إنك هتبقي كويسة."
برضه مفيش رد.
ابتلع ريقه.
وحس إن الصمت ده أصعب من أي خناقة.
أصعب من أي دموع.
لأن الصمت معناه إنها بطلت تحاول.
بطلت حتى تعاتبه.
بعد لحظات طويلة...
قالت أخيرًا.
"ممكن تنادي الممرضة؟"
اتجمد مكانه.
"إيه؟"
"عايزة الممرضة."
قالتها من غير ما تبصله.
كأنها بتكلم شخص غريب.
شخص مالوش أي مكانة عندها.
وشخص ما بقاش يستحق حتى نظرة.
خرج ينادي الممرضة.
ولما رجع...
لقى مريم لافة وشها للناحية التانية.
فعرف الرسالة.
هي مش عايزة تشوفه.
مش دلوقتي.
ويمكن...
مش بعد كده كمان.
في نفس الوقت...
كان موبايل مريم بيرن.
اسم " صديقة عمري " ظهر على الشاشة.
ياسر بص للاسم.
ثم بص لمريم.
" صحبتك بتتصل."
لأول مرة بصتله.
لكن مش عشان هو.
عشان الموبايل.
مدلها الجهاز.
فأخدته بسرعة.
وأول ما ردت...
سمعت صوت شغف الملهوف.
"مريم؟!"
"أنا هنا."
"إنتِ فين؟!"
مريم حاولت تتمالك نفسها.
لكن صوتها اتكسر.
"في المستشفى."
وفي ثانية...
سمعت شهقة شغف.
"مستشفى؟!"
سكتت مريم.
أما شغف...
فبدأ قلبها يدق بجنون.
"مالك ايه اللي حصل؟"
"مين عمل فيكي كده؟"
نزلت دمعة من عين مريم.
وبصت ناحية ياسر.
اللي كان واقف بعيد.
وشه كله ندم.
لكن بعد فوات الأوان.
همست مريم:
"لما تيجي هحكيلك."
وفي اللحظة دي...
مريم عرفت ان اللي جاي مش سهل
لان شغف كانت من النوع اللي يحارب الدنيا كلها...
عشان الشخص اللي بيحبه.
بعد أقل من ساعة...
كانت شغف داخلة المستشفى زي الإعصار.
وشها كله قلق.
وعينيها بتدور على مريم في كل مكان.
لحد ما وصلت رقم الأوضة.
وقفت قدام الباب ثواني.
وقلبها مقبوض.
خايفة.
خايفة تشوف صاحبتها في حالة وحشة.
وخايفة أكتر تسمع الحقيقة.
أخذت نفس عميق.
وفتحت الباب.
أول ما مريم شافتها...
دموعها نزلت.
من غير مقدمات.
ومن غير ما تتكلم.
أما شغف...
فجريت عليها فورًا.
"يا حبيبتي..."
وأول ما حضنتها...
انهارت مريم.
انهارت تمامًا.
كأنها كانت مستنية الحضن ده من زمان.
كأنها كانت شايلة جبل فوق قلبها.
وظلت تبكي.
تبكي بس.
وشغف كانت ماسكة فيها.
وإيدها بتمسح على شعرها.
زي أم بتطبطب على بنتها.
"اهدي."
"مش قادرة."
قالتها مريم وسط شهقاتها.
"والله مش قادرة."
حست شغف إن قلبها بيتقطع.
لأن مريم عمرها ما كانت ضعيفة بالشكل ده.
أبدًا.
كانت دايمًا هادية.
صبورة.
محتسبة.
لكن النهارده...
كانت مكسورة.
ولأول مرة...
مش عارفة تجمع نفسها.
بعد شوية...
هدأت دموعها نسبيًا.
فقعدت شغف جنبها على السرير.
ومسكت إيدها السليمة.
"احكيلي."
مريم بصتلها.
وسكتت.
ثواني طويلة.
كأنها بتجمع شجاعة تكفي إنها تتكلم.
وبعدين همست:
"أنا تعبت يا شغف."
نزلت دمعة من عينها.
"تعبت أوي."
ضغطت شغف على إيدها.
"عارفة."
"لا."
هزت مريم رأسها.
"إنتِ مش عارفة."
وسكتت ثانية.
"أنا كل يوم بصحى وأقول يمكن النهارده يتغير."
"...."
"يمكن النهارده يكلمني كويس."
"...."
"يمكن النهارده يبصلي."
"...."
"يمكن النهارده يحس إني مراته."
اختنق صوتها.
"بس كل يوم كان أسوأ من اللي قبله."
شغف كانت ساكتة.
لأنها لو اتكلمت...
ممكن تعيط هي كمان.
ومريم أكملت:
"عارفة أصعب حاجة إيه؟"
"إيه؟"
ابتسمت مريم ابتسامة مكسورة.
"إنك تحبي حد بكل قلبك..."
وسكتت.
"وهو يتمنى لو ما شافكيش أصلًا."
في اللحظة دي...
ما قدرتش شغف تستحمل.
فقامت من مكانها.
ولفت الناحية التانية.
لأن دموعها بدأت تنزل.
ومريم انتبهت.
"إنتِ بتعيطي؟"
ضحكت شغف وسط دموعها.
"أنا؟"
ومسحت عيونها بسرعة.
"لا طبعًا."
"كذابة."
قالتها مريم لأول مرة وهي مبتسمة.
ابتسامة صغيرة.
لكنها حقيقية.
فبصتلها شغف.
وسكتوا لحظة.
ثم فجأة...
مدت شغف إيدها.
"تعالي."
استغربت مريم.
"فين؟"
"تعالي بس."
أمسكت إيدها.
ثم قربت منها.
ولصقت جبينها بجبين مريم.
وقالت بهدوء:
"اسمعيني كويس."
"...."
"لو الدنيا كلها سابتك."
"...."
"أنا مش هسيبك."
بدأت دموع مريم تنزل من جديد.
لكن المرة دي...
دموع مختلفة.
دموع شخص لسه عنده حد في الدنيا.
فأكملت شغف:
"ولو كل الناس كسرتك."
"...."
"أنا هفضل ألمك."
"...."
"ولو وقعتي ألف مرة."
ابتسمت وسط دموعها.
"هسحبك من شعرك وأوقفك تاني."
ضحكت مريم رغماً عنها.
ضحكة ممزوجة بالبكاء.
فابتسمت شغف.
وأخيرًا...
بعد أيام طويلة من الألم.
حست مريم لأول مرة...
إنها مش لوحدها.
وإن الحياة لسه فيها شخص واحد على الأقل...
بيحبها من غير شروط.
و ما أجمل الحياة بجوار من تحبون
الفصل التاسع من هنا