
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل التاسع 9 بقلم اية محمود
خرجت شغف من أوضة مريم...
لكن المرة دي ملامحها كانت غير.
وشها كان أحمر من كتر الغضب.
وعينيها مليانة نار.
كانت ماشية في طرقة المستشفى بخطوات سريعة.
لحد ما شافته.
ياسر كان واقف قدام الشباك...
ساند بإيده عليه.
واضح إنه مرهق.
وشه شاحب.
وأول ما لف وشاف شغف...
ما لحقش ينطق.
"كف!"
لف وشه بقوة من الضربة.
وقبل ما يستوعب...
"كف!"
ضربة تانية.
رجع بصلها بصدمة.
"إنتِ اتجننتي؟!"
صرخت فيه:
"لا... أنا لسه هتجن!"
حاول يمسك إيدها.
لكنها زقته بعيد بعنف.
"متلمسنيش!"
ناس كتير في الطرقة بدأت تبص عليهم.
لكن شغف ما كانش فارق معاها حد.
كانت بتتكلم وهي بتنهج من الغضب.
"عارف جواها إيه دلوقتي؟!"
سكت.
"عارف البنت اللي جوا دي عملتلها إيه؟!"
قال بصوت متعب:
"أنا غلطت..."
قاطعت كلامه بصريخ:
"غلطت؟!"
"إنت بتسمي اللي عملته غلط؟!"
"أنا..."
"كسرت دراعها!"
"خليتها تخاف منك!"
"خليتها تبقى مرعوبة كل ما تشوفك!"
خفض ياسر عينيه للأرض.
لكنها ما سكتتش.
"أنا كنت فاكرة إنك راجل."
"لكن إنت طلعت أضعف من إنك تواجه الحقيقة."
رفع رأسه وقال بعصبية:
"إنتِ متعرفيش أنا مريت بإيه."
ضحكت بسخرية.
"وأنت تعرف هي مرت بإيه؟"
"تعرف إنها كل يوم كانت بترجع البيت وهي بتعيط؟"
"تعرف إنها كانت بتدعي ربنا كل ليلة إن قلبك يلين؟"
كل كلمة كانت بتنزل عليه كأنها طعنة.
لكنه قال بعناد:
"أنا كنت فاكر إنها..."
"كنت فاكر!"
قاطعته.
"دي مشكلتك."
"إنك فضلت تفكر..."
"ومحاولتش مرة واحدة تبص."
سكت لحظة.
فعادت تصرخ فيه:
"إنت غبي!"
اتسعت عيونه.
"غبي يا ياسر!"
"إزاي؟!"
"إزاي ما عرفتش إنها هي؟!"
عقد حاجبيه.
"إيه اللي بتقوليه؟"
اقتربت منه خطوة.
"البنت اللي كنت بتقول إنك بتحبها..."
"والبنت اللي اتجوزتها..."
"هما نفس البنت!"
تجمد مكانه.
وكأن الزمن وقف.
"إيه...؟"
همسها بصعوبة.
وشغف كملت والدموع في عينيها:
"المنقبة اللي كنت بتحبها..."
"هي مريم."
"مراتك هي نفسها مريم."
"كانت لابسة عدسات بني..."
"وعشان كده ما عرفتش لون عينيها."
"ولما خلعتهم..."
"فضلت تبص في عيونها كل يوم..."
"وبرضه ما عرفتهاش."
بدأت أنفاس ياسر تتسارع.
افتكر عيونها.
ابتسامتها.
نبرة صوتها.
طريقة كلامها.
خجلها.
كل حاجة.
المشاهد بدأت تركب فوق بعضها.
وفجأة...
اتسعت عيناه بصورة مرعبة.
همس وهو بيرجع خطوة لورا:
"لا..."
"مستحيل..."
لكن شغف بصتله بقهر وقالت:
"دي الحقيقة."
"إنت كنت كل يوم بتكسر قلب البنت اللي كنت مستعد تضحي بالدنيا كلها عشانها."
"ولما ربنا رجعهالك..."
"إنت اللي ضيعتها بإيدك."
فضل ياسر واقف مكانه...
من غير كلمة.
كأن الأرض انسحبت من تحت رجليه.
ولأول مرة...
فهم معنى الندم الحقيقي.
فضل ياسر واقف مكانه...
مش مستوعب.
كلام شغف كان بيتردد في ودانه.
"مراتك هي نفسها مريم."
"إنت كنت بتكسر قلب البنت اللي كنت بتحبها."
هز راسه بعنف.
"لا..."
بدأ يرجع بذاكرته.
أول يوم شافها في الجامعة.
نبرة صوتها.
حياءها.
طريقتها وهي بتتكلم.
وافتكر إنها كانت منقبة.
وعيونها كانت بني.
وفجأة...
افتكر.
"العدسات..."
همسها لنفسه.
ورجع افتكر أول يوم بعد الجواز.
لما بص في عيونها.
وقال لنفسه إنها شبه عيون مريم.
لكنه أقنع نفسه إن ده مجرد شبه.
وقع على أقرب كرسي.
وحط إيده على وشه.
"يا رب..."
"أنا عملت إيه؟"
حبيبته...
كانت معاه.
في نفس البيت.
وبدل ما يحضنها...
كان بيكسرها كل يوم.
قام فجأة.
وجري ناحية أوضة مريم.
فتح الباب بسرعة.
كانت مريم قاعدة على السرير.
وأول ما شافته...
اختفت آخر ابتسامة كانت على وشها.
وقالت بهدوء:
"إنت؟"
قرب منها.
وعينيه كلها ندم.
"مريم... اسمعيني."
هزت راسها بالنفي.
"لو سمحت."
"لا."
صوته كان مكسور.
"أنا عرفت الحقيقة."
ابتسمت ابتسامة موجوعة.
"بعد إيه؟"
"أنا..."
"بعد ما كسرتني؟"
"بعد ما خوفتني منك؟"
"بعد ما كسرت دراعي؟"
كل سؤال كان بيخليه ينزل راسه أكتر.
قرب خطوة.
لكنها اتراجعت بفزع.
الحركة دي...
قتلته.
لأنها خافت منه.
هي...
خافت منه.
رفع إيده بسرعة.
"والله مش هأذيكي."
صرخت فجأة:
"متقربش!"
دخلت الممرضة بسرعة بعد ما سمعت صوتها.
"في حاجة يا مدام؟"
مريم كانت بتتنفس بسرعة.
وعينيها مليانة دموع.
وقالت وهي بتشاور على ياسر:
"خرجيه بره."
الممرضة بصت لياسر.
وقالت باحترام:
"يا دكتور... لو سمحت."
لكن ياسر هز راسه.
"دقيقة بس."
"لا."
قالتها مريم بحسم.
"أنا مش عايزة أشوفه."
الكلمة نزلت عليه كالرصاصة.
فضل واقف مكانه.
مش قادر يتحرك.
وفجأة...
بصت الممرضة وقالت:
"لو سمحت... أنا عايزة أخرج."
استغربت الممرضة.
"بس الدكتور قال..."
قاطعتها مريم.
"أنا كويسة."
"بس..."
"عايزة أمشي."
"مش هقعد هنا دقيقة كمان."
وفي اللحظة دي...
دخلت شغف.
ولما سمعت كلامها...
راحت حضنتها.
"هنمشي."
قالتها بثقة.
"وهوديكي عندنا."
بصت لياسر بنظرة مليانة احتقار.
وأضافت:
"مش هتسيبها ترجع معاك."
أما مريم...
فكانت ساكتة.
لكنها لأول مرة...
خلعت دبلة الجواز من إيدها.
وحطتها على الكومود.
من غير ما تبص لياسر.
وقالت بصوت مكسور...
"الدبلة دي كانت حلم عمري."
وسكتت لحظة.
"بس الحلم مات."
استدار ياسر بسرعة...
لأنه لو فضل ثانية واحدة كمان...
كان هيقع من وجع قلبه.
*بعد مرور عدة دقائق *
كانت مريم خلصت تلبس.
الممرضة ساعدتها تلبس الطرحة على مهَل.
وإيدها اليمين كانت متجبسة.
شغف كانت واقفة جنبها.
كل شوية ترتب لها حاجة.
وتقول:
"بالراحة... متتعبيش نفسك."
ابتسمت مريم ابتسامة ضعيفة.
"الحمد لله."
مسكت شغف شنطة مريم.
وقالت بحزم:
"إنتِ جاية معايا."
هزت مريم رأسها.
"مش هرجع البيت ده."
"وأنا مش هسيبك ترجعي."
خرجوا من الأوضة.
وكانت شغف مسندة مريم بإيديها.
لسه ما وصلوش لباب المستشفى...
لما وقف قدامهم ياسر.
كانت ملامحه مرهقة.
وعينيه حمرا من السهر.
بص لمريم.
وقال بصوت واطي:
"تعالي."
مريم بصت الناحية التانية.
وكأنها ما سمعتوش.
شغف وقفت قدامها.
"هي مش هتيجي معاك."
ياسر أخد نفس طويل.
"شغف... ابعدي."
"لا."
"دي مراتي."
شغف ردت بعصبية:
"مراتك؟!"
"افتكرت دلوقتي إنها مراتك؟"
"أنا هصلح كل حاجة."
ضحكت شغف بسخرية.
"بعد ما كسرتها؟"
ياسر بصلها بجمود.
"أنا بكلم مراتي."
"وأنا برد عليك."
بدأ صوتهم يعلى.
والموجودين في الاستقبال بقوا يبصولهم.
في اللحظة دي...
مريم قالت بصوت ضعيف:
"لو سمحت... سيبني."
الكلمة وجعت ياسر.
لكن بدل ما يتراجع...
اتقدم ناحيتها.
حاولت ترجع لورا.
لكن كانت تعبانة.
وفجأة...
انحنى وشالها بين إيديه.
شهقت مريم.
"ياسر... نزلني!"
وشغف جريت عليهم.
"إنت اتجننت؟!"
حاولت تمسك دراعه.
لكنه زاحها بإيده من غير ما يقصد يأذيها.
"ابعدي يا شغف."
"مش هبعد!"
"دي مش عايزة تروح معاك!"
كان ياسر باصص لمريم بس.
وقال وهو بيشد على أسنانه:
"حتى لو كرهتيني...
مش هسيبك."
بدأت مريم تضربه بإيدها السليمة.
"سيبني... بالله عليك سيبني."
لكن ياسر فتح باب العربية.
وقعدها جوه بحذر.
وقفلت العربية.
وشغف خبطت على الإزاز بكل قوتها.
"افتح الباب!"
"ياسر!"
"والله لو خدتها..."
لكن العربية اتحركت.
وشغف فضلت تجري وراها كام خطوة.
لحد ما العربية اختفت.
وقفت في نص الشارع.
بتنهج.
وعينيها مليانة دموع وغضب.
"هجيبك يا ياسر..."
"والله ما هسيبك."
لفت حواليها بعجز.
أول مرة تحس إنها مش عارفة تعمل إيه.
مريم راحت منها.
وهي وعدتها إنها تحميها.
وقفت مكانها.
بتحاول تستوعب اللي حصل.
وفجأة...
سمعت صوت فرامل عربية.
وصوت حد بيصرخ:
"خلي بالك!"
لفت بسرعة.
لكن كل حاجة حصلت في ثواني.
نور كشافات عربية اندفع ناحيتها.
اتسعت عيونها.
"إيه..."
ولم تكمل الكلمة.
اصطدمت بها السيارة بقوة.
ارتفع جسدها في الهواء للحظة...
قبل ما يقع على الأرض بعنف.
الشنطة طارت بعيد.
وموبايلها انزلق على الأسفلت.
وتجمع الناس بسرعة.
"حد يطلب الإسعاف!"
"البنت بتنزف!"
وفي آخر لحظة قبل ما تغيب عن الوعي...
كانت شغف بتحاول تفتح عينيها.
وهمست بصوت بالكاد يُسمع:
"مريم..."
ثم...
أغمضت عينيها تمامًا.
💔💔💔
داخل العربية...
كان الصمت خانق.
مريم كانت قاعدة جنب الباب.
ملزقة نفسها فيه.
وكأنها بتحاول تبعد عنه على قد ما تقدر.
أما ياسر...
فكان مركز في الطريق.
لكن كل ثانية كان يبصلها بطرف عينه.
وأخيرًا قطعت مريم الصمت.
بصوت كله وجع.
"ليه؟"
ما ردش.
فكررت السؤال.
"ليه أخدتني غصب؟"
فضل ساكت.
مسكت مقبض الباب.
"وقف العربية."
"لا."
"قولتلك وقف العربية."
"مش هسيبك."
ضحكت بمرارة.
"دلوقتي خايف عليا؟"
شد على الدريكسيون.
وسكت.
"وأنا كنت بصرخ وبقولك سيبني...
ما خفتش عليا ليه؟"
"..."
"وأنا بكسر قدامك كل يوم...
كنت فين؟"
"..."
"وأنا بنام كل ليلة وأنا بعيط...
كنت فين؟"
كل سؤال كان بيخبط في قلبه.
لكنه ما عرفش يرد.
لأن أي كلمة هيقولها...
مش هتمحي اللي عمله.
مريم حطت وشها ناحية الشباك.
وقالت وهي بتمسح دموعها:
"أنا بكرهك."
الكلمة نزلت عليه كأنها رصاصة.
غمض عينيه لحظة.
لكنه كمل السواقة.
وفجأة...
مريم حطت إيدها على صدرها.
وشها اتغير.
وبدأت تتنفس بسرعة.
"ياسر..."
بصلها بخضة.
"مالك؟"
قالت بصوت متقطع:
"قلبي..."
وأخدت نفس بالعافية.
"وقف العربية..."
كان باين عليها إنها بتتألم فعلًا.
لكن الفيلا كانت قريبة جدًا.
قال بسرعة:
"دقيقة واحدة... وصلنا."
هزت راسها بالنفي.
"لا..."
"مش قادرة."
لكن العربية كانت دخلت البوابة بالفعل.
وقفت قدام الفيلا.
نزل ياسر بسرعة.
ولف ناحيتها.
فتح الباب.
وحاول يساعدها تنزل.
لكنها زقت إيده.
"متلمسنيش."
قال بهدوء:
"مريم... بالله عليكي."
"قولت متلمسنيش."
حاولت تنزل لوحدها.
لكن رجلها خانتها.
ولولا إنه لحقها...
كانت وقعت.
من غير ما يستأذنها...
شالها بين إيديه.
بدأت تضربه بإيدها السليمة.
"نزلني!"
"مش هنزلك."
"أنا مش عايزة أقعد هنا."
"هتفضلي هنا."
"غصب عني؟"
بصلها في عينيها.
وقال بصوت مكسور:
"أيوة...
غصب عنك."
دموعها نزلت في ساعتها.
"أنت عمرك ما حبيتني."
وقف لحظة...
لكن كمل طريقه.
دخل الفيلا.
والخدم كانوا واقفين مصدومين.
ما حدش اتكلم.
طلع بيها السلم.
ودخل أوضتها.
ونزلها على السرير بمنتهى الهدوء.
اتراجع خطوتين.
وبصلها.
كان نفسه يقول ألف حاجة.
يعتذر.
يبكي.
يحكيلها الحقيقة.
لكن ولا كلمة خرجت.
اكتفى إنه قال بصوت واطي:
"ارتاحي."
ولف وخرج.
وأقفل الباب بهدوء.
أول ما سمعت صوت الباب...
بصت حواليها.
الأوضة نفسها.
السرير نفسه.
كل حاجة فيها كانت شاهدة على وجعها.
حطت إيدها على الجبيرة.
واتغمضت عينيها.
افتكرت أول يوم دخلت فيه البيت.
كانت داخلة وهي بتحلم.
كانت فاكرة إنها أخيرًا هتعيش مع الإنسان اللي حبته.
لكنها اكتشفت...
إن الحب اللي كانت بتحلم بيه...
كان مجرد سراب.
مسحت دموعها بإيدها السليمة.
وبصت لنفسها في المراية.
وشها كان مرهق.
لكن لأول مرة...
نظرتها كانت مختلفة.
ما بقاش فيها انكسار.
كان فيها قرار.
همست لنفسها:
"كفاية."
"من النهارده..."
"مش هسمح لحد يكسرني تاني."
"ولا حتى ياسر."
نزلت دمعة أخيرة.
ومسحتها بسرعة.
"أنا ممكن أسامح أي حد..."
سكتت لحظة.
ثم قالت بحزم:
"لكن اللي كسر كرامتي..."
"مستحيل أسامحه."
وفي نفس اللحظة...
خارج الأوضة...
كان ياسر واقف مستند على الباب.
وسمع آخر جملة قالتها.
فأغمض عينيه...
وعرف أن استعادة قلب مريم لن تكون باعتذار واحد...
بل ربما تحتاج عمرًا كاملًا.
٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪
الليل كان طويل...
طويل بشكل يخنق.
الفيلا كلها كانت غارقة في الهدوء.
الكل نام.
إلا شخص واحد.
ياسر.
كان قاعد في مكتبه.
ورابط كفيه ببعض.
وعينيه ثابتة على الفراغ.
من غير ما يرمش.
قدامه فنجان قهوة...
برد من ساعات.
لكن هو حتى ما افتكرش يشرب منه.
كل شوية يرفع عينه ناحية الساعة.
تمر دقيقة.
ويرجع يبص لنفس المكان.
وكأن عقله وقف.
وقف عند لحظة واحدة.
لحظة لما شغف قالتله:
"مراتك هي نفسها مريم."
ابتسم بسخرية من نفسه.
"إزاي..."
همسها بصوت مخنوق.
"إزاي ما عرفتهاش؟"
قام من مكانه.
وراح للأوضة اللي كان حاطط فيها كل حاجته.
فتح الدرج.
وطلع علبة صغيرة.
فتحها.
كان جواها سلسلة فضة.
السلسلة اللي كان ناوي يديهالها يوم كتب الكتاب.
لكن اليوم ده...
ما جهش.
مسكها بين صوابعه.
وقلبه بيوجعه.
"كنت فاكر إني خسرتك..."
ابتسم بمرارة.
"وأنتِ كنتِ معايا."
حط إيده على وشه.
وافتكر أول يوم بعد الجواز.
لما مريم عملتله الفطار.
ورفض ياكل.
افتكر يوم مرض.
ولقاها قاعدة طول الليل جنب أوضته.
رغم إنه ما طلبش منها.
افتكر كل مرة كانت تحاول تقرب منه.
وهو...
كان يقفل الباب في وشها.
وفجأة...
ضرب بإيده على المكتب بكل قوته.
"غبي!"
صوته دوى في الأوضة.
"أنا غبي!"
اتنفس بسرعة.
وحاول يهدي نفسه.
لكن الذكريات كانت بتطارده.
ذكريات ما كانش شايفها وقتها.
إنما دلوقتي...
بقت واضحة.
واضحة بشكل مؤلم.
خرج من المكتب.
ومشى في ممر الفيلا.
لحد ما وقف قدام أوضة مريم.
رفع إيده.
كان هيخبط.
لكن وقف.
إيده نزلت تاني.
وقال لنفسه:
"هقولها إيه؟"
"آسف؟"
ضحك ضحكة مكسورة.
"آسف دي هتجبر إيدها؟"
"هتمحي خوفها مني؟"
"هترجع دموعها؟"
سند راسه على الباب.
ولأول مرة من سنين...
دمعت عينه.
دمعة واحدة.
لكنها كانت تقيلة.
فضل واقف كده.
ساعة.
واتنين.
من غير ما يتحرك.
لحد ما أذان الفجر رفع.
رفع راسه.
وراح اتوضى.
وقف يصلي.
وأول ما سجد...
ما قدرش يتمالك نفسه.
انفجر في البكاء.
بكاء راجل اكتشف...
إن أكبر خسارة في حياته...
ما كانتش لما افتكر إنه فقد حبيبته.
كانت لما اكتشف...
إنه هو بنفسه...
اللي دمرها.
خلص صلاته.
وقعد مكانه.
يسبح.
ويستغفر.
والشمس بدأت تطلع بهدوء.
وأول خيط نور دخل من الشباك...
كان ياسر لسه قاعد مكانه.
سهران.
وعينيه حمرا من كتر البكا.
لكنه كان عارف...
إن اللي جاي أصعب بكتير.
لأن أصعب حاجة...
مش إنك تندم.
أصعب حاجة...
إن الشخص اللي ظلمته...
يبطل يصدق إنك تقدر تتغير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــ
الليل كان ساكت… بس دماغه ما سكتتش.
ياسر كان واقف في أوضته، القميص مفتوح من عند الرقبة، ونَفَسه تقيل… كأن في حاجة بتخنقه.
من يوم الجواز… وهو حاسس إن في حاجة غلط.
نفس الإحساس… نفس الطريقة… نفس الصوت.
بس كان بيرفض يصدق.
“مستحيل…”
قالها لنفسه وهو بيعدي بإيده على وشه بتوتر.
بص ناحيتها.
مريم كانت قاعدة على طرف السرير، ساكتة… كعادتها معاه.
النقاب مخبي وشها… زي دايمًا.
شد أعصابه: “إنتي هتفضلي كده لحد إمتى؟!”
ما ردتش.
قرب خطوة: “بكلمك!”
ببطء… رفعت إيديها.
وخلعت النقاب.
المرة دي… مش خوف.
ولا طاعة.
المرة دي… كأنها بتتحداه.
ياسر اتجمد.
عينيه وسعت…
قرب منها خطوة… واتنين… وصوته خرج مبحوح:
“إنتي…؟”
هي بصت له بثبات… لأول مرة:
“أيوه… أنا.”
الصمت وقع بينهم… تقيل… قاتل.
ياسر رجع خطوة لورا… كأنه اتخبط في الحقيقة:
“لا… لا مستحيل…”
إيده اترعشت وهو بيشاور عليها: “إنتي… إنتي البنت دي…؟!”
ابتسمت ابتسامة صغيرة… مكسورة:
“البنت اللي كنت بتقول عليها حلمك؟ أيوه… هي.”
قلبه وقع.
صوته اتكسر: “طب… ليه؟! ليه ما قولتيش؟!”
ضحكت… ضحكة فيها وجع سنين:
“وأقولك ليه؟ عشان تعمل إيه؟ تحبني؟ ولا تكسرني أسرع؟”
سكت.
مش لاقي رد.
هي كملت… وعينيها بقت تقيلة بالدموع:
“أنا كنت مستنية… يمكن تحس… يمكن تعرف… يمكن تبصلي بنفس العين اللي كنت بتبص بيها زمان.”
بصت له بوجع:
“بس إنت ما شفتش غير واحدة اتجوزتها غصب عنك.”
الكلمات نزلت عليه زي ضرب.
ياسر قرب فجأة: “أنا ما كنتش أعرف! والله ما كنت أعرف!”
هي هزت راسها:
“بس كنت تقدر تحس.”
سكتت لحظة…
وبعدين قالت بهدوء كسر أكتر من أي صراخ:
“بس إنت اخترت ما تحسش.”
دموعه نزلت… من غير ما ياخد باله.
“أنا… أنا حبيتك.”
بصت له… نظرة طويلة.
“متأخر.”
كلمة واحدة… أنهت كل حاجة.
ياسر وقع على الكرسي وراه… كأنه فقد توازنه.
إيده على قلبه…
بس المرة دي… مش عارف ينقذ اللي جواه.
هي لفت وشها بعيد…
وقالت آخر حاجة، بصوت واطي:
“أنا كنت حلمك…
بس إنت بقيت كابوسي.”
"انا عمري ما هسامحك"
وسابته واقف…
لوحده…
قدام الحقيقة اللي كسرت كل حاجة فيه.
"مريم... "
"مريم..."
"لا بلاش تسيبيني"
"مريم"
وفجأة فتح عيونه و بص حواليه بعدم استيعاب
لكنه و أخيراً فهم انه مجرد حلم بل كابوس مرعب.
قام وقف و مسح على وجهه بارهاق وفتح باب غرفته و راح لغرفة مريم
وبص ناحية باب أوضة مريم.
كان نفسه يدخل.
يشوفها.
يطمن عليها.
لكن رجله كانت تقيلة.
كأنه بقى غريب في بيته.
وفي الآخر...
قرر يجرب.
خبط على الباب بخفة.
مفيش رد.
خبط مرة تانية.
"مريم..."
صوته كان هادي.
"أنا... ممكن أدخل؟"
فضل الصمت.
فتح الباب بهدوء.
ولقاها قاعدة عند الشباك.
لابسة إسدال الصلاة.
والمصحف مفتوح في حضنها.
كانت بتقرأ القرآن بصوت واطي.
ولما سمعت صوت الباب...
قفلت المصحف برفق.
لكنها ما بصتلوش.
قال وهو واقف مكانه:
"عاملة إيه؟"
ردت باقتضاب:
"الحمد لله."
"إيدك..."
"بقت أحسن."
كذبت.
وكان واضح إنها بتتألم.
لكنها كانت رافضة تبينله أي ضعف.
قرب خطوة.
"مريم..."
رفعت إيديها بإشارة توقف.
"لو سمحت."
وقف مكانه.
"متقربش."
ابتلع ريقه.
"أنا عارف إني غلطت."
ابتسمت ابتسامة باهتة.
"غلطت؟"
هز رأسه.
"أنا ظلمتك."
لأول مرة...
بصتله.
لكن نظرتها كانت غريبة.
ماكانش فيها كره.
ولا حب.
كان فيها تعب.
تعب إنسانة استنزفت كل مشاعرها.
قالت بهدوء:
"تعرف أصعب حاجة إيه؟"
سكت.
"إنك عرفت الحقيقة."
"بس بعد ما كل حاجة جوايا ماتت."
حس إن قلبه بيتعصر.
"مريم... اديني فرصة."
هزت رأسها بالنفي.
"أنا قضيت شهور...
وأنا كل يوم بأديك فرصة."
"كل يوم كنت بقول...
يمكن بكرة."
"يمكن بكرة يبصلي."
"يمكن بكرة يكلمني."
"يمكن بكرة يحبني."
نزلت دمعة من عينها.
"لكن بكرة عمره ما جه."
ما قدرش يبص في عينيها.
لأنها كانت بتقول الحقيقة.
الحقيقة اللي كان بيهرب منها.
قال بصوت مكسور:
"أنا بحبك."
ابتسمت.
لكنها كانت ابتسامة موجوعة.
"أنت بتحب مريم."
سكتت لحظة.
وأشارت لنفسها.
"لكن أنا..."
"أنا البنت اللي كسرت قلبها بإيدك."
"ودي عمرها ما هتنسى."
لفت وشها ناحية الشباك من تاني.
وقالت آخر كلامها.
"من فضلك...
سيبني لوحدي."
وقف ياسر ثواني.
كان نفسه يعترض.
كان نفسه يقرب.
لكن لأول مرة...
احترم طلبها.
لف بهدوء.
وخرج من الأوضة.
وقف برا الباب.
وسند ضهره عليه.
وأغمض عينيه.
لأنه فهم أخيرًا...
إن الحب وحده...
مش دايمًا بيصلح اللي الكسر عمله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــ
ــــــــــ
اتقفل الباب بهدوء...
وساب مريم لوحدها.
فضلت قاعدة مكانها.
ولا اتحركت.
ولا حتى مسحت دموعها.
كانت باصة قدامها...
لكن عقلها كان في حتة تانية.
رجع بيها الوقت...
ليوم فات.
كأنه لسه بيحصل.
...
كانت الساعة سبعة الصبح.
صحيت بدري.
نزلت المطبخ.
وقفت تعمل الفطار بنفسها.
كانت بتبتسم وهي بتحضر كل حاجة.
جبنة.
بيض.
وشاي.
وحتى عملتله القهوة بالطريقة اللي شافت الشغالة بتعملهاله.
رتبت السفرة بإيديها.
وبعدها طلعت تناديه.
كان نازل السلم.
لابس بدلته.
وشكله مستعجل.
أول ما شافها...
قال ببرود:
"خير؟"
ابتسمت بخجل.
"حضرتلك الفطار."
بص للسفرة.
وبعدين رجعلها.
"مين قالك تعملي كده؟"
اختفت ابتسامتها تدريجيًا.
"قولت... يمكن..."
قاطعها بحدة.
"أنا مبحبش حد يتدخل في حاجتي."
نزلت عينيها للأرض.
"بس أنا..."
"خلي الخدم يعملوا شغلهم."
"ومتحاوليش تعملي دور الزوجة."
الكلمة دي...
وجعتها.
لكنها حاولت تخبي وجعها.
وقالت بابتسامة مكسورة:
"تمام."
لف ياخد مفاتيحه.
وقبل ما يخرج...
جمعت شجاعتها وقالت:
"أنا... رايحة الجامعة."
وقف ثانية.
بصلها...
نظرة خلت قلبها يقبض.
كانت نظرة ضيق...
واستنكار.
وقال بمنتهى البرود:
"روحي."
سكت لحظة.
ثم كمل وهو بيفتح الباب:
"ميهمنيش."
خرج.
من غير حتى...
يسألها.
ولا مرة فكر يعرف...
هي بتدرس إيه.
في كلية إيه.
في سنة كام.
إيه أحلامها.
إيه اللي بتحبه.
ولا حتى...
اسم صاحبتها الوحيد.
رجعت مريم للحاضر.
ونزلت دموعها في صمت.
وقالت لنفسها بصوت مبحوح:
"أنا كنت مراتك..."
"ومع ذلك..."
"ما عرفتش عني حاجة."
"ولا حتى سألت نفسك..."
"أنا مين."
حضنت نفسها بإيدها السليمة.
وأغمضت عينيها.
لأن الحقيقة المؤلمة...
إنها كانت بتحاول كل يوم تبني بيت.
وهو...
كان بيهده...
من غير حتى ما يحس.
مريم أغمضت عينيها...
وكأنها بتحاول تهرب.
لكن الذكريات...
كانت أقوى منها.
...
بعد الجواز بأيام...
كانت واقفة قدام باب مكتبه.
إيديها بتترعش.
وفي إيديها كوب قهوة.
خبطت بخفة.
"ادخل."
دخلت بهدوء.
"أنا عملتلك القهوة."
كان قاعد قدام اللاب توب.
حتى ما رفعش عينه.
قال ببرود:
"حطيها وامشي."
حطتها قدامه.
واترددت ثواني.
"ممكن... أقعد شوية؟"
رفع عينه لأول مرة.
وبصلها بضيق.
"ليه؟"
ابتسمت بخجل.
"قولت... نتعرف على بعض."
"بما إن..."
قاطعها بحدة.
"أنا معنديش وقت للكلام الفاضي."
"بس..."
"اطلعي."
خرجت.
وقبل ما تقفل الباب...
سمعته بيقول لنفسه بضيق:
"يا رب خلصني من الوضع ده."
الدمعة نزلت وقتها...
لكنها مسحتها بسرعة.
وقالت لنفسها:
"يمكن كان مضغوط."
...
بعدها بأسبوع...
كانت قاعدة في الصالون.
في إيديها ألبوم صور صغير.
أول ما دخل.
وقفت بسرعة.
وقالت بابتسامة بريئة:
"بص..."
"دي صور وأنا صغيرة."
"وده بابا..."
"وده..."
قفل الألبوم بإيده.
وقال بملل:
"هو أنا طلبت أعرف؟"
اتجمدت مكانها.
"أنا بس..."
"مليش دعوة بماضيك."
"ولا يهمني."
"وفري كلامك."
سابها...
ومشي.
أما هي...
فضلت ماسكة الألبوم.
وبعد ما اختفى من قدامها...
حضنته لصدرها.
وقالت وهي بتبتسم لنفسها بالعافية:
"يمكن يوم يهتم."
...
مرة تانية...
كانت مستنياه على الغدا.
الأكل برد.
والساعة بقت عشرة بالليل.
ولما دخل...
جريت عليه.
"الحمد لله إنك جيت."
"الأكل جاهز."
خلع الجاكت.
وقال من غير ما يبصلها:
"أنا أكلت بره."
اتصدمت.
"طب... كنت كلمني."
رفع حاجبه.
"وأنا مطالب أبررلك؟"
"لا..."
"يبقى متسأليش."
دخل أوضته.
وسابها واقفة.
بصت للسفرة.
كل الأكل اللي عملته بإيديها.
وراحت تجمعه في علب.
كل لقمة كانت بتحطها...
كانت بتحس إن حلمها بيتلم معاها.
...
وفي مرة...
كانت بتحاول تفتح معاه أي كلام.
"تعرف؟"
"أنا بحب القراءة أوي."
ما ردش.
"وبحب..."
قاطعها.
"إنتِ مبتفهميش؟"
سكتت.
قال بحدة:
"أنا مش مهتم أعرف عنك أي حاجة."
"ولا عايز أسمع صوتك."
"لما أبقى عايز أتكلم...
أنا اللي هكلم."
في اللحظة دي...
ابتسامتها اختفت.
لكنها برضه...
قالت لنفسها:
"بكرة هيتغير."
كل يوم...
كانت تدي نفسها أمل جديد.
وكل يوم...
كان هو يكسر الأمل ده...
بكلمة.
أو بنظرة.
أو بصمت...
كان أوجع من أي كلام.
رجعت مريم للحاضر...
ومسحت دموعها.
وهمست لنفسها:
"أنا حاولت..."
"والله حاولت بكل الطرق."
"عرفته إني مراته..."
"وحاولت أخليه يعرفني كإنسانة."
"بس هو..."
"كان رافض يشوفني من الأساس."
الفصل العاشر من هنا