
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل السابع 7 بقلم اية محمود
وقفت شغف مكانها للحظات...
تنظر للمرأة باستغراب.
أما المرأة...
فكانت تنظر إليها وكأنها وجدت كنزًا ضاع منها منذ عمر.
"شغف؟"
كررت الاسم مرة أخرى.
وكأنها تحاول استيعابه.
"أيوة."
أجابت شغف بتردد.
لكن عيون المرأة لم تتغير.
بل ظلت معلقة بوجهها.
بملامحها.
بعينيها.
بنفس الطريقة التي كانت تتأمل بها صورة قديمة محفوظة داخل قلبها منذ سنوات.
"مستحيل..."
همست بها مرة أخرى.
"حضرتك تعرفيني؟"
سألت شغف للمرة الثانية.
لكن قبل أن تجيب المرأة...
ظهر شاب من خلفها.
طويل القامة.
يرتدي بدلة سوداء أنيقة.
ملامحه حادة.
ونظرته باردة بشكل غريب.
اقترب بخطوات هادئة.
ثم توقف بجوار المرأة.
"ماما. "
انتبهت المرأة لصوته.
فالتفتت إليه بسرعة.
"آدم."
نظر آدم إلى شغف نظرة سريعة.
ثم عاد ينظر إلى والدته.
" في ايه ؟"
أشارت المرأة نحو شغف.
وهي تكاد لا تستطيع إبعاد عينيها عنها.
"شفتها؟"
نظر آدم مرة أخرى.
ثم قال بهدوء:
"نعم."
"أنت مش شايف؟"
عقد حاجبيه قليلًا.
" شايف بنت "
بدت الصدمة على وجه المرأة.
" بنت ؟!"
اقتربت منه أكثر.
" ركز ."
صمت آدم لثوانٍ.
ثم نظر نحو شغف مرة أخرى.
لكن نظرته بقيت ثابتة.
هادئة.
باردة.
"شبه ريتال شويه ."
" شوية ؟!"
كادت المرأة تبكي.
"دي نسخة منها."
أما شغف...
فكانت تقف في المنتصف.
لا تفهم شيئًا.
ولا تعرف من تكون ريتال أصلًا.
ثم قالت بأدب:
"عن إذنكم."
ولأول مرة...
انتبهت المرأة أنها أخافتها.
فمدت يدها بسرعة.
"استني ."
لكن شغف تراجعت خطوة.
ثم ابتسمت ابتسامة مرتبكة.
"آسفة... لازم أمشي."
وغادرت بسرعة.
وبقيت المرأة تتابعها بعينيها.
حتى اختفت تمامًا.
عندها فقط...
شعرت وكأن شيئًا يُنتزع من قلبها من جديد.
أما آدم...
فوقف بجوارها بصمت.
ثم قال بهدوء:
"أمي."
لم ترد.
"أمي."
التفتت إليه أخيرًا.
وكانت الدموع تملأ عينيها.
"دي بنتي يا آدم."
أغلق عينيه للحظة.
كأنه كان يتوقع الجملة.
" يا امي دي مش ريتال ."
"أنا أمها."
قالتها بإصرار.
"قلبي عرفها."
صمت آدم.
لأنه يعرف والدته.
ويعرف أن اسم ريتال وحده قادر على هدم كل قوتها.
وفجأة...
وصل شاب آخر يركض نحوهم.
أصغر سنًا.
وأكثر حيوية.
وعلى عكس آدم تمامًا.
"في إيه؟"
سأل وهو ينظر بينهما.
فقالت والدته بسرعة:
"شفتها."
"مين؟"
"ريتال."
توقف الشاب مكانه.
وتلاشت الابتسامة من وجهه.
"إيه؟"
أشارت إلى الاتجاه الذي غادرت منه شغف.
ثم قالت:
"كانت هنا."
نظر الشاب إلى أخيه.
ثم إلى والدته.
ورأى الدموع في عينيها.
ففهم فورًا.
اقترب منها بهدوء.
وأمسك يدها.
"ماما."
رفعت عينيها إليه.
فابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال بلطف:
"لو هي فعلًا أختي..."
سكت لحظة.
ثم أكمل:
"أنا هلاقيها."
ارتجفت شفتاها.
"وعد؟"
شد على يدها أكثر.
"وعد."
أما آدم...
فكان ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه شغف.
بعينين هادئتين.
لكن لأول مرة منذ سنوات...
ظهر شيء غريب داخل نظرته الباردة.
شيء يشبه الشك.
لأن الفتاة التي مرت أمامه منذ دقائق...
كانت تحمل بالفعل...
ملامح لا يمكن تجاهلها.
٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪
عند شغف...
كانت شغف خارجة من المول ولسه مستغربة اللي حصل.
كل شوية تفتكر الست الغريبة.
ونظرتها.
وكلامها.
وطريقتها وهي بتبصلها.
كأنها تعرفها من زمان.
طلعت موبايلها واتصلت بمريم.
مريم ردت بعد ثواني.
"ألو؟"
"إزيك؟"
صوت مريم كان هادي.
هادي زيادة عن اللزوم.
وده لوحده كان بيقلق شغف.
"الحمد لله."
"كذابة."
مريم ضحكت ضحكة صغيرة.
"بقيتي بتعرفيني أوي."
"طبعًا."
قالتها شغف وهي ماشية.
"أنا أعرف صوتك أكتر ما أعرف صوتي."
سكتوا شوية.
وبعدين شغف قالت:
"طب اسمعي بقى اللي حصل معايا."
"إيه؟"
"والله حاجة أغرب من الخيال."
وبدأت تحكيلها.
من أول ما خبطت في الست.
لحد ما الست فضلت تبص لها.
ولحد ما سألتها عن اسمها.
ومريم كانت بتسمع باستغراب.
"استني استني..."
قاطعتها.
"يعني الست كانت هتعيط؟"
"آه والله."
"من غير سبب؟"
"أهو ده اللي جنني."
مريم فكرت شوية.
"يمكن شبه حد تعرفه."
شغف هزت كتفها.
رغم إن مريم مش شايفاها.
"ما أنا قولت كده."
سكتت ثانية.
وبعدين كملت:
"بس عيونها كانت غريبة يا مريم."
"إزاي؟"
"كأنها لقت حد ضايع منها."
للحظة...
سكتت مريم.
وشغف كملت:
"وبعدين جه واحد."
"مين؟"
"ابنها تقريبًا."
"حلو؟"
شغف شهقت.
"يا بنت المجنونة!"
وأخيرًا...
ضحكت مريم.
ضحكة حقيقية.
"ردي."
"رخمة."
"يعني حلو."
"لا والله."
كذبت شغف بسرعة.
"ده وشه عامل زي مدير سجن."
ضحكت مريم أكتر.
"للدرجة دي؟"
"آه."
"طب والثاني؟"
"الثاني كان ألطف."
وبعدين حكت لها اللي حصل بعد ما مشيت.
وسكتت شوية.
ثم قالت:
"بس تعرفي؟"
"إيه؟"
"أول مرة أخاف من حد بالشكل ده."
"الست؟"
"لا."
"أمال مين؟"
"إحساسي."
مريم استغربت.
"مش فاهمة."
تنهدت شغف.
وقالت بصوت هادي:
"حسيت إني أعرفها."
الصمت نزل بينهم.
"يمكن عشان طيبة."
قالتها مريم.
لكن شغف هزت رأسها.
"لا."
"أمال؟"
"معرفش."
سكتت ثانية.
"بس وأنا ماشية..."
ابتلعت ريقها.
"كنت حاسة إنها هتنادي عليا."
"...."
"وحاسة إني لو لفيت..."
سكتت.
ثم ضحكت على نفسها.
"سيبك مني."
"لا كملي."
"حسيت إني هعرفها."
في الطرف التاني...
مريم سرحت شوية.
وبعدين قالت بابتسامة خفيفة:
"يمكن دي بداية قصة جديدة."
ضحكت شغف.
"يا رب ما تكونش قصة مصايب."
"معاكي حق."
ولأول مرة من ساعات طويلة...
كانت مريم بتضحك فعلًا.
أما شغف...
فكانت بتتكلم عادي جدًا.
من غير ما تعرف.
إن الست اللي قابلتها النهارده...
ممكن تكون مرتبطة بأكبر سر في حياتها كلها.
سر هيقلب عالمها رأسًا على عقب.
♕♕♕♕♕
بعد ما قفلت مريم مع شغف...
فضلت ماسكة الموبايل شوية.
وبصت للشاشة وهي مبتسمة.
ابتسامة صغيرة.
باهتة.
لكنها كانت أول ابتسامة تطلع منها من قلبها من وقت طويل.
شغف كانت دايمًا كده.
مهما الدنيا ضاقت.
مهما الوجع زاد.
كانت تعرف تسرق منها ضحكة.
وتخليها تنسى همومها ولو لدقايق.
لكن أول ما حطت الموبايل جنبها...
اختفت الابتسامة.
ورجع الصمت.
رجع الوجع.
رجعت تفتكر كلام أم ياسر.
"إنتِ إيه أصلًا؟"
غمضت عينيها بقهر.
وحاولت تمنع دموعها.
لكنها تعبت.
تعبت من العياط.
وتعبت من الوجع.
وتعبت أكتر من إنها كل يوم تثبت للناس إنها تستحق الاحترام.
وفجأة...
سمعت صوت باب الفيلا بيتفتح.
رفعت رأسها بسرعة.
وقلبها دق.
ياسر.
دخل الصالون.
ملامحه كانت جامدة.
زي كل مرة.
حتى إنه ما بصش عليها أول ما دخل.
عدى من جنبها كأنها مش موجودة.
وكأن البيت فاضي.
أما هي...
فكانت لسه عندها أمل صغير.
أمل غبي.
إنه يبص لها.
يسألها عاملة إيه.
أو حتى يقول السلام عليكم.
لكن لا شيء.
دخل المطبخ.
وبعدين خرج تاني.
ولما عينه وقعت عليها أخيرًا...
قال ببرود:
"كنتِ بتكلمي مين؟"
اتوترت مريم.
"صحبتي ."
هز رأسه.
وسكت.
لكن فجأة وقع نظره على عينيها الحمرا.
"عيطتي؟"
سؤال عادي.
لكن مريم فرحت.
فرحت إنه لاحظ.
"شوية."
لكن فرحتها ما كملتش.
لأنه قال بعدها مباشرة:
"أتمنى تكوني ما اشتكيتيش مني لحد."
اتجمدت ملامحها.
"إيه؟"
"بقول أتمنى ما تكونيش قاعدة تحكي للناس عن حياتنا."
نزلت عيونها للأرض.
وكأن حد سكب عليها مياه ساقعة.
"أنا ما عملتش كده."
"كويس."
قالها ببرود.
"لأني مش ناقص كلام."
رفعت رأسها ببطء.
وكانت المرة الأولى اللي الوجع يتحول فيها لغضب.
"هو أنا في نظرك وحشة للدرجة دي؟"
سكت ياسر.
فكملت:
"كل مرة بتفترض إني غلط."
"...."
"كل مرة بتفترض إني السبب."
"مريم..."
"لا."
قاطعته.
ولأول مرة...
كان صوتها أعلى من المعتاد.
"جاوبني."
نظر لها باستغراب.
لأن مريم الهادية عمرها ما رفعت صوتها.
"أنا عملتلك إيه؟"
سكت.
فصرخت وهي تبكي:
"أنا عملتلك إيه؟!"
الصمت ملأ المكان.
أما هي...
فكانت منهارة.
"من يوم ما دخلت البيت ده وأنا بحاول أرضيك."
"...."
"بحاول أفهمك."
"...."
"بحاول أستحمل."
دموعها نزلت بقوة.
"لكن إنت حتى فرصة ما ادتنيش."
شد ياسر فكه بعصبية.
لأنه رغم غضبه...
كان شايف صدق دموعها.
وده كان بيخليه يتلخبط أكتر.
"الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة."
ضحكت مريم بمرارة.
"أصلًا أنا مش فاهمة أي حاجة."
وأشارت لقلبها.
"بس اللي فاهماه إنك كارهني."
الجملة خرجت موجعة.
موجعة لدرجة إن حتى ياسر ما عرفش يرد.
لثواني طويلة.
لكن كبرياءه انتصر في النهاية.
فقال ببرود:
"أحسن حاجة تعمليها إنك تبطلي تسألي."
وبعدين استدار ومشى ناحية أوضته.
وسابها واقفة مكانها.
تبكي.
لكن المرة دي...
مش على نفسها.
ولا على كلام أمّه.
ولا حتى على جوازها.
كانت بتبكي...
على حب كبير جدًا.
حب واضح إنه بيتكسر قدام عينيها يوم بعد يوم.
≈≈≈≈≈≈≈≈≈≈≈
بعد ما ساب مريم واقفة بتعيط...
خرج من البيت كله.
كان حاسس إنه مخنوق.
وإن الجدران بتقرب عليه.
ركب عربيته وساق من غير هدف.
لحد ما لقى نفسه قدام البحر.
نزل.
وقعد على واحد من الكراسي الخشبية القريبة من الكورنيش.
الهواء كان بارد.
وأمواج البحر بتخبط في الصخور بهدوء.
لكن جواه...
ما كانش فيه أي هدوء.
أبدًا.
طلع موبايله.
وفتح معرض الصور.
وبدأ يقلب.
صورة.
وصورة.
وصورة.
كلها لنفس البنت.
البنت اللي حبها.
البنت اللي دخلت حياته فجأة.
وبقت جزء منها.
مريم.
أو على الأقل...
البنت اللي كان يعرفها باسم مريم.
البنت المنقبة الهادية.
البنت اللي كانت عيونها تخطفه كل مرة يشوفها.
البنت اللي كان ناوي يكمل حياته معاها.
غمض عينيه بألم.
وهمس:
"إنتِ فين؟"
لحد دلوقتي...
ما كانش قادر يوصلها.
رقمها مقفول.
وأخبارها مقطوعة.
وكأنها اختفت من على وش الدنيا.
ضغط على زر الاتصال للمرة الألف تقريبًا.
وجاله نفس الرد.
"الرقم المطلوب غير متاح."
قفل الموبايل بعصبية.
ورماه جنبه.
"ليه؟"
همسها لنفسه.
"ليه اختفيتي؟"
سكت شوية.
وبعدين دفن وشه بين إيديه.
كان موجوع.
مكسور.
وحاسس إنه خسر أهم شخص في حياته.
لكن فجأة...
ظهرت صورة تانية في دماغه.
مش صورة البنت اللي بيحبها.
لا.
صورة مراته.
مريم.
وهي واقفة من شوية.
بتبكي.
وبتسأله:
"أنا عملتلك إيه؟"
فتح عينيه ببطء.
ولأول مرة من أيام...
حس بوخزة ضمير.
لأنه فعلًا...
ما كانش عنده إجابة.
هي عملتله إيه؟
ولا حاجة.
البنت دخلت حياته مجبرة زيه.
واتجوزته وهي فرحانة.
وكل اللي أخدته منه...
جفا.
وبرود.
وكلام يوجع.
تنهد بتعب.
وحس لأول مرة إنه ظلمها.
وإنها يمكن تكون ضحية زيه بالظبط.
يمكن أكتر.
لأنها كانت بتحاول تقرب منه.
وهو كل مرة كان بيزقها بعيد.
خفض رأسه.
وحس بثقل غريب في قلبه.
"أنا فعلًا ظالمها."
قالها بصوت منخفض.
لكن في اللحظة اللي اعترف فيها بالحقيقة...
رجع صوت تاني جوه دماغه.
صوت الغضب.
وصوت الوجع.
وصوت الخذلان.
"ولو كانت السبب؟"
رفع رأسه فجأة.
"ولو كل ده كان متخطط؟"
"ولو هي كانت عارفة أكتر ما بتقول؟"
"ولو اتخدعت فيها؟"
بدأت الأفكار السودا ترجع.
ترجع وتغطي على أي تعاطف حس بيه.
فشد على شعره بعصبية.
"كفاية."
لكن الأفكار ما وقفتش.
"إنت اللي خسرت حب عمرك."
"إنت اللي حياتك اتقلبت."
"وهي السبب."
أغمض عينيه بقوة.
كان عارف إن جزء منه مش مقتنع.
لكن الجزء التاني...
كان محتاج يلاقي مذنب.
أي مذنب.
عشان يهرب من ألمه.
حتى لو كان بيظلم إنسانة بريئة.
وقف من مكانه.
ومسك موبايله.
وبص للبحر آخر مرة.
ثم همس:
"سامحيني..."
مش عارف كان بيكلم مين.
البنت اللي بيحبها؟
ولا البنت اللي سابها في البيت بتعيط؟
لأنه لأول مرة...
هو نفسه ما بقاش عارف الفرق بين الوجعين.
\//\//\//\//\//\//\//
عدى أسبوع كامل...
ومريم اتغيرت.
بطلت تسأل ياسر رايح فين.
وجاي منين.
وأكل ولا لأ.
بطلت تحاول تفتح كلام.
بطلت حتى تبصله.
بقت بتتعامل معاه كأنه شخص غريب ساكن معاها في نفس البيت وبس.
في البداية ياسر ارتاح.
كان فاكر إنه أخيرًا أخد المساحة اللي عايزها.
لكن مع الوقت...
بدأ يحس إن فيه حاجة غلط.
لأن وجودها الهادئ اختفى.
وصوتها اختفى.
وحتى ابتسامتها الصغيرة اللي كانت بتحاول ترسمها كل يوم اختفت.
وفي صباح يوم جديد...
وصل ياسر الجامعة.
دخل المدرج كعادته.
والطلبة بدأوا يقفوا احترامًا ليه.
"اتفضلوا اقعدوا."
قالها وهو بيفتح ملفات المحاضرة.
وبدأ يشرح.
لكن فجأة...
عينه وقعت على صف البنات.
واتجمد مكانه.
هناك.
في آخر المدرج.
كانت قاعدة بنت منقبة.
هادية.
ساكتة.
وبتكتب ملاحظاتها.
في البداية ما اهتمش.
لكن لما رفعت رأسها للحظة...
اتسعت عيونه.
نفس الهيئة.
نفس القعدة.
نفس الطريقة اللي كانت بتمسك بيها القلم.
نفس الصوت الهادئ لما جاوبت على سؤال سأله.
قلبه دق بقوة.
"مريم؟"
همس الاسم من غير ما يحس.
البنت رجعت تبص في الورق.
أما هو...
فبقى مش مركز في الشرح.
كل شوية يبصلها.
ويحاول يفهم.
ازاي ما انتبهش قبل كده؟
ازاي؟
ولما خلصت المحاضرة...
خرج بسرعة من المدرج.
ووقف عند الباب.
مستني.
الطلبة بدأوا يخرجوا.
لحد ما ظهرت هي.
ماسكة كتبها.
وماشية بهدوء.
فقال بسرعة:
"مريم."
توقفت خطواتها.
لكنها ما بصتش له.
ثانية واحدة.
وبعدين كملت طريقها.
"مريم استني."
سرّعت خطواتها أكتر.
فحاول يلحقها.
لكن فجأة وقفت شغف قدامه.
"في حاجة يا دكتور؟"
قال بعصبية:
"البنت دي."
وبص ناحية مريم اللي كانت بتبعد.
"أنا عايز أكلمها."
شغف عقدت دراعاتها.
"وهي مش عايزة تكلمك."
استغرب.
"يعني إيه؟"
ابتسمت بسخرية خفيفة.
"يعني اللي سمعته."
وبعدين قالت ببرود:
"سيبها في حالها."
"أنا بس..."
قاطعته.
"لا."
أشارت ناحية مريم.
"دي بقت متجوزة."
اتجمد مكانه.
"إيه؟"
"متجوزة."
كررتها وهي باصة في عينه.
"وبتحاول تعيش حياتها."
حس ياسر إن الأرض بتميد تحته.
متجوزة؟
إزاي؟
إمتى؟
ومين؟
أما شغف...
فكانت شايفة الصدمة على وشه.
لكنها افتكرت دموع صاحبتها.
وكل اللي حصل لها.
فقالت بحدة:
"كفاية عليها اللي شافته."
وبعدين سابته ومشيت.
أما ياسر...
ففضل واقف مكانه.
يبص ناحية المكان اللي اختفت فيه البنت المنقبة.
وقلبه لأول مرة بدأ يهمس بسؤال مرعب.
"يا ترى..."
"مريم اللي بحبها..."
"ومريم اللي متجوزها..."
"ممكن يكونوا نفس الشخص؟"
••••••••٪٪٪٪٪••••••••
رجع ياسر البيت وهو مش شايف قدامه.
طول الطريق كان بيسوق بعشوائية.
وعقله بيرجع لنفس الجملة.
"دي بقت متجوزة."
الجملة كانت بتتكرر في دماغه بشكل جنوني.
متجوزة؟
يعني انتهى كل شيء؟
يعني البنت اللي كان بيحلم بيها بقت لراجل تاني؟
دخل الشقة بعنف.
وأقفل الباب وراه.
وكان الغضب والحزن مخلوطين جواه بشكل مرعب.
في نفس اللحظة...
كانت مريم خارجة من أوضتها.
لابسة إسدال الصلاة.
وكان واضح إنها كانت لسه مخلصة فرضها.
رفعت عيونها عليه.
وشافت حالته.
فهمست بخوف:
"مالك؟"
لكن ياسر ما سمعش السؤال أصلًا.
كان شايف قدامه كل حاجة ضاعت منه.
وكان بيدور على أي حاجة يفرغ فيها غضبه.
فاقترب منها بخطوات سريعة.
ومريم تراجعت خطوة للخلف.
"ياسر؟"
لكن ملامحه كانت مخيفة.
لأول مرة تشوفه بالشكل ده.
مسك ذراعها بعنف وهو بيقول:
"كفاية!"
شهقت مريم من الألم.
"أنا عملت إيه؟!"
لكن ياسر كان خارج السيطرة.
والغضب أعمى أي منطق جواه.
"سيبني..."
حاولت تبعد.
لكنها فقدت توازنها.
وسقطت بقوة على الأرض.
وارتطم ذراعها بحافة الطاولة القريبة.
صرخة ألم خرجت منها.
صرخة خلت الصمت يملأ المكان.
وفي اللحظة دي...
كأن ياسر فاق.
بص لها.
بص لوجهها الشاحب.
ولدموعها.
ولذراعها اللي كانت ماسكاه بألم شديد.
واتجمد مكانه.
"مريم..."
لكن مريم ما ردتش.
كانت أنفاسها متقطعة.
والألم أكبر من قدرتها على الكلام.
حاولت تقوم.
لكنها ما قدرتش.
وفجأة...
غابت عيناها.
وسقط رأسها على الجانب.
"مريم!"
ركع ياسر جنبها بسرعة.
وهز كتفها بخوف.
"مريم... فوقي."
لكنها ما استجابتش.
في اللحظة دي...
اختفى الغضب كله.
واختفى الكره.
واختفت كل الأفكار.
ولم يبقَ إلا شعور واحد.
الرعب.
رعب من اللي عمله.
ورعب من إنه لأول مرة...
شاف بعينه نتيجة غضبه على إنسانة عمرها ما آذته في شيء.
#بقلم_آية_محمود
#يتبع
الفصل الثامن من هنا