
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الرابع 4 بقلم اية محمود
الطريق للبيت كان طويل...
أطول من أي يوم فات.
مريم كانت ماشية وكأنها مش شايفة الناس اللي حواليها.
ولا سامعة أصوات العربيات.
ولا حتى حاسة بالهوا.
كل اللي كانت سامعاه...
صوت ياسر.
"أنا مش هقدر أكمل موضوع الجواز."
كل ما تحاول تنسى...
الجملة ترجع تتردد في دماغها من جديد.
وصلت البيت.
وقفت قدام الباب ثواني.
حاولت تمسح دموعها.
حاولت تعدل صوتها.
حاولت تبان طبيعية.
لكنها كانت تعبت.
أوي.
فتحت الباب ودخلت.
مرات أخوها كانت قاعدة في الصالة.
أول ما شافتها قالت:
"إيه؟ العريس جه ولا هرب؟"
ضحكت لنفسها.
لكن مريم عدّت من جنبها وكأنها ما سمعتهاش.
الست استغربت.
"أنا بكلمك."
مريم كملت طريقها.
خطوة.
ورا خطوة.
لحد ما دخلت أوضتها.
وقفلت الباب بالمفتاح.
لأول مرة...
ما ردتش.
ولا دافعت عن نفسها.
ولا حتى حاولت تشرح.
رمت شنطتها على الأرض.
وقعدت على طرف السرير.
ساكتة.
ثانية.
واتنين.
وتلاتة.
وفجأة...
انهارت.
الدموع نزلت كلها مرة واحدة.
وكأنها كانت محبوسة من سنين.
حضنت المخدة بقوة.
وهي بتحاول تمنع صوت شهقاتها.
لكنها فشلت.
"ليه...؟"
همستها خرجت مكسورة.
"ليه يا رب؟"
هي أصلًا ما طلبتش كتير.
ما طلبتش قصر.
ولا فلوس.
ولا حياة مثالية.
كل اللي طلبته...
إن حد يختارها.
ويبقى صادق.
لكن حتى دي...
ضاعت.
في الخارج...
أخوها رجع البيت.
وأول ما دخل سأله زوجته:
"مالها؟"
ردت وهي بتقلب في التلفزيون:
"شكله الدكتور بتاعها اختفى."
أخوها ضحك بسخرية:
"قلتلك."
ثم أكمل ببرود:
"خلاص بقى."
"يعني؟"
"نرجع نكمل موضوع الجوازة."
في الداخل...
كانت مريم قاعدة على الأرض جنب سريرها.
ما تعرفش إنهم بيتكلموا عنها كأنها سلعة.
ما تعرفش إنهم لسه مصرين.
كل اللي كانت تعرفه...
إن قلبها بيوجعها.
وفجأة...
رن موبايلها.
شغف.
بصت للاسم.
والدموع نازلة.
رن مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لكنها ما ردتش.
لأنها لو سمعت صوت صاحبتها دلوقتي...
هتنهار أكتر.
أما شغف...
فكانت واقفة في أوضتها.
تبص للموبايل بقلق.
لأنها كانت حاسة...
إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
وحاجة جواها كانت بتقول:
"مريم محتاجة حد..."
لكن مريم...
لأول مرة من سنين...
قررت تواجه وجعها لوحدها.
!!!!!!!!!!!!!!! ٪٪٪٪ !!!!!!!!!!!!!!
في الجامعة......
فضل ياسر واقف مكانه...
يبص للطريق اللي مشيت فيه مريم.
كأن رجليه اتثبتوا في الأرض.
كأن جزء منه مشي معاها.
الناس حواليه كانت بتتحرك بشكل طبيعي.
طلبة رايحين وجايين.
أصوات وضحك وكلام.
لكن هو...
كان حاسس إن كل حاجة ساكتة.
افتكر دمعتها.
وافتكر نظرتها.
والجملة اللي قالتها قبل ما تمشي:
"كل مرة أصدق إن فيه حد اختارني... أكتشف إني غلطانة."
غمض عينه بعنف.
وكأنه بيهرب من الذكرى.
لكنها كانت بتطارده.
"أنت عملت الصح."
قالها لنفسه.
مرة.
واتنين.
وعشرة.
لكنه ما صدقهاش.
لأن الحقيقة؟
إنه ما كانش عايز يسيبها.
ولا كان عايز يوجعها.
ولا حتى كان عايز ينهي كل حاجة.
لكنه من يوم وفاة رحيم...
ما بقاش نفس الإنسان.
بقى كل ما يفكر في الفرح...
يحس بالذنب.
كل ما يضحك...
يفتكر إن رحيم مش موجود عشان يضحك معاه.
كل ما يحلم بمستقبل...
يتذكر إن أقرب شخص ليه ما بقاش عنده مستقبل أصلًا.
رجع مكتبه.
وقفل الباب وراه.
الأوضة كانت فاضية.
لكن رغم كده...
حس إنها خانقة.
قعد على الكرسي.
وحط وشه بين إيديه.
لأول مرة من أيام...
حاسس إنه منهك.
مش جسديًا.
لا.
نفسيًا.
وفجأة...
وقع نظره على ورقة كانت فوق المكتب.
ورقة فيها أسماء الطلبة.
ومن بينهم اسمها.
مريم.
بص للاسم طويلًا.
ثم مرر إصبعه فوقه بشرود.
افتكر أول مرة شافها.
افتكر هدوءها.
وافتكر إنها كانت دايمًا قاعدة في آخر المدرج.
تسمع أكتر ما تتكلم.
وافتكر الفرحة اللي لمحها في عينيها يوم طلب منها يتقدم.
هنا...
انقبض قلبه بعنف.
"أنا آسف..."
همسها بصوت خافت.
كأنه بيكلمها رغم إنها مش موجودة.
رن موبايله.
أمه.
رد بعد ثواني.
"أيوة يا أمي."
"قابلت البنت؟"
سكت.
الأم فهمت من سكوته.
"عملت إيه يا ياسر؟"
غمض عينه.
"أنهيت الموضوع."
على الطرف التاني...
ساد صمت طويل.
ثم قالت أمه بحزن:
"بس أنت كنت بتحبها."
الكلمة وجعته.
لأنه لأول مرة حد قالها بصوت عالي.
فرد بعد لحظة:
"الحب مش دايمًا كفاية."
لكن وهو بيقولها...
كان حاسس إن فيه حاجة جواه بتتكسر.
أمه سألت بهدوء:
"وأنت هتعرف تعيش من غيرها؟"
ما ردش.
لأن لأول مرة...
ما كانش عنده إجابة.
وبعد ما قفل المكالمة...
فتح درج مكتبه.
كان فيه علبة صغيرة.
جواها خاتم.
الخاتم اللي كان ناوي يقدمه يوم الخطوبة.
فضل يبص له ثواني طويلة.
ثم قفل العلبة بسرعة.
كأنه بيهرب من حلم مات قبل ما يبدأ.
لكن رغم كل محاولاته...
ورغم اقتناعه إنه عمل الصح...
كان فيه إحساس واحد بيكبر جواه كل دقيقة.
إنه خسر مريم...
قبل ما تكون له أصلًا.
√√√√√√√√
في صباح اليوم التالي....
الصبح كان هادي بشكل غريب...
أو يمكن مريم هي اللي ما بقتش تسمع حاجة.
من إمبارح وهي حابسة نفسها في الأوضة.
لا أكلت.
ولا نزلت.
ولا حتى ردت على شغف اللي فضلت ترن عليها طول الليل.
كانت قاعدة على طرف السرير.
وعينيها ثابتة على الحيطة.
من غير ما تفكر.
ومن غير ما تحس.
كأن كل اللي جواها مات.
وفجأة...
خبط على الباب.
مرة.
واتنين.
"مريم."
صوت أخوها سعد.
ما ردتش.
"افتحي الباب."
بعد ثواني طويلة...
قامت.
وفتحت.
سعد دخل.
ووراه هناء.
أول ما شافوا وشها...
اتصدموا.
عينيها كانت وارمة من كتر العياط.
ووشها شاحب بشكل مخيف.
هناء تنهدت وهي تقعد:
"يعني وصلتي نفسك للحالة دي عشان واحد؟"
مريم ما ردتش.
سعد قال ببرود:
"الموضوع خلص."
رفعت عينيها ببطء.
"الدكتور ده مش راجع."
وجع جديد ضرب قلبها.
لكنها ما أظهرتش أي رد فعل.
سعد أكمل:
"وعشان كده لازم نفكر بعقل."
ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة.
"عقل؟"
"أيوة."
وأشار ناحية هناء.
"العريس لسه مستني الرد."
الصمت نزل على الأوضة.
هناء قالت بسرعة:
"راجل محترم."
"..."
"وعنده فلوس."
"..."
"وهيعيشك مرتاحة."
مريم بصتلهم.
لأول مرة...
بصتلهم وكأنهم غرباء.
ثم سألت بهدوء:
"ولو رفضت؟"
سعد رد فورًا:
"مش هتستفيدي حاجة."
"ولو وافقت؟"
"هتبقي مستورة."
الكلمة الأخيرة خلتها تبتسم.
ابتسامة باهتة جدًا.
مستورة.
كأنها طول عمرها كانت عبء.
لازم حد يتخلص منه.
نزلت عينيها.
وسكتت.
سعد وهناء افتكروا إنها هتعترض.
هتعيط.
هتصرخ.
زي كل مرة.
لكن اللي حصل صدمهم.
مريم رفعت رأسها.
وقالت بهدوء غريب:
"موافقة."
هناء رمشت.
"إيه؟"
"موافقة على الجواز."
حتى سعد اتفاجأ.
"بجد؟"
هزت رأسها.
"أيوة."
الصمت ملأ الأوضة.
لأنهم كانوا مستعدين لمعركة.
لكنهم ما كانواش مستعدين للاستسلام.
هناء ابتسمت بسرعة.
"شوف؟ قلتلك هتعقل."
أما سعد...
فشعر بالارتياح.
"تمام."
وقام من مكانه.
"هبلغ الراجل."
وخرج.
وراه هناء.
الباب اتقفل.
ورجعت مريم تقعد على السرير.
نفس المكان.
ونفس الصمت.
لكن أول ما بقت لوحدها...
نزلت دمعة واحدة.
ومسحتها بسرعة.
ثم همست لنفسها:
"خلاص يا مريم..."
سكتت لحظة.
"طالما الأحلام كلها بتتكسر..."
وأغمضت عينيها.
"يبقى بلاش نحلم."
وفي الخارج...
كانت هناء بتتكلم بحماس عن تجهيزات الفرح.
وكان سعد بيحسب المكاسب اللي هيحصل عليها.
أما في الداخل...
فكانت روح مريم...
تعلن استسلامها لأول مرة.
♕♕♕::::::♕♕♕
عدّى يوم...
واتنين...
وثلاثة.
ومريم بقت نسخة مختلفة من نفسها.
نسخة شغف ما تعرفهاش.
لا بتضحك.
لا بتتكلم.
لا حتى بترد على المكالمات.
كل يوم تروح الجامعة.
تحضر محاضراتها.
ترجع البيت.
تقفل على نفسها الباب.
وتعيش في صمت غريب.
لدرجة إن شغف بدأت تقلق بجد.
في الأول افتكرت إن صاحبتها محتاجة شوية وقت.
لكن بعد أيام...
قلبها ما ارتاحش.
"لا..."
قالتها وهي بتقوم من مكانها.
"أنا لازم أشوفها."
وبالفعل...
بعد الجامعة مباشرة.
راحت بيت مريم.
خبطت الباب.
فتحت هناء.
"أيوة؟"
"مريم فين؟"
هناء أشارت ناحية أوضتها.
"جوا."
شغف عقدت حاجبيها.
"من إمتى وهي بتقعد محبوسة كده؟"
هناء رفعت كتفها بلا مبالاة.
"مزاجها."
الكلمة دي لوحدها رفعت ضغط شغف.
لكنها كتمت نفسها.
ومشت ناحية الأوضة.
خبطت.
"مريم."
مافيش رد.
"افتحي."
برضو صمت.
"والله لو ما فتحتي لأكسر الباب."
بعد ثواني...
الباب اتفتح.
وشغف اتجمدت مكانها.
لأن اللي واقفة قدامها...
ما كانتش مريم اللي تعرفها.
وشها شاحب.
عينيها غرقانة هالات.
وجسمها خاسس بشكل واضح.
كأنها ما نامتش من أيام.
"يا نهار أبيض..."
خرجت من شغف تلقائيًا.
مريم حاولت تبتسم.
"أهلًا."
شغف دخلت بسرعة.
وقفلت الباب.
ثم مسكت وش صاحبتها بين إيديها.
"إيه اللي حصل فيكي؟"
"مفيش."
"مفيش؟!"
شغف كانت على وشك الانفجار.
"إنتِ شكلك مرعب."
مريم ضحكت ضحكة صغيرة باهتة.
"مبالغة."
هنا...
شغف فهمت إن فيه حاجة غلط جدًا.
لأن مريم اللي تعرفها...
كانت بترد.
بتتخانق.
بتضحك.
لكن دي؟
دي كانت مستسلمة.
قعدتها على السرير.
وقعدت قدامها.
"احكي."
"مفيش حاجة تتحكي."
"مريم."
"بجد."
شغف سكتت.
ثم سألت السؤال اللي كان شاغلها:
"إيه اللي حصل بينك وبين ياسر؟"
ولأول مرة...
عين مريم لمعت بالدموع.
لكنها مسحتها بسرعة.
وحكت.
حكت كل حاجة.
من يوم ما اختفى.
لحد يوم ما شافته.
ولحد اللحظة اللي قال لها فيها إنه مش هيكمل.
شغف كانت قاعدة ساكتة.
لكن ملامحها كانت بتسود مع كل كلمة.
لحد ما انتهت.
فسكتت الأوضة كلها.
ثواني.
وبعدين...
شغف قامت واقفة فجأة.
"أنا هقتله."
مريم رفعت رأسها.
"شغف..."
"لا والله هقتله."
بدأت تلف في الأوضة.
"يعني إيه يتقدم ويعلقك بيه وبعدين يمشي؟!"
"هو كان عنده ظروف."
"ما يهمنيش."
"شغف."
"ما يهمنيش!"
ثم فجأة...
تذكرت حاجة.
"استني."
لفت بسرعة.
"مرات أخوكي قالتلي حاجة تحت."
مريم بصتلها باستغراب.
"إيه؟"
شغف ضيقت عينيها.
"قالت مبروك."
"..."
"وقالت إن كتب الكتاب قريب."
الصمت.
"مريم..."
شغف بدأت تشعر بالخطر.
"هي كانت تقصد إيه؟"
مريم نزلت عينيها.
"وافقت."
"وافقت على إيه؟"
"العريس."
ثانية.
اتنين.
ثلاثة.
وشغف كانت بتحاول تستوعب.
"إيه؟"
"وافقت."
"إنتِ بتهزري."
هزت مريم رأسها بالنفي.
"لا."
شغف شهقت.
"إنتِ اتجننتي؟!"
"شغف..."
"إنتِ موافقة تتجوزي الراجل ده؟!"
"خلاص."
"خلاص إيه؟!"
كانت بتصرخ حرفيًا.
"إنتِ طول عمرك رافضة!"
"تعبت."
الجملة خرجت هادئة جدًا.
هادئة بشكل مرعب.
"تعبت يا شغف."
سكتت.
ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة.
"أهو أي حياة وخلاص."
في اللحظة دي...
شغف حسّت إن قلبها وقع.
لأن مريم...
اللي كانت دايمًا بتحلم.
وبتحارب.
وبتتمسك بالأمل.
أعلنت استسلامها.
ولأول مرة...
شغف خافت عليها بجد.
عدى الوقت...
شغف فضلت قاعدة جنب مريم لساعات.
لا بتحاول تضحكها.
ولا تجبرها تتكلم.
بس موجودة.
لأنها كانت عارفة إن بعض الوجع...
مالوش حل.
غير إنك تلاقي حد يقعد جنبك فيه.
مريم كانت قاعدة على السرير.
ساندة ضهرها على الحيطة.
وعينيها تايهة في نقطة بعيدة.
أما شغف...
فكانت بتراقبها بصمت.
وكل دقيقة كانت بتتأكد من حاجة واحدة.
دي مش مريم.
مش صاحبتها اللي تعرفها.
البنت اللي كانت تقدر تواجه الدنيا كلها لوحدها.
البنت اللي كانت تضحك حتى وهي زعلانة.
دي واحدة مكسورة.
والمشكلة إن اللي كسرها...
حد هي كانت واثقة فيه.
"هجيبلك عصير؟"
سألت شغف فجأة.
مريم هزت رأسها بالنفي.
"طب تاكلي حاجة؟"
"مش جعانة."
"من إمتى؟"
ابتسمت مريم ابتسامة باهتة.
"مش فاكرة."
شغف عضت على شفايفها.
لأنها كانت على وشك العياط.
لكنها تماسكت.
وبعد شوية...
بدأت تتكلم عن الجامعة.
عن المحاضرات.
عن المواقف السخيفة اللي حصلت.
عن أي حاجة.
وأحيانًا...
كانت تلمح ابتسامة صغيرة على وش مريم.
فتكمل.
لأنها كانت بتحارب عشان الابتسامة دي تفضل موجودة.
لكن في داخلها...
كان فيه سؤال واحد بيحرقها.
ليه؟
ليه ياسر عمل كده؟
هو كان باين عليه بيحبها.
وهي شافت ده بعينيها.
يبقى ليه؟
إيه اللي خلاه فجأة يسيبها بالشكل ده؟
كل ما تفكر...
كانت تحس إن فيه حاجة ناقصة.
حاجة محدش قالها.
حقيقة مستخبية.
ومع غروب الشمس...
قامت من مكانها.
"أنا لازم أمشي."
مريم هزت رأسها بهدوء.
وقامت توصلها للباب.
وقبل ما تخرج...
شغف حضنتها فجأة.
حضن طويل.
قوي.
لدرجة إن مريم اتفاجئت.
"إيه ده؟"
شغف حاولت تضحك.
"وحشتيني."
لكن الحقيقة؟
إنها كانت خايفة.
خايفة تخسر صاحبتها.
بعد ما خرجت من البيت...
وقفت في أول الشارع.
وأخرجت موبايلها.
وفتحت صفحة الجامعة.
وبدأت تدور.
دقائق.
ثم ظهرت صورة.
الدكتور ياسر.
بصت لها طويلًا.
ثم قالت وهي تضيق عينيها:
"لا يا دكتور..."
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
"أنا مش هسيب الموضوع كده."
وأغلقت الهاتف.
وفي نفس اللحظة...
كانت قد اتخذت قرارها.
من غير ما تقول لمريم.
من غير ما تستأذن.
ومن غير ما تعرف حد.
هتروح تقابل ياسر بنفسها.
وهتعرف منه الحقيقة كاملة.
حتى لو اضطرت تقلب الدنيا فوق دماغه.
لأن شغف كانت تؤمن بحاجة واحدة.
إن صاحبتها تستحق إجابة.
وتستحق تعرف...
ليه قلبها اتكسر بالشكل ده.
وفي مكان آخر...
كان ياسر جالس وحيدًا في شرفة غرفته.
ينظر للسماء بصمت.
غير مدرك...
أن إعصارًا اسمه شغف...
في طريقه إليه.
#فرحة_على_حافة_الهاوية
تاني يوم...
شغف صحيت وهي عندها هدف واحد بس.
تعرف الحقيقة.
مش إشاعات.
ولا تبريرات.
ولا كلام ناس.
الحقيقة من ياسر نفسه.
ومن أول ما وصلت الجامعة...
كانت مستنياه.
حضرت محاضراتها بالعافية.
وكل شوية تبص للساعة.
لحد ما أخيرًا انتهى اليوم.
خرج الطلبة من المدرجات.
وبدأت الممرات تفضى.
أما شغف...
فاتجهت مباشرة ناحية مبنى هيئة التدريس.
خطواتها كانت سريعة.
وغضبها أسرع.
وقفت قدام باب المكتب.
"دكتور ياسر."
جاءها صوته من الداخل.
"اتفضلي."
دخلت.
ياسر رفع رأسه من فوق الأوراق.
ولم يستغرب وجودها.
كان يعرف أنها صديقة مريم.
وشافها أكتر من مرة معاها.
"اتفضلي اقعدي."
"مش هطول."
ردت بسرعة.
ثم أغلقت الباب خلفها.
وياسر فهم فورًا...
إنها مش جاية تسأله عن مادة دراسية.
"خير؟"
شغف عقدت ذراعيها.
"أنا جاية أسألك سؤال واحد."
"..."
"ليه؟"
الصمت ملأ المكان.
ياسر أنزل القلم من إيده.
وكان يعرف بالضبط هي تقصد إيه.
"شغف..."
"لا."
قاطعتُه فورًا.
"أنا مش جاية أسمع أعذار."
اقتربت خطوة.
"أنا شفت مريم وهي بتنهار."
سكتت لحظة.
"وشفتها وهي بتوافق على جوازة عمرها ما كانت تقبلها."
ملامح ياسر توترت.
لكنها أكملت.
"وعايزة أفهم."
"فيه ظروف حصلت."
"إيه هي؟"
لم يرد.
فابتسمت بمرارة.
"يعني مفيش."
"فيه."
"طب قول."
صمت.
صمت طويل.
ثم قال بهدوء:
"مش هينفع."
شغف كانت على وشك الانفجار.
"مش هينفع إيه؟"
رفع عينيه إليها.
وكان واضحًا أنه مرهق.
متعب.
لكن إجابته القادمة كانت كفيلة بتجميدها.
"أنا هتجوز."
شغف رمشت.
مرة.
واتنين.
"إيه؟"
"هتجوز."
قالها مرة أخرى.
كأنها حقيقة انتهى منها.
شغف شعرت أن الدم صعد لرأسها.
"بعد ما سيبت مريم؟"
ياسر لم يرد.
"بعد ما كسرتها بالشكل ده؟"
قبض على يده بقوة.
لكن ظل صامتًا.
"مين؟"
سألتها بغضب.
"مين اللي هتتجوزها؟"
سكت ثواني.
ثم قال:
"بنت اختارتها العيلة."
وهنا...
شغف ضحكت.
لكنها لم تكن ضحكة.
كانت صدمة.
وسخرية.
وألم.
"يعني سيبت البنت اللي كنت عايز تتقدملها..."
نظرت له بعدم تصديق.
"علشان تتجوز واحدة اختارتها العيلة؟"
لأول مرة...
ظهرت مرارة حقيقية في عيني ياسر.
لكنه قال فقط:
"ده القرار الصح."
شغف هزت رأسها.
"لأ."
ثم أشارت إليه.
"ده أسهل قرار."
ساد الصمت.
أما هي...
فكانت تشعر بالغضب أكثر من أي وقت مضى.
لأنها لم ترَ رجلًا يحاول الهروب من ألمه بهذه الطريقة من قبل.
وقبل أن تخرج...
التفتت إليه وقالت:
"فيه بنت كل يوم بتموت من جوه بسبب القرار ده."
ثم فتحت الباب.
وتوقفت للحظة.
وأضافت:
"وأخاف يوم تعرف إنك خسرتها بجد."
وغادرت.
أما ياسر...
فظل جالسًا مكانه.
صامتًا.
لأن جزءًا منه كان يعرف...
أن شغف ربما كانت على حق.
꧁꧁꧂꧂
مرّ الأسبوع...
بطيئًا.
ثقيلًا.
وكأن كل يوم كان سنة كاملة بالنسبة لمريم.
جاء يوم الزفاف أخيرًا.
اليوم الذي كان الجميع ينتظره.
إلا هي.
البيت كان مليئًا بالزينة.
الأضواء معلقة في كل مكان.
أصوات الأغاني ترتفع من الخارج.
والنساء يدخلن ويخرجن وهن يطلقن الزغاريد.
أما مريم...
فكانت جالسة أمام المرآة.
في ثوب أبيض.
هادئة بشكل مخيف.
لا تبتسم.
ولا تبكي.
ولا تتكلم.
فقط تنظر لانعكاسها.
كأنها تنظر إلى فتاة أخرى لا تعرفها.
دخلت شغف الغرفة.
وتوقفت فور رؤيتها.
كان المفروض أن تكون مريم أجمل عروس في الدنيا.
لكنها بدت...
كأنها ذاهبة إلى حكم بالإعدام.
اقتربت منها بهدوء.
وجلست بجوارها.
"عاملة إيه؟"
ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة باهتة.
"زي الفل."
"كذابة."
ضحكت مريم بخفوت.
ثم همست:
"حاسّة إن دي جنازتي يا شغف."
سكتت شغف.
لأنها لم تجد كذبة مناسبة تواسيها بها.
في الخارج...
كان سعد يتحرك بين الضيوف بفخر.
أما هناء...
فكانت تستقبل التهاني وكأنها هي العروس.
"العريس شخصية مهمة جدًا."
"ما شاء الله راجل غني."
"مريم بختها حلو."
كلمات كانت تصل إلى أذن مريم كأنها أصوات بعيدة جدًا.
وفجأة...
دخل أحد الرجال مسرعًا.
"العريس وصل!"
ارتفعت الزغاريد.
وتحرك الجميع نحو الخارج.
أما شغف...
فأمسكت يد مريم.
كانت باردة.
باردة جدًا.
"تعالي."
وقفت مريم بصعوبة.
وكأن قدميها لا تريدان حملها.
ثم خرجتا معًا.
الناس كانت متجمعة أمام البيت.
الجميع يحاول رؤية العريس.
ومريم كانت تنظر إلى الأرض.
رافضة حتى أن ترفع رأسها.
إلى أن سمعت همسات غريبة بين الحاضرين.
همسات تحولت إلى دهشة.
ثم صمت.
صمت مفاجئ.
رفعت شغف رأسها أولًا.
ثم اتسعت عيناها بصدمة.
"مريم..."
لكن مريم لم ترد.
"ارفعي رأسك."
رفعتها ببطء.
ونظرت.
وفي اللحظة التالية...
تجمدت في مكانها.
لأن الرجل الذي نزل من السيارة...
لم يكن العريس الذي أخبروها عنه.
ولم يكن الرجل الخمسيني الذي وصفوه لها.
بل كان شخصًا تعرفه جيدًا.
شخصًا لم تكن تتخيل أن تراه هنا.
شخصًا كانت آخر مرة رأته فيها...
وهو يقول لها:
"سامحيني."
كان...
ياسر.
واقفًا أمام البيت.
ببدلته السوداء.
ووجهه الشاحب.
وعيناه مثبتتان عليها هي وحدها.
أما مريم...
فشعرت أن العالم كله توقف.
"إيه...؟"
خرجت منها الهمسة بالكاد.
وشغف كانت لا تقل صدمة عنها.
لأنها هي نفسها لا تفهم ما يحدث.
أما سعد وهناء...
فبدت على وجهيهما علامات الرعب.
كأن وجود ياسر هنا...
لم يكن ضمن خططهما أبدًا.
وفي تلك اللحظة...
عرفت مريم شيئًا واحدًا فقط.
أن الليلة...
لن تمر كما توقع أي أحد.
الفصل الخامس من هنا