رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الخامس 5 بقلم اية محمود


 رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الخامس 5 بقلم اية محمود


باب الفيلا اتقفل وراهم بهدوء...

لكن الهدوء ده كان خادع.

لأن العاصفة الحقيقية كانت لسه هتبدأ.

مريم دخلت بخطوات مترددة.

عينيها بتلف في المكان بانبهار بسيط.

أول مرة تدخل بيت بالحجم ده.

السلالم الرخام.

النجف الكبير.

والتفاصيل الفخمة اللي كانت تشوفها بس في التلفزيون.

لكن رغم كل ده...

ما كانتش مركزة في أي حاجة.

كل تركيزها كان على شخص واحد.

ياسر.

زوجها.

كل ما تفتكر الكلمة...

قلبها يدق أسرع.

رغم كل اللي حصل.

رغم الوجع.

رغم رفضه ليها.

في النهاية...

بقى من نصيبها.

رفعت عيونها له.

فوجدته واقفًا بعيدًا.

ينزع سترته بعصبية.

ملامحه كانت جامدة.

قاسية.

ولأول مرة...

بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.

"ياسر..."

قالتها بهدوء.

لكنه لم يرد.

ألقى مفاتيحه على الطاولة بعنف.

ثم استدار إليها.

وفي اللحظة دي...

شعرت مريم أن شيئًا ليس طبيعيًا.

لأن النظرة التي رأتها في عينيه...

لم تكن نظرة رجل تزوج المرأة التي يحبها.

كانت نظرة غضب.

غضب شديد.

نظر إليها طويلًا.

إلى وجهها الصغير.

ملامحها الطفولية.

خجلها الواضح.

وعينيها الزرقاوين الواسعتين.

أي شخص آخر...

كان ممكن تلين ملامحه.

لكن ياسر؟

لم يحدث.

لأن الغضب كان أقوى.

"أخيرًا..."

قالها بسخرية مريرة.

مريم عقدت حاجبيها.

"إيه؟"

ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرحة.

"أكيد مبسوطة دلوقتي."

لم تفهم.

"مش فاهمة."

اقترب خطوة.

"بجد؟"

نظرت له باستغراب.

أما هو...

فكان يرى أمامه صورة مختلفة تمامًا.

كان يظن أنه تزوج فتاة خططت لكل شيء.

فتاة لعبت دور الضحية.

وأوصلت الأمور إلى هذه النهاية.

بينما الحقيقة...

أنه لم يكن يعرف من تقف أمامه أصلًا.

"إنتِ شاطرة جدًا."

"أنا؟"

"آه إنتِ."

ارتفع صوته.

"عرفتي توصلي للي عايزاه."

بدأ الخوف يتسلل إليها.

"أنا مش فاهمة بتقول إيه."

"طبعًا."

استدار مبتعدًا.

"هتعملي نفسك بريئة."

الدموع بدأت تتجمع في عينيها.

"أنا عملت إيه؟"

سكت.

ثم التفت إليها فجأة.

"قوليلي."

اقترب أكثر.

"كان بقالك قد إيه بتخططي للموضوع ده؟"

اتسعت عيناها بصدمة.

"موضوع إيه؟!"

"الجواز."

مريم كانت تنظر إليه وكأنه شخص آخر.

هذا ليس ياسر الذي عرفته.

ليس الرجل الذي تحدث معها يومًا بلطف.

ولا الرجل الذي جعلها تحلم.

"والله ما فاهمة حاجة."

لكن ياسر كان غارقًا في غضبه.

لدرجة أنه لم يرَ دموعها.

ولم يرَ ارتجاف يديها.

ولم ينتبه أصلًا...

أنه يتحدث مع الفتاة نفسها التي أحبها.

لأنه لم يرَ مريم الحقيقية من قبل.

كل ما يعرفه عنها...

كان فتاة منقبة.

هادئة.

دائمًا تخفي ملامحها.

أما هذه الفتاة ذات العينين الزرقاوين؟

فلم يربط بينها وبينها أبدًا.

جلس على الأريكة وهو يمرر يده في شعره بعصبية.

ثم قال دون أن ينظر إليها:

"اسمعي كويس."

حبست أنفاسها.

"الجواز ده حصل."

"..."

"لكن ده ما يغيرش أي حاجة."

شعرت بقلبها يسقط.

"يعني إيه؟"

رفع رأسه أخيرًا.

وعيناه كانتا باردتين بشكل موجع.

"يعني متتخيليش إننا هنعيش قصة حب."

سكت لحظة.

ثم أكمل:

"لأن ده عمره ما هيحصل."

وفي تلك اللحظة...

وقفت مريم في منتصف الصالون الكبير

تشعر أن فرحتها الصغيرة...

التي عادت للحياة منذ ساعات فقط...

بدأت تتكسر من جديد.

في اللحظة دي...

مريم حسّت إن حاجة جواها ماتت.

مش قلبها.

لأن قلبها اتكسر من زمان.

لكن الأمل.

آخر ذرة أمل كانت متمسكة بيها.

مسحت دموعها بسرعة.

ورفعت رأسها.

وحاولت تبتسم.

ابتسامة صغيرة جدًا.

موجوعة جدًا.

وقالت:

"متقلقش."

نظر لها باستغراب.

فأكملت:

"مش هفرض نفسي عليك."

سكتت.

ثم أضافت بصوت مكسور:

"زي ما ما فرضتش نفسي على أي حد قبل كده."

واستدارت.

ومشت ناحية السلم.

وكانت بتحاول تمشي بثبات.

لكن أول ما وصلت لأول درجة...

انهارت.

مش بصوت.

ولا بصراخ.

لكن دموعها كانت بتنزل في صمت.

صمت موجع أكتر من ألف صرخة.

أما ياسر...

فظل واقف مكانه.

يحاول يقنع نفسه...

إنه مرتاح.

لكن لأول مرة منذ وفاة رحيم...

شعر بثقل غريب فوق صدره.

كأن شخصًا ما...

كسر قلبًا بريئًا أمامه.

وكان هو السبب. 

💔💔💔💔

أول ما دخلت مريم الأوضة...

قفلت الباب وراها.

بهدوء.

هدوء غريب.

سندت ظهرها على الباب.

وحاولت تتنفس.

لكن أول نفس أخدته خرج على هيئة شهقة.

وثاني نفس خرج دمعة.

أما الثالث...

فخرج معه كل الوجع اللي كانت حابساه.

انزلقت على الأرض ببطء.

وضمت ركبتيها لصدرها.

"ليه...؟"

همستها خرجت مكسورة.

من ساعات قليلة بس...

كانت أسعد بنت في الدنيا.

وفجأة...

بقت أبأس واحدة.

أغمضت عينيها.

ورغمًا عنها...

رجعت بذاكرتها للي حصل قبل ساعات.

قبل ساعات...

أمام البيت.

كانت الزغاريد مالية المكان.

والناس متجمعة.

ومريم واقفة جنب شغف.

مش قادرة تستوعب.

لحد ما العربية وقفت.

ونزل منها ياسر.

لحظتها...

العالم كله وقف.

شغف شهقت.

"ياسر؟!"

أما مريم...

فافتكرت إنها بتحلم.

لدرجة إنها بصت لشغف.

ثم رجعت بصت له تاني.

"هو... هو بجد؟"

وشغف نفسها كانت مذهولة.

"والله ما فاهمة حاجة!"

لكن الصدمة الحقيقية...

ما كانتش عندهم.

كانت عند سعد وهناء.

وشوشهم فقدت لونها فجأة.

ونظرات الرعب ظهرت عليهم بشكل واضح.

لأنهم كانوا يعرفوا حاجة...

مريم ما تعرفهاش.

وياسر كان شايفهم.

شايف خوفهم.

شايف ارتباكهم.

وشايف إنهم مش متوقعين وجوده.

اقترب منهم بخطوات بطيئة.

وسلم على الموجودين ببرود.

ثم وقف قدام سعد مباشرة.

وقال بهدوء مخيف:

"مبروك."

سعد بلع ريقه.

"الله يبارك فيك."

أما هناء...

فكانت بتفرك إيديها بتوتر.

كأنها مستنية مصيبة تحصل.

وفجأة...

ظهر المأذون.

والجميع اتحرك للداخل.

ومريم لسه مش فاهمة.

لحد ما شغف مسكت إيدها بقوة.

وهمست:

"هو إيه اللي بيحصل؟"

مريم هزت رأسها.

"مش عارفة."

دخلوا الصالة.

الناس قعدت.

والمأذون فتح الدفتر.

ثم قال الجملة اللي غيرت كل حاجة:

"فين العريس؟"

فرد أحد الحاضرين:

"الدكتور ياسر."

لحظتها...

قلب مريم وقف.

وشغف فتحت بؤها من الصدمة.

أما سعد...

فكان شبه شخص اتحكم عليه بالإعدام.

وهناء كانت على وشك الإغماء.

لكن مريم؟

كانت سعيدة.

سعيدة بشكل ما قدرتش تخفيه.

لأول مرة من أيام.

أول مرة من يوم ما سمعت كلمة:

"أنا مش هقدر أكمل."

حست إن ربنا رد لها حقها.

وإن كل شيء انتهى بخير.

لكنها ما كانتش شايفة ياسر.

ما كانتش شايفة الغضب اللي مالي عيونه.

ولا القبضة المشدودة بقوة.

ولا الفك المطبق بعنف.

كان قاعد كأنه داخل معركة.

مش جواز.

وكل ما يرفع عينه...

يلمح ابتسامة مريم.

فيزيد غضبه أكتر.

لأنه كان يظن...

أنها السبب في كل ما يحدث.

وأن الجميع خدعه.

وأن اللعبة أكبر مما يتخيل.

أما هي...

فكانت تنظر له بعينين مليئتين بالفرحة.

عينين بريئتين.

تقولان دون كلام:

"رجعت."

ولما نطق المأذون اسمها...

كادت تبكي من السعادة.

بينما ياسر...

كان يشعر وكأنه يُساق إلى قدر لا يريده.

ثم جاء صوت المأذون:

"بارك الله لكما... وبارك عليكما."

وارتفعت الزغاريد.

وضحك الناس.

وحضنتها شغف وهي تبكي من الفرحة.

أما مريم...

فكانت تنظر إلى ياسر فقط.

غير مدركة...

أن الرجل الذي عاد إليها...

كان يحمل في قلبه عاصفة ستدمر كل أحلامها بعد ساعات قليلة.

فتحت عينيها فجأة.

وعادت للحاضر.

لتجد نفسها وحيدة في الغرفة.

وزوجها في الخارج...

يكره وجودها.

فانهارت من جديد.

وأخذت تبكي...

على فرحة لم تعشها سوى ساعات.

❤️‍🩹❤️‍🩹❤️‍🩹❤️‍🩹

على الجانب الآخر...

كانت شغف راجعة بيتها.

لكن المرة دي...

خطواتها كانت خفيفة.

سريعة.

ومن كتر فرحتها كانت تقريبًا بتجري في الشارع.

كل شوية تفتكر وش مريم.

وتبتسم.

"أخيرًا..."

همستها خرجت بسعادة.

"أخيرًا ربنا فرحها."

بعد كل اللي شافته منها.

بعد دموعها.

بعد انهيارها.

بعد اللي عمله فيها ياسر.

في النهاية...

اتجوزته.

وصلت البيت بسرعة.

فتحت الباب بعنف.

"يا جماعة!"

صوتها دوى في البيت كله.

والدتها خرجت من المطبخ بسرعة.

"في إيه يا بنتي؟!"

ووالدها رفع رأسه من الجريدة.

أما أخوها الأصغر فخرج من أوضته يجري.

"خير؟"

شغف كانت بتضحك.

"مريم اتجوزت!"

"إيه؟!"

قالوها كلهم مع بعض.

ثم انفجر البيت بالأسئلة.

"إزاي؟"

"إمتى؟"

"مين؟"

شغف قعدت وسطهم.

وعيونها بتلمع من الحماس.

ثم بدأت تحكي.

من أول لحظة شافت فيها ياسر نازل من العربية.

لحد كتب الكتاب.

ولحد نهاية الليلة.

الأم كانت تسمع وعينيها واسعة من الدهشة.

"يعني الدكتور نفسه؟"

"آه."

"اللي كانت بتحبه؟"

"آه."

الأم رفعت إيديها للسماء.

"سبحان الله."

ثم ابتسمت بحنان.

"ربنا عوضها."

والد شغف هز رأسه مبتسمًا.

"البنت دي شافت أيام صعبة."

سكت لحظة.

ثم أكمل:

"تستاهل الخير."

شغف ابتسمت بسعادة.

"والله يا بابا لو شوفت فرحتها."

لكنها توقفت فجأة.

لأن صورة صغيرة مرت في عقلها.

صورة ياسر.

وهو قاعد أثناء كتب الكتاب.

عابس.

صامت.

غاضب.

اختفت ابتسامتها للحظة.

لكنها هزت رأسها بسرعة.

وأبعدت الفكرة.

"أكيد كان متوتر."

قالتها لنفسها.

ثم رجعت تبتسم.

لأنها كانت مقتنعة...

أن أي حاجة حصلت قبل كده انتهت.

وأن مريم أخيرًا وصلت للنهاية اللي كانت تتمناها.

في تلك اللحظة...

لم تكن تعلم.

أن صديقتها...

في نفس الوقت.

كانت جالسة وحدها في غرفتها الجديدة.

تبكي.

لأن الحلم الذي انتظرته طويلًا...

بدأ يتحول إلى كابوس منذ أول ليلة.

💔💔💔💔

في مكان آخر...

بعيدًا عن بيت مريم.

وبعيدًا عن حياة شغف البسيطة.

كان هناك عالم مختلف تمامًا.

قصر ضخم يقف شامخًا وسط مساحات شاسعة من الأراضي الخضراء.

تحيط به الحراسة من كل جانب.

وتزينه أعمدة رخامية شاهقة.

قصر لا يدخله إلا أصحاب النفوذ والمال.

وفي الداخل...

كانت العائلة مجتمعة حول مائدة عشاء طويلة تكفي لعشرات الأشخاص.

جلس الجميع في أماكنهم المعتادة.

في نظام صارم لم يتغير منذ سنوات.

وفي مقدمة السفرة...

جلس الجد.

رجل تجاوز السبعين من عمره.

لكن هيبته كانت كفيلة بإسكات الجميع بكلمة واحدة.

وعلى يمينه...

جلس ابنه الأكبر.

رجل وقور.

صارم الملامح.

اعتاد الجميع تنفيذ أوامره دون نقاش.

أما على يسار الجد...

فجلس حفيده الأكبر.

شاب في أوائل الثلاثينات.

طويل القامة.

حاد الملامح.

ترتسم على وجهه نظرة استعلاء دائمة.

كان يتناول طعامه بهدوء.

وكأن من حوله غير موجودين أصلًا.

وبجواره...

جلست امرأة أنيقة للغاية.

رغم جمالها الراقي.

ورغم ثيابها الفاخرة.

ورغم المجوهرات التي تزين عنقها ومعصميها.

إلا أن الحزن كان أوضح من كل شيء.

كانت شاردة.

بعيدة عن المكان.

بعيدة عن الأصوات.

بعيدة حتى عن الطعام أمامها.

ولم يخف ذلك على الجد.

"أمينة."

قالها بصوته العميق.

انتفضت المرأة قليلًا.

ثم رفعت عينيها نحوه.

"نعم يا بابي ؟"

نظر إليها طويلًا.

ثم قال بهدوء:

"مش بتاكلي ليه ."

حاولت الابتسام.

"مش جعانة."

لكن الجميع عرف أنها تكذب.

لأنها تقول الجملة نفسها منذ عشرين عامًا.

عشرين عامًا كاملة.

منذ تلك الليلة.

الليلة التي فقدت فيها ابنتها.

ابنتها الوحيدة.

صغيرتها.

قطعة من قلبها.

أغمضت عينيها للحظة.

وفجأة...

عادت بها الذاكرة إلى الماضي.

إلى طفلة صغيرة.

تضحك.

وتجري بين أروقة القصر.

شعرها يتطاير خلفها.

وصوت ضحكاتها يملأ المكان.

"ماما!"

وكعادتها...

كانت تركض لترتمي بين ذراعيها.

فتحت أمينة عينيها فجأة.

لتصطدم بالحقيقة القاسية.

لا وجود لتلك الطفلة.

ولا وجود لتلك الضحكات.

فقط فراغ.

فراغ يسكن قلبها منذ عشرين عامًا.

لاحظ الشاب الجالس بجوارها شرودها.

فقال ببرود:

"لسه بتفكري فيها ؟"

رفعت أمينة عينيها إليه.

وكان السؤال وحده كافيًا ليشعل الألم داخلها.

"وازاي أنساها؟"

ساد الصمت حول المائدة.

لأن الجميع يعرف...

أن هذا الجرح لم يلتئم يومًا.

تنهدت أمينة.

ثم همست بصوت بالكاد سُمع:

"مش عارفة اذا كانت عايشة ولا ..."

توقفت.

وامتلأت عيناها بالدموع.

"ماتت من زمان."

انخفضت رؤوس كثيرة حول الطاولة.

أما الجد...

فأغلق عينيه للحظة.

وكأنه يحمل الذنب نفسه.

لكن فجأة...

قطع الصمت صوت أحد الحراس وهو يندفع إلى الداخل.

توقف الجميع عن الطعام.

وتغيرت ملامح الجد فورًا.

"في ايه ؟"

اقترب الحارس بسرعة.

ثم قال جملة واحدة فقط.

جملة جعلت أمينة تنتفض من مكانها.

وجعلت الشاب المتغطرس يرفع رأسه فجأة.

وجعلت الجد يقف للمرة الأولى منذ بداية العشاء.

" عماد بيه ..."

ابتلع الحارس ريقه.

"وصلتنا معلومة جديدة عن الآنسة الصغيرة."

وفي تلك اللحظة...

توقف الزمن داخل القصر.

#فرحة_على_حافة_الهاوية 

#بقلم_آية_محمود 

#يتبع 

                     الفصل السادس من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة