
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الثالث 3 بقلم اية محمود
مريم خرجت من مكتب ياسر...
ومش حاسة إنها ماشية على الأرض أصلًا.
قلبها كان بيدق بسرعة.
وكل ما تفتكر كلامه...
تحس إن وشها بيحمر أكتر.
"أنا حابب أتقدم لك رسمي."
الجملة كانت بتتكرر في دماغها بشكل جنوني.
ولأول مرة من شهور...
كانت مبتسمة.
بجد.
لكن أول ما وصلت آخر الممر...
اتجمدت.
شغف كانت واقفة هناك.
ساندة على الحيطة.
ودراعاتها متشابكة.
وباصالها بنظرة شريرة.
مريم بلعت ريقها.
"إيه؟"
شغف استقامت من مكانها ببطء.
"هاااا؟"
"في إيه؟"
"في إيه؟!"
شغف قربت منها.
"بقالي نص ساعة واقفة برا مستنياكي."
مريم اتوترت: "طب ما عادي."
"عادي؟"
شغف ضيقت عينيها.
"الدكتور ياسر بنفسه يطلبك على مكتبه والعالم كله يشوفك داخلة..."
قربت أكتر.
"...وتخرجي بالابتسامة العبيطة دي وتقولي عادي؟"
مريم حاولت تبص بعيد.
لكن شغف مسكت وشها بإيديها.
"بصيلي."
"شغف..."
"بصيلي."
أول ما بصت لها...
شغف شهقت شهقة تمثيلية.
"يا نهار أبيض!"
مريم غطت وشها بسرعة: "اسكتي!"
"وشك أحمر ليه؟!"
"شغف!"
"إنتِ عيطتي؟!"
"لا!"
"يبقى وقعتي."
مريم زقتها بخجل: "والله ما طايقاكي."
شغف مسكت دراعها.
"احكي."
"مفيش."
"احكي."
"لا."
"احكي."
"شغف!"
"احكي."
مريم ضحكت غصب عنها.
وأخيرًا...
استسلمت.
"هو..."
شغف قربت ودنها بسرعة.
"كملي."
"قال إنه..."
سكتت.
"قال إيه؟!"
مريم غمضت عينيها من الإحراج.
وبعدين قالت بسرعة:
"عايز يتقدملي."
الصمت.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وفجأة...
شغف صرخت.
"إيييييه؟!"
كل اللي في الممر بصوا عليهم.
مريم كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها.
أما شغف؟
فكانت بتتنطط حرفيًا.
"والله الراجل بيفهم!"
"شغف!"
"أهو أخيرًا حد شاف العظمة اللي أنا شايفاها من سنين."
مريم كانت بتضحك وبتعيط في نفس الوقت.
لأنها لأول مرة...
حد اختارها.
حد شافها.
حد قال إنه عايزها هي.
مش فلوس.
مش مصلحة.
مش صفقة.
هي.
شغف فجأة هديت.
وبصتلها بحنان.
"مبسوطة؟"
مريم سكتت لحظة.
وعينيها لمعت.
وبعدين هزت راسها.
"أوي."
ابتسمت شغف.
وشدت صاحبتها لحضن سريع.
"تستاهلي الفرحة دي كلها يا مريم."
٪٪٪٪٪:::::::::: ٪٪٪٪
على الطريق السريع....
الطريق كان زحمة كعادته...
العربيات ماشية ببطء، والكلاكسات مالية الشارع.
لكن ياسر؟
ولا كان سامع أي حاجة.
كان سايق عربيته وابتسامة غريبة مرسومة على وشه من ساعة ما خرج من الجامعة.
لدرجة إن اللي يشوفه ما يصدقش إنه نفس الدكتور الهادئ الصارم اللي الطلبة كلها بتهابه.
رن على رقم بسرعة.
وبعد ثواني...
رد الطرف التاني.
"خير يا دكتور؟"
صوت ابن عمه وصاحبه المقرب، رحيم.
ياسر ضحك لأول مرة من قلبه: "عايز أقولك حاجة."
رحيم سكت ثانية.
"يا نهار أسود."
"في إيه؟"
"إنت بتضحك ليه؟"
ياسر انفجر ضحك.
"للدرجة دي مستغرب؟"
"طبعًا مستغرب! آخر مرة ضحكت كده كنت في أولى جامعة."
ياسر هز راسه وهو سايق.
ثم قال الجملة اللي كان مستني يقولها من ساعات:
"أنا اتقدمت."
الصمت.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين...
"إنت عملت إيه؟!"
ياسر ضحك أكتر.
"زي ما سمعت."
رحيم اتكلم بصدمة:
"مين؟! وإمتى؟! وإزاي؟!"
"بالراحة يا مجنون."
"لا مش بالراحة."
رحيم كان حرفيًا بيصرخ.
"إنت اللي كنت رافض الجواز أصلًا!"
"عارف."
"واللي كل ما حد يفتح الموضوع معاك تهرب؟"
"عارف."
"طب مين البنت؟"
هنا...
ابتسامة ياسر هديت شوية.
وبقى في نبرة مختلفة في صوته.
أهدى.
أدفى.
"اسمها مريم."
رحيم سكت.
استنى يكمل.
وياسر فعلًا كمل.
"بنت محترمة جدًا."
سكت لحظة.
"طيبة."
ولحظة تانية.
"وقوية أكتر ما الناس متخيلة."
رحيم ضحك فجأة.
"وقعت يا دكتور."
ياسر بص للطريق قدامه.
وسرح للحظة في ابتسامتها.
وفي خجلها.
وفي دموع الفرحة اللي لمحها في عينيها.
ثم قال بهدوء:
"أعتقد إني وقعت فعلًا."
رحيم انفجر ضحك.
"والله العظيم نفسي أصور اللحظة دي وأوريها للعيلة."
"إياك."
"خلاص اتأخرت."
"رحيم!"
"مبروك يا صاحبي."
ياسر ابتسم.
ابتسامة كبيرة.
صادقة.
من القلب.
"الله يبارك فيك."
رحيم سكت شوية.
وبعدين قال:
"واضح إنك بتحبها."
لأول مرة...
ياسر ما أنكرش.
ولا هرب من السؤال.
ولا غير الموضوع.
بل بص للطريق قدامه...
وقال بصوت منخفض:
"أكتر مما كنت متخيل."
وفي اللحظة دي...
كان مقتنع إنه أخيرًا لقى السعادة اللي كان بيدور عليها.
♡♡♡♡••••••♡♡♡♡
في المساء...
كان قصر عائلة ياسر هادئًا على غير العادة.
السفرة الكبيرة كانت متجمعة عليها العيلة كلها.
أبوه على رأس الطاولة، وأمه بجواره، وبعض إخوته وأبناء أعمامه قاعدين بيتكلموا في أمور الشغل والعيلة.
أما ياسر...
فكان ساكت بشكل غريب.
وده لوحده كان كفيل يخلي الكل يشك إن في مصيبة أو خبر كبير.
أمه بصت له باستغراب:
"مالك يا ياسر؟"
رفع رأسه.
"مفيش."
أخوه ضحك:
"لأ فيه... وشك عامل زي واحد مخبي جريمة."
ضحك الكل.
إلا ياسر.
اللي فجأة قال بهدوء:
"أنا عايز أتجوز."
الصمت.
الصمت الحقيقي.
الشوك وقفت في نص الطريق.
وأبوه رفع عينه من طبقه ببطء.
أما أمه...
فكانت أول واحدة تتكلم.
"إيه؟"
ياسر ابتسم:
"زي ما سمعتي."
أخوه شهق:
"لا لا استنى... قولها تاني عشان أتأكد إني ما بحلمش."
واحد من أبناء عمه قال ضاحكًا:
"حد يلحق الدكتور قبل ما يغير رأيه!"
أما أمه...
فكانت حرفيًا مش مصدقة.
"إنت بنفسك اللي بتقول كده؟"
"أيوة."
"مش حد مهددك؟"
ضحك ياسر:
"لا يا أمي."
هنا تدخل أبوه أخيرًا.
"ومين البنت؟"
السؤال خلا ابتسامته تهدى.
وقال بثبات:
"اسمها مريم."
الكل سكت ينتظر.
"طالبة عندي في الجامعة."
أحد إخوته رفع حاجبه:
"طالبة؟"
فرد ياسر فورًا:
"وفي نفس الوقت بنت محترمة جدًا، وأهلها ناس معروفين."
أمه كانت تراقب ملامحه.
ثم فجأة ابتسمت.
لأنها لأول مرة منذ سنوات...
شايفة اللمعة دي في عيني ابنها.
لمعة الراجل اللي اختار بقلبه.
قالت بهدوء:
"بتحبها؟"
سكت ياسر.
ثانية.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة.
لكنها كانت كفاية للإجابة.
فشهقت أمه وهي تضرب كفًا بكف:
"يا نهار أبيض!"
وانفجر الجميع ضحكًا.
أبوه هز رأسه مبتسمًا:
"طيب وإيه المطلوب؟"
"عايزكم تيجوا معايا نتقدم رسمي."
أبوه رد فورًا:
"طالما مرتاح لها... إحنا معاك."
أما أمه...
فقامت من مكانها واتجهت إليه.
وحطت إيدها على كتفه بحنان.
"ربنا يسعدك يا ابني."
للحظة...
شعر ياسر براحة كبيرة.
كأن الطريق كله بقى واضح قدامه.
بيت.
وزوجة.
وحياة جديدة.
وكان مقتنعًا أن الأيام القادمة ستكون أجمل أيام عمره...
🌹🌹🌹🌹
في بيت مريم...
كانت الساعة قربت على المغرب.
مريم دخلت البيت بخطوات هادية، لكن المرة دي كان فيه حاجة مختلفة.
رغم التعب...
ورغم الخوف...
كان فيه نور صغير جواها.
أمل.
أمل لأول مرة من شهور.
قفلت الباب وراها ودخلت الصالة.
مرات أخوها كانت قاعدة قدام التلفزيون.
أول ما شافتها، بصتلها بطرف عينها وقالت ببرود:
"اتأخرتي."
"كان عندي محاضرات."
"آه."
ورجعت تبص للتلفزيون كأن مريم مش موجودة.
مريم كملت طريقها ناحية أوضتها.
لكن صوت أخوها وقفها:
"استني."
اتجمدت مكانها.
لفت ببطء.
كان قاعد على الكنبة، ملامحه جامدة كعادته.
"العريس هيجي آخر الأسبوع."
الفرحة اللي كانت جواها انطفأت للحظة.
لكنها سرعان ما افتكرت كلام ياسر.
وافتكرت وعده.
فجمعت شجاعتها وقالت:
"مش هوافق."
الصالة كلها سكتت.
مرات أخوها نزلت الريموت من إيدها.
وأخوها رفع عينه لها ببطء.
"بتقولي إيه؟"
مريم أخدت نفسًا عميقًا.
وقلبها بيدق بعنف.
"في حد عايز يتقدملي."
الصدمة ظهرت على وشهم هما الاتنين.
"مين؟"
"دكتور في الجامعة."
مرات أخوها ضحكت بسخرية:
"دكتور؟"
لكن مريم كملت بثبات:
"وقال إنه هييجي رسمي."
أخوها قام من مكانه.
وبدأ يقرب منها.
"وإنتِ عرفتيه منين؟"
"من الجامعة."
"وبقالك قد إيه بتتكلمي معاه؟"
مريم اتفاجئت من السؤال.
"أنا ما بتكلمش معاه أصلًا."
"أمال عرفك إزاي؟"
"شافني وطلب يتقدم."
مرات أخوها ضحكت ضحكة مستفزة:
"آه طبعًا... شافها مرة واحدة وقرر يتجوزها."
مريم عضت على شفايفها.
لكنها ما ردتش.
أما أخوها...
فكان باين عليه إنه مش مقتنع.
"اسمه إيه؟"
"دكتور ياسر."
أول ما الاسم خرج...
شيء غريب ظهر في عيني أخوها.
نظرة سريعة جدًا.
كأنه عرف الاسم.
أو سمعه قبل كده.
لكنه أخفاها بسرعة.
وقال ببرود:
"لما ييجي نبقى نشوف."
مريم حست إن في حاجة مش مريحة.
لكنها ما فهمتش إيه.
فدخلت أوضتها بسرعة.
وأول ما قفلت الباب...
سندت ظهرها عليه.
وابتسمت.
ابتسامة كبيرة.
ثم حضنت المخدة وهي تفتكر كلام ياسر.
وكأنها بنت صغيرة بتحلم لأول مرة.
في الخارج...
كان أخوها قاعد ساكت.
يفكر.
أما زوجته فسألته:
"مالك؟"
رد بعد لحظة:
"اسم ياسر ده... مش مريحني."
"ليه؟"
سكت.
ثم قال بهدوء غريب:
"معرفش... بس حاسس إن وجوده هيبوظ كل اللي خططنا له."
وفي أوضة مريم...
كانت هي بتحلم بمستقبل جميل.
وفي الصالة...
كان فيه ناس بتفكر إزاي تمنعه.
*****••••••*****
بعد يومين.....
اليوم الموعود....
اليوم اللي كان ياسر هيتقدم لمريم.....
الطريق السريع كان شبه فاضي.
أنوار العربيات بتعدي بسرعة، والهوا البارد داخل من الشباك النص مفتوح.
ياسر كان سايق عربيته، بينما رحيم قاعد جنبه ورجله مرفوعة على التابلوه كعادته المستفزة.
"نزل رجلك يا بني آدم."
رحيم ضحك: "العربية مريحاني كده."
"وعشان كده مش هتركبها تاني."
"بعد الشر."
ياسر هز رأسه وهو مبتسم.
من ساعات طويلة وهو مبسوط بشكل غريب.
رحيم بص له بطرف عينه.
"إنت واقع جامد."
"اسكت."
"لا مش هسكت."
ضحك رحيم.
"والله العظيم نفسي أشوف وشك يوم الفرح."
ياسر ضربه بخفة في كتفه:
"ركز في حياتك أنت."
"أنا حياتي فل."
ثم ابتسم وهو يكمل:
"بس بجد يا ياسر... مبسوط عشانك."
سكت ياسر لحظة.
وبعدين قال:
"وأنا مبسوط إنك معايا."
رحيم ابتسم.
"دايمًا."
بعد دقائق...
العربية وقفت عند جانب الطريق.
رحيم فتح الباب.
"هركب تاكسي من هنا."
ياسر عقد حاجبيه:
"استنى أوصلك."
"لا يا عم كفاية عليك."
نزل رحيم من العربية وهو يضحك.
وأغلق الباب.
وقف ياسر يراقبه من الشباك.
رحيم رفع إيده مودعًا.
"سلام يا دكتور."
"خلي بالك من نفسك."
"وأنت كمان."
استدار رحيم متجهًا نحو الرصيف المقابل.
وفي نفس اللحظة...
كان فيه تاكسي قادم بسرعة جنونية.
أسرع من الطبيعي.
وأقرب مما ينبغي.
كل شيء حصل في ثانية.
ثانية واحدة فقط.
ياسر لمح الأضواء.
ولمح رحيم.
ولمح الخطر.
فتح باب العربية بسرعة.
وصرخ بأعلى صوته:
"رحيييييم!"
رحيم التفت.
لكن بعد فوات الأوان.
صوت ارتطام عنيف شق المكان.
العالم كله توقف.
العربية انحرفت.
والناس بدأت تصرخ.
أما ياسر...
فكان يجري.
يجري بكل قوته.
وقلبه ينهار مع كل خطوة.
"رحيم!"
ركع على الأرض بجانبه.
إيده كانت بترتعش.
"رحيم... رحيم افتح عينك."
لكن رحيم ما ردش.
الدم كان على الأرض.
والناس بدأت تتجمع حولهم.
ياسر ضغط على جرحه وهو يصرخ:
"حد يجيب إسعاف!"
ثم عاد يهز كتفيه بعنف.
"بصلي!"
أنفاس رحيم كانت ضعيفة جدًا.
بصعوبة فتح عينيه.
وشاف ياسر.
"متخفش..."
قالها بصوت شبه مختفٍ.
ياسر كانت الدموع في عينيه لأول مرة من سنين.
"اسكت... الإسعاف جاية."
ابتسم رحيم ابتسامة صغيرة.
متعبة.
"واضح... إنك هتعمل الفرح من غيري."
"لا..."
صوت ياسر اتكسر.
"لا يا رحيم."
لكن رحيم ما كانش سامع.
أو يمكن ما بقاش قادر يسمع.
عينيه بدأت تفقد التركيز.
وياسر مسك إيده بقوة.
"متسبنيش."
كلمة خرجت منه بدون ما يشعر.
كلمة طفل فقد الأمان فجأة.
لكن اللحظة كانت أقسى من أي رجاء.
وببطء...
سقطت يد رحيم من بين أصابعه.
وسكن كل شيء.
لأول مرة في حياته...
شعر ياسر بالعجز.
عجز كامل.
وهو ينظر لصديقه...
وابن عمه...
وأقرب شخص لقلبه...
وقد رحل أمام عينيه.
في ليلة كان من المفترض أن تكون من أسعد ليالي عمره.
💔💔💔💔
بعد عدة قائق...
صوت الإسعاف كان بيشق الليل...
والناس متجمعة حوالين المكان.
أما ياسر؟
فما كانش سامع أي حاجة.
كان راكع جنب رحيم، ماسك إيده الباردة وكأنه لو سابها هيفقده فعلًا.
المسعفين وصلوا بسرعة.
"ابعد يا فندم."
لكن ياسر هز رأسه بعنف.
"أنقذوه... بالله عليكم أنقذوه."
المسعف فحص النبض بسرعة.
ملامحه ما طمنتش حد.
لكنهم نقلوه على الترولي بسرعة.
وياسر جرى معاهم.
كأنه خايف يختفي من قدامه.
داخل الإسعاف...
الأجهزة كانت بتصدر أصوات متقطعة.
والمسعفين بيحاولوا بكل طاقتهم.
أما ياسر...
فكان قاعد جنب السرير.
ملامحه شاحبة.
إيده كلها دم.
ومش قادر يستوعب اللي بيحصل.
كل شوية يبص لوش رحيم.
ويفتكر ضحكته من نص ساعة.
ويفتكر هزارهم.
ويفتكر كلمة:
"دايمًا."
فجأة حس الدنيا بتلف حواليه.
"يا رب..."
همسها لأول مرة.
"يا رب ما تاخدوش مني."
وصلوا المستشفى.
وأخدوا رحيم لغرفة العمليات بسرعة.
الباب اتقفل.
وياسر وقف برا.
واقف بس.
كأنه نسي إزاي يقعد.
أو يتكلم.
أو حتى يتنفس.
بعد أقل من ساعة...
بدأت العيلة توصل.
أم رحيم كانت أول واحدة.
أول ما شافت ياسر...
جريت عليه.
"ابني فين؟!"
صوتها كان مليان رعب.
وياسر ما عرفش يرد.
بس بص ناحية باب العمليات.
الأم فهمت.
وانهارت.
"لا... لا يا رب..."
أبوه وصل بعدها.
وباقي العيلة.
كلهم واقفين.
كلهم مستنيين.
وكل دقيقة كانت بتعدي كأنها سنة كاملة.
وفجأة...
باب العمليات اتفتح.
والدكتور خرج.
الكل وقف مرة واحدة.
الأم جريت عليه.
"ابني عامل إيه؟"
الدكتور سكت.
ثانية.
ثانيتين.
ثلاثة.
الصمت لوحده كان كافي.
لكن الأم رفضت تفهم.
"رد عليا!"
الدكتور نزل عينيه.
وقال بهدوء مؤلم:
"البقاء لله."
كأن الزمن وقف.
الأم بصت له بعدم استيعاب.
"يعني إيه؟"
الدكتور ابتلع ريقه بصعوبة.
"إحنا عملنا اللي قدرنا عليه..."
صوته اختفى وسط صرخة الأم.
صرخة مزقت المكان كله.
"رحيييييم!"
وقعت على الأرض وهي بتبكي.
الأب سند نفسه على الحيطة.
كأنه كبر عشرين سنة في لحظة واحدة.
أما باقي العيلة...
فكانت الصدمة أكبر من الكلام.
ياسر؟
ما بكىش.
ولا اتكلم.
ولا حتى اتحرك.
فضل واقف مكانه.
محدق في باب العمليات.
كأنه مستني رحيم يخرج دلوقتي ويقول إن كل ده سوء تفاهم.
إنه هيضحك كعادته.
ويهزر.
ويطلب منه يوصله البيت.
لكن الباب ظل مغلقًا.
والحقيقة كانت أقسى من أي شيء.
اقترب منه أحد أفراد العائلة.
"ياسر..."
لكن ياسر همس بصوت مكسور:
"كان معايا من ساعة."
سكت.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة موجوعة.
"من ساعة بس كان بيضحك."
وفي تلك الليلة...
لم تفقد العائلة ابنًا فقط.
بل فقد ياسر قطعة من روحه.
❤️🩹❤️🩹❤️🩹❤️🩹
في بيت مريم...
كانت الساعة بتعدي ببطء شديد.
بطيء لدرجة إنها كانت كل دقيقة تبص على الساعة المعلقة في الصالة.
وتبص على الباب.
وترجع تبص على الساعة تاني.
ياسر كان المفروض ييجي النهارده.
هو بنفسه قال كده.
وأهلها كانوا عارفين.
حتى أخوها قعد في البيت النهارده عشان يشوف "العريس" اللي بيتكلموا عنه.
أما مريم...
فكانت قاعدة في ركن هادي، ماسكة طرف خمارها بتوتر.
رغم خوفها...
كانت فرحانة.
لأول مرة من سنين حاسة إن ربنا بعت لها باب نجاة.
مرت ساعة.
ثم ساعتان.
ولا حد جه.
ولا حتى اتصال.
ولا رسالة.
مرات أخوها كانت بتراقبها من بعيد.
وكل ما الوقت يعدي...
كانت ابتسامتها تكبر.
لحد ما أخيرًا قالت بسخرية:
"واضح إنه مش جاي."
مريم رفعت عينيها بسرعة.
"أكيد في حاجة عطلته."
ضحكت الأخرى.
ضحكة مستفزة.
"آه طبعًا."
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
"أصل الدكاترة مشغولين."
مريم ضغطت على إيديها.
وحاولت تتجاهلها.
لكن مرات أخوها قربت أكتر.
"ولا يمكن..."
ابتسمت بخبث.
"...كان بيتسلى بيكي؟"
قلب مريم انقبض.
"لو سمحتي."
"إيه؟ زعلتي؟"
قعدت قدامها مباشرة.
"يا حبيبتي افهمي."
أشارت عليها من فوق لتحت.
"هو دكتور جامعة."
ثم ابتسمت بسخرية جارحة.
"وإنتِ..."
سكتت وكأنها بتختار كلماتها.
"إنتِ مجرد بنت غلبانة من حارة بسيطة."
الكلمات نزلت على مريم كالسكاكين.
لكنها حاولت تتمسك بالأمل.
"هو مش كده."
"وأنتِ عرفتي منين؟"
ردت بسرعة:
"لأنه محترم."
فضحكت مرات أخوها بصوت أعلى.
"كل البنات بيقولوا كده في الأول."
مريم نزلت عينيها.
وقلبها بدأ يقلق فعلًا.
لأن ده مش شبه ياسر.
مش شبه كلامه.
مش شبه نظراته.
لكن الوقت كان بيمر.
ومافيش حد بيخبط الباب.
مرات أخوها استغلت صمتها أكتر.
وقالت ببرود:
"أنا قلتلك من الأول."
"..."
"الرجالة لما تعجبهم بنت يقولولها كلام حلو."
"..."
"وبعدين يختفوا."
رفعت حاجبها بسخرية.
"واضح إنه خلص تسلية."
في اللحظة دي...
حست مريم إن دموعها قربت تنزل.
لكنها منعتها.
بالعافية.
وقالت بصوت مهزوز:
"هو مش كده."
وفي مكان آخر...
كان ياسر جالس على كرسي المستشفى.
ملابسه ملطخة بدم صديقه.
وعينيه مثبتة على الأرض.
لا يعرف أن هناك فتاة...
تنتظر قدومه.
وتدافع عنه أمام الجميع.
بينما هو في تلك اللحظة...
كان يحاول فقط استيعاب خبر وفاة أقرب شخص إليه.
#فرحة_على_حافة_الهاوية
عدّى أسبوع...
ثم أسبوع تاني.
والجامعة رجعت لحياتها الطبيعية.
المدرجات اتملت.
المحاضرات رجعت.
والطلبة بقوا بيتكلموا عن الامتحانات والمشاريع كأن الدنيا ما وقفتش يوم.
لكن بالنسبة لمريم...
الدنيا كانت واقفة.
كل يوم تدخل الجامعة.
تبص على باب المدرج.
يمكن ييجي.
يمكن تشوفه.
يمكن تعرف ليه اختفى.
لكن الكرسي كان دايمًا فاضي.
في اليوم العاشر...
كانت خارجة من المكتبة.
وشها شاحب من قلة النوم.
وقلبها تعبان من كتر التفكير.
وفجأة...
شافته.
واقف بعيد عند مبنى هيئة التدريس.
لابس أسود.
أنحف من آخر مرة شافته فيها.
وعينيه...
كانت مختلفة.
كأن الحزن سرق منها أي حياة.
اتجمدت مكانها.
وقلبها بدأ يدق بعنف.
"دكتور ياسر..."
همستها خرجت لوحدها.
ياسر رفع عينه.
وشافها.
ولأول مرة...
ما ابتسمش.
ولا حتى حاول.
مريم قربت منه ببطء.
"حضرتك كويس؟"
سؤال بسيط.
لكنها كانت تقصد حاجات كتير.
كويس بعد اللي حصل؟
كويس بعد اختفائك؟
كويس بعد ما سيبتني مستنية؟
ياسر سكت.
وبعدين قال بهدوء:
"الحمد لله."
لكن صوته كان بيقول عكس كده.
مريم بلعت ريقها.
"أنا كنت قلقانة عليك."
رفع عينه لها.
ولثانية...
ظهر وجع كبير جدًا في ملامحه.
ثم اختفى.
"مريم..."
صوته كان غريب.
بارد.
رسمي.
كأنه بيتعمد يحط حواجز بينهم.
قلبها انقبض.
"نعم؟"
ياسر أخد نفسًا عميقًا.
وكأنه داخل حرب.
ثم قال:
"أنا مش هقدر أكمل موضوع الجواز."
الصمت.
مريم رمشت.
مرة.
واتنين.
كأن عقلها رافض يستوعب.
"إيه؟"
خرجت منها بصوت خافت.
ياسر نزل عينه.
"مش هينفع أتجوز."
"بس..."
الكلمة خرجت مكسورة.
"إنت اللي..."
"عارف."
قاطعها بهدوء.
"وأنا آسف."
آسف.
كلمة واحدة.
بس كانت كفيلة تهد جبل كامل فوق قلبها.
مريم حست إن الأرض بتسحب نفسها من تحت رجليها.
"هو... أنا عملت حاجة غلط؟"
ياسر رفع رأسه بسرعة.
"لا."
قالها فورًا.
وبصدق.
"إنتِ معملتيش أي حاجة."
"طب ليه؟"
سألتها والدموع بدأت تلمع في عينيها.
"ليه؟"
ياسر سكت.
لأنه ما كانش يقدر يقول الحقيقة.
فقال الجملة الأسهل.
والأقسى.
"مش مناسبة."
الدمعة نزلت من عين مريم.
رغم محاولتها تمنعها.
"مش مناسبة؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة...
موجوعة.
"بعد ما طلبت تتقدم؟"
ياسر حس قلبه بيتقطع.
لكن أجبر نفسه يفضل ثابت.
"سامحيني."
مريم ضحكت.
ضحكة باهتة.
مكسورة.
"غريبة."
"مريم..."
"أصل كل مرة أصدق إن فيه حد اختارني..."
نزلت دمعة جديدة.
"...أكتشف إنه كان غلطانة."
ياسر قفل عينه للحظة.
لأن كل كلمة كانت بتطعنه.
ثم فتحت مريم شنطتها.
وأخرجت ورقة صغيرة.
كانت محتفظة بيها من يوم كلامه معاها.
ورقة كتبت فيها أحلامها.
حياتها الجديدة.
بيتها.
مستقبلها.
بصت لها ثواني.
ثم مزقتها قدامه.
ياسر اتجمد.
أما هي...
فرفعت رأسها.
ومسحت دموعها.
وقالت بصوت مرتعش:
"متقلقش يا دكتور."
سكتت.
ثم أكملت:
"مش هزعجك تاني."
واستدارت.
ومشت.
أما ياسر...
ففضل واقف مكانه.
يتفرج على رحيلها.
ويشعر لأول مرة...
أنه فقد شخصًا ثانيًا.
بعد مقتل رحيم
الفصل الرابع من هنا