
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل السادس 6 بقلم اية محمود
كانت الساعة قرب الضهر...
ومريم أخيرًا خرجت من الأوضة.
عينيها كانت وارمة من كتر العياط.
وشها شاحب.
وجسمها كله مرهق.
نزلت السلم ببطء.
وهي مستغربة.
البيت هادي.
هادئ بشكل غريب.
كأن مفيش حد فيه.
بصت حوالين نفسها.
"ياسر؟"
مفيش رد.
عضت على شفايفها.
وهي حاسة بوجع غريب.
حتى بعد اللي عمله فيها...
كانت مستنية تشوفه.
مستنية كلمة حلوة.
أو حتى كلمة عادية.
لكن الظاهر إن حتى دي كتير عليها.
قبل ما تكمل تفكيرها...
جرس الباب رن.
مسحت وشها بسرعة.
وراحت تفتح.
أول ما الباب اتفتح...
اتجمدت.
قدامها كانت واقفة ست في منتهى الأناقة.
لبسها شيك جدًا.
وشخصيتها قوية.
ونظرتها حادة بشكل يخوف.
الست بصتلها من فوق لتحت.
ببطء.
كأنها بتفحص سلعة.
مش بني آدم.
وبعدين قالت:
"إنتِ مريم؟"
"أيوة."
الست زقتها بنظرة باردة.
ودخلت البيت من غير حتى ما تستأذن.
أما مريم...
فأغلقت الباب وراها ومشيت وراها بتوتر.
الست قعدت على الكنبة.
وحطت شنطتها جنبها.
وبعدين قالت:
"أنا أم ياسر."
عين مريم لمعت للحظة.
"أهلًا بحضرتك."
كانت متخيلة حاجة تانية.
متخيلة أم ياسر هتحضنها.
أو تباركلها.
أو حتى ترحب بيها.
لكن الست بصتلها ببرود وقالت:
"واضح إنك فرحانة."
مريم اتوترت.
"الحمد لله."
ضحكت الست.
بس ضحكة مفيهاش ذرة فرح.
"الحمد لله فعلًا."
وسكتت شوية.
وبعدين قالت:
"أصل مش كل يوم واحدة تعرف تتجوز فوق مستواها بالشكل ده."
الكلام نزل على قلب مريم زي الحجر.
لكنها حاولت تفضل مؤدبة.
"أنا مش فاهمة حضرتك."
"لا فاهمة."
ردت بسرعة.
"بس بتعملي نفسك مش فاهمة."
بدأ قلب مريم يدق بسرعة.
لأنها حست إن الزيارة دي مش طبيعية.
خالص.
الست بصت حواليها في البيت.
وبعدين رجعت تبصلها.
"قوليلي..."
"نعم؟"
"إنتِ كنتِ ناوية على ابني من إمتى؟"
مريم شهقت.
"حضرتك!"
"إيه؟"
رفعت حاجبها.
"بقول حاجة غلط؟"
"أنا عمري ما..."
"بلاش."
قاطعتها بعنف.
"أنا شفت النوع ده كتير."
مريم حست الدموع بتتجمع في عينيها.
لكنها حاولت تمنعها.
"والله حضرتك ظلماني."
"أنا؟"
ضحكت بسخرية.
"أنا اللي ظلمتك؟"
وقفت من مكانها.
وقربت منها.
"ابني دكتور جامعة."
"...."
"ومن عيلة الناس كلها تتمناها."
"...."
"وإنتِ..."
سكتت لحظة.
وبعدين قالت الكلمة اللي كسرت قلب مريم.
"إنتِ إيه أصلًا؟"
مريم حست كأن حد ضربها.
مش عشان الإهانة.
لكن عشان كانت أول مرة حد يسألها السؤال ده.
إنتِ إيه؟
وكأنها ولا حاجة.
وكأنها أقل من إنها تتحب.
أقل من إنها تكون زوجة.
أقل من إنها تتحترم.
الدموع نزلت من غير ما تقدر تمنعها.
لكن الست ما اهتمتش.
بالعكس.
كملت.
"عارفة؟"
"...."
"أنا كنت رافضاكي من قبل ما أشوفك."
مريم رفعت عيونها بصدمة.
أما الست فقالت ببرود:
"وبعد ما شوفتك..."
سكتت.
ثم ابتسمت ابتسامة موجعة.
"اتأكدت إني عندي حق."
في اللحظة دي...
مريم حست إن نفسها بيتقطع.
لأنها افتكرت أمها.
افتكرت أخوها.
وافتكرت ياسر.
وكل واحد فيهم كسر حتة منها.
أما الست...
فكانت بتكسر آخر حتة فاضلة.
وقبل ما تمشي...
وقفت عند الباب.
وبصتلها للمرة الأخيرة.
وقالت:
"نصيحة مني."
"...."
"متتعلقيش بابني."
ابتسمت ببرود.
"لأنه لو كان عايزك فعلًا..."
نظرت لخاتم الزواج في إيد مريم.
وأكملت:
"ما كانش بصلك بالطريقة دي من أول يوم."
ثم خرجت.
وسابت الباب مفتوح.
أما مريم...
فظلت واقفة مكانها.
تبص للفراغ.
ولأول مرة من يوم الجواز...
بدأت تصدق.
إن ياسر فعلًا...
مستحيل يحبها.
♕♕♕♕
فضلت مريم واقفة مكانها...
مش قادرة تتحرك.
الباب لسه مفتوح.
والبيت لسه فاضي.
لكنها كانت حاسة إن المكان كله بيخنقها.
كلمات أم ياسر كانت لسه بتتردد في ودانها.
"إنتِ إيه أصلًا؟"
"كنت رافضاكي من قبل ما أشوفك."
"لو كان عايزك فعلًا ما كانش بصلك بالطريقة دي."
كل جملة كانت بتعيد جرح جديد.
لحد ما فجأة...
رن موبايلها.
انتفضت من شرودها.
وبصت للشاشة.
شغف ❤️
رغم وجعها...
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لأن الشخص الوحيد اللي كانت حاسة إنه باقي معاها...
هو شغف.
ردت.
"ألو؟"
أول ما سمعت شغف صوتها...
اتعدلت في قعدتها.
"مالك؟"
سكتت مريم.
ثانية.
واتنين.
وشغف قلبها بدأ ينقبض.
"مريم؟"
"أنا كويسة."
"كذابة."
الجملة خرجت فورًا.
لأن شغف حفظت صاحبتها.
وحفظت نبرة صوتها.
وعرفت إن البنت دي كانت بتعيط.
"إيه اللي حصل؟"
مريم حاولت تمنع نفسها.
لكن أول ما سمعت اهتمام شغف...
انهارت.
ونزلت دموعها.
"شغف..."
وصوتها اتكسر.
في اللحظة دي...
شغف قامت واقفة.
"في إيه؟!"
"أنا تعبت."
الكلمة دي لوحدها خلت قلب شغف يوجعها.
لأن مريم عمرها ما كانت بتشتكي.
عمرها ما قالت تعبت.
حتى وهي بتنهار.
كانت دايمًا تقول الحمد لله.
لكن النهارده...
قالتها.
"احكيلي."
وسكتت مريم شوية.
وبعدين بدأت تحكي.
ححكت اللي ياسر عمله.
وعن الست الغريبة.
وعن إنها طلعت أم ياسر.
في البداية...
شغف كانت مستغربة بس.
لكن مع كل كلمة...
وشها كان بيتغير.
لحد ما وصلت مريم للجملة:
"إنتِ إيه أصلًا؟"
هنا...
شغف شهقت.
"قالتلك كده؟!"
مريم سكتت.
وسكوتها كان الإجابة.
شغف حست إن دمها غلي.
"والله العظيم لو قدامي دلوقتي..."
لكنها سكتت.
لأن غضبها فجأة اتحول لوجع.
وجع على صاحبتها.
البنت اللي طول عمرها طيبة.
البنت اللي كانت تخاف تزعل حد.
البنت اللي لو حد جرحها...
تلوم نفسها قبل ما تلومه.
إزاي كل ده يحصل لها؟
"مريم..."
"نعم؟"
وصوتها كان ضعيف.
ضعيف بشكل كسر قلب شغف.
"بصيلي."
"إنتِ في التليفون يا مجنونة."
لأول مرة...
ضحكت شغف وسط دموعها.
ثم قالت:
"اسمعيني كويس."
"...."
"إنتِ أحسن منهم كلهم."
سكتت مريم.
"إنتِ فاهمة؟"
"...."
"أحسن من أي حد بصلك بفوقية."
"شغف..."
"لا."
قاطعتها.
"أنا اللي هتكلم."
وأخذت نفسًا عميقًا.
"إنتِ الوحيدة اللي كنتِ بتسندي الناس وهي مكسورة."
"...."
"إنتِ الوحيدة اللي عمرك ما أذيتي حد."
"...."
"والله لو كانوا شايفينك أقل منهم..."
اختنق صوتها.
"يبقى هما اللي ناقصين مش إنتِ."
في الطرف الآخر...
بدأت مريم تبكي من جديد.
لكن المرة دي...
مش بسبب الإهانة.
بل لأن فيه حد لسه شايفها جميلة.
شايف قيمتها.
شايف قلبها.
حتى بعد ما هي نفسها بدأت تنسى قيمتها.
أما شغف...
فكانت قاعدة على سريرها.
والدموع في عينيها.
لأنها لأول مرة تحس بالعجز.
لأول مرة ما تعرفش إزاي تنقذ صاحبتها.
ولأول مرة...
تخاف بجد.
تخاف إن مريم يومًا ما...
تتعود على الوجع.
وتصدق كلام الناس عنها.
وده كان أسوأ شيء ممكن يحصل.
~~~~~~
في بيت العائلة...
كانت الأجواء متوترة بشكل واضح.
نادية دخلت الصالون بعصبية.
وألقت حقيبتها على الأريكة.
فرفعت إيمي رأسها بسرعة.
"خير يا طنط؟"
جلست نادية وهي تزفر بغضب.
"خير إيه بس؟"
سكتت لحظة.
ثم قالت بحدة:
"البنت دي مش عاجباني."
ابتسمت إيمي بخبث.
وكأنها كانت تنتظر سماع الجملة دي.
"أنا قلت من الأول."
رفع عم ياسر رأسه.
"إيمي."
لكنها أكملت وكأنها لم تسمعه.
"إحنا منعرفش عنها حاجة أصلًا."
"البنت متربية."
قالتها إحدى السيدات بهدوء.
لكن إيمي هزت رأسها.
"متربية؟"
ضحكت بسخرية.
"متربية إزاي وقدرت تتجوز ياسر بالطريقة دي؟"
ساد الصمت.
أما نادية فبدت مقتنعة بكلامها.
"بالضبط."
اقتربت إيمي أكثر.
"ياسر عمره ما كان هيختارها."
"...."
"أكيد فيه حاجة حصلت."
"زي إيه؟"
سأل أحدهم.
فرفعت كتفيها.
"معرفش."
ثم ابتسمت ابتسامة خبيثة.
"بس مستحيل واحد زي ياسر يتجوز فجأة بالشكل ده."
بدأت الهمسات تنتشر.
والشكوك تكبر.
وإيمي كانت تستمتع بكل لحظة.
لأنها لم تكن تكره مريم فقط.
بل كانت تغار منها.
غيرة سوداء.
فالجميع كان يعرف...
أن إيمي كانت تحلم أن تصبح زوجة ياسر يومًا ما.
ورغم أن ياسر لم يعطها أي أمل.
إلا أنها لم تتقبل أبدًا فكرة أن فتاة أخرى أخذت مكانها.
خاصة فتاة مثل مريم.
فتاة بسيطة.
هادئة.
لا تشبه نساء هذه العائلة.
ولا تنتمي لعالمهم.
قالت إيمي فجأة:
"والله العظيم لو أنا مكان ياسر..."
ثم هزت رأسها بازدراء.
"ما كنتش استحملت يوم واحد."
في تلك اللحظة...
فتح ياسر باب الصالون.
ودخل.
فسكت الجميع فورًا.
كانت ملامحه متعبة.
وعيناه مليئتين بالإرهاق.
أما إيمي...
فانتهزت الفرصة.
"ياسر."
نظر إليها ببرود.
"نعم؟"
ابتسمت ابتسامة مصطنعة.
"عامل إيه مع عروستك؟"
الكلمة وحدها جعلت ملامحه تتجهم.
فلاحظ الجميع ذلك.
ولم يفُت الأمر على إيمي.
بل زادها ثقة.
"واضح إن الأمور مش أحسن حاجة."
رد ببرود:
"دي حاجة متخصش حد."
لكن إيمي لم تتوقف.
"أنا بس خايفة عليك."
ثم قالت أمام الجميع:
"خايفة تكون اتسرعت."
ساد الصمت.
أما ياسر...
فشد فكه بعصبية.
لأنه كان غاضبًا أصلًا.
وغارقًا في صراعاته.
ولم يكن ينقصه المزيد.
لكن إيمي كانت قد نجحت.
نجحت في زرع المزيد من النار.
وجعلت نظرات كثيرين داخل العائلة تتجه نحو مريم...
قبل أن يعرفوها أصلًا.
وفي مكان آخر...
كانت مريم جالسة وحدها.
تبكي بصمت.
ولا تعلم...
أن حربًا كاملة بدأت تُبنى ضدها.
وأن أصعب معاركها...
لم تبدأ بعد.
٪٪٪٪٪٪٪٪
في اليوم التالي...
قررت شغف تخرج من البيت شوية.
مش عشان تتفسح.
لكن عشان تهرب.
تهرب من التفكير.
من وجع مريم.
ومن إحساسها بالعجز.
كانت تتمشى داخل المول.
وبين إيديها أكياس صغيرة.
كل شوية تشوف حاجة وتفتكر مريم.
"دي كانت هتعجبها."
"ودي كانت هتضحك عليها."
وفي الآخر ما اشترتش حاجة.
لأن قلبها ما كانش في الشراء أصلًا.
رن هاتفها.
فابتسمت أول ما شافت الاسم.
مريم ❤️
ردت بسرعة.
"أخيرًا يا بنتي."
جاءها صوت مريم الهادئ:
"وحشتيني."
ابتسمت شغف فورًا.
"وأنتِ أكتر."
وبدأوا يتكلموا.
وشغف كانت تتعمد تضحكها.
وتحكي لها مواقف مضحكة.
لحد ما سمعت أول ضحكة حقيقية من مريم من أيام.
فشعرت بسعادة كبيرة.
"أهو كده."
"إيه؟"
"ضحكتِ."
ضحكت مريم مرة أخرى.
وفي نفس اللحظة...
كانت شغف ماشية للخلف وهي تتكلم.
من غير ما تنتبه للطريق.
وفجأة...
اصطدمت بشخص بقوة.
الأكياس وقعت من يدها.
"يا ساتر!"
التفتت بسرعة.
"أنا آسفة جدًا."
وانحنت تجمع الأكياس.
لكنها توقفت.
لأن المرأة التي أمامها...
لم تتحرك.
ولم تتكلم.
ولم حتى ترمش.
كانت تنظر إليها فقط.
تنظر إليها وكأنها رأت شبحًا.
رفعت شغف رأسها باستغراب.
"حضرتك كويسة؟"
لكن المرأة لم تجب.
فقط وضعت يدها على فمها.
وعيناها بدأتا تمتلئان بالدموع.
شغف ارتبكت.
"في حاجة؟"
همست المرأة بصوت مرتجف:
"مستحيل..."
عقدت شغف حاجبيها.
"أفندم؟"
اقتربت المرأة خطوة.
ثم خطوة أخرى.
وكأنها لا تصدق ما تراه.
كانت أنيقة بشكل لافت.
ملابسها فاخرة.
وهيبتها واضحة.
لكن كل ذلك اختفى الآن.
ولم يبقَ سوى الدهشة.
والألم.
والأمل.
نظرت المرأة إلى عيني شغف.
ثم إلى ملامح وجهها.
ثم همست من جديد:
"نفس العيون..."
شغف ازدادت حيرتها.
"حضرتك تعرفيني؟"
هزت المرأة رأسها ببطء.
وعيناها لا تفارقان وجهها.
ثم قالت جملة جعلت شغف تتجمد مكانها.
"اسمك إيه؟"
"شغف."
في اللحظة دي...
اختفى اللون من وجه المرأة.
وكادت تسقط لولا أن أمسكت بالحاجز القريب منها.
أما شغف...
فلم تكن تعرف.
أن المرأة الواقفة أمامها الآن...
هي نفسها أمينة.
المرأة التي لم تنسَ ملامح طفلتها منذ عشرين عامًا.
والتي رأت في شغف...
نسخة مطابقة من الذكرى التي تطاردها كل ليلة.
فهمست أمينة بصوت مكسور:
"يا رب..."
وسقطت أول دمعة من عينيها.
بينما كانت شغف تنظر إليها بعدم فهم.
غير مدركة...
أن حياتها كلها على وشك أن تتغير.
#فرحة_على_حافة_الهاوية.
#بقلم_آية_محمود .
#يتبع.
الفصل السابع من هنا