
جاء لي تليفون، وما إن سمعت الخبر حتى خرجت مني صرخة هزّت المكان كله.
حسيت في اللحظة دي إن قلبي اتقبض، وإن الدنيا اسودّت في عيني.
بعد كل اللي عملته معاه؟ بعد كل السنين اللي وقفت فيها جنبه؟ بعد كل التعب والشقا والوجع اللي شفته علشانه؟
يتجوز عليا؟
حطيت إيدي على قلبي وأنا بعيط بحرقة وقلت:
ـ حسبنا الله ونعم الوكيل... ربنا ينتقم من كل ظالم.
كنت منهارة بكل معنى الكلمة، ومش قادرة أستوعب اللي حصل.
كل الذكريات كانت بتمر قدام عيني زي الشريط.
كل موقف... كل كلمة حب... كل تضحية...
كنت بسأل نفسي:
ـ ليه عمل فيا كده؟ ـ ليه بعد العمر ده كله؟
ومن هنا قررت أحكي لكم قصتي من أولها...
أنا اسمي أمنية عبدالعزيز.
اتولدت في عائلة ميسورة الحال، والحمد لله ربنا كان موسعها علينا.
كنا ساكنين في عمارة كبيرة ملكنا، سبع أدوار كاملة، وكل دور فيه شقتين واسعين.
الشقة عندنا كانت أربع أوض وريسبشن كبير.
وتحت العمارة كان عندنا محلين كبار جدًا.
واحد للأقمشة بالجملة.
والتاني لإكسسوارات الستائر والحاجات الخاصة بالديكور.
بابا وإخواتي كانوا ماسكين الشغل بنفسهم، والحمد لله كانوا معروفين بالأمانة والاحترام.
إحنا عيلة ملتزمة، وكل البنات في البيت لابسين الحجاب.
وبابا كان شديد شوية في الحاجات دي.
كان دايمًا يقول:
ـ البنت جوهرتها في احترامها.
وعلشان كده عمري ما لبست بنطلون، وكل لبسي كان واسع ومحترم.
أنا كنت البنت الوحيدة وسط تلات أولاد.
عصام... وعماد... وصلاح.
وكل واحد فيهم كان متجوز وساكن معانا في نفس العمارة.
ومن كتر ما كنت البنت الوحيدة، كنت واخدة الدلع كله.
بابا كان بيحبني حب كبير.
وأي طلب أطلبه كان بيتنفذ.
أما ماما حنان...
فكانت فعلًا اسم على مسمى.
قلبها أبيض وطيبة بشكل يخلي أي حد يحبها.
حتى زوجات إخواتي كانوا بيعاملوها كأنها أمهم الحقيقية.
البيت كله كان مليان حب ودفا ولمة حلوة.
والناس كانت دايمًا تقول:
ـ ربنا يبارك لكم، بيتكم كله محبة.
كنت وقتها في آخر سنة في كلية الآداب قسم إنجليزي.
وكان كل همي إني أتخرج وأفرح أهلي بيا.
وفي يوم من الأيام كنت قاعدة في مكتبة الجامعة.
المكان هادي.
وكل واحد مركز في كتبه.
وأنا كنت براجع محاضراتي.
فجأة حسيت إن حد بيبصلي.
رفعت عيني لقيت شاب قاعد قدامي.
كان بيقرأ كتاب.
لكن أول ما بصيت له ابتسم.
اتوترت بسرعة ونزلت عيني.
قفلت الكتاب وقمت من مكاني ومشيت.
لكن من اليوم ده بقيت أشوفه كتير.
في المكتبة.
في الكلية.
في المدرج.
وكان واضح إنه عايز يكلمني.
لكن أنا كنت برفض أي محاولة للكلام.
لأن دي كانت تربيتي.
وهو رغم كده عمره ما تجاوز حدوده.
مرت الأيام بالشكل ده.
لحد ما تعبت فجأة.
نزلة برد شديدة جدًا خلتني أقعد في البيت أربع أيام.
كنت طول الوقت نايمة وتعبانة.
وفي اليوم الرابع...
جرس الشقة رن.
وماما راحت تفتح الباب.
سمعت صوت مألوف.
صوت الشاب اللي كان بيحاول يكلمني في الجامعة.
قال:
ـ السلام عليكم.
ردت ماما:
ـ وعليكم السلام، عايز مين يا ابني؟
قال بتوتر:
ـ أنا فهد... زميل أمنية بنت حضرتك.
اتغير وش ماما فجأة وقالت:
ـ نعم؟ ـ بنتي بتكلم أولاد؟
وشه اصفر واتلخبط وقال بسرعة:
ـ لا والله يا حاجة. ـ بنت حضرتك محترمة جدًا. ـ هي بقالها كام يوم مش بتيجي الجامعة وأنا قلقت عليها.
سمعت الكلام كله.
وجريت بسرعة على الباب.
وقلت:
ـ ماما... إزاي تقولي كده؟ ـ إنتِ مش عارفة بنتك؟
بص فهد ناحيتي وقال بثبات:
ـ أنا جاي أطلب إيد أمنية.
سكتنا كلنا.
وكمل كلامه:
ـ بنت حضرتك مؤدبة ومحترمة وملتزمة. ـ وأنا ما شفتش زيها في الجامعة كلها. ـ وعشان كده دخلت من الباب.
في اللحظة دي ماما هديت شوية وقالت:
ـ اتفضل يا ابني.
ودخل الصالون.
وبعدين بصتلي وقالت:
ـ اتصلي بباباكي.
اتصلت ببابا.
وطلع من المحل بسرعة.
وقعد قدام فهد وبدأ يسأله.
ـ إنت منين يا ابني؟
قال:
ـ من أبو زعبل، محافظة القليوبية. ـ إحنا فلاحين وعندنا أرض زراعية. ـ عندي أختين متجوزين، وأخ أصغر مني شغال مع أبويا.
فضل بابا يسمع له باهتمام.
وفي النهاية قال:
ـ اديني العنوان يا ابني، وإن شاء الله هبعت لك الرد.
خرج فهد.
وبعد ما مشي ناداني بابا.
ـ تعالي يا أمنية.
قعدت قدامه.
وسألني:
ـ إيه رأيك؟
قلت بخجل:
ـ الرأي رأي حضرتك يا بابا.
ابتسم وقال:
ـ لأ... ـ أنا عايز أعرف رأيك إنتِ.
سكت شوية.
وبعدين قلت:
ـ موافقة يا بابا.
قال:
ـ بس يا بنتي دول فلاحين. ـ والعيشة هناك مختلفة عن هنا. ـ ممكن تتعبي.
لكن قلبي وقتها كان متعلق بفهد.
وقلت بثقة:
ـ أنا موافقة.
في اليوم التاني أخويا راح يسأل عنهم.
ورجع قبل المغرب.
وقال:
ـ الناس كلها بتشكر فيهم.
سكت شوية.
وبعدين كمل:
ـ لكن أمه ست قوية جدًا وشديدة.
ماما بصتلي وقتها بنظرة قلق.
أما أنا فكنت شايفة إن الحب يقدر يعدي أي حاجة.
وجاء اليوم اللي فهد وأهله زارونا فيه.
عملنا أحلى غدا.
محاشي... ورقاق... ومكرونة بشاميل...
والبيت كله كان في حالة فرح.
قعدوا مع بابا وإخواتي واتكلموا في كل التفاصيل.
أما أنا فكنت قاعدة في الأوضة مع زوجات إخواتي، وفضولي هيقتلني عايزة أعرف اتفقوا على إيه.
ولما مشيوا فضلت ورا ماما أسألها.
في الأول كانت بتضحك وتقول:
ـ استني لما بابا ييجي.
لكن بعد إلحاح طويل قالت:
ـ الخطوبة بعد التخرج. ـ والفرح بعد ست شهور.
حسيت وقتها إن قلبي هيطير من الفرحة.
وخصوصًا لما النتيجة ظهرت.
أنا جيد.
وفهد امتياز.
وأصحابي كلهم فرحوا ليا.
لكن أكتر واحدة كانت متأثرة هي أسماء.
صاحبتي المقربة من أيام الابتدائي.
كانت زي أختي بالضبط.
وقالتلي:
ـ هتوحشيني يا أمنية.
حضنتها وقلت:
ـ حتى لو اتجوزت هتفضلي أختي.
ومرت الأيام بسرعة.
وجاء يوم الخطوبة.
كانت حفلة بسيطة وعائلية.
لكن بالنسبة ليا كانت أجمل يوم في حياتي.
كنت لابسة فستان بسيط.
والكل بيباركلي.
وفهد كان مبسوط جدًا.
وكل شوية يبصلي بابتسامة.
وفي عز فرحتي...
وفي اللحظة اللي كنت حاسة فيها إن الدنيا كلها ضحكتلي أخيرًا...
حصلت حاجة غريبة جدًا ما كنتش أتوقعها أبدًا...
🔥 يتبع 🔥؟
الفصل الثاني من هنا