رواية ممر إلى قلب مجهول الفصل التاسع عشر 19 بقلم ملك احمد


رواية ممر إلى قلب مجهول الفصل التاسع عشر 19 بقلم ملك احمد



تقدمت رحيق بخطوات هادئة نحو المصعد، ثم صعدت إلى الطابق العلوي حيث يقع مكتب وليد.

وقفت أمام الباب لثوانٍ، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرق الباب وتدخل.

كان وليد جالسًا خلف مكتبه، يرتدي نظارته الطبية ويقلب بعض الملفات 

تقدمت نحوه بخطوات بسيطة.

ـ رحيق: أستاذ وليد...

رفع رأسه عن الأوراق، وما إن رآها حتى ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه.

ـ وليد: تعالي يا رحيق... اقعدي.

جلست أمامه بهدوء.

نظر إليها للحظات، ثم عقد حاجبيه قليلًا.

ـ وليد: مالك يا بنتي؟ مبقتيش البنت اللي أعرفها. فين رحيق اللي كانت مزهقاني طول الوقت؟

ابتسمت رحيق ابتسامة صغيرة محاولة إخفاء ما بداخلها.

ـ رحيق: أنا عادي أهو.

أطلق وليد ضحكة قصيرة وهو يهز رأسه.

ـ وليد: بتضحكي عليا؟ ده يعتبر أنا اللي مربيكي.

انخفضت ابتسامتها قليلًا.

ـ رحيق: مفيش حاجة... شوية ظروف وإن شاء الله هتحسن.

ظل ينظر إليها وكأنه لا يصدقها تمامًا، لكنه لم يضغط عليها أكثر.

ـ وليد: طيب يا بنتي... 

أومأت له بامتنان.

ـ رحيق: بس كنت عايزة أقول لحضرتك إن أستاذ نوح لسه رافض إني أروح البعثة الجاية.

تنهد وليد وهو يسند ظهره إلى المقعد.

ـ وليد: آه... عرفت الموضوع ده. وهحاول أتكلم معاه تاني.

هزت رأسها بسرعة.

ـ رحيق: لا لا... أنا بس حبيت أبلغ حضرتك عشان متتفاجئش لو ملقتنيش ضمن الفريق.

ـ وليد: متشيليش هم. هحاول أحل الموضوع.

ابتسمت له ابتسامة ممتنة.

ـ رحيق: شكراً يا أستاذ وليد.

ـ أومأ لها بابتسامه 

غادرت المكتب بعد ذلك وهي تشعر بشيء من الراحة.

اتجهت نحو مكتبها وجلست أمام الأوراق المتراكمة التي تراكمت عليها خلال الأيام الماضية.

تنهدت وهي تبدأ ترتيب الملفات.

لكنها توقفت فجأة.

تجمدت مكانها للحظة عندما وجدت نوح جالسًا علي كرسي المكتب  المكتب، يدير قلمًا بين أصابعه وكأنه ينتظرها منذ فترة.

رفعت حاجبها باستغراب.

ـ رحيق: في حاجة؟

ـ نوح: لا خالص.

ـ رحيق: طيب ممكن تتفضل برا عشان أعرف أشتغل؟

رفع عينيه إليها ببطء.

ـ نوح: أنا بحذرك يا زهرة... متتكلميش معايا بالطريقة دي تاني.

عقدت حاجبيها فورًا.

ـ رحيق: لحظة... بعيدًا عن كل ده، أنت قولت اسمي إيه؟

ـ نوح: زهرة.

ـ رحيق: اسمي رحيق... مش زهرة.

رفع كتفيه بلا مبالاة.

ـ نوح: مش هتفرق. كلها من فصيلة الزهور.

ضيقت عينيها بضيق واضح.

ـ رحيق: لا طبعًا تفرق. رحيق معناه الرحيق اللي النحل بيستخرجه من الزهور... مش الزهرة نفسها.

ـ نوح: متدينيش محاضرة دلوقتي.

ـ رحيق: طيب ممكن أعرف حضرتك عايز إيه؟

اعتدل في جلسته ثم وضع القلم على المكتب.

ـ نوح: كنت جاي آخد الملفات الخاصة بالبعثة الجاية. عرفت إن أستاذ وليد سلمها كلها ليكي.

ـ رحيق: وكنت تقدر تبعت أي موظف ياخدها.

وقف  واقترب منها عدة خطوات.

شعرت رحيق بالتوتر لكنها أجبرت نفسها على الثبات.

توقف أمامها مباشرة وقال بصوت منخفض:

ـ نوح: عشان بحب أشوف الندم في عيونك.

رفعت رأسها ونظرت إليه بثبات.

ـ رحيق: ندم؟

ابتسمت بسخرية خفيفة.

ـ رحيق: أظن حضرتك متعرفش إني لما بعمل حاجة عن اقتناع... مستحيل أندم عليها.

اختفت الابتسامة من وجهه.

ـ نوح: بس أوعدك إني هخليكي تندمي على الكف اللي ادهتيهولي.

سكت للحظة ثم أكمل بنبرة واثقة:

ـ نوح: وده وعد مني... نوح الهلالي لما بيوعد مش بيخلف.

لم تتراجع خطوة واحدة.

ـ رحيق: تمام.

ثم ابتسمت ابتسامة متحدية.

ـ رحيق: وأنا منتظرة أشوف شكل الندم اللي بتتكلم عنه.

ثبت نظره عليها لثوانٍ طويلة، وكأن بينهما حرب صامتة لا يراها أحد.

ثم ابتسم فجأة.

ابتسامة غامضة لم تستطع تفسيرها.

بعدها استدار وغادر المكتب.

بمجرد أن اختفى من أمامها أطلقت رحيق زفيرًا طويلًا كانت تحبسه داخل صدرها.

وضعت يدها فوق قلبها.

ـ رحيق: والله حاسة إن جسمي كله بيترعش...

ثم هزت رأسها بضيق.

ـ رحيق: ده أسوأ من أي فيلم رعب شوفته في حياتي!

حاولت تجاهل الأمر وجلست أمام مكتبها من جديد، لكن نظرات نوح وكلماته ظلت عالقة في ذهنها رغم محاولاتها التركيز في العمل.
بعد قليل انتهت رحيق من عملها، أغلقت الملفات أمامها بهدوء، ثم ارتدت حقيبتها واستعدت للمغادرة.

وأثناء خروجها من الشركة، صادفت مريم في الطريق.

ـ مريم: هتروحي؟

ـ رحيق: أيوه... محتاجة أشوف ماما.

ـ مريم: طيب تعالي، أوصلك في طريقي.

أومأت رحيق بابتسامة خفيفة، ثم صعدت معها إلى السيارة.

انطلقت السيارة في الشوارع، بينما كانت رحيق تستند برأسها إلى النافذة، تحدق في الطريق بشرود واضح.

صمتها الطويل لفت انتباه مريم.

ـ مريم: رحيق...

ـ رحيق: أمم؟

ـ مريم: هتعملي إيه؟

التفتت إليها رحيق بعدم فهم.

ـ رحيق: في إيه؟

ـ مريم: في موضوع العالمين اللي انتي عايشة بينهم... حاسة إنك تايهة، زي حد بيجري في فراغ ومش عارف يوصل لحاجة.

تنهدت رحيق بصوت منخفض.

ـ رحيق: هعمل إيه يعني؟ لازم ألاقي حل... أنا بحاول أفهم السر، بس لحد دلوقتي مش عارفة أوصل لحاجة.

ساد الصمت للحظات.

ثم ابتسمت مريم فجأة وكأنها تحاول تخفيف الجو.

ـ مريم: هو عُدي ده عامل إزاي؟ كل ما تحكي عنه أتخيله زي أبطال روايات الفانتازيا.

ضحكت رحيق بخفة رغم شرودها.

ـ رحيق: أيوه فعلاً شبههم... عيونه سودا، وشعره أسود، وبشرته حنطية، وعنده خصلات شعر متناثرة على وشه.

ـ مريم: خلاص كده تأكيد رسمي إنه بطل رواية!

ابتسمت رحيق دون أن ترد.

لكن ابتسامة مريم اختفت قليلًا وهي تسألها بهدوء:

ـ مريم: مش خايفة تتعلقي بيه؟

سكتت رحيق لحظة، ونظرت من النافذة قبل أن تجيب.

ـ رحيق: بصراحة... اتعودت أكون هناك. واتعودت عليهم. هو دايمًا بيسامحني على أخطائي... مش دايمًا، بس غالبًا.

ـ مريم: وأنا لو مكانك... كنت هخاف أرجع تاني.

ـ رحيق: أنا عارفة إن العالم ده ماضي... وعشان كده بحاول أركز على مستقبلي هنا.

أومأت مريم بهدوء، ثم أعادت نظرها للطريق.

بعد دقائق توقفت السيارة أمام منزل رحيق.

ـ مريم: يلا... خلي بالك من نفسك.

ـ رحيق: وانتي كمان.

ابتسمت الاثنتان، ثم دخلت رحيق المنزل.

وجدت والدتها في الصالون، تجلس بهدوء.

بمجرد دخولها، اقتربت منها وعانقتها.

ـ نجلاء: نفسي أعرف بتختفي فين كل شوية.

ابتسمت رحيق محاولة إخفاء قلقها.

ـ رحيق: مفيش يا ماما... كنت في الشغل أغلب الوقت بحاول أخلص الورق المتراكم.

ـ نجلاء: المهم إنك بخير.

ـ رحيق: الحمد لله.

في تلك اللحظة فُتح الباب، ودخل عمر.

نظر إليها بطرف عينه فقط، ثم تجاهل وجودها تمامًا واتجه مباشرة إلى غرفته.

تنهدت نجلاء بيأس.

ـ نجلاء: أنا تعبت منه... كل ما أحاول أقنعه يصالحك يرفض.

ـ رحيق: عادي يا ماما... مش أول مرة.

ـ نجلاء: قومي يا رحيق صالحيه.

ترددت لحظة، ثم وقفت واتجهت نحو غرفته.

وقفت أمام الباب، ورفعت يدها لتطرق.

دقت مرة...

ثم مرة ثانية...

جاء صوته من الداخل حاسمًا:

ـ عمر: لا... متدخليش.
ـ رحيق: ماشي... شكراً.

ثم فتحت الباب ودخلت بهدوء.

وجدته يجلس على طرف السرير، ممسكًا باللاب توب الخاص به 

رفع عينيه فور دخولها.

ـ عمر: أنا مش قولتلك متدخليش؟

أغلقت الباب خلفها دون تردد.

ـ رحيق: عادي يعني... وبعدين أنت لسه زعلان ليه؟

ـ عمر: انتي شايفة إن مفيش عندي حق أزعل؟

سكتت لحظة، ثم هزت رأسها.

ـ رحيق: أكيد ليك حق.

ـ عمر: رحيق... أنا بعمل كل ده عشانك. عشان خايف عليكي مش اكتر 

ـ رحيق: عارفة... أنا آسفة.

تنهد عمر وأغلق اللاب توب ببطء.

ـ عمر: خلاص... مفيش مشكلة. بس أوعديني إنك متكرريش الاختفاء ده تاني.

ـ رحيق : اوعدك 

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في صباح اليوم التالي...

استيقظت رحيق بسرعة، واتجهت إلى الحمام لتستعد للعمل.

بعد دقائق خرجت وهي ترتدي ملابسها، وكادت تغادر، لكن فجأة توقفت مكانها.

شعور غريب مرّ بها.

اقتربت من حقيبتها ببطء.

وبينما تفتحها...

ظهر ضوء خافت جدًا من الداخل.

اتسعت عيناها.

مدّت يدها لتُخرج مصدر الضوء...

فكانت القلادة.

لكنها لم تكن كما تركتها.

كان عليها رمز غامض، وكلمات صغيرة محفورة بلون داكن، وكأنها تنبض بخطر مكتوم.

وفوقها مباشرة... وميض أحمر خافت كأنه تحذير حي.

ـ رحيق: إيه ده؟! إزاي رجعت تاني؟

ارتدت القلادة بسرعة، وقلبها بدأ يضرب بقوة.

لكن...

لا شيء حدث.

لا انتقال.

لا ضوء.

لا بوابة.

سكون تام.

ـ رحيق: ليه مش شغالة؟... لازم أستنى.

ابتلعت توترها، وقررت تجاهل الأمر مؤقتًا.

وتجهزت بسرعة وخرجت إلى العمل.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الشركة...

صعدت رحيق إلى مكتبها وهي شاردة الذهن، تفكر في القلادة وما حدث معها.

لكن قبل أن تستقر في مكانها، دخلت سكرتيرة نوح مسرعة.

ـ السكرتيرة: أستاذ نوح عايزك في مكتبه.

ـ رحيق: ليه؟

ـ السكرتيرة: معرفش... هو طلبك 

تنهدت رحيق.

ـ رحيق: تمام... دقيقة وهكون عنده.

نهضت واتجهت إلى المكتب.

وقفت أمام الباب، ثم طرقت ودخلت.

كان نوح يجلس خلف مكتبه، ينظر إليها بهدوء 

ـ رحيق: نعم يا أستاذ نوح؟ حضرتك طلبتني؟

أشار لها بالجلوس.

جلست وهي تشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي في الجو.

ـ نوح: بصي... أنا موافق إنك تروحي البعثة الجاية.

اتسعت عيناها قليلًا.

ـ رحيق: بجد؟

ـ نوح: عايز أشوف قدراتك بنفسي الأول.

ضيقت عينيها.

ـ رحيق: ليه فجأة غيرت رأيك؟

ابتسم ابتسامة خفيفة غامضة.

ـ نوح: حابب أشوف لحد فين تقدري توصلي.

سكتت لحظة، ثم أومأت بثقة.

ـ رحيق: اتفقنا... وأنا قبلت التحدي.

نهضت فورًا وأخذت حقيبتها.

وغادرت المكتب وقلبها مليء بالحماس.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

لكن فور جلوسها على مكتبها، بدأت الابتسامة تختفي تدريجيًا.

نظرت أمامها بشرود.

ـ رحيق (بداخلها): المفروض أرجع النهارده... أعمل إيه؟ أرجع للعالم التاني ولا أكمل شغلي هنا؟

ساد صراع داخلها لثوانٍ طويلة.

ثم أغمضت عينيها بحسم.

ـ رحيق: لأ... هفضل هنا. القرار النهائي.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في المساء قبل شروق الشمس...

وقفت أمام النافذة، تستعد للانتقال.

تنفست بعمق، محاولة تهدئة توترها.

ـ رحيق: يمكن يكون إنذار طارئ... عشان كده القلادة اتصرف كده.

اتجهت إلى حقيبتها لتأخذ القلادة.

لكن هذه المرة...

لم تجدها.

توقفت يدها في الهواء.

وبحثت بسرعة أكبر.

قلبت الحقيبة بالكامل.

ثم وقفت فجأة.

الصدمة ارتسمت على وجهها.

ـ رحيق: لا... القلادة اختفت!


                 الفصل العشرون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة