
توقف الزمن بينهما للحظة، وكأن العالم من حولهما اختفى تمامًا، ولم يبقَ سوى صدى كلماته يتردد داخل قلبها.
ـ عُدي: عشان بحبك افهمي ...
شعرت رحيق وكأن أنفاسها قد انقطعت فجأة، وتجمدت في مكانها غير مصدقة ما سمعته للتو.
ـ رحيق : اي ؟ انت بتقول اي ؟
كان عُدي ينظر إليها بعينين امتلأتا بمشاعر ظل يخفيها طويلًا، حتى أثقلته وأرهقته.
ـ عُدي: مش قادر بحاول كل مره أكابر واقول انا مش بحبها بس لا الحقيقه انا بحبك ...
ارتجف قلبها ، وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
ـ رحيق : لا مستحيل ...
ـ عُدي: لي ؟ لي قررتي تعذبيني لي قررتي ترجعي بالزمن مفكرتيش انا هعمل اي من غيرك ؟ خدتيني من عالمي حسيت اني معاكي في عالم تاني في عالم خاص بيا وبيكي بس ....
كانت كلماته تخرج محملة بالألم والخذلان، وكأن كل حرف منها يحمل وجعًا تراكم داخل قلبه منذ زمن.
ـ رحيق : خلاص يا عُدي كفايه ...
ـ عُدي: لا اسمعيني ... انتي قررتي ترجعي في الوقت الي انتي عايزاه ... عمرك ما فكرتي فيا ...
خفضت رحيق رأسها وهي تشعر بوخز مؤلم داخل قلبها.
ـ رحيق : فكرت عشان كده قعدت وممشتش حتي لو كنت هموت بس قعدت عشانك ...
اقترب عُدي منها ببطء وأمسك يدها، وكأنه يتمسك بآخر أمل يملكه.
ـ عُدي: طيب خليكي هنا معايا متخافيش محدش هيقدر يقرب منك اوعدك ...
نظرت إلى يده الممسكة بيدها للحظات، ثم سحبت يدها برفق وهي تكاد تعجز عن النظر إلى عينيه.
ـ رحيق : انا اسفه بس لازم ارجع ....
شعر وكأن كلماتها مزقت شيئًا بداخله.
ـ عُدي: طيب لي جيتي من الاول ؟
ـ رحيق : جيت عشان اعرف السر وراء القلاده مكنتش اعرف اني ممكن اتعلق بيك ...
ظهرت ابتسامة حزينة على وجهه.
ـ عُدي: واديكي اتعلقتي ...
خيم الصمت على المكان، صمت ثقيل حمل بين طياته آلاف الكلمات التي عجزا عن قولها.
ـ رحيق: انا اسفه ...
رفع عينيه إليها، وكانت نظرة الخذلان فيهما كفيلة بأن تحطم قلبها. بدا وكأنه يحملها مسؤولية كل الألم الذي يشعر به الآن.
استدار عُدي وغادر الغرفة دون أن ينطق بحرف آخر.
أما رحيق فسقطت جالسة على المقعد خلفها، تشعر بأن قلبها يختنق شيئًا فشيئًا.
ـ رحيق : انا كمان حبيتك ...
خرجت كلماتها هامسة وضعيفة، لكنها جاءت بعد فوات الأوان.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في قصر قُتيم ...
هبط قُتيم إلى السجن الموجود داخل القصر بخطوات ثقيلة، وما زالت كلمات آسيا السابقة تدور في رأسه بلا توقف.
وجدها نائمة في زاوية الزنزانة، تدفن وجهها بين ركبتيها وكأنها تحاول الهروب من العالم كله.
تنهد بصمت وهو يتأملها للحظات، قبل أن يقترب ويفتح الباب.
دخل بهدوء وجلس بالقرب منها.
ـ قُتيم : آسيا ...
لكنها لم تجبه.
مد يده ومسح برفق على رأسها.
فتحت آسيا عينيها بسرعة ورفعت رأسها نحوه.
ـ آسيا : سيدي ...
وقفت على الفور وكأنها نسيت وجودها داخل السجن للحظة.
ـ آسيا: سيدي انت كويس ؟
ـ قُتيم : انا كويس ...
كانت نبرته هادئة، لكنها حملت الكثير من التساؤلات والشكوك.
ـ آسيا : انا اسفه مكنتش اقصد انا مش عارفه ازاي ده حصل ...
ـ قُتيم : ششش اهدي انا بس عايز اعرف حاجه واحده ...
أومأت له آسيا بصمت.
ـ قُتيم : لي عملتي كده ؟
ساد الصمت لثوانٍ طويلة، قبل أن تنطق بالحقيقة التي ظلت تخفيها سنوات.
لم تجبه واكتفت بالنظر ...
ـ قُتيم : جاوبي يا آسيا مستعد اسامحك بس قولي لي ؟
ـ آسيا: عشان والدك ...
ـ قُتيم : والدي ؟
ـ آسيا : ايوه ...
ـ قُتيم : عمل اي ؟
ـ آسيا: قتل اهلي كلهم.
ـ قُتيم : انتي بتقولي اي ؟
آسيا: زي ما سمعت يا سيدي ..
ـ قُتيم : انتي اكيد بتكدبي ...
ـ آسيا: لا يا سيدي ...
ـ قُتيم : طيب ازاي قتل اهلك كلهم وانتي عندك آتون ؟
ـ آسيا: ده ابن عمي وعمي إلي مربيني .. ووالدته تعتبر والدتي ...
ـ قُتيم : انتي كدابه يا آسيا ...
ـ آسيا : قطعاً يا سيدي انا صادقه في كل كلمه قولتها ...
ـ قُتيم : مستحيل اصدقك انا صدقتك مره وخذلتيني مش نسمح ده يتكرر تاني ...
ـ وتركها وخرج ...
ـ آسيا : هيجي اليوم وتعرف الحقيقه ...
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في قصر عُدي ...
كان يجلس داخل غرفته وحيدًا، شاردًا في كل ما حدث، يحاول إيجاد حل يمنعه من خسارتها.
طرق الباب.
ـ عُدي : محدش يدخل ...
لكن الباب فُتح رغم ذلك.
رفع رأسه ليجد رحيق أمامه.
وقف فورًا دون وعي منه.
ـ رحيق : سيدي ...
ـ عُدي : قولي يا رحيق سامعك ...
شعرت بغصة مؤلمة تخنق كلماتها.
ـ رحيق : انا همشي النهارده ومش هرجع تاني...
وفي تلك اللحظة شعر وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه.
تلاشت كل الأفكار من عقله، ولم يبقَ سوى كلماتها القاسية تتردد داخله.
ـ رحيق: انا اسفه علي كل اذي سببته ليك يا سيدي اسفه ...
استدارت لتغادر، لكنها توقفت عندما وصلها صوته.
كانت نبرته مبحوحة ومثقلة بالألم.
ـ عُدي: وانتي كده صلحتي كل اذي ؟
التفتت إليه والدموع تتجمع داخل عينيها.
ـ عُدي : انتي كده مش بتصلحي يا رحيق ...
ـ رحيق : اعمل اي طيب قولي ...
كان يتمسك بأي أمل مهما كان صغيرًا.
ـ عُدي : قوليلي بس انك هتفضلي هنا ... مستعد ابنيلك مليون قصر اخلي مملكه كامله بأسمك .... بس خليكي هنا ...
ـ رحيق : مش هينفع ...
انكسرت ملامحه أكثر.
ـ عُدي: انا اتخليت عن مبادئ كلها عشانك مش قادره تتخلي عن حاجه بسيطه عشاني ؟
ـ رحيق : اسمعني يا عُدي انا حياتي مش هنا ...
ـ عُدي : يعني اي ؟
ـ رحيق : يعني لازم امشي يا سيدي ...
وغادرت الغرفة تاركة خلفها قلبًا يتداعى بصمت.
جلس عُدي على مقعده وقد أثقل الحزن روحه، وشعر للمرة الأولى منذ سنوات بأنه وحيد تمامًا.
ـ عُدي: حتي والدتي سابتني ومشيت زمان انتي مش هتمشي يا رحيق ... انا غلط لما فكرت نفسي ممكن اكون انسان احب عادي ...
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في المستقبل ...
داخل مكتب نوح ...
كان نوح يجلس خلف مكتبه، يتصفح بعض الأوراق، لكن عقله لم يكن حاضرًا بالكامل. فمنذ اختفاء رحيق وهو يشعر أن هناك شيئًا لا يعرفه، شيئًا تخفيه عنه مريم.
دُق الباب بخفة، ثم دخلت مريم.
رفع نوح رأسه إليها مباشرة.
ـ نوح : انتي مكلمتيش رحيق وقولتلها علي إلي قولته ؟
شعرت مريم بالتوتر فور سماع السؤال، وحاولت أن تبدو طبيعية قدر الإمكان.
ـ مريم: لا قولتلها ...
ظل ينظر إليها لثوانٍ وكأنه يحاول قراءة ما خلف كلماتها.
ـ نوح : طيب هي مجتش لي ؟
ـ مريم : ع عشان تعبانه جداً ...
عقد حاجبيه بعدم اقتناع.
ـ نوح : مش واثق فيكي حاسس مخبيه حاجه ...
ازدادت ضربات قلبها خوفًا من أن يكتشف الحقيقة.
ـ مريم : انا ؟ لا خالص ...
ظل يحدق بها للحظات طويلة قبل أن يتنهد.
ـ نوح : تمام اتفضلي ...
خرجت مريم بسرعة من المكتب، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى أطلقت زفرة طويلة كانت تحبسها داخل صدرها منذ بداية الحديث.
أما نوح فظل جالسًا مكانه، شاردًا في تصرفاتها الغريبة.
ـ نوح : يا تري مخبيه اي ؟
كان يشعر أن هناك سرًا كبيرًا يُخفى عنه، وأنه على وشك اكتشافه.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
خرجت مريم من المكتب لتجد حسن يقف في الممر.
ـ حسن: مريم ازيك عامله اي ؟
ـ مريم : الحمدلله تمام ..
ابتسم حسن لها ابتسامة هادئة.
ـ حسن : معلش يا مريم لو ممكن تاخديني معاكي بس في طريقك عشان عربيتي عطلت ...
ـ مريم : تمام اتفضل ...
في سيارة مريم ...
كانت تقود السيارة بينما يجلس حسن بجوارها.
ـ حسن : مش كنتي خلتيني انا اسوق ؟
رفعت حاجبها بثقة.
ـ مريم : لا انا مش بخلي حد يسوق عربيتي خالص ...
ابتسم حسن وهو يهز رأسه.
ـ حسن : واضح يعني.
ـ مريم : وبعدين انا سواقتي تحفهه ...
ولم تكد تُكمل جملتها حتى دوى صوت اصطدام قوي.
تجمد الاثنان لثوانٍ.
ـ مريم : حسن انت كويس ؟
ـ حسن : اه كويس... بس واضح انك فعلاً بتعرفي تسوقي ...
رغم الموقف، خرجت منه جملة ساخرة جعلتها تنظر إليه بصدمة.
لكن صدمتها الحقيقية جاءت بعد لحظات.
اتسعت عيناها عندما رأت عمر يخرج من السيارة الأخرى.
شعرت وكأن المصيبة اكتملت.
ـ مريم : يلهوي ...
ـ حسن : في اي ؟
لم تجبه.
كان عمر يقترب بخطوات سريعة وغاضبة.
طرق على الزجاج بعنف.
ثم أشار لها بالنزول.
ـ حسن : خليكي هنا هنزل انا ...
ـ مريم : لا استني انت مش فاهم ...
لكن الأوان كان قد فات.
فتح عمر باب السيارة بنفسه.
ـ عمر : انتي بتعملي اي ؟ وبعدين مين ده ؟
كان الغضب واضحًا في عينيه بشكل أثار دهشة مريم نفسها.
نزل حسن من السيارة بدوره.
ـ حسن : انتي بتعمل اي ؟
ـ عمر : اسكت انا بكلمها هي ...
ـ حسن : نعم ؟
ـ مريم : استني يا حسن ...
لكن عمر لم يكن يستمع لأحد.
ـ عمر : مين ده ؟
التزمت مريم الصمت.
ـ عمر : ردي ...
ـ مريم : دي مش حاجه تخصك خالص علي فكره وانا هعوضك عن كل حاجه حصلت في العربيه ...
كانت كلماتها محاولة للهروب من السؤال الحقيقي.
لكن عمر لم يكن يهتم بالسيارة أصلًا.
ـ عمر : انتي اتجننتي صح ؟ انا مش هاخد منك فلوس انا بس عايز اعرف انتي بتعملي اي هنا ومين ده ؟
شعرت مريم بالضيق من طريقته.
فسحبت يدها من قبضته.
ـ مريم : دي مش حاجه تخصك كفايه تدخل في حياتي ...
ثم صعدت إلى السيارة سريعًا.
وقف عمر مكانه يراقبها وهي ترحل.
كان الغضب يشتعل داخله، لكنه لم يكن غضبًا بسبب الحادث.
بل بسبب شيء آخر لم يعترف به حتى لنفسه.
فضرب بيده على سيارته بقوة وهو يراقب السيارة تختفي من أمامه.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
عند رحيق ...
كانت رحيق داخل غرفتها.
تجلس على الأرض ودموعها تنهمر بلا توقف، بينما تعيد في ذهنها كل ما حدث بينها وبين عُدي.
كان قلبها يؤلمها بشدة، وكأنها هي الأخرى تُنتزع من عالم أصبحت تنتمي إليه أكثر مما كانت تتخيل.
ـ رحيق : انا اسفه يا عُدي اسفه اني حسيت آمالك فيا اسفه ...
وفجأة رفعت رأسها.
ظهر داخل عينيها قرار لم تتوقعه هي نفسها.
ـ رحيق : انا هرجع وخلاص كده هسببله مشاكل ..
وقفت بسرعة وأمسكت القلادة بين يديها بقوة.
أغمضت عينيها كما اعتادت في كل مرة.
انتظرت...
وانتظرت...
لكن شيئًا لم يحدث.
فتحت عينيها ببطء.
ما زالت في غرفتها.
نظرت إلى القلادة بصدمة.
أعادت المحاولة مرة أخرى.
لكن النتيجة كانت نفسها.
شعرت بالذعر يتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا.
ـ رحيق : لا... لا مستحيل...
تسارعت أنفاسها وهي تحدق في القلادة غير مصدقة.
وهنا كانت المفاجأة...
لقد توقفت القلادة عن العمل.
الفصل السابع والعشرون من هنا