
رواية قلوب علي الهامش الفصل الثامن 8 بقلم يارا علاء الدين
بعد ساعات ظلت جالسة مكانها على الأريكة في الصالة، كوب من القهوة الباردة في يدها، وعيناها شاردتان في نقطة غير واضحة على الجدار المقابل.
لم تسمع خطواته، لكنه دخل فجأة، بصوته الهادئ كعادته:
- مساء الخير.
رفعت رأسها ببطء، نظرت إليه لحظة ثم قالت:
- أهلاً يا آدم…
جلس على المقعد المقابل، بصمتٍ ثقيل، كأن بينهما مسافة لا تُقاس بالأمتار، بل بالعتاب.
قال بعد لحظة:
- عاملة إيه دلوقتي؟ ورجلك؟
ابتسمت ابتسامة باهتة:
- أحسن
صمت.
راح يُقلّب نظره في المكان، ثم سأل بنبرة عابرة ظاهريًا:
- يوسف أخباره إيه؟ وهدى؟
رفعت حاجبها، كأنها لم تفهم:
- معرفش مكلمتوش بقالي فترة, وهدى مكلمتهاش برده.
- أصلها مبتجيش الجامعة بقالها كام يوم, قولت أسألك يمكن تعرفي حاجة؟
هزّت كتفيها بخفة:
- لا, معرفش.
أومأ برأسه، لكن ملامحه لم تُخفِ الخيبة.
صمت مجددًا، أراد أن يسأل أكثر، لكنه لم يقل شيئًا.
قالت هي، بعد لحظة:
- ماتتصل تسألها طيب, إنت بتسألني أنا ليه؟
نظر إليها، نظرة طويلة، فيها كلام لم يُنطَق، ثم قال بهدوء:
- قولت إنك أكتر واحدة قريبة منهم يعني هتعرفي!
كانت كلماته ثقيلة، لكنها لم تردّ.
وقف، وأعاد ترتيب ياقة سترته، ثم قال قبل أن يغادر:
- خلي بالك بقى, القهوة بردت وإنتي لسه مشربتيهاش!
وخرج.
أما هي، فبقيت في مكانها , تتساءل أيهم أبرد، القهوة في يدها أم علاقاتها بمن حولها؟
2-
كان الليل ثقيلاً، والهواء البارد يتسلل إلى قلبها, رغم دفء المكان من حولها، لكنه لم يكن أبرد من ما شعرت به وهي تقرأ الرسالة على هاتفها.
رسالة واحدة، لكن كفّها بدأ يرتجف، وعيناها اتسعتا برعب.
مش عايز أكون بني آدم قليل الأصل… بس لو ما جيتيش الفيلا بكرة الساعة 10، الصور دي هتكون على كل حسابات السوشيال ميديا, القرار ليكي ياقطة!
أسفل الرسالة، أربع صور. واحدة منهم كانت كافية لتدمّرها.
وضعت يدها على فمها، كأنها تحاول أن تخنق شهقة خرجت رغمًا عنها.
إيه ده؟ إزاى جاب الصوردي؟
أغلقت الهاتف بسرعة، قامت من مكانها، راحت تدور في الغرفة كأنها محبوسة داخلها، تلتقط أنفاسًا متقطعة.
أنا… مش ممكن أروح… مش ممكن.
لكنها كانت تعرف أن "الممكن" و"المستحيل" كلمات لا قيمة لها حين تكون صورتك وسمعتك في كفّ مجرم.
جلست على طرف السرير، مدت يدها نحو هاتفها مرة أخرى… فتحت جهات الاتصال، توقفت عند اسمه: آدم.
أصابعها تحركت ببطء نحو زر الاتصال… ثم توقفت.
هكلمه أقوله إيه؟ هفضح نفسي أكتر؟ مش كفاية اللي حصل؟
أغلقت الهاتف ببطء، ثم سحبت نفسًا عميقًا، نهضت، وقفت أمام المرآة، نظرت إلى انعكاس وجهها المتوتر، وقالت بصوتٍ خافت:
هروح..
رفعت ذقنها بثبات زائف:
هروح, بس المرة دي مش هبقى ضعيفة, مش هكون الضحية، هجبره إنه يوقف كل اللي بيعمله ده.
صمتت لحظة… ثم أضافت، كأنها تتوسّل لنفسها أن تصدّق:
أنا قوية وهقدر المرة دي.
لكن في أعماقها، كانت تدرك أن هذه الليلة… قد تغيّر كل شيء.
3-
كان المكتب الواسع في الطابق العلوي من شركة المنشاوي غارقًا في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت تقليب الأوراق وخرير خافت لجهاز التكييف.
جلس رؤوف المنشاوي خلف مكتبه المصنوع من الخشب الفاخر، تتدلّى من فوقه ثريا بلجيكية عتيقة. عينيه مثبتتان على الشاشة أمامه, طرق يوسف الباب طرقة واحدة ودخل دون انتظار إذن.
- صباح الخير
رفع رؤوف عينيه للحظة، ثم قال دون أن يبتسم:
- متأخر عشر دقايق! اقعد.
أومأ يوسف برأسه، ثم وقف قبالة المكتب دون أن يجلس. يداه خلف ظهره، ونظرته مشدودة إلى نقطةٍ في الفراغ.
أردف المنشاوي، وهو يقلب إحدى الملفات:
- المشروع بتاع المدرسة متأخر ليه؟
تلجلج قليلًا كعادته في حديثه معه:
- المشروع وصل لنقطة كويسة.
ألقى رؤوف بالأوراق على الطاولة، ثم نظر إلى يوسف بعينين تحملان خليطًا من الضيق والبرود:
- نقطة كويسة؟ إنت عارف المشروع ده أنا حاطط فيه ميزانية كام؟ وعارف كل يوم بيتأخر أنا بخسر كام؟ إنت فاكرني بعمل تبرعات بجد ولا إيه؟
صمت يوسف لحظة، ثم قال بصوت منخفض:
- أنا بتابع كل حاجة بنفسي, مفيش تقصير خالص.
ضاقت عينا المنشاوي قليلًا، وقال محاولًا كبح انفعاله:
- إنت خريج إدارة أعمال من لندن, ومسكتك أكبر المشاريع عشان يكون ليك اسم في السوق, مش عشان تقولي مفيش تقصير؟! وتبررلي فشلك!
- أنا بشرح لحضرتك بس مش تبرير خالص.
ضحك رؤوف ضحكة قصيرة، ثم قال بفتور:
- متشرحليش أنا مش بطلب منك معجزة, متخلنيش أندم إني مسكتك المشروع ده!
ثم التقط قلماً وكتب شيئًا على ورقة أمامه، دون أن ينظر إلى يوسف، وأضاف بنبرة الأمر:
- خلال 48 ساعة عايز تقريرمفصل عن المشروع كله, وإلا هشوف حد غيرك يمسكه!
أومأ يوسف برأسه:
- حاضر, تحت أمرك.
واستدار مغادرًا, وعندما اقترب من الباب شدّ على قبضته، ثم فتحه وخرج بصمت.
كان الهواء في الممر أكثر برودة... لكنه على الأقل، لا يخنق
4-
كان هاني، مدير قسم التصميم، يجلس في مكتبه المرتّب بإفراط، يتفحص مجموعة من الرسومات الهندسية على شاشة حاسوبه حين فُتح الباب فجأة.
دخلت رنا الجارحي بخطى ثابتة، مرتدية معطفًا أنيقًا بلون كريمي، وشعرها مربوط بإحكام خلف رأسها، وعيناها تتقدان بتصميم واضح.
رفع رأسه بدهشة، ثم قال مبتسمًا:
- آنسة رنا؟ أهلًا بحضرتك.
قالت بلهجة لا تقبل الجدل:
- جيت عشان أبلغك أن مشروع تنفيذ الفيلا مش هيمسكه حد غير المهندس نور سليمان.
ارتسمت على وجهه ابتسامة حاول أن يُخفي بها امتعاضه:
- الحقيقة هو نور اعتذر, وأنا هخلي مهندس تاني متميزعندي يكمله.
قاطعت كلامه بثبات:
- ده مش طلب، ده قرار. نور هو اللي بدأ المشروع، وهو الوحيد اللي فهم اللي عايزاه من غير شرح كتير, وأنا مش هتعامل مع حد غيره.
تأمل ملامحها للحظة، ثم زفر بهدوء وقال:
- تمام, بما أنك مصمّمة... لحظة واحدة.
ضغط على زر الاتصال الداخلي، وقال:
- لو سمحتِ، ناديلي المهندس نور.
بعد دقائق، دُفع الباب بلطف، ودخل نور مرتديًا قميصًا كحليًا وبنطالًا رماديًا، وعلى وجهه علامات الاستفهام.
- أيوه يا مدير, خير؟
أشار إليه هاني بنظرة ذات مغزى، ثم قال:
- آنسة رنا جات عشان تبلغنا أن المشروع محدش هيكمله غيرك.
نظر نور إلى رنا، فبادلته نظرة حازمة لكنها خالية من الغرور، فقط رغبة صادقة في الاستمرار.
قال نور بنبرة هادئة:
- لو حضرتك شايف كده, يبقى تمام.
همّ هاني أن يرد، ثم صمت، ونظر بين الاثنين، ثم قال بتنهيدة قصيرة:
- طيب يا نور... المشروع ليك من تاني، بس أنا مش عايز أي تأخير.
أومأ نور برأسه دون أن يعلّق.
استدارت رنا لتغادر، وبعد أن خرجت من الغرفة, قال نور بابتسامة خفيفة:
- حمدلله على السلامة... واضح إنك فكيتي الجبس أخيرًا.
توقفت لحظة، ثم التفتت وقالت بابتسامة صغيرة:
– الله يسلمك.
وغادرت.
ظل نور واقفًا في مكانه، ينظر إلى الباب المغلق، ثم عاد ببطء إلى مكتبه وجلس، أسند مرفقيه على الطاولة، ومرر كفّيه على وجهه.
ثم نظر إلى الشاشة، دون أن يراها فعليًا.
كان وجهها لا يزال عالقًا في ذهنه، وكأن شيئًا ما فيها يأبى أن يتركه.
همس بينه وبين نفسه:
– أنا وافقت ليه؟ الموضوع ده... لازم يتحسم.
لكن قلبه لم يكن واثقًا من أي حسم.
5-
كان المساء قد أسدل ستاره على المدينة، والمطر يتساقط بخفة, عاد نور إلى بيته متعبًا، يحمل في يده ملفًا ثقيلاً، وفي عينيه بقايا تفكير لم يُكمل بعد.
فتح الباب بالمفتاح، دخل بهدوء، ولم يُنادِ. كان معتادًا أن يجدها في المطبخ أو جالسة تقرأ القرآن في صالة صغيرة، تلف شالها حول كتفيها وتهمس بكلماتها كما لو كانت تناجي ربها.
لكنه لم يسمع شيئًا.
خلع معطفه، ووضع الملف على الطاولة، ثم نادى:
– ماما… أنا جيت.
لم يأته رد.
دخل غرفتها… فوجدها كما تركها صباحًا. المصباح الصغير ما زال مضاءً، والمصحف مفتوح على الصفحة ذاتها. كانت ممددة على السرير، بنفس الثوب المنزلي البسيط، وملامح وجهها هادئة... أكثر من اللازم.
اقترب منها بخطوات متسارعة:
– ماما؟... ماما قومي، أنا جعان جدًا, ونفسي مفتوحة انهارده أوي.
وضع يده على يدها… كانت باردة.
تجمّدت أنفاسه.
– لا لا… لأ… مستحيل.
انحنى عليها، بدأ يربّت على وجهها، يهز كتفها، يهمس برجاء:
– اصحي… بالله عليكي اصحي… إنتِ أكيد نايمة مش كده؟
ثم صرخ بكل ما تبقى فيه:
– حد يلحقني! إسعاف… بسرعة!
لم ينتظر أحدًا. حملها بين ذراعيه كما يحمل طفلًا، وخرج إلى الشارع يركض بها تحت المطر، وجهه مبلل لا يُعرف فيه الدمع من المطر، وصوته يرتجف:
– قومي يا ماما بالله عليكي, أنا محتاجك أوى.
وصل المستشفى، صرخ في وجه موظف الاستقبال، الأطباء أسرعوا، أخذوها منه... لكنه لم يُرِد أن يترك يدها.
دقائق... ثم خرج الطبيب، بصوت خافت، ووجهٍ يشبه خبرًا مكتوبًا بالحزن:
– البقاء لله...
نظر إليه نور، لم يفهم الكلمة أول مرة، أو ربما لم يُرد أن يفهم.
قال بصوت مكسور:
– لأ… لأ حضرتك غلطان… هي كانت نايمة بس… أكيد تعبانة شويه بس, اتأكد تاني.
لكن الطبيب لم يرد.
نظر نور من بعيد إلى السرير الذي كانت عليه، ثم جلس على المقعد... وانهار.
لم يستطع أن يصدّق أن يدها التي كانت قبضة أمان في يده صارت بلا حياة، وأن الصوت الذي كان يسمعه قد صار صمتًا أبديًا. تجمد الزمن حوله، وأحس وكأن جزءًا من روحه قد انتزع من جسده، وتركه غارقًا في فراغ قاتل لا يُحتمل. كأن العالم كله انطفأ في لحظة، ولم يعد هناك إلا الصدى الخافت لذكرى كانت تملأ كل زاوية من حياته.
في الصباح..
كانت الجنازة بسيطة، كما كانت تحب.
وقف نور يتلقى العزاء، لكنه لم يسمع كلمات الناس، لم يرَ إلا صورتها وهي تودّعه دون كلام.
حين أُهيل التراب على جسدها، شعر كأن شيئًا منه يُدفن معها.
وكأنّ قلبه لم يعد في صدره، بل هناك... في الظل، تحت التراب.
وبعد انتهاء العزاء..
عاد إلى البيت وحيدًا، فتح الباب، فاستقبله الصمت.
الصالة كما تركتها، المصحف ما زال على الصفحة ذاتها.
رائحة طعامها لا تزال في الأواني.
دخل غرفتها، جلس على سريرها، ثم مدّ يده يتحسس الوسادة التي طالما وضعت عليها رأسها.
همس بصوت مخنوق:
– وحشتيني أوي يا مرمر.
مرّر يده على الشال المعلّق، ثم ضمّه إلى صدره، كأنّه يطلب دفئها الذي لم يعد.
تجوّل في البيت كمن يبحث عن ظلّ، عن صوت.
كل شيء فيها كان حيًّا... إلا هي.
جلس على الأريكة التي كانت تجلس عليها، ودفن وجهه في كفّيه.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة… بكى نور كما لم يبكِ من قبل.
بكى بكاء طفل فقد حضن العالم كله.
وبين دموعه، لم يكن يتمنى شيئًا، سوى أن تعود لدقيقة واحدة، فقط ليقول لها:
- بحبك… ومقدرش أعيش من غيرك...
الفصل التاسع من هنا