رواية ولو بعد حين الفصل الرابع والعشرون 24 والأخير بقلم إسماعيل موسى


رواية ولو بعد حين الفصل الرابع والعشرون 24 والأخير بقلم إسماعيل موسى



ها يا ناصر، أقنعني من فضلك، أصلي المدة اللي فاتت شفت أشياء غريبة جدًا، عقلي مش قادر يستوعبها، وأرجوك متقولش إنك بعت ضميرك والكلام الفارغ ده، لأن نص الشعب كده والنص التاني بيشتكي من النص الأولاني، تشعر كده إنها مسرحية ساخرة كتبها شكسبير.

بص يا فارس، أنا مش هلف وأدور عليك، منكرش إني عايز أخلص رودينة من قرفك، لكن أنا عندي سبب تاني.عايز أرجع الفلوس اللي أخدتها من والدتي وأثبت له إني بار بيه ولا يشعر إني ظهرت في حياته عشان أحرمه من أي حاجة كان بيملكها.

ضحك فارس حتى بانت أسنانه.إنت كمان طلعت تافه زيهم يا فارس؟فلوس إيه اللي إنت بتتكلم عليها؟ البلد مليانة فلوس.أنا اكتشفت إن فيه حيتان داخل الوطن أكتر من حيتان المحيط، أنا أملك فلوس أكتر من اللي بيملكها زكريا مليار مرة.للأسف أنا مصدوم فيك يا ناصر، كنت فاكرك شخص مختلف.لكن الحياة بتقولي في كل يوم إن البشر متشابهين، تفاصيل صغيرة جدًا بتفصل ما بينهم، لكن في النهاية بتقدر تاخد اللي إنت عايزه، لو مكنش برشوة يبقى بكلام عن الدين أو الرحمة أو العدالة.شوف يا أخي، هدفك غير المشروع أحيانًا بيتحقق مع الناس الصاحيين أكتر من الأشرار.

أنا بمنحك رضائي يا فارس، أنا عايزك جنبي فعلًا.محتاج شخص شبهك يكون مسؤول حملتي الانتخابية.أنا بمنحك الموافقة لتكون شخصًا مهمًا، عالميًا، وزير الشر.لأني مش بس هملك البلد دي وحدها، أنا هبقى ملك زي الملكة الصفراء إليزابيث، ده قدري.لازم يكون فيه شخص يقف أمام التمدد الصهيوني اللي عايز يملك من البحر إلى النهر، مش أنا أولى برضه؟ شخص من نفس لونهم وجلدتهم.مش عارف الناس بتقاوم ليه يا أخي؟يعني يخضعوا لألف حاكم من قديم الأزل، من أول الحيثيين، البطالمة، الإغريق، الرومان، العثمانيين، المماليك، الفرنسيين، الإنجليز، وجايين قدامي أنا يعملوا رجالة؟أمر محير، مش كده؟

بس أنا زرعت بذوري في كل ناحية، في كل بلد مجاور، ونتاج أفكاري المنطقية تأتي نتائجها بصورة مبشرة، وإنت شايف بعينك المظاهرات في كل بلد انتقلت مثل العدوى.الناس مش محتاجة فيروس عشان يمحي عقولهم.الناس محتاجة فكرة قابلة للتحقيق، ودي اللي أنا منحتها ليهم.اشرب يا ناصر مياه الخلاص وريح عقلك، كن واحدًا من ملايين البشر المغيبين اللي من أول يوم ليهم في الحياة ماشيين على خط واحد، كفاح ثم كفاح، جواز وتكوين أسرة بائسة ثم الموت.اللي يقدر يتأقلم مع الشوارع المكسرة والزبالة والأشكال الضالة يقدر يتأقلم مع أي حاجة يا ناصر.أصلها مش بالحجم ولا بالكمية، هي مجرد فكرة.

تجرع ناصر المياه الفوارة ذات الماركة الأجنبية المستوردة، وبعد أن شهق نسي كل شيء.كان نتاج الفيروس أكبر مما توقع، لكن بعد ساعة عاد إلى ناصر عقله.وجد نفسه داخل مركز عمليات، شاشات منصوبة في كل مكان تنقل مشاهد المظاهرات في البلاد المجاورة.سنترال مركزي يتلقى اتصالات، بل الآلاف، لعملاء يطلبون التعليمات.كان ما يراه ناصر أكبر من تحمله، مؤامرة كونية لتغيير العالم، مدينة تكنولوجية متكاملة في مكان واحد.

وفي كل لحظة يدرك أن المسؤولية الملقاة على عاتقه أكبر مما تصور.دكتور شعبان رغم مغالاته في تهويل الأمور مقدرش يوصف غير واحد من عشرة من اللي بيحصل داخل مقر فارس.لكن فكرة قتل فارس كانت مستحيلة وسط رجاله.مش خوفًا من موت ناصر نفسه، بل لعدم قدرته على فعلها.

كان عليه أن يصبر، نفذ تعليمات فارس مثل الآخرين.رأى أحلامه تتحقق على أرض الواقع.الغريب أن فارس لم يزر صناديق الانتخابات، كان واثقًا من النصر.في كل يوم كان ناصر، الذي يتم تفتيشه ذاتيًا قبل دخوله مركز العمليات، ينقط دمه داخل مصادر المياه في المقر.وكان شعبان قد حقنه بترياق مركز سريع الانتشار، لأنه كان يعرف استحالة وصوله بطريقة عادية.وكان تركيزه على الجماعة التي تساعده، التي ترافقه في كل مكان.عندما يستعيدون وعيهم سينفذ خطته.

وقبل أن يتحقق حلم فارس الذي رآه يمشي أمامه على أرض الواقع، لاحت الفرصة أمام ناصر.

كان فارس يستعد لظهوره الأخير أمام وسائل الإعلام، وأصر أن يكمل مكياجه بنفسه.عندما دخل ناصر وجد فارس في زي المهرج، الأحمر الفاقع، وجهه ملطخ بالألوان.

لما ناصر أغلق الغرفة من الداخل، وضع فارس يديه في جيب بنطاله، ودون أن يلتفت همس:إنت جاي تقتلني يا ناصر؟

لو قتلتني هترتكب خطأ جسيمًا في حق نفسك وحق العالم.أنا هموت وإنت هيتقبض عليك وهتتعدم زي أي مجرم داعر أو مغتصب، مش هيلبسوك تاج يا ناصر.

أطلق ناصر رصاصة مطاطية صنعت خصيصًا من أجل تلك اللحظة.كان يعرف أن وقته ضيق جدًا.

اخترقت مقدمة الرصاصة المطاطية جسد فارس، وسال ما بداخلها داخل جسد فارس، ثم سقط على الأرض.اندفعت الدماء من فمه كأن رصاصة حقيقية اخترقت قلبه، فبصقها على الأرض.

إنت فاكر إنك لو قتلتني هتتخلص من الفوضى يا ناصر؟الفوضى اللي أنا خلقتها هتفضل بعد رحيلي سنين طويلة.

سعل فارس واندفعت الدماء أكثر من فمه، وهو يفقد وعيه همس:إنت مش هتقدر تتخلص مني يا ناصر.الناس اللي أنا صنعتهم هما اللي هيحكموا من بعدي، لكن للأسف معندهمش المقدرة يطلعوا البلد من حالة الفوضى اللي أنا زرعتها فيها.الفوضى هتعيش بعدي لسنين طويلة.تلاتين سنة وأكتر، وإنت السبب يا ناصر، إنت السبب في كل اللي هتشوفه الناس من بعدي.

فتح ناصر باب الغرفة وصرخ بكل صوته:الحقوني، الحقوني، فارس بيموت!

اندفع الحراس داخل الغرفة.فارس تعرض لأزمة قلبية أو ذبحة دماغية، لازم ننقله المستشفى فورًا.

نظر قائد الحرس تجاه ناصر:إنت موقوف لحد ما نعرف إيه اللي حصل لفارس بيه.

المهم ننقذه، وبعد كده اعمل اللي إنت عايز تعمله.أنا اتصلت بالإسعاف، لازم ننقله لأقرب نقطة من الشارع.

أثناء نقل فارس سمع دوي إطلاق رصاص خارج المقر.تبادل إطلاق رصاص بين مهاجمين وبين حراس المقر.كان خبر انتشار فيروس ينتقل عن طريق الهواء قد انتشر في كل مكان، وكان كل شخص يرتدي كمامة طبية، حتى الأهل أنفسهم كانوا يحذرون بعضهم، والمهاجمون ملثمون أيضًا.

كان تبادلًا كثيفًا لإطلاق الرصاص حتى إن الحراس احتموا بجدران المبنى.وسط تلك الحرب وصلت سيارة الإسعاف، وسمح لها بالدخول حيث كان هذا أمرًا عاديًا في تلك المرحلة.

حمل ناصر جسد فارس ومشى به بين الرصاص حتى وضعه داخل سيارة الإسعاف.

انطلقت سيارة الإسعاف وعبرت حدود أرض المعركة.كان قد مضى نصف ساعة عندما استعاد فارس وعيه.

أنا فين؟ وإيه اللي بيحصل؟قولي يا دكتور أنا فين؟

وجذب فارس رداء الطبيب الأبيض.

رفع دكتور شعبان كمامته وبان وجهه المحترق.وشي مش بيفكرك بحاجة يا فارس؟

أنا مين؟

صرخ فارس مرة أخرى.

همس دكتور شعبان:أنا عملك الأسود يا فارس بيه.

وخديني على فين؟

حاول فارس يتخلص من قيوده المحكمة بلا فائدة.

بص دكتور شعبان في وش ناصر الممتعض.لو مكنتش عايز تشوف، بص الناحية التانية.

قال ناصر:متقتلهش من غير تعذيب يا دكتور شعبان، أو سيبه يعيش وامسح أفكاره.

مش ممكن يا ناصر أكرر الخطأ مرتين.من فضلك سبني أشوف شغلي، أنا منتظر اللحظة دي من سنين.

أخرج دكتور شعبان حقنة تحمل مادة سوداء لزجة.غرسها في عروق فارس النافرة، وبعد لحظات سرى الألم في جسده.

قال دكتور شعبان بلا اهتمام:أنا حقنتك بمادة مبتكرة يا فارس، قدرت أصنع مادة ألم الحريق وحقنتك بيها.إنت هتحس باللي أنا حسيت بيه، إن جسمك كله بيولع نار.نار بتحرق جسمك كله.

راح فارس يصرخ من الألم.

حتى توقفت السيارة أمام مخزن مهجور.نقل فارس إلى داخله وأغلق بالأقفال وترك يصرخ مثل الطفل.

همس ناصر:دكتور شعبان، أنا مش مستحمل اللي بيحصل ده.من فضلك شوف حل تاني.

عايز حل تاني يا ناصر بعد كل اللي عمله فارس؟ده عقاب مستحق.لكن ماشي، هديله حل تاني.

أخرج دكتور شعبان شفرة سكين من جيب بنطاله ودفعها تحت عقب الباب.

أنا هخليه يريح نفسه بنفسه.

لم يمر سوى يوم واحد وكان فارس قد ذبح نفسه داخل مكان احتجازه.ومثل كل جثة، الطب الشرعي أكد انتحاره بعد إزالة الأقفال، ودفنت جثته بعد التشريح.

كان الصوت الذي اخترعه فارس بدأ يخفت بعد أن بدأ الترياق يأتي مفعوله في كل مكان، الترياق الذي سكب في كل مكان وكل شيء.

إنتِ متأكدة يا رودينة من رغبتك في الجواز من دكتور شعبان؟يا بنتي إنتِ شايفة وشه عامل إزاي؟

بإصرار همست حبيبة:أيوه موافقة، شعبان تعرض للظلم زيه زيي، شبهي أنا وهو، نستحق بعض.

طيب وناصر اللي طلب إيدك؟

لا يا ماما صفية، بعد اللي عملته مع ناصر وخسارته دكتورة حبيبة بسببي، مينفعش نكون لبعض.

بعد شهور تزوج ناصر أخت الدكتورة هالة الوحيدة، فتاة جامعية كانت أخت هالة الوحيدة وكل عائلتها.بعد أن توفيت أختها أصبحت بلا عائل.كان ناصر يشعر بأنه يكمل الرسالة ويرد الجميل لفقيدته الحبيبة.

الفيلا غمرها السلام، وارتفعت الضحكات داخلها.وبعد وصول طفل ناصر الأول تولت حبيبة تربيته، أما زكريا فترك كل أعماله لناصر وراح ينعم بشيخوخته المتأخرة.



                      تمت بحمد الله 


وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك 


وايضا زورو صفحتنا سما للروايات 

 من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك

 كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة