رواية ورطة مع السعادة الفصل العاشر 10بقلم رضوى جاويش


رواية ورطة مع السعادة الفصل العاشر 10 بقلم رضوى جاويش


١٠- سر من الماضي.. 

مرت أيامهما بعد تلك الحادثة هادئة لا يعكر صفوها أي حادث .. ولكن على الرغم من ذلك وجدت منه تباعدا في الأيام الأخيرة جعلها تتساءل ما الذي حدث ودفعه ليتخذ جانبا من أي  لقاء قد يجمعهما أو تحاشى اللقاء بها ولو صدفة في أحد أروقة المنزل..!؟..
حتى تلك اللعبة الالكترونية التي يعشقها وكانت سلواهما في الأيام السابقة لم تعد تجذب انتباهه.. حتى أنها فتحتها في أحد الأيام ورفعت من مستوى الصوت حتى يَصِل لمسامعه فيتشجع و يأتِ لمنافستها كالمعتاد أو حتى يخرج ليتزمر جراء ارتفاع الصوت لأنه يريد أن ينام أو حتى يخلد للراحة والهدوء .. لكن كل هذا لم يحدث فقررت جذبه خارج معتقله الاختياري اللا مفهوم دافعه بتلك الطريقة التي لا تخطئ نتائجها معه أبدا .. الطعام .. 
ولكن للعجب حتى تلك الطريقة لم تجذبه رغم إغراءاتها ليخرج من عزلته...
تنهدت وقررت هي أن تقتحم تلك العزلة بنفسها .. حملت طبق الطعام وطرقت على باب غرفته .. مرت عدة ثواني لم يستجب للطرق لا بالإيجاب ولا حتى بالرفض .. اعادت الطرق على باب حجرته عدة مرات حتى اعتلى القلق عرش فكرها و بدأ الوسواس في نشر خيوطه على مجمل تخيلاتها .. 
فتشجعت ودفعت بالباب منادية إياه في همس مضطرب غير مدركة أنه بالكاد مسموع لها ولن يصل لمسامعه بالتأكيد وخاصة مع صوت صرير الباب الخفيف الذى صاحب نداءها الخافت .. 
توقفت متصلبة في مكانها ولم تخطو خطوة واحدة بالداخل فما رأته جعلها تتسمر في مكانها وتشعر أنها أخطأت باقتحام عزلته بهذه الطريقة.. فقد رأته يقف موليا لها ظهره في خشوع يصل و دعوات هامسة تخرج من بين شفتيه تصل بعضها  لمسامعها فتدرك أنه يهمس في دعواته باسم صاحبة الصورة ذات الإطار الذهبى والتي تقبع ها هنا في ذاك الركن من الغرفة جوار فراشه..
همت بالاستدارة والخروج وهي تدعو الله سرا أن يكون قد غفل عن زيارتها وطرقاتها لبابه ..
لكن يبدو أن دعواتها لم تُستحب فقد هتف بصوت متحشرج ونبرة عميقة لم تزور مسامعها من قبل :- ماذا هناك!!.
همست وهى تستدير وقد أدركت أن أوان هروبها قد ولى :- لا شيء .. كنت .. 
لم تستكمل حديثها وهي تضع طبق الطعام على الطاولة القريبة من موضع وقوفها .. 
هز رأسه رافضا :- أشكركِ.. لكن .. أنا اليوم صائم .. 
قلبت الأيام في عقلها ولم تَر أن منها ما يوجب الصيام اليوم .. ربما صوم تطوع .. لكن لمَ.!؟...
لا تعرف لما انبأها حدسها أن الشقراء صاحبة الصورة لها علاقة بأمر عزلته وصيامه اليوم!؟...
لا تعرف من الأساس كيف واتتها الجرأة لتهتف به ناصحة :- لا عليك .. لست الوحيد الذى هجرته امرأة .. و لست الوحيد الذى أعتقد يوما في وهم الحب .. 
احمرت عيناه واتقدت كجمرات مشتعلة وهو يقترب منها في خطوات بطيئة وهي غير مدركة أن كل كلمة تتفوه بها تزيد الطين بلة ولا تُصلح من الأمر كما كانت تعتقد .. 
وقف الآن قبالتها تماما وهو يسألها بنفاذ صبر:- ماذا تقصدين ..!؟.. 
اشارت للصورة:- تلك الشقراء التي تركتك معذب بحبها والتي كنت تهزي محموما بإسمها .. هي لا تستحق وفاءك و اخلاصك وحبك .. هي .. 
لم تكمل كلماتها وقد جذبها من ساعدها بقوة هامساً بصوت أشبه بالفحيح :- و من أدراكِ أنتِ ما هو الحب ..!؟.. أنتِ امرأة جبانة تغلق قلبها وعقلها وروحها حتى لا تسمح لأحد بالتعلق بها أو حتى الاقتراب من حرمها المقدس... ما أدراكِ أنتِ بالإخلاص والوفاء وأنتِ لا تسمحين لأحد من البشر بالاقتراب من حياتكِ والتوغل في تفاصيلها حتى يصبح ليس فقط جزء منها.. بل هو الحياة نفسها!؟؟..
دفع بها بعيدا و هو يصرخ فيها :- أذهبي الآن وفورا من أمامي ولا تتحدثي بثقة عن أمور لم تخبريها يوما.. 
وقفت لحظات تلهث أمامه مصدومة من ردّة فعله النارية والتي لم تتوقع ولو للحظة.. أن تلك الشخصية المرحة الاريحية قادرة على الاتيان بها .. 
و أخيرا استجابت قدميها لهتاف عقلها واندفعت لخارج الغرفة كالصاروخ هاربة من أمام ذاك الياسين الجديد الذى لا تعرفه .. 
****************
بكاءها في الأيام الماضية كان كافيا و يزيد للتعبير عن ندمها ورغبتها في جلد ذاتها لتؤكد خطأ اقتحامها لخلوته .. لكن لم يعد ينفع الندم فقد فات أوانه منذ اللحظة التي اكتشف فيها.. وجودها في غرفته .. 
نظرت لصورتها في المرآة لترى عيون متقرحة وجفون منتفخة من أثر البكاء.. همت بالبدء في نوبة بكاء جديدة على ذاك المظهر الذى طالعته، لكن صوت رنين جوالها جعلها ترجئ تلك النوبة لوقت آخر وخاصة عندما ظهر اسم صديقتها نادية مضيئا على شاشة الهاتف ... تنفست بعمق وتناولت جوالها لترد في محاولة للتماسك وعدم الانفجار في البكاء من جديد :- مرحبا نادية .. 
هتفت نادية في حماسة :- مرحبا بالعروس الهاربة .. هل نسيتي ان لكِ صديقة لتسألي عن حالها .. !؟..
و استطردت نادية بنبرة مشاكسة :- أم أن شريككِ العزيز كان له النصيب الأكبر من اهتمامك ِ ..!؟...
عند ذكر ياسين وتخيل  محياه الغاضب أمام ناظريها انفجرت مي باكية ولم تستطع كبح جماح ثورتها و بدأت في سرد كل الاحداث الماضية لصديقتها و التي استمعت لها بإنصات كالعادة وتنهدت أخيرا وهي تقول لمي تعقيبا على ما سردته للموقف الأخير الذى دار بينها وبين ياسين  :- هذا هو سبب اتصالي بكِ اليوم.!؟.. 
ردت مى :- لا أفهمك ِ ..!؟.. ماذا تقصدين ..!؟. و ما شأن اتصالكِ بتلك الشقراء التي ..
قاطعتها نادية هاتفة :- إنها زوجته .. 
شهقت مى :- هل هو متزوج ..!؟.. 
تنهدت نادية :- زوجته السابقة ..
صرخت مى :- هل هو مطلق .. 
كان دور نادية لتصرخ :- هل استطيع إنهاء كلامى ..!؟.. ثم اصرخي كما يحلو لكِ .
ردت مى :- حسنا .. هات ما عِندكِ وبسرعة .
استرسلت نادية قائلة :- هذه الشقراء هي زوجته السابقة رحمها الله .. 
شهقت مى رغما عنها وتمالكت نفسها حتى لا تعقب على كلمات صديقتها فتفقدها صوابها .. 
استطردت نادية :- اسمها هاجر و هي ابنة عمه ومعلمه وأستاذه ... ما بينهما كان كقصص العشق التي نقرأ عنها في الروايات .. لكن لم يمهلها المرض الذى بدأ يلتهم جمالها حتى تُوفيت ليسقط الدكتور ياسين في نوبة من الاكتئاب لشهور وأخيرا قرر الانضمام للقوافل الطبية التابعة لإحدى المنظمات الصحية .. و هناك استطاع تحقيق شهرة واسعة في مجال العمل الخيري و عاد عندما جاءه خبر وفاة عمه لينفذ وصيته ووراثة نصف الشقة مع ابنه الذى باعك إياها نصبا ..و كذلك تحقيق أمنية عمه في شراء النصف الآخر و تحويل الشقة لمركز طبي مصغر لعلاج المرضى الغير قادرين .. و بالطبع أنتِ على دراية بباقي القصة .. خالد زوجى قابل بالصدفة أحد أصدقائه القدامى وأثناء الحديث دار الحوار حول تلك المنظمة الصحية التى كان يعمل الدكتور ياسين تحت لواءها و من هنا جاء ذكر اسمه واستطاع خالد معرفة كل تلك التفاصيل عن حياة الدكتور ياسين .. عدوك العزيز ..
صمتت مي ولم تعقب بكلمة .. إذن فهى اخطأت بحقه بسبب تلك الكلمات الحمقاء التي تفوهت بها .. لا تعرف ما ذاك الشعور الذى دفعها قصرا لتتفوه بمثل تلك الترهات ..!!؟.. و ما شأنها هي من الأساس إذا كانت تلك الشقراء حبيبته التي هجرته أو أي من كانت ..!!؟.. 
على قدر ما ألمتها كلماته .. و على قدر صدق تلك الكلمات وتعريتها لحقيقة شخصها .. إلا أنها ما كانت إلا ردة فعل منه على ما اندفعت بإلقاءه من اتهامات تجرح في شخصها العزيز على قلبه ... 
****************
حاولت أن تبدو على طبيعتها رغم وجيب قلبها المتضاعف عندما أدركت أن خطواته التي تقترب الان تنذر بقدومه .. أولت ظهرها للباب متعللة ببعض المهام حتى تعطي نفسها القدر الكافى من الوقت اللازم للتماسك والظهور بمظهر الثابتة الواثقة قبل مواجهته .. 
و ها قد حانت اللحظة فتنفست بعمق وهو يقف على باب المطبخ مبتدرا حديثه بالتحية :- مساء الخير .. 
ردت و هي توليه جانب وجهها :- مساء الخير.
تنحنح في احراج :- أنا .. أنا آسف .. ما كان على التفوه بتلك الكلمات ال.. 
قاطعته بحزم :- لا عليك .. لقد نسيت ما قلته ..
تقدم بضع خطوات لداخل المطبخ فشعرت ان المطبخ الواسع قد أضحى أشبه بثقب إبرة .. 
وقف ليسأل من جديد :- هذا يعني أنكِ لست غاضبة أو حزينة بسبب ما قلت!؟.. 
هزت رأسها رفضا :- لا .. لست حزينة أو غاضبة أو حانقة على ما قلت...
سأل مشاكساً :- و كيف لي أن اتأكد من ذلك !؟.
هتفت ضاحكة وهي تدفع بأصبع من المحشى لداخل فمه :- اعتقد هذا أكبر تأكيد فلو كنت غاضبة ما جعلتك تتذوقه ولو سرت على رموش عينيك متوسلاً .. 
هتف مستمتعا و هو يستلذ طعم المحشى في فمه :- يالها من طريقة رائعة للصلح .. لنرى هل هي صالحة لأتذوق المزيد ..!؟..مي .. أنا آسف ف .. 
قهقهت وهي تدس إصبع آخر بفمه ليتلقاه مرحبا وهي تهتف :- وأنا أيضا آسفة .. 
هتف مؤكدا في حزم :- لا مزيد من الأسف رجاءً..
هزت رأسها موافقة .. إلا أنه استعاد مرحه في ثوان ساخراً :- طبعا هذا لا ينطبق علىّ .. و خاصة لو كان المقابل هو تلك الأصابع الشهية .
ابتسمت في حبور لمزحته و نظرت إليه متطلعة لياسين آخر .. أو بالأحرى ياسين ثالث .. ياسين  العاشق .. هل هو قادر على الحب بذاك العمق الذى سمعت عنه من نادية ..!؟.. و السؤال الأهم .. هل هو قادر على أن يحب بنفس العمق والقوة لمرة أخرى ..!؟.
نحت نظراتها بعيدا عن محياه الباسم عندما وصلت أفكارها وخواطرها لهذا المنحى الخطر ...      
******************
                    يتبع... 

              الفصل الحادي عشر من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة