
٢٠- ما أروع الجنون!
هتفت مى مازحة :- بأي رشوة وعدكم ياسين حتى تفعلا بصديقتكما المسكينة هذا ..!؟؟..
انفجرت نادية ضاحكة وهى تستدير من المقعد الأمامي في سيارة زوجها الدكتور خالد الذى يتولى القيادة و يركز في الطريق حتى أنه لم ينتبه لمزاح مي بينما ردت زوجته :- صدقيني و لا أي رشوة فى الموضوع ..إنما هو اتفاق رجال لا دخل لي فيه .. ياسين طلب وخالد ينفذ ..
ثم انفجرت ضاحكة من جديد هامسة لمي:- لا أعرف .. قلبي يحدثني بأنها خطة للتخلص منا سويا ..
قهقهت مي بدورها وهي تجلس في منتصف الأريكة الخلفية لعربة الدكتور خالد بثوب زفافها الذى ضاقت به الأريكة ..ثم هتفت :- اقسم بالله هذا لم يحدث لعروس من قبل .. لا تعرف أين يقام حفل زفافها وكأنه سر حربي ..
أخيرا هتف خالد :- على أي حال .. لقد شارفنا على الوصول ..
هتفت كل من مي و نادية في آن واحد :- الوصول إلى أين ..اعترف ..!؟؟..
انفجر خالد ضاحكاً :- ليتني ما تكلمت ولا همست حتى بحرف .. سأُعامل الآن معاملة معتقلي جوانتانامو لأقر واعترف بالحقيقة ..
هتفت نادية مازحة :- بما أنك تعلم ذلك إذن وفر على نفسك عذاب ما قبل الاعتراف .. واعترف فورا ..
هتف خالد بسعادة :- لن احتاج للاعتراف فها قد وصلنا ..
وأشار بكفه وهو يدخل لممر ترابى طويل أدركته مي على الفور .. قلبها كان يحدثها طول الطريق باتجاه السيارة إلا أنها لم تتبين الطريق جيدا لأن الليل خيم بالفعل .. إنه الطريق الترابي الذى قطعته مع ياسين للوصول لبيت عمته..
وصلت في تلك اللحظة أمام البيت وفجأة ..طالعتها الأنوار والزينات التي تكسو البيت كغلالة من النجوم الملونة .. و لم تنتبه إلى ذاك القادم من الجانب الآخر بحلته السوداء الأنيقة رباط عنقه القرمزي إلا وهو يفتح باب السيارة لها وينحنى ليمد كفه ليدها ..
تسارعت ضربات قلبها حتى كاد أن يقفز من بين حنايا صدرها وهي تمد كفها لتحتضنها كفه وهو يجذبها خارج السيارة وما أن طلت بثوبها الأبيض الذى يتلألأ في روعة حتى أعطى إشارة ما ليبدأ عزف الموسيقى واندفع أشخاص لم تتبينهم من داخل المنزل ..
صرخت في سعادة عندما تبينت سماح أختها تندفع إليها لتحتضنها في فرحة ومن وراءها أطفالها و أخيرا زوجها المعلم نعيم الذى اندفع يحتضن ياسين في سعادة و فرحة غامرة وبدأ في التمايل بعصا على دقات الطبول و المزامير..
سار ياسين وبجانبه مى متأبطة ذراعه وفرحتها لا يمكن وصفها وخاصة عندما صعدا درجات السلم الأمامية لتستقبلهما عمة ياسين هناء وابنها صالح بالقبلات والأحضان .. والدموع التي انهمرت من عيني هناء وهى تحتضن ياسين في حبور وتقبل وجنتي مي في حنو أم حقيقية يوم زفاف ولدها البكر..
دخلوا جميعا إلى ردهة الدار الواسعة وترك ياسين مي بين النساء و خرج ليستقبل الرجال من أهل القرية ..
وبدأ الاحتفال الحقيقي .. نهضت النساء وأولهن كانت عمة ياسين وأختها سماح لتتبارى كل منهن في تقديم فنون الفرح والرقص على نغمات الطبول و الاغاني الصادحة .. حتى مي نفسها لم تتركها النساء وجذبنها لمنتصف الدائرة المعدة للرقص وبدأت في التمايل معهن وإظهار فرحتها ..
وأخيرا اندفعت نادية التي كانت تتحجج بعدم معرفتها بفنون الرقص لتتمايل مع صديقتها في سعادة جاذبة إياها لأحضانها والدموع تكلل مآقيها .
كانت المبارة الراقصة حامية الوطيس ولم تكن عند الرجال بأقل ضراوة وخاصة عندما أصر المعلم نعيم على الرقص بالعصا ومنافسة ياسين الذى لم يكذب خبراً فخلع سترته وعلت الصيحات المشجعة بين الرجال ..
بدأت المباراة .. وتنافس الرجال حتى انتهى النزال الودى بفوز العريس مجاملة كالعادة وهلل الرجال في سعادة ..
بدأ الجميع في الاستراحة ووُضِعت صواني الطعام في الداخل والخارج .. و ما أن انتهى الجميع وبدأت حمى الموسيقى تعلو من جديد حتى تفاجأت النساء بدخول ياسين متنحنا يستأذن في الدخول وتوجه مباشرة لعروسه.. حملها وسط قهقهات النساء وغمزاتهن وخجل مي التى تعلقت برقبته وهي تنظر إليه في صدمة مستفسرة عما يحدث ..
اندفع يعتلى بها الدرج تصاحبهما الزغاريد المدوية من كل اتجاه وصوت الموسيقى بالخارج يزداد علوا وصخبا ..
هتفت مى :- ياسين ..ماذا تفعل..!؟.. أكاد أموت خجلاً و إحراجا من نظرات وغمزات النساء..
هتف بالقرب من أذنيها وهو لا يزل يعتلى الدرج:- لا دخل لي بالنساء وغمزاتهن .. و لا تجعلي عقلكِ يظن بكِ الظنون .. كل ما هنالك أني جائع حد المجاعة ..
هتفت في سخط :- إنزلني حالا ياسين .. تنتشلنى من بين النساء بتلك الطريقة لأن معدتك تزمجر كعادتها .. لما لم تأكل مع الرجال بالأسفل ...!!؟؟..
ضحك وقد قرر اغاظتها :- أأكل من طعام الضيوف وأترك تلك الوليمة التي أعدتها لأجلنا عمتي ..!!؟..
صرخت مى :- ياسين .. إنزلني الآن وفورا ..
قرر أن يستفزها بحق فهتف وهو يقف الآن أمام باب حجرتهما :- بالطبع سأُنزلكِ يا زوجتى العزيزة وإلا كيف سأكل ..!!؟..
صرخت مى :- لا .. هذا كثير .. هذا..
لم تكمل اعتراضاتها وقد فتح ياسين باب غرفتهما وخط بداخلها ثم أنزلها في رقة وتركها تتطلع مندهشة لتلك الغرفة التي كانت تحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب من كثرة ما طالعتها طوال الليلة التي قضتها فيها منذ فترة ليست بالطويلة بدون أن يغمض لها جفن ..
جالت بنظرة مبهورة وشهقة خافتة لأركان الغرفة التي تحولت لجنة مصغرة .. فذاك الحمام الجانبى للحجرة أصبح جزء منها وجدران الغرفة اتخذت لون وردي رقيق هو المفضل لديها كما يعرف أما السرير فقد ظل على حاله هو نفس السرير المعدني ذو اللون النحاسي والأعمدة المتوسطة الطول والتي تغطيها الآن غلالات رقيقة من الشيفون الأبيض والوردى كستائر رقيقة تحجب محيط السرير عن كل ما يحيطه وكأنه عالم منفصل بحد ذاته ... حتى النوافذ تم تزيينها ووُضع على مداخلها صواعق للناموس .. وكم أسعدها ذلك! ..
انتهت من جولتها السريعة لتعود بنظراتها التي تحمل عشق الدنيا لزوجها الذى وقف ينتظر ردة فعلها بفارغ الصبر ..
استدارت لتواجهه بكليتها واقتربت منه في سعادة غامرة وهى تهمس في عشق :- هل كل هذا من أجلي ..!!؟..
اومأ وهو يجذبها لمحيط ذراعيه :-بالتأكيد .. هذا أقل بكثير مما كنت أتمنى منحه إياكِ..
ثم همس برقة :- مي! .. ورفع ذقنها بأطراف أصابعه لتقابل نظراتها نظراته المتقدة عشقاً ليستطرد بصوت متحشرج :- أُحبكِ ..
كان جوابها دامعا .. رفعها قليلا حتى قبل وجنتيها النديتان مما سمح لها بأن تطوق رقبته بذراعيها هامسة في خجل :- وأنا أيضا ..
شاغبها متسائلا :- وأنتِ أيضا ماذا .!؟
همست بالقرب من أذنيه :- وأنا أيضا جائعة ..
انفجرت ضاحكة عندما رأت تعبيرات الصدمة التي ارتسمت على وجهه وفجأة انفجر مقهقها بدوره وهو يضمها لصدره في تملك معلنا للعالم أجمع أنها حبيبته ..
رفعها بين ذراعيه واضعا أياها على السرير المعدني الذى تأرجح قليلا من ثقلهما عندما اعتلاه ياسين فهتفت في ذعر :- ياسين .. أشعر أن ذاك الفراش سينهار بِنَا في أي لحظة و سنجد أنفسنا في قلب البهو وسط دائرة النسوة الراقصات ..
هتف ياسين ضاحكاً :- لا .. عار عليكِ .. هذا سرير جدي النحاسي والذي وُلد عليه أبي و عمتي .. هذا فراش كله بركة وقد اخترته خصيصا لأنه عالِ عن الأرض حتى لا تستطيعي صعوده أو الهبوط منه إلا بمساعدتي.
ضحكت في سعادة :- إذن .. إنها خطة لاعتقالي و أسري ها هنا على فراش جدك العتيق ..!!؟..
جذبها بين ذراعيه هامسا في شوق :- ويا له من اعتقال! .. وما أروعه من أسر!؟
***************
استيقظت مع نسمات الفجر الأولى تحاول ان تمطأ كعادتها في فراشها لكن تفاجأت بوجود جسد ضخم يأسرها .. رفرفت بجفونها وقد أدركت أنها بين ذراعي ياسين .. زوجها .. ابتسمت لذكريات الليلة الماضية وبدأت تتسلل من بين ذراعيه وتنزل درجات السلم الخشبي الخاص بذاك السرير النحاسي العالي عن الأرض قرابة المتر .. خطت بهدوء بعض أن وضعت مئزرها وغطاء رأسها إلى الشرفة الصغيرة التي فتحتها تتطلع منها لتلك الشمس الوليدة التي يبزغ شعاعها منيراً الأفق البعيد..
تنهدت في راحة وابتسامة رضا تكلل شفتيها تتسع تدريجيا كلما تذكرت مزاح ياسين و إصراره على تناول كل ما بصينية الطعام وكإنه ينتقم ..
فجأة جفلت عندما وجدت ذراعيه تحيطانها من الخلف و هو يهمس لها :- كيف استطعتى النزول من البرج النحاسي .. لقد اخترت ذاك السرير مخصوص حتى لا تستطيعى الابتعاد عني ..
ضحكت وهي تدفع رأسها للخلف لتقابل نظراته وتقول مغيظة إياه :- عثرت على السلم الخاص بالسرير ووضعته على جانب نزولي من الفراش ..
ابتسم لها وقبل جبينها ثم تساءل :- ما الذي ايقظكِ باكرا هكذا ..!!؟..
اشارت للشمس البازغة من بعيد هامسة برقة:- وددت أن أرى شمس أول يوم لنا في حياتنا الجديدة معا .. وأتمنى من الله أن يجعلها حياة سعيدة مليئة بالفرحة ..
أمم على دعاءها :- آمين ..
سمعها تدندن في حبور كلمات اغنية ريفية قديمة لطالما سمعها وأحبها لكنه عشقها الآن وهو يسمعها منها :- طلعت يا ما احلى نورها شمس الشموسة ..
يا اللاه بينا نملا و نحلب لبن الجاموسة ...
همس عابثا :- الاغنية المناسبة في الوقت المناسب ..
ابتسمت متسائلة :- ماذا تقصد..!؟..
قال في نبرة ساخرة :- لا تحتاج سؤال يا زوجتى الذكية .. لبن الجاموسة في موعده تماما .. فأنا اتضور جوعا والمخبوزات الريفية التي تأتينى رائحتها الآن يسيل لها لعابي ..
قهقهت مى غير قادرة على تمالك نفسها حتى دمعت عينيها وأخيرا هتفت :- ياسين .. انت غير ممكن .. أنت مجنون بحق ..
هتف ياسين مدعيا الحنق :-مجنون .. أنا مجنون!؟.. حسنا .. وفجأة رفعها عن الأرض بين ذراعيه واندفع بها لداخل الحجرة ..
صرخت متفاجئة وهتفت ضاحكة وقد قررت استفزازه كما يفعل معها :- ماذا تفعل .. يا مجنون ..
دفع الغلالة الشيفونية بعيدا وألقى بها على الفراش في غيظ مفتعل ثم قفز بجوارها وهو يهمس لها في عشق :- سأريكِ كيف يكون الجنون ..
ابتسمت في سعادة وهى تطوق عنقه بذراعيها هامسة في شوق :- ما أجمل الجنون! ..
******************
يتبع..
الفصل الواحد والعشرون من هنا