
21 جنة على الأرض..
رفرفت رموشها عدة مرات حتى استيقظت من أحلامها العديدة والمختلطة التي راودتها في فترة نعاسها التي لا تعلم كم طالت ..
أدارت وجهها ليطالعها وجه ياسين الذى اندفع ملهوفاً ما ان أيقن باستيقاظها من غفوتها ...
تلك الغفوة التي راحت فيها بعد الحقنة المخدرة التي حقنها بها طبيب التخدير وهى تمسك كف ياسين و تنظر إليه في رعب وخوف وهو يربت على خدها مطمئناً حتى غابت عن الوعي و راحت في عالم آخر ..
همست بصوت متحشرج و ياسين يلثم جبينها في محبة :- أين هو .. أو هي !؟
ابتسم ياسين في حنو :- سأخذكِ إلى هناك ..
همست في ذعر :- هناك .. أين !!؟..
ربت على كفها مطمئناً :- لا تقلقي .. إنه في الحضانة مع باقي الأطفال ..
أكدت في إصرار وهى تحاول النهوض متألمة في وجع حقيقى :- أريد أن أذهب إليه .. الآن ..
هتف ياسين وهو يحتضنها بين ذراعيه :- حاضر .. سأخذكِ إلى هناك ..
حملها في حذر وحرص وسار بها ذاك الرواق الطويل حتى وقف أمام حائط زجاجي وهمس لها :- انظري..
رفعت رأسها عن صدره في وهن ونظرت بإتجاه الحاجز الزجاجى عيناها تتلهف لتسقط على فلذة كبدها الذي ما تمنت أغلى منه هدية من الله .. رفعت رأسها تتساءل :- أيهم يا ياسين ابني !؟
ابتسم ياسين مفتخرا :- جميعهم ..
نظرت إليه في وهن :- ياسين .. لا طاقة لي لمزاحك .. رجاءً .. أين ولدي!؟..
حاول أن يكتم ضحكاته حتى لا يهتز جسدها فلا تتوجع أثر جرح الولادة وهتف منتشياً :- أقسم لكِ .. الثلاثة هم أبناءنا ..
أشار برأسه لأحدهم هامساً :- هذا الأول هناك هو حسن .. وهذا الذى يليه هو محمود والثالثة..!؟..
هتفت في سعادة وقد نسيت ألمها :- الثالثة ..!!؟
همس بفخر :- نعم .. فهى فتاة .. إنها فاطمة ..
دمعت عيناها في سعادة غير مصدقة .. ورفعت رأسها لياسين الذى مازال يحملها في محبة بين ذراعيه :- لمَ لم تخبرني أنهم ثلاثة أجنة عندما كنت تتابع الحمل ..!؟؟..
ابتسم هامساً :- اشفقت عليكِ .. خفت أن يزداد قلقكِ .. فأنتِ كنت تظنين أنكِ تحملين طفلا واحدا وكنتِ قمة في التوتر وأوصلتنى لحافة الجنون ..فما بالكِ لو كنتِ تعلمين أنكِ تحملين ثلاثة.. لكنت أنا الآن أحد رواد عنبر العقلاء في مستشفى الأمراض العقلية ..
حاولت أن تضحك لكنها لم تستطع وكتمت ضحكاتها متألمة وهي تجز على أسنانها ..
لثم ياسين جبينها في سعادة هامساً :- أحبكِ كثيرا يا عدوتى اللدودة وجارتي العزيزة و زوجتي الرائعة وأم أطفالي..
دفنت رأسها في صدره وهي تهمس في عشق لا نهائي :- وأنا أحبك يا عمري .. أكثر مما تتخيل ..
**************
-ياااااسين! ..
صرخت مي في ثورة عارمة بعد أن فتحت باب الثلاجة لتقف مشدوهة كالعادة ولا تجد طبقا واحد من الأرز باللبن بداخلها ..
صرخت من جديد وهي تندفع باحثة عنه .. كل ما كانت تريده هو طبق واحد تطعمه لصغاره ..
إنها تخاف أن يستيقظ جائعا يوم ما فيأكلهم على سبيل التسلية قبل الوجبة الرئيسيّة ..
صرخت للمرة الثالثة ..ياااسين .. أين انت ..!؟.
لقد اختفى هو والأولاد تماما .. هل يكون أكلهم بالفعل ..!؟..
لا تجد لهم أثرا .. قلبت عليهم الشقة رأسا على عقب وأخيرا سمعت صوتا يأتيها من أحد الأركان .. تسللت في هدوء لتفاجئهم جميعا و هو يختبوا تحت طاولة الطعام الكبيرة وقد أخفاهم الغطاء الكبير المنسدل للطاولة عن عينيها ..
انحنت وهتفت في غيظ:- هاااا لقد وجدتكم ..ماذا تفعلون ..!؟؟..
وجدتهم جميعا بما فيهم ياسين يجلسوا في أريحية بفانلاتهم الداخلية وسراويلهم القصيرة حتى فاطمة .. يقلدون والدهم ويضعون أكفهم على بطونهم دلالة الامتلاء وأمامهم صحون الأرز باللبن فارغة تماما ..
هدأت ثورتها عندما أدركت أن ياسين قد أطعم الصغار فهتفت في غضب مصطنع :- أكلتم الأطباق كلها ولم تتركوا لماما طبق واحد لتتذوقه !!؟..
هتف حسن الأكبر بين الثلاثة البالغين الثالثة من العمر :- بابا تذوقهم جميعا ..
انفجر ياسين ضاحكاً على وشاية ولده البكر :- نعم .. تذوقتهم جميعا ..
هتفت مى ضاحكة :- يبدو أني سأقضي عمرى كله في المطبخ أصنع الأرز باللبن حتى يتذوقه والدك بالأطباق .. سأصنعه بالقدور بعد ذلك ..
هتف محمود الذى يشبه ياسين كثيرا خاصة في بطنه المنتفخة تلك :- نعم ..سيكون هذا رائعا ..
قهقه الجميع و بدأوا في الخروج من تحت الطاولة ..
نظرت لهم مي وهى تهز رأسها في يأس هاتفة في ياسين :- ألا يوجد أمل فيك مطلقا ..!!؟..لما كلما ألبست الأولاد ملابسهم خلعتها ليظلوا هكذا .. لمَ تتركهم بملابسهم الداخلية ياسين .. إنهم أشبه بطرزان ..
قهقه ياسين لتشبيهها وهو يغيظها :- تقصدين أولاد طرزان ..فمنذ متى ارتديت ما يسترنى بالمنزل .. إنهم أولاد أبيهم ..
واقترب منها مغازلا :- أبيهم الذى يعشق شيتا حد الجنون ..
هتفت في صدمة وهو يقهقه :- شيتا !؟ هل هذا ما أناله منك .. !!؟.. لا غزل .. لا أرز باللبن .. وفي الأخير أصبحت شيتا .. أنا ..
اقترب منها وهمس في أذنيها :- أنتِ رائعة .. أنتِ حبيبتي ..
أخرج من خلف ظهره طبق من الأرز باللبن وقدمه لها وهو يستكمل همسه :- لا استطيع أن انساكِ .. ها هو طبق الأرز باللبن وبعض الغزل العفيف ..
ثم غمز بعينه عابثا .. حتى ينام الأولاد .. ويبدأ الغزل الصريح ..
قهقهت وهي تتناول طبق الأرز باللبن من يده وتبدأ في تناوله باستمتاع تشير للأطفال وشقاوتهم المعتادة وصراخهم و هي تهتف ساخرة :- إن ناموا يا زوجى العزيز قبل أن ينطلق صفير غطيطك ..
قهقه حتى دمعت عيناه.. واندفع يشارك الأطفال لهوهم وشجاراتهم المعتادة وهى تتطلع إليهم في محبة وعشق وقد أيقنت أن هذه هي جنتها على الأرض ..
***********
تمت بحمد الله وفضله..
لقراءه جميع فصول الرواية من هنا