
١٣- قالب حلوي.. وباقة زهور..
مرت عدة أيام منذ ذاك اليوم المشؤوم الذى ظهر فيه ذاك الأحمق المدعو حازم على عتبة منزلهما بهداياه .. لا يعرف بماذا شعر عندما رأه خارجا من باب البناية .. كل ما استطاع تمييزه هو دماءه التي كانت تغلى غيرة وقهرا وحقدا عليهما معا .. على حازم غريمه القديم الذى ظهر من جديد وتلك القصيرة التي بدأت تحتل بالفعل قدر لا يستهان به من تفكيره .. حتى أنه لم يستطع تمييز حازم وهو يحمل هداياه عائدا بها بعد أن رفضت مي قبولها ..
يا لغفلة الغيرة ..!!؟.. كيف لها أن تُعمي التعقل وتعصب عينىّ الحكمة!؟.
لم يعد يذكر كم المرات التي حاول فيها الأعتذار !؟.. كم من المرات خرج من غرفته عازما على الذهاب لحجرتها وطرق بابها حتى يعتذر منها ويطلب الصفح على ما بدر منه في حقها..
والآن .. هذه المرة ليست استثناءً.. فها هو يقف أمام باب حجرتها يهم بالطرق على الباب، لكن شهقات بكائها التي وصلت من خلف بابها جعلت كفه تتجمد قبل أن تطرق ..
يا الله ..!! .. هل لا زالت تبكي .. !!؟..
لا يعلم ما الذى عليه فعله .. هل يطرق بابها ليحاول أن ينتشلها من بكائها الذى يدرك جيدا أنه سببه ..!؟.. أم يرحل تاركا إياها ولا يحاول الاقتراب أكثر من محيط حياتها!!؟.. فاقترابه ذاك هو ما جلب على كلاهما ما هما بصدده الآن ..
تسمرت أقدامه وشهقات بكائها تمزقه وتفقده ثباته وتعقله المعتاد .. لم يشعر إلا وهو يغادر محيط حجرتها هاربا من سياط تنهداتها الباكية..
******************
دقات متتابعة على باب حجرتها وأخيرا صمت مطبق جعلها تمسح دموعها لتنهض مقتربة من الباب تتسمع ما يحدث بالخارج ..
منذ ما حدث من عدة أيام وهى تبكى بحرقة عندما تتذكر نظراته النارية المليئة بالشك وصراخه في وجهها بتلك الكلمات التي جرحتها بشكل قاسِ .. حصيلتها من الكلمات القاسية الجارحة في تزايد مستمر .. كلما اقتربت من رجل ما .. زادت بشكل مطرد ألامها وأوجاعها ودموعها .. وزاد مخزون ذكرياتها الحزينة ..
انتظرت طرقات أخرى لكن لم يكن هناك إلا الصمت الذي دفعها لتفتح الباب قليلا حتى ترى ما هناك .. ولم ترى على مستوى نظرها إلا الفراغ .. همت بإغلاق الباب لتجد على الأرض هناك أمام عتبة بابها علبة كرتونية مربعة تحمل بداخلها كعكة ما و بجوارها ترقد حزمة رائعة من الورود التي تفضلها ..
فتحت الباب واندفعت تنحني لتتأكد أن هذه الأشياء التي تراها رؤى العين هي حقيقة .. تلمست الأزهار بأناملها وفتحت العلبة الكرتونية الملونة ببطء ليطالعها كعكة ضخمة بالشيوكلاتة التي تعشقها ويتوجها بطاقة تناولتها بكف مرتعش وهي تبتسم عندما طالعتها الكعكة وذاك المثلث الكبير المفقود منها في أحد الأركان ..
فتحت البطاقة ببطء ودقات قلبها تتسارع بشكل جنوني حتى أنها ما عاد بإستطاعتها إلتقاط أنفاسها من فرط انفعالها فأغلقت البطاقة من جديد وهي تدفع نفسها دفعا للهدوء وتمالك الأعصاب، التقطت عدة أنفاس عميقة على فترات متقاربة وأخيرا فتحت البطاقة في عجالة حتى لا تفقد شجاعتها من جديد، لتطالعها الأحرف ترقص أمام عينيها .. لم تنتبه إلا الآن أن عيناها لا زالت تملؤها الدموع.. كفكفت دمعها وبدأت في القراءة :-" أسف .. لا أعرف كم مرة على تكرارها حتى تصفحي عني!.. لكن .. أنا حقا أسف فقد تماديت كثيرا ولا عذر لي."
فغرت فاها غير مصدقة .. هل يعتذر بحق !!؟..
أي نوع من الرجال هو ..!!.. لم يصادفها مطلقا ذاك الرجل الذي يعتذر .. بل ويجيد أيضا فن الاعتذار ..
لا تعرف كم استغرقتها أفكارها أمام كعكته وزهوره وهي ممسكة بتلك البطاقة .. إلا أنها نهضت في عجالة وهي ممسكة بالبطاقة وقالب الحلوى، توجهت لغرفته لتطوق بابها في تحفز..
خرج هو متصنعا النعاس وهو يضع كفه على فمه متثائباً واقفا أمام الباب ناظراً إليها وإلى ما تحمله في تعجب مصطنع :- ماذا هناك يا دكتورة مي ..!؟.. هل قررتى الاعتذار أخيرا!! فعلتي الصواب ..
هتفت حانقة :- دكتور ياسين .. لم يكن هناك من داع لكل تلك التكلفة لتقول أنك أسف ..
هتف متعجباً :- أنا ..!؟؟.. أنا لم أفعل..
هتفت بحنق متزايد :- وهذه البطاقة .. وقالب الحلوى والورود .!؟..
هز كتفيه مستنكرا :- لا أعرف من أحضرهم .. ربما عوض أو الحاج حسن ..
-انت تمزح بالتأكيد .. ما الذى يجعل الحاج حسن يحضر قالب حلوى وزهور حتى باب غرفتي .. !!؟..
هتف ساخراً :- وما الذى أتى به في السابق لأجده خارج من مطبخنا يحمل أدواتنا بيده ..!؟.
هتفت في صدمة شاهقة :- أنت تغار من الحاج حسن !؟؟..
هتف حانقاً لأول مرة :- أنا لا أغار بالمناسبة ..
قررت إثارة غيظه والأخذ بثأرها :- حسنا .. سأعتبر أن الزهور والحلوى اعتذار رائع من الحاج حسن .. فمن غيره يستطيع الاعتذار بهذا الشكل البديع ..!!؟..
استدارت مغادرة فاندفع من الحجرة ليقف أمامها يسد عليها الطريق هاتفاً :- بالمناسبة .. أنا من وضع الكعكة والزهور ..
هتفت بصدمة مصطنعة :- حقااا ..!؟؟.
هز رأسه مؤكدا :- نعم ..
تساءلت في حذر :- هل وضعتها لتعتذر!؟..
-لا ..
اصابتها إجابته بصدمة ظهرت في أعماق نظراتها لتجعله يستطرد هاتفاً :- الأزهار من أجل الاعتذار .. أما الكعكة .. فهي من أجل عيد ميلادكِ ..
همست غير مصدقة :- عيد ميلادى .!!
-نعم .. ألا يوافق اليوم ذكرى عيد ميلادك ..!!؟ لقد عرفته من بطاقتكِ الشخصية يوم عقد قراننا.
أجاب بكلماته الأخيرة سؤال راودها .. لكن .. لا زال الذهول يكتنفها من أفعال هذا الرجل القابع أمامها الآن .. لم لا تستطيع الاستمرار في خصامه ومحاربته .. !!؟.. لم لا يمكنها الغضب منه و الاستمرار في السخط والحنق عليه .. !!؟.. إنه يستطيع بأفعاله أن يمح كل حقد وغضب وحنق يمكن أن تظل أيام تشحن نفسها بهم تجاهه ..
اخرجها من خواطرها عنوة وهو يهتف بمرح و ابتسامته التي تهلكها تتوج ملامحه :- كل عام وأنتِ طيبة وبخير..
همست بخجل واحراج :- وأنت طيب وبخير وسعادة ..
أشار هو لقالب الحلوى الذى تحمله متسائلا :- ألن نأكل قالب الحلوى الآن!؟..
هتفت ساخرة رغبة في مشاكسته :- أعتقد أنك أكلت حصتك منه بالفعل ..!؟
ارتجت كالعادة جدران المنزل حتى هي كادت أن تسقط قالب الحلوى من أثر ضحكته الصاخبة وهو يهتف مازحاً :- كنت اتذوقها فقط ..!؟..
لتجاريه مازحة :- بالتأكيد تتذوقها .. كان على أن أخمن ذلك .. كيف أنسى أطباق الأرز باللبن ..
قهقه من جديد :- ألم تنسي بعد ..!!؟.. يا لك من سوداء القلب !!..
هتفت ساخرة :- نعم .. أنا سوداء القلب .. وأنت وردى الملابس الداخلية ..
هتف ساخراً :- البركة في .. كان سيقول فيكِ لكنه عدل حديثه قائلا .. في قميصكِ الوردى ..
-حسنا .. على أي حال .. شكرا لك على تذكرك يوم مولدي ..
-لا شكر على واجب ..
اندفعت لغرفتها و هو تحتضن قالب الحلوى كطفلها ووضعت الأزهار في إحدى المزهريات التي تصادفها دوما في ذهابها و ايابها حتى تظل دوما أمام أعينها ..
وقبل أن تدفع باب حجرتها لتغلقه هتف بها هو:- ألن أنال بعضا من قالب الحلوى ..!؟..
لم تجبه .. لكنها قامت بأكثر الأفعال حماقة وطفولية أتت به في حياتها .. أخرجت له لسانها وهي تغلق الباب وقهقهت حتى دمعت عيناها .. و تعجبت كيف خرجت من غرفتها على حال ودخلتها الآن بحال مناقض تماما .. وكلتا الحالتين هو سببهما الأوحد ...
***********
فتح باب غرفته بعد أن سمع عدة طرقات عليه واندفع ليفتح الباب في سعادة وابتسامة اختفت فورا من على شفتيه عندما طالعه الفراغ ..
نظر للأسفل ليجد طبق به مثلث كبير من الكعكة قابع أمام عتبة حجرته لتعاود الابتسامة الظهور على شفتيه من جديد وهو ينحني ليلتقط الطبق ويقرأ ما خطته أناملها على تلك الورقة التي ألحقتها بالطبق .." اعتذار مقبول جداا .. كعكة راااائعة .. لم استطع ان أتناولها وحيدة دون مشاركتك إياها ..سلامى لشرفتك المتنامية، بالهناء و الشفاء."
انفجر ضاحكاً عند ذكرها لبطنه المنتفخة قليلا ليضع كفه عليها رابتاً في اعتزاز وبدأ في إلتهام الحلوى في شهية مستمتعا وعلى شفتيه ابتسامة رضا و
معدته تشاطره الفرحة و تزغرد لأجل قالب الحلوى .. هديتها ..
*******************
يتبع..
الفصل الرابع عشر من هنا