
٦- اسمها.. بين شفتيه..
تسللت بهدوء من غرفتها تتلفت حولها حتى تصل للمطبخ فهى تشعر بجوع قارص دفعها للخروج من مخبأها في تلك الساعة المتأخرة من الليل لتبحث عن طعام بعد أن نفذ مخزونها الاستراتيجي من الشيكولاتة والذى تحتفظ به في أدراج طاولة الزينة ..
خطت عدة خطوات خارج الغرفة وفي منتصف الطريق للمطبخ سمعت صوته يهتف بوهن :- تتسللين لتحضير كارثة جديدة من كوارثك!؟..
تسمرت مكانها للحظات ثم استدارت لمواجهته وهي تتخصر هاتفة :- أنا لا انتوى تحضير أي كوارث .. أنا ذاهبة لتحضير عشاء متأخر .. هل هناك اعتراض!؟..
أشاح بذراعه في وهن وهو يقول :- فلتفعلى ما يحلو لكِ .. الأهم أن تبتعدي عن طريقي للحمام
لأنني ..
لم يكمل كلماته وهو يترنح مستندا على الجدار المجاور له بعد أن قام بجهد مضنِ ليتابع حديثه معها .. اندفعت هي لا إراديا لتسنده بكل ما أوتيت من قوة .. كان مظهرهما كجبل يستند على عشبة ندية ..
بلا اتفاق دفعت جسده لحمامها القريب وساعدته حتى وصل لعتبته بعد أن اضناهما التعب سويا .. وما أن وصل .. حتى كانت معدته تئن ألماً ولم تهدأ حتى أفرغت ما بها كله للخارج ..
وقفت على عتبة باب الحمام لا تعرف كيف تتصرف .. هل تدخل لتؤاذره أم تبتعد ليأخذ حريته دون شعور بالحرج فى وجودها!؟..
انتهى قبل أن تتخذ قرارها.. وتأوه بشكل جعل قلبها يترنح ألماً لأجله ..
لا تعرف لما لم تتوقع أن يمرض مثل باقى البشر!!؟..
تناولت كفه التي ناولها إياها في أريحية وأسلمها زمام أمره دون أي اعتراض .. كان بحق لا حول له ولا قوة .. استند عليها و هي تحاملت على نفسها حتى اوصلته لباب غرفتها .. فما كان هناك.. لا قوة من قبله ولا طاقة احتمال من قبلها لتسير به حتى غرفته في آخر الرواق .. هى حتى لا تعلم لما أتى كل هذه المسافة فحمام الضيوف الأقرب له!؟.. ربما جاء ليدخل المطبخ بحثا عن شيء ما يشربه أو يأكله ..
دفعت باب حجرتها ليساعهما وأخيرا نفذت طاقتهما معا .. لم يعد هو قادر على الوقوف للحظة ولا هي بقادرة على احتمال ثقل جسده على أكتافها لثانية أخرى ..
سقط على فراشها كشجرة ضخمة اجتثت من جذورها، وهي أيضا لم تستطع التوازن فسقطت رغما عنها فوق صدره أو بالأدق فوق بطنه البارز .. شهقت رغما عنها وهى تحاول التماسك للنهوض مبتعدة .. رفع هو رأسه وسط محاولاتها النهوض ليهتف ساخراً بصوت واهن:- محاولة إغراء لا بأس بها .. و لكن هل يمكن تأجيلها حتى اتعافى!؟..
وألقى برأسه للوراء من جديد وقد نهضت مبتعدة عنه بالفعل .. استشاطت غضبا عندما ألتقطت أذناها كلماته المتهكمة .. كادت أن تهتف برد لاذع إلا أنه استبقها معتدلا على الفراش بصعوبة جاذباً الغطاء على جسده وأشار لها بالخروج وهو يهمس بنبرات صوته التي تخرج مذبذبة :- فيما بعد .. الآن وداعا ..
خرجت و أغلقت الإضاءة و الباب خلفها وقد احتل حجرتها و فراشها وتفكيرها أيضا..
**********
فقدت شهيتها تماما بعد أن رأته بهذا الشكل وفكرت هل من الأفضل تركه ينام دون إزعاج أم عليها إحضار طبيب لمعاينته!؟..
داهمها النعاس فالساعة الآن تخطت الرابعة فجرا بقليل .. ولكن أين يمكنها النوم وهو قد احتل حجرتها!!.. تسللت على أطراف أصابعها ودخلت حجرته وتنبهت لحركتها المبالغ فيها فأبتسمت لنفسها في بلاهة .. لماذا تتسلل وهي تدخل لحجرته اذا كان هو نفسه ليس فيها بل في غرفتها في تلك اللحظة!!..
همست لنفسها مبررة .. لابد أن هذا من أثر الجوع وقلة النوم .. عليها أن ترتاح قليلا حتى تستطيع النهوض لمباشرته ..
فتحت الإضاءة الجانبية الخافتة بالحجرة ووصلت لمرتبته الأرضيّة وانحنت لتدس نفسها أسفل غطائه والعجيب أنها شعرت بدفء محبب يتسلل إليها باعثا في نفسها الشعور بالطمأنينة والراحة .. فراحت في نوم عميق داهمتها فيه الكثير من الأحلام و الاضغاث .. حتى انتفضت أخيرا على إحداها مستفيقة من نومها المضطرب..
مدت كفها تتناول جوالها لتعرف كم الساعة وما أن طالعت شاشته حتى اكتشفت أنها نامت أقل من الساعة بقليل، همت بإعادة هاتفها للطاولة من جديد فإصطدمت بإطار لصورة فوتغرافية كادت أن تسقطها أرضا لولا أنها جاهدت لإنقاذها لتسقط في أحضانها .. تنهدت بإرتياح وأمسكت بالصورة تعيدها ولكن تجمدت يدها في منتصف المسافة للطاولة لتعيد الصورة مرة أخرى لمرمى بصرها لتدقق النظر بها .. إنها صورة لشقراء رائعة تبتسم ببراءة وعيونها تحمل مرح الدنيا وشقاوتها..
من هذه!؟.. كان السؤال الأول الذى تبادر إلى ذهنها .. لم تفكر مطلقا أن ياسين هذا كان له حبيبة سابقة أو خطيبة لم يسعده الحظ بالاقتران بها ..
همست لنفسها.. يبدو أنه كان يحبها كثيرا ولا يزل حتى يحتفظ بصورة فوتغرافية لها في إطار ذهبى رقيق بالقرب من فراشه ..
شعور عجيب اكتنفها وغمرها كليا .. شعور لا تعرف له تفسير ولا تستطيع حتى أن تصفه أو أن تعطه مدلول محدد .. شعور دفعها لتضع الصورة الفوتغرافية بعنف على الطاولة قبل أن تنتفض مبتعدة لتذهب حيث ذاك الذى احتل فراشها وجعل النوم يجافي جفونها .. حتى تلك الدقائق التي غفلت فيها لم تخل من محياه متجسدا في أضغاث أحلامها ..
قبل أن تندفع من الغرفة عادت وألقت نظرة سريعة بفضول على محتوياتها .. حقيبته المفتوحة البارز منها ملابسه وأغراضه .. المرتبة الملقاة أرضا والتي كانت تفترشها منذ قليل .. حقيبته الطبية الصغيرة التي يحتفظ فيها بكل الأوراق الهامة وملفاته الطبية .. وبعض الأزواج من الأحذية.. بعضها رياضي والآخر كلاسيكي .. قفزت على شفتيها ابتسامة لا إرادية عندما طالعت تلك الأحذية .. و بدأت في تخمين مقاسها .. وبشكل عفوى اقتربت من ذاك الجانب الذى يضمها.. خلعت خفها المنزلي ودست قدمها في إحداها لتشهق مصدومة ثم انفجرت مقهقة عندما رأت قدمها يغوص في فردة حذائه .. كانت أشبه بطفلة قررت أن تجرب حذاء أبيها .. أخرجت قدمها من عمق الحذاء والابتسامة لا تزل مرسومة على شفتيها.. اتجهت لتخرج من الغرفة ولا تعرف لما توجهت نظراتها لا إراديا للصورة و صاحبتها المفعمة بالحياة.. غابت الابتسامة واندفعت مغادرة وكأن صاحبة الصورة تتعقبها ..
فتحت باب غرفتها ببطء ودلفت للداخل في حذر حتى وقفت بالقرب من الفراش ليطالعها محياه ممددا في منتصفه وعلى ما يبدو دارت ها هنا معركة بينه وبين غطاء السرير الذى تراه الآن ملفوفا حول إحدى ساقيه .. اقتربت ووضعت كفها على جبينه لتشهق هي من شدة حرارته، منتفضا هو من لمستها دون أن يستيقظ .. دارت حول نفسها لا تعرف كيف تتصرف في مثل هذه الساعة .. وأخيرا اندفعت لشقة الحاج حسن تدق بابه والذى فتح أسرع من عادته لأنه كان يصل الفجر بالقرب من الباب ..
هتف متسائلا عندما طالعه وجهها المذعور :- خيرا يا ابنتي!!؟..
هتفت في توتر :- آسفة يا حاج .. لكن .. وأشارت لباب شقتها .. ياسين حرارته مرتفعة جدا ولا أعرف كيف أتصرف في مثل هذه الساعة ..
أجاب مطمئنا :- لا عليكِ يا ابنتي .. عودي إليه .. وأنا سأخبر عوض أن يحضر الطبيب الذى يقطن على بعد بنايتين من هنا .. نحن دوما نستدعه للطوارئ .. عودى الآن و أبقي جانبه...
أومأت برأسها إيجابا واندفعت لشقتها في انتظار الطبيب وفي طريقها للغرفة أحضرت منشفة نظيفة و بعض الماء الفاتر ..
دلفت للغرفة ووضعتهما على الطاولة بجوار السرير وجلست جواره تبلل المنشفة وتضعها على جبينه المستعر .. وصلت درجة هزيانه لمستوى أعلى من حرارة جسده المنتفض وأصبح يهمهم همهمات غير مفهومة بالمرة .. لكنها استطاعت تمييز اسم كرره عدة مرات بوضوح .. هاجر .. هل هي تلك الشقراء التي يحتفظ بصورتها بالقرب من فراشه!؟..
أعادت المنشفة للماء الفاتر مرة أخرى وفي منتصف الطريق لجبينه سقطت المنشفة في حجرها و شهقت هي مصدومة حتى أنها لم تنتبه للمياه التي بدأت تتسرب لعباءتها فأسمها الذى بدأ يهمس به الآن .. و طريقة نطقه إياه .. جعلت الدماء تتجمد في عروقها .. ألتفتت إليه فقد اعتقدت أنها أُصيبت بعدوى الهزيان هي الأخرى .. لكن .. اسمها الذى كان يكرره اللحظة لا يمكن أن تخطئه أذنيها ..
التقطت أنفاسها في صعوبة وانحنت قليلا تهمس بالقرب من أذنه :- أنا هنا ياسين .. ستكون بخير .. أنا بقربك ..
كانت تتوقع أن كلماتها ستجعله يهدأ و يستكين وأن يتوقف عن تكرار اسمها وترديده بهذا الشكل الذى يجعلها تفقد ثباتها ويتحرك داخلها شيء ما لا تستطيع إدراك كنهه .. شيء أشبه لحنان أمومي عزته لحالته التي تراه عليها الآن ..
انتفضت .. والتقطت المنشفة التي شعرت ببرودتها أخيرا من حجرها وألقت بها داخل طبق الماء و اندفعت تفتح باب الشقة الذى تناهى لمسامعها جرسه عدة طرقات عليه ..
فتحت على عجل ليطالعها الحاج حسن ومن خلفه الطبيب .. أفسحت الطريق ودلتهما على الغرفة بإشارة صامتة من يدها ..
غاب الطبيب دقائق وما أن قررت اللحاق به إلا وكان مغادراً الغرفة يتبعه الحاج حسن مستفسرًا ..
أقر الطبيب في هدوء وهو يكتب وصفته الطبية:- سيكون بخير .. إنه مصاب بنزلة برد شديدة .. عليكم الاعتناء بطعامه .. لا يأكل إلا مسلوق مع اعطائه الدواء بانتظام .. ثلاثة أيام وسيكون على ما يرام .. و قبل أن أنسى .. إنه غارق في عرقه نتيجة الحمى ... لن أوصيكِ .. قالها لمى وهو ينظر إليها .. عليك تغيير ملابسه بشكل دوري .. كلما عاودته الحمى ..
اصطبغ وجهها بلون قانِ وحمدت ربها أنها لم تعترض برعونة كعادتها ..
جذب الطبيب الورقة التي دون بها الدواء من دفتره ليختطفها الحاج حسن قبل أن تلتقطها يد مي ..
ناظرا لها نظرة معاتبة.. و يصطحب الطبيب للخارج ..
تبعتهما مي شاكرة الطبيب وهمس لها الحاج حسن بإنه سيرسل عوض لشراء الدواء ..
ابتسمت له ممتنة في وهن .. ربت على كتفها بحنو أبوي و أشار لها لتعود للإعتناء بزوجها .
عادت للغرفة لا تدرى ماذا تفعل ..وتاهت في كلمات الطبيب حتى سمعت الطرق مجددا على باب الشقة .. فتحت ليطالعها عوض و هو يفرك عينيه ليطرد أثر النعاس و هو يناولها الدواء الذى ابتاعه .. مدت كفها تنقده ثمنه مع إكرامية كبيرة جعلت النوم يهرب من عيونه التي رقصت فرحا وهو يهتف بالدعاء لشفاء الدكتور ياسين .. ابتسمت مي ودخلت لتباشر مهمتها من أجل أن يتعافى عدوها اللدود ويعود لحجرته، تاركا إياها تلوذ من جديد بمخبأها الوحيد .. جدران حجرتها التي تفتقدها بشدة..
**************************
يتبع...
الفصل السابع من هنا