
١٢- قبلة على الجبين..
دخل حجرته بعد تلك الليلة الطويلة .. فمنذ الفجر وهم في خضم صراع ما بين الموت والحياة لإنقاذ حياة زوجة حازم .. تنهد في تعب واضح وتمدد على فراشه الذى ابتاعه حديثا بعد أن مل افتراش الأرض على تلك المرتبة ..
أخذ حمام دافئ اعتقادا منه أنه سينقله مباشرة لعالم الأحلام بعد ذاك الارهاق طوال النهار ..
لكن لا فائدة.. فقد تقلب على الفراش لأكثر من ساعتين ولا نوم يأتي ولا حتى نعاس يقترب..
رأسه يغلي كمرجل من كثرة الخواطر وتداخلها واضطرابها والتي كانت كلها تدور حول تلك القصيرة القابعة بالغرفة المجاورة ..
لا يعرف ما تلك المشاعر التي بدأت في التحرك تجاهها .. كثير من المسؤولية وقدر لا يستهان به من الاهتمام .. وبعض من مودة مخلوطة بتعود محبب ..
لقد عرف أين يكمن جرح قلبها .. ذاك الحازم الأخرق وأمه الشمطاء ..
أدرك ذلك من تلك النبرة التي قالت بها جملتها الوحيدة في السيارة .. إنها لابد وأن تحمد الله ألف مرة لأنها كانت في يوم ما ستكون في موضع زوجة حازم المسكينة .. كانت نبرة تحمل القدر الكافي من الوجع والألم على قدر ما تحمل نفس القدر من الحمد والشكر لأنها لم تكن ..
استطاع بسهولة إدراك مشاعرها وتضارب أحاسيسها في تلك اللحظة بمهارة وشفافية ادهشته هو نفسه في المقام الأول كما ادهشته جرأته في إمساكه بكفها .. وكذلك رد فعلها الذى زاد من تعجبه بقدر احساسه بالسعادة لحظتها ..
تقلب على الفراش من جديد كأنه ينام على فراش من أشواك تؤرق راحة باله وصفاء سريرته ..
وفجأة انتفض مندفعا من الغرفة على صوت صرخاتها القادمة من خلف الجدران التي تفصلهما ..
اندفع لداخل حجرتها دون استئذان ليفتح ذاك الضوء الخافت بجوار فراشها ليجدها تنتفض وقد غطى شعرها القصير المتناثر ملامح وجهها ..
جلس على طرف الفراش وقد تناول من على المنضدة المجاورة كوب من الماء يقدمه لها هامساً وهو يربت على كتفها :- اهدأي.. لم يكن سوى كابوس، لقد انتهى يا مي .. انتهى ..
رفعت وجهها إليه لتنكشف ملامح وجهها الملتاعة وقد هاله نظراتها الموجهة إليه بما تحمل من فرحة وعدم تصديق .. لا يعرف ما الذى رأته في حلمها جعلها تنتفض بهذا الشكل وتنظر إليه بهذا الفرح .. كل ما كان يعنيه ساعتها هو تهدئة ارتجافات جسدها المتعاقبة والتي لم تنتهي بعد ..
ربت من جديد على كتفها وهو يمد كوب الماء بقرب شفتيها لترشف منه في هدوء ولا زالت نظراتها معلقة به وكأنها تتأكد أنه لا زال هنا ..
وضع الكوب جانبا .. ودفع كتفيها في بطء لتعاود التمدد من جديد وهو يزيح خصلات شعرها عن جبينها ويجذب الغطاء على جسدها ..
وما أن هم بالانصراف حتى وجد كفها الصغير يحتضن إصبعين من كفه وصوتها المتحشرج الباكي يهمس في ضعف ورجاء :- هل يمكنك البقاء بقربي قليلا .. !!؟..
كان ينوي الرفض .. فنظراتها تلك تدفعه لمزيد من التشوش وعدم الاستقرار الذى يكرهه .. لكن ارتجافة جسدها الآن مع تلك الشهقة المنبعثة من أعماق روحها كتابع لبكاء حار ومضنٍ جعلته يومئ بالإيجاب بلا إرادة ..
جلس مجاورا لها لا يعرف ما عليه فعله .. إلا أنه وجد نفسه بغير وعي يمد كفه ليضعها على جبينها المتعرق ويهمس بأدعية بسيطة كانت دوما ما تجعله يغفو في حجر أمه عندما يصبه الهم وتهاجمه الكوابيس وكأن الأدعية بصوت أمه كانت الدرع الحصين لهجماتها ..
لا يعرف لما تذكر تلك الأدعية فجأة وتسلل إليه صوت أمه العذب وهي تتلوها على جبينه الندي كجبينها الآن ..
ابتسم في شوق للذكرى .. واستمر في ترديد أدعيته وتلاوة أياته التي جعلتها تهمهم في راحة وتغرق في نوم عميق لم تنل مثله منذ زمن طويل ..
****************
شعرت بالبرد يحيطها وكأنها تقف في مواجة ريح قوية تجعلها ترتجف ما جعلها تفكر في جذب الغطاء على جسدها كي تستمد منه بعض من دفء لكنها وجدت جسدها مكبل بأذرع من حديد لا تستطيع منها فكاكاً .. اعتقدت أنها تحلم فقررت اخراج نفسها من ذاك الحلم الخانق وفتحت عينيها في رفق تتطلع حولها لتكتم أنفاسها في صدرها بقوة حتى لا تنتفض من هول ما رأته .
كانت بكليتها تقبع بين ذراعيه لا تستطع التحرك قيد أنملة ..كفاها نائمتان على صدره ورأسها مزروع ما بين ذقنه وكتفه .. وذراعاه تحيطان جسدها كأنهما أذرع من حديد يأسرانها ..
لا شيء فيها يتحرك سوى عيونها التي أدركت بها الموقف بمجمله .. وأخيرا تنبهت من أين يأتي ذاك البرد الذى تشعر به فاذا بها أنفاسه العميقة التي يزفرها فوق رأسها التي يرتكن عليها ذقنه .. ارتجفت رغما عنها .. وتعجبت على الرغم من غرابة الموقف الذى وجدت نفسها فيه إلا أنها ابتسمت في حبور .. لا تعرف ما الذى دفعها للابتسام ولولا ما هي عليه لقهقهت ضاحكة ..
هل أصابها مس من جنون!؟.. ربما ..
رفعت رأسها ببطء شديد حتى لا توقظه وبدأت في ملاحظة قسمات وجهه وتفصيلات ملامحه الرجولية، جبهته العريضة وحاجباه الكثيفان .. نزولا لعيونه المغلقة ورموشه الحادة ثم انفه الشامخ الذى يضرب وجهها بأنفاسه الحارة وهي لا تُبالي .. وأخيرا شفتاه.. أزدردت ريقها في صعوبة .. وصرفت نظرها عن وجهه وهمت بأن تشعره باستيقاظها إلا أنها عدلت عن الفكرة فورا .. فكيف تجعله يدرك أنها على علم بنومها في أحضانه!...
الأحضان ..!!؟.. دوما ما كانت تتساءل .. ما كنه تلك المشاعر التي يستشعرها البشر في أحضان من يحبون ..!!؟.. وها هي بين ذراعيه وفي عمق أحضانه وتشعر بأمان غريب ما مر عليها الاحساس به من قبل .. شعور بالاحتواء والرغبة في البقاء للأبد ها هنا .. الرغبة في الاحتماء من ظلم العالم ومرارات الحياة وبلا وعي منها دفنت رأسها في صدره كإنما تستمد كل ما كان بإستطاعتها ادخاره من أمان وحنان ودفء لتجتره في أيامها الباردة بعيدة عنه ..
أدركت فجأة أنه بدأ يتحرك في حذر معلناً استيقاظه فادعت هي النوم وأغلقت عينيها في سرعة.. لينسحب هو من الفراش مبتعداً وهو يلقي عليها نظرة أخيرة ليتأكد أنها لا تزل نائمة.
هم بالرحيل وهمت هي بفتح عينيها إلا أنها تنبهت بأنه يعود أدراجه في هدوء لينحن ملثما جبينها في رقة واندفع خارج غرفتها مغلقا الباب في حرص شديد ..
ما أن تأكدت أنه أغلق باب الغرفة حتى فتحت عينيها وهى ممددة تتطلع للسقف في صدمة وعدم تصديق .. هل قبلها حقا!!؟..
رفعت كفها بتردد لتضع أصابعها على موضع قبلته على جبينها .. وفجأة .. اندفعت من تحت غطاءها تقفز على الفراش كالمجنونة التى اصابتها نوبة هيسترية قوية جعلتها تتقافز كالممسوسة في سعادة .. و أخيرا قذفت بجسدها على الفراش وهي تلهث من فرط سعادتها .. وجنونها ..
************
مرت عدة أيام على تلك الليلة العجيبة .. والأعجب هو حالهما .. فقد كانت تلك الليلة سبب جديد لتباعدهما في تلك العلاقة الغريبة التي تشبه حبل مطاطي..
فها هي لليوم الثالث على التوالي تحاول تجنب الظهور بحضرته وتنتظر خروجه أو نومه واعتزاله في حجرته حتى تستطيع الخروج من غرفتها وكسر عزلتها ولو قليلا ..
دخلت للمطبخ تعد بعض الطعام .. و فجأة تذكرت مشاعرها الدافئة وهي بين أحضانه فابتسمت في حبور وشردت لتلك اللحظات وأخيرا رفعت كفها بشكل لا إرادي تتحسس موضع قبلته اليتيمة وتبتسم ابتسامة بلهاء هي عنوان وجهها منذ تلك الليلة .. وأخيرا تستفيق على رائحة شيء يحترق على الموقد الذى تقف أمامه دون أن تنتبه .. لتقهقه وهي تدفع الطعام المحروق بعيدا .. وتحاول إنقاذ ما يمكنها إنقاذه وهى تهمس لنفسها مؤكدة أنها حرقت أطعمة في الثلاثة أيام الماضية بقدر ما حرقت منذ تعلمت الطبخ ..
انتبهت على خياله الذى مر بالمطبخ دون ان يستطلع ما يحدث بالداخل كعادته .. حتى ان رائحة طعامها المحروق لم يسترع انتباهه ..
انه يتجنبها بالمثل .. لكن لمَ ..!!؟..
هي تتجنبه لأنها لا قبل لها لمواجهته .. فما أن يطالعها محياه وتتذكر تلك الليلة حتى تشتعل خجلاً لا تستطع مداراته أو إخفاء ملامح الاضطراب البادية على وجهها ..
لكن هو .. لمَ يتجنبها وقد وفرت على كلاهما الإحراج والخجل وادعت أنها لا زالت تغط في النوم!..
انتفضت عندما أتاها صوت اغلاقه باب الشقة بعد رحيله فتنهدت و هي تهز رأسها في حيرة..
عادت لما كانت تصنع على الموقد .. و ما هي إلا لحظات حتى سمعت طرقا على باب الشقة ..
أغلقت الموقد خوفا من احتراق الطعام ربما للمرة العاشرة .. واندفعت تفتح الباب لتجد الحاج حسن يبتسم بوجهها كعادته: صباح الخير يا طبيبة عظامي ..
انفجرت مي ضاحكة على اللقب الذى أطلقه عليها الحاج حسن متفكهاً ..
وردت في حبور:- صباح الخير يا حاج حسن.. أرجو أن تكون عظامك بخير ..
اومأ الحاج حسن مؤكدا :- بالطبع .. إنها بألف خير .. وكيف لا وأنتِ طبيبتها .. وخاصة مع ذاك الدواء الذى وصفته لى في المرة الأخيرة، إنه سحر .. أعاد لمفاصلى شبابها الضائع ..
ابتسمت مي في فخر :- اسعدنى سماع ذلك ..
أبتدرها الحاج حسن متسائلا :- احتاج لبعض الأدوات اللازمة لإصلاح بعض الأغراض بشقتى فهل أجدها لديكِ..!؟..
-لا اعرف .. أنا لا استطع التفريق بين تلك الأدوات وبعضها .. لا خبرة لى بها ..
أفسحت له الطريق وهي تستطرد هاتفة :- تفضل إلى المطبخ حيث يمكنك التعرف على ما تريده ..
دخل الحاج حسن وتركت هي الباب مواربا وتوجها للمطبخ وأخذ يبحث حيث اشارت له ..
عادت أدراجها عندما سمعت طرقا على باب الشقة من جديد ..
فتحت الباب لتفاجأ بحازم يقف وابتسامة سمجة تكسو ملامح وجهه وبين كفيه باقة من الزهر وعلبة من الشيكولاتة التي تفضلها والتي ما أن ألقى التحية حتى ألقاها بين ذراعيها في عجالة مخافة أن ترفض استلامهما ..
نظرت لهداياه القابعة بين ذراعيها وعادت للنظر إليه متسائلة في تعجب :- خيرا إن شاء الله .. هل من جديد بخصوص زوجتك يا دكتور حازم ..!؟
ابتسم في اضطراب :- إنها تشكرك وترسل إليك محبتها وهذه الهدايا مجرد رد بسيط على ما تكبدته في سبيل انقاذها ..
ردت في حزم :- أوليس من المفترض تقديم الشكر أيضا للدكتور ياسين .. فالفضل الأول يرجع إليه .. أم أني مخطئة ..!!؟..
اندفع هاتفاً :- أه بلا .. طبعا .. بالتأكيد ..
دفعت إليه هداياه وهى تقول في نبرات حاسمة :- إذن عد بهداياك عندما يكون موجود ليستقبلك هو في بيته ويرحب بك..
هتف حازم في حنق :- لا داع لهذه اللعبة يا مي .. أنا سألت وعرفت الحقيقة كاملة وتأكدت من طبيعة علاقتكما ..
تمسكت بثباتها وهي تجيب بنبرة حاولت تغليفها بالبرود :- حسنا .. و ماذا تريد الآن !؟..
هتف في لهفة :- أريد مي .. مي التي أضعتها من بين يدى كالمغفل والتي لن اسمح لأي من كان أن يبعدني عنها من جديد ..
ضحكت بسخرية :- حتى السيدة والدتك!؟..
صمت ولم يعقب لتقطع هي صمته الأخرق هاتفة بحزم وصرامة :- هذا البيت لا تقربه من جديد .. وما عرفته عن علاقتي بالدكتور ياسين كان صحيح في البداية .. لكن الآن .. أنا زوجته وسأظل زوجته التي تحافظ على كرامته واسمه .. فرجاءً لا تقرب هذه البناية مرة أخرى واسقطنى من ذاكرتك القذرة للأبد..
رحل حازم في هدوء غير مأسوف عليه وظلت تتطلع إليه وهو يغيب داخل المصعد، تتعجب .. كيف في يوم من الأيام أحبت هذا الشخص وحزنت لابتعاده ..!؟..
دخلت الشقة لتترك بابها مواربا من جديد بعد أن تذكرت أن الحاج حسن لا زال بالداخل يعبث بالأدوات التي يبحث فيها عما يريده .. وفجأة .. وجدت الباب يُدفع بقوة ليدخل ياسين هائجا مندفعا إليها وما أن رأها أمامه حتى هجم عليها يمسك بمعصمها يهزها صارخاً وهو يغلق الباب خلفه في غضب هادر :- ماذا كان يفعل ذاك المسمى حازم هنا!!..
هزها في عنف صارخاً من جديد:- انطقي .. ما الذى أتى به .. !!؟..
لم تنطق بحرف واحد من شدة صدمتها لثورته وغضبه الهادر .. أنها المرة الأولى التي تراه فيها خارج عن السيطرة بهذا الشكل ..
أستمر في هزها من جديد وهو يهتف في صوت كالرعد :- هل عاد ليجدد الود القديم ويعيد ما كان بينكما!.. هاااا.. حسنا .. لا مانع لدى فهذا شأنكِ لكن ليس وأنتِ زوجتى وتحملين اسمى وحتى ولو كان زواجنا شكليا .. فهذا لا يعطكِ الحق لتلويث اسمى .. فهمتي!؟
لا تعرف ما الذى دهاها ..!!.. ما الذى حل بلسانها وجعلها لا تسطع النطق بحرف واحد دفاعا عن نفسها ودرء إتهاماته الباطلة في حقها .. !؟..
لا تعرف ما الذي جعلها تقف خرساء لا قبل لها على مواجهته .. تتقبل طعناته لكرامتها وكبرياءها ولا تحرك ساكناً..!؟
حتى دموعها أبت الظهور وظلت تتطلع اليه بعيون زجاجية لا حياة ولا روح فيها ..
حتى دفعها بعيدا عنه وهو يلهث من فرط عصبيته و ثورته الطاغية .. وأخيرا ..
قطع ظهور الحاج حسن من الداخل ذاك الجو المحموم .. لينظر كل منهما إليه في صدمة ..
هي نظرت إليه مصدومة وقد تذكرت أنه لا زال بالداخل وقد سمع كل ما قيل.. وهو نظر إليه مصدوما لعدم معرفته بوجوده من الأساس ..
اقترب الحاج حسن و في يده مطرقة ما وهتف في نشوة :- ها قد وجدت ما كنت أبحث عنه يا مي .. أشكركِ يا ابنتي ..
وكأنه أدرك متأخرا وجود ياسين أو هكذا أدعى .. والذى كان يقف مشدوها ولم يتخلص من صدمة وجود الحاج حسن بعد، والذى هتف في مودة :- مرحبا يا دكتور ياسين ..
وبدأ في التوجه للخارج حيث شقته .. ولكن قبل ان يفتح الباب مغادراً اتجه بكليته لمي و هتف في فخر :- احسنتي صنعاً بذاك الأخرق المدعو حاتم .. أو حازم .. لم أتبين الاسم جيداً .. رغم أنه كان يحمل علبة من نوع الشيكولاتة الذى أفضله كثيرا .. انفجر مقهقها .. لكن لا بأس .. فما فعلته به كان كافياً وزيادة ليمنعه من التفكير في المرور بذاك الشارع مرة أخرى لا الاقتراب من بنايتكما فقط كما حذرتيه ..
رفع العجوز إبهامه في وجهها مؤكدا على صحة تصرفها ثم فتح الباب وغادر في هدوء مخلفا صمتاً ثقيلا .. أثقل من الجبال لم يقطعه إلا اندفاعها في اتجاه غرفتها لتترك ياسين يقف مشدوها يتطلع حوله في ذهول وقد غمره الندم ..
****************
. يتبع...
الفصل الثالث عشر من هنا