
١٧- جارتي العزيزة.. الحمقاء..
كم كانت مفاجأة مدوية تلك التي رتبها لها الحاج حسن بعد رحيله .. لقد نقل ملكية شقته لها ..لكن لمَ فعل ذلك!.. أخبرها المحام السمج ذاك الذي كاد أن يفقد ياسين صوابه أنه وحيد لا أقرباء أو ورثة له من أي درجة وكان يعتبرها ابنته فقرر أن يورثها شقته أما كل ما تبقى مما كان يملك فقد تبرع به للأطفال الأيتام والمرضى ..
همست متنهدة في حزن وهي تتذكر تلك الصدمة التي شملتهما هي وياسين عندما أمرها المحام بتوقيع أوراق الملكية .. كادت تفقد وعيها حرفيا وفغر ياسين فاه للحظات حتى استوعبا الأمر .. همست لنفسها.. آه يا حاج حسن .. لطالما كنت ذاك الأب الذي فقدته وحتى بعد وفاتك لا زلت ذاك الأب الذي كنت احتاج .. لكنها حتى اللحظة لم تدرك الحكمة من أن يهبها الحاج حسن شقته ..
لا تدرك لما فكر بذلك من الأساس ..!!
لكنه على أي حال.. حل لها مشكلة كانت ستواجهها منذ عودتها من زيارة عمة ياسين فقد قررت أن بقاءها وإياه أصبح غير مطلوب ولا مرغوب من ناحية عمته التي تراها غير مناسبة لتلك الخطط التي تضعها لمستقبل بن أخيها.. ابنها البكر كما تدعوه دوما ..
كما أن بقاءها بجواره سيضيف على عذابها المزيد من العذاب .. عليها الرحيل حتى ولو لم يكن هذا الرحيل بعيدا عنه بقدر ما يجب لكنه بعيد قدر استطاعتها ..
ستنتقل لشقة الحاج حسن .. لقد قررت ذلك منذ استعادت رشدها وبدأت التفكير في تلك الشقة كملك لها فعلا ولها مطلق الحرية في التصرف فيها و ها هي تفعل ..
انتظرت حتى سمعت صوت باب الشقة يقفل إيذانا بخروجه وتنفست بعمق في محاولة لتشجيع نفسها للمضي فيما قررته والعمل على تنفيذه ..
فتحت باب حجرتها وبدأت في سحب تلك الحقائب التي أعدتها للرحيل في سرية تامة ..
فتحت باب الشقة واتجهت لشقة الحاج حسن، فتحتها و هي تسمي الله.. أدخلت الحقائب وعادت لشقة ياسين تضع ورقة مطوية على تلك الطاولة بجوار الباب و أخيرا خرجت وهي تلقى بنظرة أخيرة على تلك الشقة التي لها معزة خاصة في نفسها ..
أغلقتها في سرعة لإنهاء تلك اللحظات المؤلمة واندفعت تدخل شقة الحاج حسن .. شقتها الآن.. تغلق بابها خلفها تتطلع إلى جوانبها المظلمة و عينيها تدمع تأثرا.. ودعاء يتردد في جوف صدرها لصاحبها .. هي لم تدخل تلك الشقة إلا مرة واحدة عندما أصر الحاج حسن على إعداد الإفطار يوم عقد قرانها على ياسين ..
ضغطت أصابعها على زر الإضاءة وتوجهت للردهة وأضاءت جميع الأنوار .. الشقة لا تختلف كثيرا عن شقتها المقابلة غير أنها لا تزل تشعر بالرهبة والوحدة فيها ..
قررت أن تلقي بكل مشاعرها الآن خلف ظهرها وتبدأ في إحياء الشقة لتصبح صالحة للعيش فيها من جديد ..على الرغم من أن الحاج حسن لم يكن يهمل نظافتها وكانت تأتيه تلك السيدة المدعوة أم سالم لتقوم على نظافتها ... بدأت في فتح النوافذ حتى يدخل الهواء النقي وجالت في أنحاء الشقة لتستأنس بها و تألف أركانها ..
ستعمل على نقل معداتها وأدوات عيادتها لهذه الحجرات لتبدأ في العمل من هنا كما كانت مقررة في الشقة السابقة .. ستجعل الشقة مكان للسكن والعمل معا ..
استغرقها العمل على تنظيم وتنظيف الشقة من جديد وأخيرا دخلت غرفة النوم .. خطت داخلها في رهبة وكأنها ترى طيف الحاج حسن في كل ركن .. بدأت في التنظيف وما أن وقعت نظراتها على الطاولة الصغيرة جوار الفراش حتى لفت انتباهها ظرف موضوع أسفل لمبة الإضاءة الليلية على تلك الطاولة ..
تناولتها في وجل وفتحت الظرف الذي وجدت على جانبه الآخر كلمات بخط الحاج حسن المنمق "إلى ابنتي العزيزة ..مي " أخرجت ورقة مطوية فضتها في تردد وضربات قلبها تتسارع وبدأت الدموع تلمع بمآقيها حتى انحدرت على خديها .. جففت عيونها حتى تستطيع قراءة السطور التي تهتز أمامها الآن .. وبدأت في القراءة ..
"مي .. عند قراءتك لهذه السطور سأكون أنا في عالم آخر مختلف عن عالمكم .. سأكون في رحاب الله حيث الحق و الراحة و النعيم بإذنه ..
اعلمي أنني تركت لك هذه الشقة وهى أعز ما أملك .. تركتها كأنما اتركها لابنتي التي لم يرزقني الله أعز منها ..
أعرف أنكِ تتسألين الآن .. لمَ تركت الشقة لكِ ..!؟.. و هل في هذا صالحكِ ..!؟؟..
نعم .. تركتها حتى تتخلصي من القيد الذى قد يربطكِ بياسين .. تركتها حتى تكونىِ حرة في اتخاذ قراركِ بانهاء علاقتكما أو استمرارها دون أي ضغوط من أي نوع .. تركتها حتى تبتعدي قليلا حتى تقرري .. هل أصبح ياسين جزء لا يمكنكِ الاستغناء عنه في حياتكِ بعيدا عن الشقة التي تربطكما .. أم أن الشقة هي الأساس في تقاربكما !؟
تركتها لكِ حتى يدرك هو أيضا كل تلك الأمور .. ويبدأ في التفكير بعقلانية بعيدا عن تأثير بقاء كل منكما في مجال الآخر ..
ابنتى .. دعواتى لكِ دوما بالراحة والسعادة .. ولا تنسيني من دعائكِ وارسلي لي الرحمات دوما .. حتى تظل عملي الذي لم ينقطع من الدنيا .. فأنتِ الولد الصالح الذي سيظل يدعو لي ..
استودعتك الله الذي لا تضيع عنده الودائع ..
أبوكِ ..
حسن الصراف..
ضمت مي الخطاب لصدرها وانهارت باكية على أطراف الفراش .. لا تعلم كم ظلت تبكى وتترحم على ذلك الرجل الطيب الذى عوضها الله برحمته عن غياب أبيها في حياتها وافتقادها إياه ..
انتفضت تمسح دموعها عندما علا صوت رنين جرس الباب وتلك الطرقات التي لا تعرف منذ متى تتعالى ولم تسمعها...
اندفعت تفتح الباب بلا تفكير حتى طالعتها صورة ياسين أمامها تسد عليها مداخل الضوء والهواء ..
صرخت تخرج كل غضبها في هتافها :- ماذا هناااك..!!؟؟..
انتفض في وجهها راغبا في اغاظتها :- بسم الله الرحمن الرحيم...
تنفس بعمق مدعيا الذعر وأخيرا هتف ساخرا :- مرحبا يا أم سالم .. أدخلي و ارسلي لي الدكتورة مي لأمر هام ...
جزت على أسنانها غيظا .. ايشبها الآن بأم سالم تلك السيدة متوسطة العمر والتي كانت تأتي للحاج حسن كل فترة لتنظف له الشقة وتقوم على خدمته وإعداد بعض المأكولات له قبل أن تأتي مي وتقوم بهذا الدور معظم أيام الشهر التي تغيب فيها تلك السيدة الطيبة ..
وضعت كفها على رأسها في نفاذ صبر لتكتشف وجود ذاك المنديل الذى تعقفه على جبينها كفلاحين فيلم الأرض وكذا وجهها الذي أصبح لوحة فنية من الغبار بتلك الأثار التي ترتسم عليه في عدة مناطق متفرقة والتي تحولت إلى خطوط طينية من أثر الدموع التي حاولت مسحها قبل فتحها الباب لتزيد الطين بلة.
ألقت نظرة جانبية على مظهرها العام في تلك المرآة الحائطية التي توازي مكان وقوفها لتؤكد في نفسها .. هو لم يخطئ .. أنا بالفعل أشبه أم سالم كادت تبتسم رغما عنها .. دوما ما يستطيع نزع ضحكاتها من قلب دموعها .. هكذا فكرت وهى تتطلع إليه راغبة في معرفة سبب مجيئه إلى بابها ..
هتفت متصنعة الضجر:- دكتور ياسين .. لا وقت لدي لمزاحك .. ما الذي أتى بك يا ترى !!
هتف ساخراً وهو يبرز بوجهها تلك الورقة التي تركتها عند مغادرتها :- هذه .. هل هكذا تتركين شقتكِ دون إذن من زوجكِ ..!؟..
همست محاولة تمالك أعصابها :- دكتور ياسين .. لقد أعلمتك برحيلى بالطريقة التي رأيت أنها أفضل ضل للجميع .. كما يجب أن تعرف أن ما كان يربطنا أصبح الآن من السهل إنهائه ..
همس متسائلا :- وشقتكِ..!! وأدواتكِ وأجهزتكِ!؟..
أكدت بصرامة :- الشقة لنا فيها حديث آخر .. أما أجهزتي فسأرسل الفنيين لنقلها إلى هنا حيث سأبدأ في العمل بإذن الله ..
قال بنبرة حانقة :- لقد رتبتِ كل شيء .. دوما بارعة .. قادرة .. ومستقلة ..
نظرت إليه بلا تعليق ليمزق هو جواب إخطارها إياه برحيلها مندفع من أمامها لشقته التي دفع بابها في حنق حتى اصطدم بالحائط وهتف قبل أن يهم بإغلاقه صارخاً :- أرجوكِ ضيفى صفة هامة جداا لصفاتك الأسطورية .. أنكِ حمقاااء ..
أغلق الباب في عنف مستعيرا عادتها لتنتفض هي مع صفق الباب بهذه القوة عائدة للداخل وهي متعجبة من رد فعله، تتساءل في تعجب ..
لمَ نعتها بالحمقاء!؟..
**************
لم يعد باستطاعتها تحمل المزيد .. إنه سيدفع بها لا لترك الشقة محل نزاعهما، بل ستترك له البناية بأكملها وتهرب ..
كم من المرات طرق بابها بأسباب واهية متحججا مرة بنقص الملح ومرة لعدم وجود السكر ومرة بعض الشاي ومرة رغبته في معرفة كيفية صنع صينية البطاطس ومرة ومرة .. بل مئات المرات .. و في كل مرة تفتح الباب ليطالعها بابتسامته المغيظة تلك ونداءه المقيت ذاك "جارتى العزيزة " والذي لا ينفك يردده في كل مرة ومع كل طلب سخيف ..
دق الآن جرس الباب لتندفع هائجة تقسم أن تقتله .. لقد أفقدها صوابها بالفعل.. فتحت الباب بعنف صارخة :- الرحممممة .. هذا يكفى .. اقسم ..
قاطعها ياسين مبتسما بهدوء :- الفنيون هنا وكانوا يسألون عنكِ من أجل أجهزتكِ .. يااا جارتي العزيزة ..
ضمت قبضتيها في غيظ وودت لو اتيحت لها الفرصة لتلكم وجهه بإحدى قبضتيها لكنها نظرت خلفه لتجد الفنيين يقفوا بالباب في نفاذ صبر لبدء عملهم ..
تناولت مفتاح شقتها وخرجت مغلقة بابها ودخلت شقة ياسين يتبعها الفنيون وهو معهم .. اشارت لبعض الأجهزة حتى يبدأوا العمل بها و ما أن انتهوا حتى طلبوا مكان نقلها الجديد فاندفعت تفتح باب شقتها وتشير إليهم أين يمكنهم إعادة تركيبها ..
نقل الفنيون الأجهزة لشقتها وهو يتبعهم لذا نظرت له مستفسرة :- شكرا لك دكتور ياسين .. لن نعطلك أكثر من هذا .. يمكنك العودة لشقتك و ..
هتف بنبرة صارمة :- لن أعود لأي مكان حتى ينتهي الفنيون من عملهم .. لن أدعكِ وحدكِ حتى يرحلوا ..
هتفت معترضة :- لكن ..
هتف معترضاً بدوره:- ليس هناك لكن .. انتهى .. سأرحل عندما يرحلون .. وبالمناسبة .. عيادتكِ اجعليها للنساء فقط ..
صرخت الآن معترضة بشدة :- ليس من شأنك بالمناسبة .. أنا أعالج المرضى أي كانوا .. و لن انال أي أوامر منك في هذا الشأن ..
نظر اليها نظرة مطولة قبل أن يقول في نبرة هادئة :- حسنا .. دعي أي رجل يدخل إلى هنا وصدقيني.. سأكون أول من يعرف مما يعان لأجعل له الألم مضاعفا .. وبدل من أن يخرج هنا بعد جلسة علاج طبيعي وقد عادت عظامه لوضعها .. سيخرج وعظامه كلها مفككة ..
جزت على أسنانها غيظا وحنقا و أخيرا هتفت من بين أسنانها :- إذن لا تتعامل مع النساء بالمثل .. إذا كان الأمر كذلك ..
انفجر ضاحكاً :- حاضر .. إذا ما حدث وبدأ الرجال في حمل ووضع الأطفال سأفعل بكل سرور .. لكن حتى هذه اللحظة التاريخية لن استطيع التعامل إلا مع النساء أما أنتِ فبإمكانك التعامل مع أي من كانت من النساء .. لكن لا رجال بعد اليوم .. مفهوم يا جارتى العزيزة!!؟..
كادت أن تصرخ معترضة إلا أن الفنيين انتهوا من عملهم وبدأوا في الرحيل ليكون هو آخر من يخرج من باب شقتها يلوح لها بكفه مودعاً وعلى وجهه ابتسامته تلك التي تصيبها بالجنون.
*************
يتبع...
الفصل الثامن عشر من هنا