
٤ـ وردي.. وردي...
استفاقت من شرودها على صوت جاءها من آفاق بعيدة يهتف قائلا:- بارك الله لكما و بارك عليكما وجمع بينكما فى الخير.. صوت المأذون الذى أحضره خالد وهو ينهي مراسم عقد القران .. أعادها للواقع في إجبار وجعلتها تلك الدعوات المباركة تتساءل في وجل .. هل هذا يعنى أنها أصبحت زوجة لذاك المدعو ياسين، والذى يجلس هناك فى أريحية وكأن الامر لا يعنيه!؟..
لا تعرف لما شعرت بإرتعاشة خفيفة وهى تتفرس به دون أن يلحظها وهمست في نفسها : كيف سأكون مع هذا الضخم ذو الابتسامة المستفزة والضحكات الرنانة تحت سقف واحد؟!. حسنا .. لن أدعه يتغلب علي .. لن أدعه يسلبني شقاء سنين فى غربة دفعت ثمنها الكثير والكثير ولا استعداد لدى لدفع المزيد ..
اندفعت نادية تحتضنها وعيناها تبللها الدموع ما جلب الابتسامة لشفتيها وهى تهمس لصديقتها مؤكدة : نادية إنه ليس زواجا حقيقيا وأنتِ تعرفين ذلك، فلما البكاء الآن..!؟..
همست نادية من بين دمعاتها: لا أعلم .. مراسم عقد القران دوما ما تجلب الدموع لعيوني تأثرا ..
نهض الجميع مودعين .. وبدأت نادية بالإنسحاب مع خالد زوجها مع التأكيد على إنهما دوما بالقرب إذا ما جد جديد ..
تبعهما الحاج حسن مباركا للعروسين .. وخرج وجذب باب الشقة خلفه، وهو يودع ياسين بإبتسامة مرحة ..
الآن بدأت لحظة الجد .. هتفت مي فى سرها فقد أصبحت بالفعل وحيدة معه فى شقتها .. شقتهما ..
اندفعت مبتعدة عن طريقه متوجهة كالعاصفة لحجرتها كان يتبعها وصادف أن وصل لأحد الغرف المجاورة لحجرتها عندما دخلت وأغلقت الباب خلفها فى عنف أجفله .. وفى ذات الوقت جعله يهز رأسه ساخراً من تصرفها الطفولي .. لا بأس .. على أي حال .. هو هنا فى شقته .. وهذا هو المهم ..
اندفع للغرف المغلقة يفتحها واحدة تلو الأخرى..
لاحظ الاَلات التى تم وضعها في أركان كل غرفة إلا غرفة واحدة ظلت فارغة لحسن حظه فدخلها وقرر أن يتخذها حجرة لنومه ومعيشته .. لكن .. ما العمل الآن ..أين سينام..!؟.. إن جسده كله يئن وجعا ..
ورأسه تطن بسبب تلك الضربة التى تلقاها من تلك القصيرة بالداخل .. و تساءل ساخراً ..كيف لفتاة بمثل ذاك الطول أن تكيل ضربة بمثل هذه القوة!؟..
جبااارة .. هتف داخلياً فى غيظ، وهو يتحسس موضع الضربة بألم ..
يبدو أن مهمته معها لن تكون سهلة أبداً .. لابد من أن يدفعها للفرار من شقته بأسرع وقت ممكن .. فهو لديه الكثير لينجزه حتى تبدأ عيادته فى جلب المرضى والتكسب منها ..
دق جرس الباب فتحرك فى تثاقل متوجهاً لفتحه فوجدها تسابقه وهى تقف متحفزة أمام باب الشقة تفرد ذراعيها على وسعهما هاتفة : إنها شقتي .. وأنا من سيفتح بابها ..
هتف فى تحدى : هي شقتي أيضا وأنا من سيفتح ..
ازداد جرس الباب إلحاحاً ما دفعه للتقدم نحوها ..
صرخت فى تحدى :- لا ..
أعاد الهتاف :- افسحي الطريق .. فأنا الرجل على أي حال .. وأنا من يجب عليه فتح الباب ..
زمجرت بغضب :- في أحلامك ..لن تفعل ..على جثتى ..
تقدم منها فى خطى متمهلة علها تخاف فتبتعد لكن أبدا .. على الرغم من ضربات قلبها التى تجاوزت الضعف .. إلا أنها لم تشأ أن تلين وترضخ مع أول تحدى بينهما ..
كان قد وصل عندها الآن وما زال جرس الباب يدق فى هستيرية .. طل عليها بقامته العملاقة بالمقارنة بها .. فشعرت بمدى ضآلتها أمام ذاك الوحش الأدمى .. أمرها بهدوء :- ابتعدي ..
هزت رأسها رافضة وهى تلصق ظهرها بالباب محتمية ..
هتف مؤكدا :-حسنا.. أنتِ من اختار ..
لم تفهم ما كان يقصده بالضبط إلا بعد أن مد ذراعه بكل بساطة ..واحاط خصرها حاملا إياها كحزمة من البقدونس وهو يفتح الباب ولا زالت متعلقة بين عضده وساعده تقاوم لينزلها ..ولا تقوى على الإتيان بأى صوت اعتراضى على ما فعله بها حتى لا يصل لأى من كان على الباب و الذى عرفت من صوته اللاهث أنه عوض وهو يئن ألماً لثقل ما يحمله، فقد بعثه الحاج حسن الذى هتف من خلفه وهو يقف على الجانب الآخر من الرواق بين شقتيهما عندما طالعه وجه ياسين :- حاجة بسيطة تستعين بها حتى تستطيع تدبر أمور منامك ..
ابتسم ياسين وهو يتطلع لتلك المرتبة التى ما زال عِوَض يحملها ساخطاً..
هتف ياسين :- دقيقة واحدة يا عوض افسح لك الطريق .. قالها متحججا بالطبع .. فقد كان يقصد التخلص من تلك المتعلقة بذراعه ولا زالت على مقاومتها الشرسة على الرغم من حرصها على عدم فضح وجودها ..أغلق ياسين الباب واندفع بها بكل بساطة لينزلها على أحد المقاعد القريبة وهو يهمس فى مرح مغيظ : الآن .. اعتقد أنك تعلمتى كيف تكوني عاقلة ..
ربت على رأسها كفتاة مطيعة، وتركها ليفسح المجال لعوض، الذى ما أن وصل للحجرة التى أشار لها ياسين حتى ألقى المرتبة أرضاً .. وسقط فوقها يلهث ..
دخل ياسين الغرفة خلفه فأنتفض عوض واقفاً يعدل من وضع المرتبة ويفرد عليها الأغطية النظيفة وما أن انتهى .. حتى تبعه ياسين للخارج واضعا بعض الأوراق النقدية فى راحة يده شاكرا ... أخذها عوض مهللاً في فرحة فقد كانت أكثر مما يستحق بكثير..
كانت لا تزال على حالها منذ انزلها مشدوهة مما حدث .. كيف يفعل معها هذا .. !!؟..كيف يحملها بهذه الطريقة!؟..ويعاملها بهذا الأسلوب ..!!؟ .. عليها منذ الآن ألا تتحداه فى أمور قد يفرض فيها سلطة جسده .. عندها هي بالتأكيد الخاسرة .. عليها استعمال العقل والحيلة وبعض من الدهاء والمكر حتى تنجح فيما تهدف إليه ..
نهضت وقدماها ترتجف من صدمتها و تنوء بحملها .. وصلت لغرفتها وأغلقت بابها بعنف وصادف للمرة الثانية قدومه بعد رحيل عوض .. ليجفل من شدة إغلاقها للباب ..
لم يكن ليفوت عليه فرصة كهذه ..
تقدم فى هدوء وطرق بابها بكل أدب .. تعجبت لكن كالعادة تسرعت وفتحت قبل أن تفكر هاتفة فى سخط وهى يجذب الباب فى عنف :- ماذا تريد الآن ..!؟..
ابتسم بشكل مغيظ وبهدوء قال :- رجاءً معاملة الأبواب بشكل لائق لأن لا نية لدى لتغييرها بأخرى جديدة في الوقت الراهن .. فأرجو الحفاظ على مقتنيات الشقة .. شقتي ..
وضغط على كل حرف من حروف الكلمة الاخيرة ما أثار غضبها.. لتجز على أسنانها وهى تغلق الباب فى وجهه من جديد ..
فأنفجر ضاحكاً تصلها قهقهاته الصاخبة المستفزة فتثير المزيد من حنقها..
دخل غرفته وفتح حقيبته يتناول منها بعض من ملابسه متوجها للحمام لينعم بحمام دافئ يزل عنه بعض من أدران السفر، ويخفف ولو قليلا من ألم رأسه ..
دخل الحمام بالفعل وأغلق بابه خلفه .. وغاب فيه مستمتعا ..
فتحت هى باب حجرتها بحذر فهى لم تسمعه وهو يدخل للحمام وأطلت برأسها تستطلع موضعه من الشقة، لكن لا أثر له .. يبدو أنه خلد للنوم أخيرا.. هذا أفضل .. هتفت لنفسها بذلك وهى تتسلل لخارج الغرفة .. وما هى إلا بضع خطوات حتى ارتطمت جبهتها ببطن بشرية رخوة أعادتها للوراء وكأنما اصطدمت بحائط من مطاط .. و شهقت وهى تضع كفها على فمها وهى تراه على هيئته..
صرخت داخليا بغيظ : الوقح ..
ثم هتفت بشيء من الحزم على الرغم من ارتعاشة صوتها التى كانت تحاول أن تداريها :- لو سمحت .. أنت لست وحيدا هنا .. ارتد شيئا يسترك ..
قال فى تعجب :- أكثر من هذا .. أنا أراعي وجودكِ بالمناسبة لأنني رجل مهذب ..
هتفت فى غيظ :- أي تهذيب يا هذا وأنت تتجول بحرية هكذا ..
واشارت إلى ما يرتديه بحنق..
فاندفع يقول ببرود :- هكذا الذى لا يعجبك .. هى بالنسبة لي الملابس الأكثر حشمة على الإطلاق ..
نظرت إلى بنطاله القصير الذى يصل بالكاد لركبته .. وفانلته البيضاء الداخلية وهى تطلق زفيراً يحمل سخط العالم تشيح بنظرها عنه .. و قالت فى محاولة لتهدئة حالها :- سيد ياسين .. أرتد ما شئت داخل غرفتك .. و رجاءً لا تستخدم هذا الحمام مرة أخرى .. يمكنك استخدام حمام الضيوف على الجانب الآخر من الشقة..
شبك ذراعيه أمام صدره :- فيما يخص ملابسى أنا حر تماما فيما ارتد داخل بيتي .. أما فيما يخص الحمام .. لا مانع على الإطلاق من استعمال حمام الضيوف .. أرأيتِ كم أنا رجل متعاون!!..
وصل بها الغضب والإرهاق الناتج عن قلة النوم مبلغاً كبيرا جعلها تتفوه بالترهات وهى تهتف ساخطة :- الرجاء الالتزام بملابس محتشمة .. فليس من اللائق أن أفعل أنا المثل، وأقول حريتى الشخصية دون مراعاة لك ..
هتف فى مرح ساخراً :- أرجوكِ أفعلي .. سيكون هذا من دواعى سروري ..
انفجر ضاحكاً عندما رأى الصدمة مرسومة على محياها البرئ واكتشافها لفداحة ما قالت ..وغباء تلك المقارنة والتي لم يكن من الجائز استخدامها من الأساس .. أحمر وجهها خجلاً وغضبا ومقتا على ذاك الرجل ..
فاندفعت لحجرتها بغضب هاتفة بثورة :- وقح .
ليهتف هو من بين ضحكاته المجلجلة :- جبااارة
لتغلق باب حجرتها خلفها بعنف من جديد وبدل من ان يجفل كالعادة .. توجه لباب حجرتها ليطرق عليه .. فتتعلم هى الدرس هذه المرة و لا تندفع لتفتح كعادتها بل هتفت من الداخل فى ثورة عاصفة :- أرحل قبل أن أخرج وارتكب جريمة ..
فما كان منه إلا الانفجار في الضحك من جديد.. تجلجل ضحكاته المتشفية وهو يتوجه لغرفته .. ليستلقى على المرتبة الموضوعة أرضا ويغرق فى نوم عميق ..
***********************
انتفضت على صرخاته المدوية التي جاءتها من مكان قريب من باب حجرتها .. تركت فراشها وتسحبت كقطة على أطراف أصابعها واقتربت تضع أذنها على الباب تسمع ما يدور بالخارج .
لكن تلك الصرخات هدأت لتتبعها طرقات قوية على باب غرفتها كادت أن تصيبها بالصمم ونوبة قلبية بسبب انتفاضتها المذعورة والتي كادت تدفعها لتطلق صرخة مدوية مصاحبة لولا أنها استطاعت السيطرة على صوتها في اللحظة الأخيرة وكتمه داخل حنجرتها و هي تطبق كفها على فمها ..
تتابعت الطرقات العنيفة على الباب وتضاعف معها وجيب قلبها الذى كاد يشق صدرها هلعاً..
وأخيرا استعادت صوتها الذى حاولت أن تغلفه بالثبات قدر استطاعتها، وهى تهتف متصنعة الغضب رداً على طرقاته المجنونة التي كادت أن تقتلع الباب من موضعه :- ماذا تريد ..!؟..
أمرها بصوت هادر :- افتحي الباب ..
هتفت في إصرار :- لا .. لن أفتح .. ماذا تريد!!؟؟..
هذه المرة أمرها بصوت هادئ يحمل نبرات حازمة :- افتحي الباب الآن .. و فورا ..
وضعت حجابها وشدت مئزرها على جسدها و فتحت الباب مترددة فتحة بالكاد تسمح برؤيتها له .. ولكن بخلاف ذلك .. طالعتها إحدى فنلاته الداخلية وهو يمدها أمام ناظريها .. فهتفت ساخرة :- ما هذا ..عرض آخر لملابسك الداخلية .!؟..
لم يرد ولكنه أشاح بفنلته ليخرج لها من خلف ظهره قميصا ورديا ينشره أمام وجهها لتهتف هي، وهي تنتزعه من يده :- قميصي .. أين وجدته ..!؟..
رد ساخراً :- ضبطته متلبسا بين أحضان ملابسي البيضاء الطاهرة لأجد فجأة الدنيا بأكملها وردي.. وردي.. ويبدو أن متسللة قصيرة قد استغلت فترة نومى لتعبث بملابسى...
تجاهلت روايته للواقعة وهى تدفع الباب :- شكرا لأنك وجدت قميصى الضائع ..
دفع الباب قبل أن ينغلق :- هو لم يكن ضائع بالمناسبة فقد قام بمهمة محددة على أكمل وجه .
هتفت تتصنع الحنق :- أنت تتهمني الآن .. أليس كذلك ..!؟.. و ما ذنبى أنا أن قميصى كان موجود بالمغسلة وأنت لم تنتبه لوجوده وأنت تضع ملابسك!؟.
أكد في إصرار :- كانت المغسلة فارغة تماما وكان هذا القميص زائرا لها في وقت لاحق .
قالت في هدوء لتستفزه :- و ما الذى على فعله الآن ..!؟.. الاعتذار بالنيابة عن قميصى ..!!؟..
سخر منها :- هذا اقل واجب بالمناسبة.
نظرت إليه في غيظ و أخيرا قالت :- أشكرك مرة أخرى لإعادة قميصى .. وداعا ..
وأغلقت الباب في وجهه من جديد ..و هي تنتظر موجة غضب أو حتى طرقات جديدة على الباب تقتلعه بحق هذه المرة لكن لدهشتها سمعت بدل من ذلك خطواته تبتعد ..كتمت أنفاسها تتأكد من ابتعاده عن محيط حجرتها لتندفع كالمجنونة تتقافز على فراشها في فرحة فهى قد انتصرت عليه أخيرا .. والفضل لقميصها الوردي الذي تحب ارتداءه على الرغم من أنه يعذبها في غسله بمفرده بعيدا عن أي ملابس أخرى لأنه ببساطة يجود بلونه الرائع المحبب لها على كل ما يحيط به، ويمنحه لونه بسخاء مفرط ..
و تذكرت كيف تسللت بالفعل للحمام في غيابه بعد أن سمعت غطيط نومه ودفعت بقميصها داخل الغسالة يتوسط ملابسه البيضاء ..
وانفجرت ضاحكة كالممسوسة وهي تتذكر كلماته .. انه وضع الملابس بيضاء ليجد كل ما يحيطه به أصبح وردي .. وردي ..
كم تشعر بنشوة الانتصار الآن .. و كم هي رااائعة تلك النشوة .. !!..
*****************
يتبع..
الفصل الخامس من هنا