رواية ورطة مع السعادة الفصل الثامن 8 بقلم رضوى جاويش


رواية ورطة مع السعادة الفصل الثامن 8 بقلم رضوى جاويش


٨- ألفة مفتقدة.. 

تجنّبته كثيرا بعد كلماته التي ألقاها على مسامعها .. ظلت تؤكد لنفسها أنها كلمات مجاملة كان المقصود منها هو التعبير عن شكره وامتنانه لاعتنائها به في أوقات مرضه وعليها ألا تؤلها أي تأويل آخر .. أو تأخذها على محمل الجد .. ولكن على الرغم من اقتناعها التام بوجهة نظرها السابقة إلا أنها كانت تتحاشاه .. لا تعرف لمَ !؟
كل ما تعرفه أنها لا تقوى على مواجهته والتطلع إليه بعد تلك الكلمات وخاصة ملاحظته الأخيرة عن أنوثتها وتلميحه عن رؤيتها بثوبها الأبنوسي وهي تتمايل وحيدة أو هكذا ظنت .. وهو كان قابعا هناك يتابع العرض المغري بإستمتاع.
رِن جرس جوالها فالتقطته ترد في شوق وما أن تناهى لمسامعها صوت أختها الباكي حتى اندفعت للخارج في عجالة .. 
كان هو يتحين الفرص حتى يلتقى بها بعد أن فرضت العزلة على نفسها ولم تعد تخرج من غرفتها إلا في أوقات عدم تواجده .. 
والآن ما أن سمع صوت باب غرفتها يُفتح حتى اندفع خارجا من غرفته لملاقاتها لكنه وجدها تندفع كالسهم للخارج .. 
ماذا هناك يا تُرى ..!؟.. و ما الأمر الذى دفع بها للخروج من الشقة بتلك الحالة !؟؟..
لم يستطع أن يمنع ذاك الهاتف الداخلي الذى يؤكد عليه ضرورة اللحاق بها .. وقد استجاب له من فوره في الوقت المناسب .. فقد رأها تشير لإحدى سيارات الأجرة تندفع داخلها في اللحظة التي وصل فيها لسيارته واندفع بها خلفها .. 
إلى أين هي ذاهبة..!!؟.. و لما تلك العجلة !!؟.. 
لا يعرف لما هو مهتم لإجابات كل تلك الأسئلة.. لكن كل ما يدركه الآن هو أن عليه اللحاق بها والتأكد من أنها بخير.. 
وصلت أخيرا بعد فترة ليست بالقصيرة لأحد الأحياء الشعبية البسيطة وبطبيعة الحال لم يستطع سائق سيارة الأجرة الدخول في مثل تلك الحارة الضيقة بسيارته .. فرأها تندفع منها وتلج لعمق تلك الحارة .. فصف سيارته واندفع خلفها على مسافة تجعله يراها ولا يفقد اثرها وفي نفس الوقت لا يجعلها تستشعر وجوده .. 
وصلت بالفعل لمدخل بيت عتيق من ثلاث طوابق و اندفعت لداخله .. وقف هو حائر لا يعرف كيف عليه التصرف هل يندفع خلفها أم ينتظر ريثما تتضح له الصورة ولو قليلا .. !!؟.. 
اندفعت هي تعتلي درجات السلم المتهالكة نوعا ما حتى وصلت تلتقط أنفاسها أمام باب خشبى من ضلفتين دقت عليه بكف منهك .. 
فُتح الباب في عجالة وطالعها وجه اختها سماح الشاحب ودموعها التي تغطى وجنتيها .. اندفعت مي تحيط أختها بذراعيها جالسة معها على تلك الأريكة القديمة التي تعبق برائحة الأيام الخوالى و ذكريات والديها في ذاك المنزل الذى جمعهم سويا منذ زمن بعيد .. إنها المرة الثانية التي تدخله فيها بعد عودتها من الخارج وقرار استقراراها أخيرا في مصر .. 
جذبت أنظارها من على جدران المنزل التي تحوى صور لأبيها وأمها وذكريات طفولتهما وسلطتها على أختها التي لا زالت تنتحت بقهر بين ذراعيها فهتفت بها في تعقل :- ماذا هناك يا سماح .. أما آن لمشاكلكِ مع زوجكِ أن تنتهي !!
هتفت سماح من بين دموعها :- إنه لا يهتم ببيته ولا لأولاده .. و لم يعد يحبني كالسابق .. لقد حاربت الجميع لأجله وزللت له كل العقبات في سبيل زواجنا حتى أننى كما تعلمين ترجيت والدينا ليسمحا لنا بالبقاء معهما بعد زواجنا نظرا لصعوبة إيجاد مسكن يجمعنا .. ووافقا على مضض طبعا ..ماذا فعل هو لأجلنا !؟.... لا شيء .. كل ما يهمه الآن هو النقود وكيف يأت بها وكيف ينفقها على ما يسعده هو.. لا على ما يكفى به بيته وأولاده .. 
تنهدت مي وهى تربت على كتف أختها الصغرى مهدئة:- ربما كان هذا هو الخطأ من البداية ..لقد تعود أن يأخذ و لا يعطي ..لكنه أيضا ليس بالرجل السيء .. على الأقل هو كان يراع والدينا في فترات مرضهما الأخير .. أنا لا استطيع أن أنكر عليه ذلك .. 
صمتت أختها ولم تعقب على تلك النقطة .. وما أن همت مي بالحديث حتى صرخت سماح مؤكدة :- لا .. أنا لم أعد أطيقه .. لم أعد أرغب في العيش معه .. 
اندفع في تلك اللحظة من الخارج نعيم زوج سماح وما أن رأى مي حتى هتف ساخراً :- مرحبا ... هل  أسرعت باستدعائكِ كالعادة.. !؟؟.. 
وقفت مي في مواجهته :- وما الضرر في ذلك!؟؟... فأنا كل من تبقى لها في الدنيا بعد أن رحل أصحاب البيت الذى يأويكما .. 
صرخ مزمجرا :- هل تعايريني يا دكتورة ..!!؟
هتفت مي في حزم :- لا .. بل أذكرك أن هذا بيتها قبل أن يكون بيتك وبيت أولادك ..
صرخ من جديد :- لقد سأمت من ترديد تلك النغمة .. هل لأنه بيتها عليها تذكيرى بذلك صباح مساء .. أخبريها بأن هذا البيت مفتوح بكد ذراعي .. ولولا ذلك لكان مجرد جدران متهالكة لا تصلح للعيش .. 
صرخت سماح :- أنت لا تنفق علينا إلا قروش من مجمل ما يأتيك .. أنت تبخل عليّ و على أولادك .. 
اندفع نعيم غاضبا يرفع كفه محاولا إسكات استفزازات زوجته إلا أن مي وقفت في منتصف المسافة بينهما صارخة بدورها :- هل ستضربها ..!؟
و في وجودي أيضا ..!!؟.. 
كانت صرخات مي كفيلة أن يندفع ذاك الشبح الذى كان يتسلل على درجات السلم منذ رأى نعيم يدلف مندفعا لداخل البيت ليتعقبه متوجسا من مرأه ليظهر الآن يقف ممسكاً بذراع نعيم العالية التي كان مصيرها وجنة سماح لولا تدخل مي أو بالأدق تدخل ياسين الذى وقف كحائط صد عن مي وأختها ..
شهقت مي وهي تكتشف من ذاك الذى يقف كحائط بينها هي وأختها وبين نعميم.. وكادت أن تهتف فيه إلا أن ياسين استبقها هاتفاً في نعيم زوج أختها بحدة :- هل من الرجولة اظهار القوة على النساء حتى ولو كانت إحداهما زوجتك!؟..
زمجر نعيم هاتفاً وهو يحاول جذب معصمه من كف ياسين القابض عليه بشدة :- من أنت ..!؟.. ولمَ تتدخل فيما لا يعنيك ..!؟.. 
فك ياسين كفه عن معصم نعيم ومدها في اتجاهه ملقياً التحية :- أنا الدكتور ياسين نور الدين زوج الدكتورة مى .. 
قالها بإبتسامة بريئة على عكس الوجوه الثلاثة الأخرى .. والتي حملت تعبيرات مختلفة ومتباينة تماما... فالصدمة كانت مرسومة على وجهي كل من سماح ونعيم.. بينما ما ارتسم على وجه مي كان مزيج من كظم الغيظ ومحاولة السيطرة على أعصابها لأقصى درجة ممكنة ..
تدارك نعيم نفسه بسرعة والتقط كف ياسين الممدودة في ترحيب شديد: أهلا.. أهلا يا دكتور .. نورتنا .. 
ابتسم ياسين مرحبا بعفوية وتلقائية جعلته يكسب قلب نعيم فورا :- أهلا بك .. البيت منور بأصحابه ..
وكأن ياسين تعمد ذكر سيرة أصحاب البيت في حديثه.. ثم ربت على كتف نعيم ليؤكد له أنه رجل البيت وصاحبه حتى ولو لم يكن ذلك قانونيا ولكن عرفيا .. 
اتسعت ابتسامة نعيم وانتفخت أوداجه وهتف في سماح معاتبا :- الدكتور والدكتورة سيشرفونا على الغذاء.. استعدى لتقديم أشهى طعام لديكِ.. 
وكأن سماح قد نسيت كل ما كان بينهما واندفعت تنفذ مطلبه منتفضة ومهرولة بإتجاه المطبخ حتى مع همهمات مي المعترضة و التي حاولت أن تثني نعيم عن عرضه لكن ياسين هتف بها مستدركا :- كلمة المعلم نعيم لا تُرد ..
هتف نعيم وهو يربت على صدره محييا ياسين في امتنان :- ربنا يعزك يا دكتور ياسين .. 
واستطرد ياسين موجها حديثه لمي وعلى شفتيه ابتسامة مشاكسة:- لما لا تذهبى و تساعدي أختكِ .. فأنا اتضور جوعا .. 
ما أن سمع نعيم كلمات ياسين الأخيرة حتى هتف في زوجته التي كانت تعمل بكل طاقتها داخل المطبخ :- الغذاء سريعا يا سماح .. 
ردت في تأكيد :- حاضر .. حالا .. 
استشاطت مي غضبا واندفعت للمطبخ تساعد أختها وما أن همت بدخوله حتى ناولتها أختها صينية عليها أكواب الشاي لتضعها أمام زوجها وياسين حتى يكف عن استعجالها ..
نفذت مي بآلية ووضعت صينية الشاي أمام ياسين وزوج اختها و هي تنظر لياسين نظرة أشبه بنظرة رَيَّا وسكينة قبل القضاء على ضحاياهم .. كاد ياسين أن ينفجر ضاحكاً كعادته.. لكنه استدرك وبدأ في المزاح مع نعيم. 
دخلت مي تساعد أختها حتى تتخلص من هذا المأذق .. وقفت تناول أختها ما تطلب وهى ترى حال أختها قد تبدل للنقيض تماما، وفجأة هتفت فيها :- زوجك الدكتور .. ما اسمه ..!؟..
اجابت مي بألية :- ياسين .. 
استطردت سماح :- اه.. الدكتور ياسين .. إنه رائع .. أرأيتِ كيف استطاع أن يسيطر على نعيم ببضع كلمات .. أخيرا سيُصبِح لى ظهرا استند عليه ليقف أمام نعيم ولا يستطيع أن يعاديه.
صمتت مي ولم تعقب .. هذه هي أختها سماح .. إنها حتى لم تسألها كيف و أين و متى تم الزواج ..!؟.. وما هي ظروف ذاك الزواج الفجائي..!!؟؟.. كل ما فكرت فيه هو مصلحتها التي ستجنيها من وراء هذا الزواج .. 
تنفست مى بعمق و ابتلعت لسانها حتى تنتهي تلك الزيارة بأي شكل .. 
ساعة من الزمن وكانت أطباق الطعام قد بدأت تُوضع على الطبلية تلك الطاولة قصيرة الأرجل التي يلتف حولها الجميع لتناول الطعام جالسين أرضا .. 
هتف ياسين فرحا :- أخيرااا الطعام .. 
جذبه نعيم من كفه وجلسا أرضا وتجمع الأطفال حولهم وجاءت مي وسماح بباقي الأطباق .. وبدأ الجميع في تناول الطعام ..
كان ياسين أريحيا و يتصرف بعفوية شديدة ولم ينهض إلا وقد جعله نعيم يتذوق كل صنف من أصناف الطعام التي كانت الطاولة عامرة بها .. وياسين لم يكذب خبرا .. فلم ينهض إلا وهو ممتلئ بشكل جعله لا يستطيع النهوض من على الأرض إلا بجذب نعيم والأطفال له والذين وعدهم ياسين إذا ما استطاعوا جذبه لينهض.. فسيكون نصيب كل منهم لوح من الشيكولاتة والتي يعشقها الجميع.. فتجمعوا بالفعل حوله في محاولة لجذبه ناهضاً و بعد عدة محاولات فاشلة والكثير من الضحكات على مظهر ياسين الفكاهي استطاع نعيم التدخل وجذبه مع اطفاله لينهض أخيرا مع تصفيق الجميع .. حتى مي انفجرت ضاحكة على ما يفعل مع الأطفال .. 
وبدأت تستشعر ألفة مريحة تغمرها للمرة الأولى وهى تطأ منزل أبويها .. ألفة مفتقدة و مفقودة منذ زمن بعيد .. لم يكن هذا فقط ما لفت انتباهها بل كان حنانه وحنوه على أطفال أختها.. لقد كان يطعمهم بكفه وكل منهم على وجهه ابتسامة فرحة لم ترها على وجوههم في المرتين اللتين أتت فيهما هنا عندما استدعتها أختها من أجل مشاكلها و زوجها والذى يضحك الآن ملء فيه والذي اعتقدت أنه لا يبتسم أبدا .. 
حان وقت انصرافها هي وياسين .. فصمم نعيم على مرافقتهما حتى سيارتهما ..سار معهما مختالا منتفخ الأوداج بنسيبه الطبيب المشهور.. دخلت مي السيارة ورأت ياسين ينتحى جانبا بنعيم .. دار بينهما حوار قصير كان نهايته إيماءة موافقة من رأس نعيم وربتة من ياسين على كتفه .. وأخيرا عانق كف كل منهما الآخر بمودة خالصة .. وعاد ياسين ليجلس أمام مقود سيارته يلوح بكفه لنعيم الذى ظل يودعهما حتى أختفت سيارتهما عن أنظاره.. 
*****************
                  يتبع.. 

                 الفصل التاسع من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة