
٢ـ ورطة لا حل لها..
كانت صرخاتها دعوة صريحة للجيران ليتجمعوا فى لمح البصر عند مدخل شقتها مذهولين مما يحدث .. فهى تصرخ ورجل ضخم الجثة ممدد على الأرض فى مدخل الشقة بلا حراك .. أتصل أحدهم بالشرطة بينما دخل أحدهم الشقة ليطمئنها .. كان رجل عجوز منحنِ الظهر ربت على كتفها فى حنو ودفعها فى رقة لتدخل حتى تضع حجابها على رأسها ..
انتبهت بالفعل أنها لا تضع حجابها ولا مئزرها وكيف لها أن تتذكر في ظل ما يجري، ما يجب عليها ارتدائه.. دخلت تترنح لغرفتها فى آخر الرواق الطويل وارتدت مئزرها المنزلى ووضعت حجابها على رأسها وخرجت من جديد لا تعرف ما ينتظرها وهى تُمسك هاتفها بيد ترتجف توتراً لا تعرف بمن يمكنها أن تتصل فى مثل تلك الظروف وفى مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل.. وأخيراً قررت على مضض الاتصال بصديقتها الدكتورة نادية وزوجها الدكتور خالد .. لابد من وجود أحد معها فى تلك الورطة .. ماذا سيحدث لها لو كان ذاك الرجل الممدد أرضا فى الخارج.. قد مات ..!!؟..
انتظرت على الهاتف الذى طال رنينه لترد نادية على الطرف الآخر بصوت ناعس .. لكن ما أن شرحت لها مي ما حدث معها، حتى انتفضت نادية وأخبرتها بقدومها مع زوجها على وجه السرعة ..
شكرتها مى بصوت مرتعش وهي تغلق الهاتف وتتوجه للخارج وما أن وصلت حيث ذاك الرجل الراقد حتى وصلت الشرطة..
هتف الضابط فى تساؤل: ما الذى يحدث هنا!
أجابت هى بصوت حاولت إظهار الثبات في نبراته: أنا الدكتورة مي محمود الرفاعي وهذه شقتي وقد تفاجأت بهذا الشخص المدد أرضاً يحاول اقتحامها و...
قاطعها صوت همهمة ألم .. وفجأة استيقظ الوحش .. فلقد نهض الدخيل فى تثاقل جعل ضابط الشرطة يتراجع مشهراً سلاحه وهو يهتف فى تهديد : مكانك ..
استدار الدخيل فى بطء وجلس بأقرب مقعد غير مبال بما يحدث حوله .. وكأنه لا يرى الشرطة ولا اسلحتهم المشهرة فى وجهه، ولا تلك الجمهرة المحتشدة من الجيران على عتبة الشقة..
تنهد فى ألم واضعاً كفه على رأسه موضع الضربة التى أتته من حيث لا يعلم ولا يحتسب، ليتمدد فاقداً للوعى لفترة لا يعرف طالت أم قصرت.. ليستعيد وعيه على هذا المشهد الهزلى الذى يطالعه الآن بنظراته التائهة وبصره المشوش ..
هتف الضابط لعساكره أمراً: أحضروه.
اندفع العساكرلتنفيذ الأمر فى سرعة وما أن هم أحدهم بوضع كفه على ذراع ذاك الدخيل حتى هتف فى ثورة: لماذا ..!!؟.. ماذا فعلت ..!؟.
لم يعره الضابط اهتماماً ولم يجب على أسئلته بينما استدار لمى قائلاً:- إلحقى بِنَا يا دكتورة من أجل المحضر ..
هنا وصل خالد ونادية .. التى اندفعت تحتضن مي فى إشفاق تُهدئ من روعها ..بينما نظر خالد للدخيل الذى جلس الآن مطأطئ الرأس متألماً ومحاصراً من قِبل العساكر ..
أكد خالد :-ط تمام يا حضرة الضابط .. الدكتورة ستلحق بك لنستكمل المحضر ونرى ما يجب فعله ..
هنا صرخ الدخيل فى ثورة : عن أى محضر تتحدثون هنا ..!!؟..
ثم أشار إلى مي مستكملا بنفس النبرة الصارخة: أنا من يجب أن يحرر المحضر ضد هذه المتوحشة التى هاجمتنى..
هتفت مي ساخرة :- تتسلل إلى شقتى فجراً وعليّ استقبالك بكل سرور.. أليس كذلك !!؟..
هتف فى غضب هادر ونبرات نافذة الصبر: شقتكِ..!؟؟..أى تخريف هذ!؟... إنها شقتى أنا ..
هنا صمت الجميع ولم يحرك أحدهم ساكناً حتى ضابط الشرطة أشار لعساكره بالانسحاب مبتعدين قليلاً وأخذ ينظر بحيرة لكل منهما، وكان أول من قطع ذاك الصمت مستفسرًا :- أرجو التوضح من فضلك .. ماذا قلت لتوك !؟
تحدث الدخيل بصوت متعب هدأت إلى حد ما نبراته الثائرة، وهو لما يزل واضعا كفه على موضع الألم و قد اكتشف إصابته بالفعل لكنه لم يبال :- انا الدكتور ياسين صابر نور الدين .. وهذه شقتي أو بالأدق أملك نصفها شراكة مع أحد أبناء العمومة ..وهي ميراثنا من عمى المتوفى، عدت بعدما سمعت خبر الوفاة من الخارج لأستلم نصيبى فيها وقد اشتريت بالفعل النصف الآخر من ابن عمى .. هذا يعنى أن الشقة بالكامل قد أصبحت ملكي، وهذا مثبت بأوراق رسمية ..
ثم استدار يبحث عن حقيبته التى كانت موجودة على جانب الحائط، احضرها له خالد فى حذر وهو يتفرس فى ملامح وجهه ..استلمها ياسين شاكرا فتحها مخرجا من أحد جيوبها ملف يحوى عدة أوراق تفحصها أولا ثم قدمها للضابط الذى استلمها على عجل وتفرس فيها للحظات ثم أعادها لياسين وهو يهز رأسه أسفاً، ما أوقع قلب مي بين قدميها .. وما أن همت بسؤاله حتى هتف موجها حديثه لها:- يؤسفني أن أبلغكِ يا دكتورة أن عقده صحيح .. وأنه المالك للشقة ..
تفرس فيها ياسين بنظرات مشوشة عزاها لإصابة رأسه لكنه اكتشف انه فقد نظارته الطبية عندما سقط أرضاً .. جال بناظريه على أرض الردهة حتى لمح منظاره قابعا بالقرب من موضع جلوسه فإستطال حتى حصل عليه ووضعه لتستبين الرؤية اخيراً .. ابتسم ساخراً يحدث نفسه وهو يعاود لتفرسها وذاك الذهول مرسوم على محياها الطفولى ..
هل هذه طبيبة..!؟.. لا يمكن أن تكون ..فهى بالكاد طفلة هاربة من المرحلة الإعدادية بقامتها القصيرة تلك التى لا تتعدى المتر ونصف المتر بقليل .. بجانب جسدها الضئيل الذى يخلو فى هذا المئزر المنزلى من أى انحناءة أنثوية ..
كان يتفرسها غير عابئ بنظراتها الملتهبة التى ترمقه بها بعد صدمتها من تصريح الضابط..
هتف خالد فى تساؤل: ماذا يعنى ذلك يا حضرة الضابط ..!؟.. هل هذا يُعقل!؟..مالكان لشقة واحدة وعقد كل منهما صحيح .!؟
أومأ الضابط :- نعم يحدث .. وحدثت كثيرا من قبل .. واضح أن عقد الدكتورة مي محرر من قِبل بن عم الدكتور ياسين ..
قالها الضابط وهو يتفرس في كلا العقدين بعدما أحضرت مي عقدها على عجالة .. واستطرد الضابط موجها حديثه لياسين: لقد نصب بن عمك على الدكتورة و باع نصف الشقة الخاص به لها بجانب نصفك يا دكتور ياسين بموجب توكيل محرر منك له ..
هتف ياسين حانقاً : لكن ذلك لم يحدث!؟.. أنا لم أوكله في بيع أو شراء أي شيء يخصنى .
صمت شمل الجميع قطعه الضابط للمرة الثانية وهو يشير لجنوده بالرحيل قائلا : اعتقد أنه لا داع في تلك الحالة للمحضر .!!؟..
هنا انتبه كل من ياسين و مي .. ليستكمل الضابط موضحا : ستكون نهاية المحضر يبقى الحال على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجوء للقضاء .. وكلاكما داخل الشقة ويمتلك نصفها بالفعل لو افترضنا بطلان توكيلك لابن عمك .. فالدكتورة تملك نصف بن عمك وأنت تملك نصفك .. ولا اعتقد أن أي منكما لديه الاستعداد لتركها .!؟.
هتف كل من ياسين و مي فى نفس اللحظة :- بالطبع لا..
هنا قال الضابط :- إذن عليكما التفاهم ودياً حتى تنتهى هذه المشكلة .. لكن لو لا زال لديكما النية للمحضر .. فهيا إلى القسم لأقوم باللازم ..
هنا هتف العجوز الذى كان جالساً يتابع الحوار فى صمت من البداية :- شكرا يا حضرة الضابط .. لو عندهما النية لأية محاضر فستجدهما أمامك ..
رحل الضابط بعساكره وبدأ الجيران فى الرحيل واحداً تلو الآخر .. لم يبق إلا ذاك العجوز الذى جلس يتفرس فى كل من مي وياسين بفضول وعلى شفتيه ابتسامة عجيبة لا تمت للموقف بأي صلة ..
همست نادية لخالد بصوت هامس:- ما الحل الأن ..!؟ كيف سنتصرف!.. وهى تنظر بشفقة لمي .. كلاهما يملك الشقة، هل ستتركها له وترحل ويضيع شقاء عمرها فى غربتها طوال السنوات الماضية!!؟..
لم يجب خالد .. وتنهدت مي وهى تقف تتطلع لذاك المالك الآخر لشقتها فى غيظ و هي تقول هامسة بدورها : لقد صرفت كل ما أملك على هذه الشقة وتجهيزها لتكون عيادة لى بجانب مقر لسكني .. كيف يمكننى البقاء الآن ..!!؟ كيف آمن على نفسى؟..
وما العمل في تلك الورطة ..!!؟..
ولم يكن عند أحد منهم الحل الأمثل لتلك المعضلة ..
على الجانب الآخر يجلس ياسين وقد أخرج من حقيبته رباط طبى عَصّب به رأسه ليضمد جرحه ليستهله العجوز متسائلا :- ماذا ستفعل الآن يا ولدي !؟.
هز ياسين رأسه فى بطء:- لا أعلم يا حاج .. فلقد وضعت كل قرش أملكه فى هذه الشقة لأشترى نصيب بن عمى .. وكنت قد قررت أن أعيش فيها وأجعل منها عيادة لي .. إلى أين يمكننى الذهاب .. فأنا ليس لى أحد هنا يمكننى اللجوء إليه .. !!؟.. كما أنني لا استطيع المغادرة .. فمن أدراني بكيفية تصرفها!!؟.. تساءل وهو يشير بطرف خفى لمي ..ليستكمل مفسرا .. فى ظل عدم وجودي بالتأكيد ستغير قفل الباب وساعتها سأكون أنا فى الخارج وهي في الداخل ويضيع حقى ولن أتمكن من تنفيذ وصية أقسمت أمام الله على تنفيذها مهما كلفني الأمر ..
تنهد العجوز فى تفهم، وهتف ليسمعه الجميع :- ما الحل الآن ..!؟..
تنبهت مي وأصدقاؤها .. و عندما تأكد العجوز انه جذب انتباههم استطرد موضحاً :- واضح أن كل منكما متمسك بالشقة وهذا حقه لأن كلاكما دفع سنوات طويلة من عمره والكثير من ماله .. بل ربما كل ما يملك بالفعل، ثمناً لهذه الشقة ..
هز كل من مي و ياسين رأسيهما مؤكدين صحة كلام العجوز الذى استكمل قائلا :- وفى نفس الوقت ليس من المنطقى بقاءكما فيها معا ..!!؟..
ألقى العجوز سؤاله البديهى وكان دوره ليتطلع لكل من مي و ياسين .. لتصرخ مي هاتفة في حنق :- بالطبع لا .. هذا لا يجوز ..هو من سيرحل .. فهذه شقتي ولن أتنازل عنها مهما حدث...
تنهد ياسين وتمطى فى تثاقل مغيظ وهو يرد على كلماتها ببرود زاد من لهيب أعصابها المشتعلة :- وبالمثل يا .. ونظر إليها من جديد متفرساً من أعلى لأسفل في استهانة، وهو يستطرد: يا دكتورة .. إنها شقتى ولن أرحل ..
هتفت مي حانقة :- ما هذه المصيبة يا ربى !؟..
هتف ياسين ساخراً:- سبحان الله وكأنكِ نطقتها من على لساني ..
استشاطت غضباً وكادت أن تندفع إليه لتقتله إلا أن نادية أمسكت بمعصمها، وأخذت تربت على كتفها مهدئة، فهي بحق فى موقف لا تُحسد عليه ..
هنا تحدث خالد في هدوء:- هل عِندك استعداد لبيع نصيبك في الشقة يا دكتور ياسين ..!!؟..
هم ياسين بالاجابة عندما قاطعته مي هاتفة في خالد : من أين لي بالمال يا دكتور خالد لأشترى نصيبه!؟.. فأنت تعلم أني اشتريت أدوات تجهيز العيادة بما تبقى لي .. حتى أنني لم أدفع ثمنها كاملا بل هناك العديد من الأقساط لابد من سدادها في مواعيدها المستحقة..
قال خالد وهو ينظر لزوجته التي أومأت مؤكدة على اقتراحه :- يمكننا أن نقرضك ثمنها ..!!؟..
هتفت مى رافضة :- لا .. انا لا أقبل .. كيف يمكننى سداد كل هذه الديون ..!!؟
هنا هتف ياسين وهو لا يزل على جلسته المسترخية يتابعهم في لا مبالاة كأن هذا الشأن لا يعنيه من الأساس :- أنا أوافقك في رفضكِ ..
هتفت مى في غيظ :- و من طلب رأيك .. رجاءً لا تتدخل فيما لا يعنيك ..
رد بضحكة مكتومة وهو يضع كفه على موضع جرح رأسه : ومن قال أنني أتدخل فيما يخصكِ.. انا أيضا أرفض ..لكن أرفض البيع لكِ من الأساس .. فكرة البيع في حد ذاتها مرفوضة لأنني صرفت كل أملك في سبيل الحصول على تلك الشقة من بن عمى و الذى فعل المستحيل ليشتري نصيبي ولم يفلح في إقناعى بالتخلى عنها ..
هنا اندفعت مي مقاطعة : اه بالطبع .. لذا تحايل على الأمر و زور توكيلا ليبيعنى إياها ..ونعم العائلة .. وربما تكون مشاركاً له في تلك المسرحية الرخيصة..
كان رد فعل ياسين مبهما .. على الرغم من كلمات مي الجارحة إلا أنه استطاع الحفاظ على هدوء أعصابه ورباطة جأشه بشكل مثير للإعجاب ولكن على الرغم من ذلك استطاعت هي بشكل فطرى أن تستشعر الغضب الكامن الذى ظهر لحظيا في نظراته الموجهة لها ..
هنا كان دور خالد ليوجه كلامه لمي من جديد باقتراح معاكس :- إذن .. ليس هناك من سبيل آخر لحل تلك المعضلة إلا ببيع نصيبك أنتِ يا مي للدكتور ياسين ..!؟..
كادت مى تصرخ رافضة من جديد إلا أن ياسين كان الأسبق هذه اللحظة ليضحك موجها حديثه لمي مشيرا لها أن تطمئن عندما استشعر ردة فعلها :- أنا أيضا غير موافق .. وليس رغبة في الرفض للرفض و تعقيدا للأمور ..
كان يلقى كلماته الأخيرة باتجاه خالد مستطردا: لكن أنا بالفعل لا أملك مالا كما أشرت سابقا، يمكننى دفعه مقابل نصف الشقة التي هي بالفعل نصيب الدكتورة مي .. فما بالكم بإنها بالتأكيد تريد ثمن الشقة الذى دفعته كاملا .. حتى ولو لم أكن مسؤولا عن تصرفات بن عمى و سلوكياته ..لكنها لن تتنازل عن نصف ثمن الشقة هكذا ..أليس كذلك .!؟..
تساءل وهو ينظر لمي التي اجابت بإيماءة موافقة على كلامه للمرة الأولى..
ليستطرد موضحا : كما أننى لا أملك اصدقاء مثلكم يمكنهم إقراضي..!!؟..
هنا هتفت نادية: ما الحل إذن لتلك المعضلة!!؟.. أما من حل يرضي جميع الأطراف ..!؟..
هنا هتف العجوز الذى نسى الجميع وجوده بالفعل في ظل المناقشات الحامية، مبتسما فى سعادة عجيبة تناقض ذاك الموقف العصيب: أنا عندي الحل الأكيد لهذه المعضلة !؟.
تطلعت جميع الأنظار إليه ..
ليصمت لحظات صانعاً جو من الإثارة والترقب قبل ان يهتف في حبور :- زواجكما هو الحل الأمثل لهذه المعضلة..
صمت مطبق وذهول تام غمر الجميع إلا ذاك العجوز العجيب الذى جلس مستمتعا بما أثاره من دهشة ..
وأخيرا استفاق كل من مي وياسين من ذهولهما.. ليصرخ كل منهما معترضاً..
*****************
يتبع..