
١٦- مفاجأة.. مدوية..
كانت رحلة العودة رحلة الصمت المطبق .. لم تتفوه بحرف واحد منذ ركبت السيارة جواره ساهمة وغير قادرة على النظر إليه أو التطلع لعينيه التي لاحظت نظراتها المركزة عليها في أكثر من مرة خلال الرحلة ... حتى هو لم يحاول أن يستدرجها لمناقشة أي موضوع أو حتى يسألها عن رأيها في بيت عمته واليوم الذى قضته هناك .. كان كل منهما يحمل الكثير من الأسئلة ولا إجابات شافية تُريح ..
انتفض كل منهما على صوت رنين جوالها الذى التقطته مسرعة تجيب في لهفة عندما طالعها اسم الحاج حسن يضئ على الشاشة..
-السلام عليكم يا حاج حسن .. ماذا ..!؟ صرخت في ذعر ..نعم نحن بالخارج.. حسنا نحن في الطريق إليك لا تقلق .. ستكون بخير ..
نظر إليها مستفسرًا فما كان منها إلا أنها صرخت تستحثه الإسراع :- أسرع أرجوك .. الحاج حسن ليس بخير .. كان يعتقد أننا في الشقة .. صوته غير مطمئن .. اتصل بعوض ولم يجبه ..
هتف في قلق وهو يزيد من سرعة سيارته :- سيكون بخير بإذن الله ..
وصلا أخيرا لبنايتهما واندفع كلاهما للداخل ليستقلا المصعد فبادرهما عوض هاتفاً :- الحاج حسن في المشفى ... وطلب مني إبلاغكما ..
لم ينتظر أي منهما عوض ليستكمل حديثه بل عادا أدراجهما للسيارة في عجالة .. لحظات وكانا أمام الاستقبال يسألا عن حجرة الحاج حسن ..
اجابت الموظفة :- إنه في غرفة العناية الفائقة ..
اندفع كل منهما للبحث عن الطبيب المعالج والوصول إلى حيث يرقد ذاك العجوز الطيب الذي طالما كان حاضرا في أحلك لحظات حياتهما منذ تعارفهما..
وقفت هي أمام زجاج غرفة العناية الفائقة وتركت ياسين يتحدث مع الطبيب المعالج .. لم يكن يعنها الآن إلا أن تراه ويستشعر هو وجودها جواره ..
كانت إلى تلك اللحظة متماسكة لم تهتز إلى أن رأت ابتسامته الباهتة التي ارتسمت على وجهه المتغضن الشاحب من خلف الزجاج، فانحدرت الدموع على خديها رغما عنها .. لوحت له بكفها فلوح بأطراف أصابعه التي استطاع تحريكها..
همست بلا إرادة وكأنها مغيبة :- أبي، أرجوك .. لا ترحل من جديد..
لم تكن تعلم أن ياسين يقف خلفها يتابع ذاك المشهد متأثرا، لكنه اندهش فها هو الآن يدرك ما لم يكن يعلم له سبب واضح ..كان دوما يتساءل عن سبب تعلقها الشديد بالحاج حسن والآن وفي تلك اللحظة أدرك تماما مقداره عندها .
ربت على كتفها مؤاذراً إياها .. وهمس مطمئناً:- سيكون بخير صدقيني .. طبيبه المعالج اخبرني أنها أزمة بسيطة وسيكون بخير خلال أيام بإذن الله ..
هتفت في لهفة :- حقا قال ذلك!؟.. هل سيكون بخير!؟..
اومأ ياسين مؤكدا .. فعادت هي تنظر من خلال الفاصل الزجاجى على جسد الحاج حسن المسجي في سكون.. يتصل بالكثير من الأنابيب والخراطيم الطبية و هي تدعو له بالشفاء العاجل..
****************
ربتة خفيفة على كتفها من الممرضة جعلت مي تنتفض في ذعر :- ماذا هناك!؟.. هل هو بخير؟؟..
هدأتها الممرضة وهي تتلفت حولها خوفا من ان ينتبه إليها أحد وهي تهمس لمي في حذر :- نعم هو بخير .. ألست الدكتورة مي ابنته ..هو يريد أن يراكِ .. لكن لا تطيلي البقاء لأن هذا سيعرضني للمشاكل ..
اومأت مي إيجابا وهي تمسح وجهها بكفيها وتستدعى ابتسامة جاهدت لرسمها على شفتيها قبل أن تدلف للغرفة في حذر، تقترب من فراشه .. ما أن شعر بوجودها حتى فتح جفونه المرهقة وابتسم في شحوب :- كيف كانت رحلتكِ!؟.. أرجو أن تكون سعيدة كما تمنيت.
أومأت مؤكدة :- أه .. سعيدة جداا ..
صمتت قليلا قبل أن تقول متأثرة :- قلقنا عليك كثيرا وخاصة عندما عدنا وأخبرنا عوض بما حدث .
-أنا بخير ..وفي انتظار وليمة من يدكِ عند خروجي سالما بإذن الله ..
ابتسم محاولا إشعارها بأنه على خير ما يرام ..صمت كلاهما للحظات إلا أنه طلب منها الاقتراب .. اقتربت بالفعل وجلست على حافة فراشه فقال بصوت واهن لم يستطع أن يكسوه بالمرح كعادته :- مي يا بنتي!..
اجابت بنبرة محتقنة تأثرا للفظة ابنتي :- نعم ..
همس :- عيشي يا مي .. لا تجعلي الماضي يجذبكِ لخيباته من جديد .. ما كان قد كان .. أمامكِ حاضر يناديكِ وأنتِ تصمين أذنيكِ عن سماع نداءاته .. انتزعى فرحتكِ وسعادتكِ بيديكِ.. لا تنتظري أن تكون سعادتكِ منحة يقدمها أحدهم .. إن السعادة و الراحة وهي حقكِ بعد كل معاناتكِ .. أنتِ تستحقيها وبجدارة ..
أشار بكفه إشارة خفيفة أدركتها هي لتنظر حيث أشار لتجد ياسين يقف يتابعهما خلف الجدار الزجاجى ..
دمعت عيناها .. كانت تتمنى أن يكون بخير الآن لتخبره بكل ما حدث وكل ما قالته عمته .. تخبره باعتراف قلبها وشقاء روحها لذاك الاعتراف .. تخبره أنها تريد السعادة بل تتمنى قربها لكن يبدو أن السعادة لها رأى آخر ..
كم هي بحاجته ..!!.. وكم تحتاج لمشورته ورأيه السديد!.. كم تحتاج لمن ينير بصيرتها في عتمة المعاناة التي تعيشها الآن!..
ربت الحاج حسن على ظاهر كفها وهو يؤكد عليها :- ستكون السعادة من نصيبكِ.. أنا أعلم ذلك .. هيا أخرجي قبل أن يتنبه أحدهم ..
اومأت موافقة ونهضت في تثاقل باتجاه الباب و نظراتها لا تفارق محياه حتى ما أن همت بفتح الباب قال : عند خروجكِ أرسلي لي السعادة..
غمز بعينه مشاكساً .. فابتسمت في حبور وقد أدركت أنه بإشارته للسعادة .. كان يقصد ياسين الذي كان لا يزل منتصبا خلف الجدار الزجاجى يتابعهما في اهتمام وفضول..
**************
فتح ياسين باب الشقة مسرعا بعد أن سبق كل من مي تسندها الدكتورة نادية صديقتها ليفتح الباب على مصرعه ..
وقفت مي متسمرة للحظات وهى تخرج من باب المصعد بصحبة صديقتها تلقى نظرة حزينة مطولة على باب الحاج حسن رحمه الله ..
أسبوع قد مر منذ وفاته وهى لم تحتمل صدمة رحيله .. سقطت بين ذراعي ياسين في المشفى لتنتقل لعالم آخر من اللاوعي .. أسبوع كامل لا تدرى ما يحدث حولها يتعاقب على خدمتها الجميع .. نادية وياسين وحتى أختها سماح تركت أطفالها في عهدة زوجها وأتت .. كانت تراهم كأطياف غير حقيقية عندما كانت تستفيق للحظات من لاوعيها الجميل .. ذاك اللاوعي الذي قابلت فيه كل من كانت بشوق إليهم .. أبيها وأمها والحاج حسن أبيها الثاني.
دمعت عيناها وتحركت في وهن باتجاه باب شقتها وهي لا تحتمل النظر مرة أخرى باتجاه شقة الحاج حسن الخالية منه، تعرف أنه لن يخرج إليها إذا ما دقت بابه ..
سارت لأقرب مقعد وجلست على أطرافه وهى تهمس لنادية :- أتعبتك كثيرا وأخذتكِ من بيتك و أولادك .. أنا بخير الآن ..
هتف ياسين محاولا ترطيب الأجواء الحزينة بنبرة مازحة :- وأنا هنا أيضا .. فلا قلق على الإطلاق .. فأنا طبيب بالمناسبة ..
ابتسمت نادية بينما ظلت مي ساهمة :- بالطبع يا دكتور ياسين ..
همست مي مجددا وهى تدفع صديقتها للخارج :- هيا يا نادية .. عودى لبيتكِ وحياتكِ التي انقلبت رأسا على عقب الأسبوع الماضى كله بسببي ..
ضحكت نادية :- حسنا .. لا داعٍ لطردي سأرحل إذا كان هذا سيرضيكِ .. لكنى سأعود وسأحضر الأولاد معى وساعتها لن تستطعي التخلص منا بسهولة..
هتف ياسين من خلفها مازحاً :- رجاءً أحضريهم فأنا أعشق الأطفال سنلهو حتى نسقط انهاكاً .. ستكون خطة رائعة لنجعل مي تهرب من الشقة طالبة العفو والسماح ..
انفجرت نادية ضاحكة بينما حاولت مي رسم ابتسامة مجاملة على مزاحهما البرئ .. هو برئ بالفعل لكن المشكلة لديها هي .. وهي تعلم ذلك .. فما أن أتى على ذكر الأطفال وعشقه لهم حتى تداعى أمام ناظريها لهوه مع أولاد أختها وكذلك أولاد نادية عندما قابلهم في إحدى المرات التي أتت بهم إليها وأخيرا صالح واهتمامه وحبه له .. كل هذا جعلها تدرك أنه بحق يعشق الأطفال وكلام عمته بأنها ترغب له في حياة مستقرة وأطفال كثر يكونوا لها أحفادا ..
انتفضت مي منتزعة من خواطرها الموجعة عندما انحنت نادية لتقبلها قبل أن تفتح الباب وترحل باتجاه المصعد الذى ما أن وصل لطابقهما حتى خرج منه رجل أشيب ذو حلة رمادية وحقيبة عملية يتطلع حوله حتى وقع ناظريه على باب شقة مي وياسين الذى كان ياسين يهم بإغلاقه فهتف يستمهله :- من فضلك!.. هل هذه شقة الدكتورة مي الرفاعي .. !!؟..
تطلع به ياسين متعجباً وهي تقف خلفه لا تدرك ماذا هناك حتى أجاب ياسين :- نعم هي .. هل من خدمة ..!!..
اومأ الرجل :- نعم .. أنا أريد مقابلتها رجاءً..
خرجت مي من خلف ياسين هاتفة :- أنا الدكتورة مي .. ماذا هناك ..!؟..
هتف الرجل :- أنا محام الحاج حسن الصواف مالك هذه الشقة .. وأشار لباب شقة الحاج حسن رحمه الله .. فهل يمكننى الجلوس معكِ لأمر هام ..!؟.. و الرجاء إحضار تحقيق للشخصية حتى اتأكد أنكِ هي ..
نظرت مى لياسين متعجبة، فهتف ياسين وقد اتخذ القرار نيابة عنها وهو يفسح المجال للرجل حتى يدخل ليجلس في وسط الردهة تماما ولم يضع الوقت فقد وضع حقيبته التي كان يحملها فوق الطاولة وفتحها في اللحظة التي جلس فيها ياسين ومي متعجبين ..
قال الرجل أمرا وهو يوجه حديثه لمي :- هل يمكننا البقاء بمفردنا ..!؟..
هتف ياسين بغيظ :- بالطبع لا .. لن أدع زوجتى مع رجل غريب لا أعرف من هو من الأساس .. فلتحمد الله أننى سمحت لكِ بالدخول والجلوس معها في وجودى ..!؟..
وكأن ما قاله ياسين لم يأت على هوى الرجل فقال لمي :- هل أنتِ موافقة على بقائه ..!؟..
هتف ياسين بحنق بالغ :- اللهم طولك يا روح .. ألا تفهم .. أنا زوجها ..
هتفت مي لتنهى الخلاف :- نعم أنا موافقة .. فهو زوجي كما أخبرك ..
هتف الرجل في لامبالاة :- حسنا .. طالما أنتِ موافقة .. لا بأس .. فهى أسرار العملاء وعلىّ الحفاظ عليها ..
هتفت مي :- أسرار..! أي أسرار !؟
قال الرجل :- انا محام الحاج حسن الصواف رحمه الله ..
هتف ياسين ساخراً :- سبق أن عرفت نفسك .. تشرفنا وماذا بعد ..!؟..
أخرج المحامى عدة أوراق من حقيبته وقدمها لمي مع قلم أمرا :- الرجاء وضع توقيعكِ الكريم على هذه الأوراق!؟.
هتف كل من مي وياسين في صوت واحد :- أي أوراق ..!؟؟..
هتف المحام في نفاذ صبر :- أوراق نقل ملكية شقة الحاج حسن الصواف رحمه الله للمدعوة مي محمود الرفاعي .. ألستِ هي!؟..
***************
يتبع..
الفصل السابع عشر من هنا