
— ميادة... أختك ميادة مش بنت سالم يا مصطفى، ميادة هي بنت عمران اللي اتحبس النهاردة!
الكلمة نزلَت على مصطفى في أوضة المكتب زي قنبلة اتفجرت في وشّ الاثنين.
ميادة كانت واقفة، الفنجان وقع من إيدها اتدشدش ميت حتة على الأرض، ورجليها مكانتش شايلاها. بصت للحاج النعماني اللي دخل فجأة ورمى قبالهم الملف الأسود القديم على الترابيزة.
مصطفى قام وقف بعنف، الوش احمر والدم حبس في عروقه:
— أنت بتقول إيه يا نعماني؟! أنت خرفت ولا عقلك اتلحس بره الحارة؟! ميادة أختي... شقيقتي من أبوي وأمي!
الحاج النعماني بصلهم بهدوء يرعب، حط إيده على العصاية الملاكي بتاعته وقرب خطوة:
— افتح الملف يا مصطفى... افتح أوراق التبني وعقد الاتفاق اللي أبوك المرحوم سالم ماضيه مع عمران من خمسة وعشرين سنة لما عمران كان مفلس ورمى بنته عشان خايف من الفقر! أبوك استلم ميادة ورباها على إنه ستر ونشأها على إيديه، ولما عمران كبر واغتنى، أخد الشيكات على أبوك عشان يضغط عليه ويرجع بنته... والممر كله كان مجرد اللعبة اللي عمران بيلعبها عشان ياخد بنته بالضغط والتهديد!
ميادة بصت للأوراق وهي بترتعش، عينيها جت على اسمها المكتوب بخط أبوها اللي مربيها... الدموع نزلت من غير صوت، بصت لمصطفى بنظرة تقطع القلب:
— مصطفى... قول لي إن ده كذب... قول لي إن الراجل ده بيخرف! أنا مش بنت عمران المجرم ده... أنا أختك أنت! أنا ميادة سالم!
مصطفى قرب منها بخطوات سريعة، مسك إيديها الاثنين بقوة وجذبهما لقلبه، وبص للنعماني بعيون بتطلع شرار:
— ميادة أختي! الأوراق دي تبلها وتشرب ميتها يا نعماني! الدم اللي في عروقها ده دمي، واللي رباها وصانها هو أبوي سالم... عمران لو كان أبوها في الشهادة، فهو بالنسبة لنا مجرد جثة ومجرم ومحيناه من حياتنا!
ميادة حطت رأسها على صدر مصطفى وهي بتشهق بالبكاء لأول مرة من سنين، الجمود كله انكسر في لحظة:
— أنا خايفة يا مصطفى... حاسة إن الدنيا كلها اتكشفت قدامي وحقيقتها طلعت مزيفة!
مصطفى باس رأسها بقوة وحضنها أكتر، وبص للنعماني بصوت هز جدران المكتب:
— ميادة هي ست الممر وأخت مصطفى سالم... واللي يفكر يلعب بالنقطة دي تاني عشان يكسرها أو يسرق حقها، هكون أنا نهايته قبل ما يرمش! اخرج بره يا نعماني، الممر ده صانع أسياده، وميادة سيدته للآخر!
وقبل ما النعماني يتحرك خطوة واحدة ناحية الباب... الباب اتفتح بدبة رجل هزت الأرض!
دخل راجل لابس جلباب بلدي كحلي وعباية صوف تقيلة، وشه مشدود وعينيه بتبرق كأنه طالع من المقابر... الراجل ده كان **الحاج سالم نفسه!** سالم أبوه لمصطفى وميادة اللي الكل فاكر إنه مات وشبع موت من خمس سنين!
النعماني اتسمر مكانه والعصاية اتزحلقت من إيده وقعت على الأرض، وشه اتقلب أصفر زي الجثة وصرخ بصوت مكتوم:
— سـ... سالم؟! أنت حاي؟! إزاي؟!
ميادة ومصطفى اتسمروا في مكانهم، مصطفى ساب إيد ميادة وصدمة عمره خلت الصوت يهرب منه، وميادة بصت للراجل وهي مش مصدقة عينيها... أبوها اللي بكت عليه وراحت المقابر تزوره كل جمعة، واقف قدامها بلحمه ودمه!
سالم خطى خطوة لجوة، بص للنعماني بجمود وقسوة هزت الأوضة، ورمى على الترابيزة شنطة سودا صغيرة:
— آه حاي يا نعماني... حاي عشان اليوم ده بالذات! اليوم اللي تفتكر فيه إنك لافف الحبل على رقبة عيالي وتلعب بورقك الوسخ!
مصطفى طلع صوته بالعافية وهو بيرتعش:
— يابوي... أنت... أنت عايش؟ وخبيّت علينا كل السنين دي؟ سبتنا للذئاب تأكل فينا وأنت عايش؟!
سالم التفت لمصطفى، ونظرة الندم والعجز كانت مالية عينيه، بس رفع رأسه بثبات وقرب من ميادة:
— خبيت عشان أحميكم يا مصطفى... عشان لو كنت فضلت، عمران والنعماني كانوا هيقتلوني ويقتلوك أنت وأختك ويصفوا الممر! اللعبة مكانتش تبني يا نعماني... اللعبة كانت أوسخ من كدة بكثير!
ميادة بصت لأبوها والدموع بتجري على وشها، وقالت بنبرة مكسورة:
— النعماني بيقول إني مش بنتك يا أبا... بيقول إني بنت عمران المجرم! قول له إنه كذاب... قول له إنك أبويا أنا!
سالم قرب من ميادة، حط إيده اللي بتترعش على وشها، وبص في عينيها وقال بصوت زلزل المكتب كله:
— النعماني كذاب يا ميادة... بس الأوراق اللي معاه دي حقيقية! مش لأنك بنت عمران، الأوراق دي عمران كتبها زمان بتزوير وتواطؤ مع النعماني عشان يلبسوني قضية تبني وتزوير ويضغطوا عليا بيكي... لكن اللي محدش يعرفه في البلد دي كلها، ولا حتى عمران نفسه... إنك أنتِ يا ميادة **بنت النعماني الحقيقية!**
الصدمة نزلت على الأوضة زي صاعقة شقت السقف!
النعماني وشه اتخطف وبص لسالم بذهول مرعب:
— أنت بتقول إيه يا سالم؟! أنت اتجننت؟!
سالم ضحك ضحكة قاسية مليانة وجع، وسحب من الشنطة ورقة صفراء قديمة وشريط تسجيل:
— مش أنا اللي اتجننت يا نعماني... أنت اللي نسيت ذنبك من خمسة وعشرين سنة! لما رميت بنتك الرضيعة من مرتك الأولى في المستشفى عشان كانت بتموت وكنت خايف من الفضيحة والفقر قبل ما تعمل قرشين! أنا اللي أخدتك يا ميادة من حضن الممرضة، أنا اللي ربيتك وكتبتك على اسمي وصنتك وحميتك حتى من أباكي الحقيقي اللي كان مستعد يبيعك عشان القرش!
مصطفى وقف ساتر لأخته وزعق في النعماني بعنف:
— أنت... أنت اللي عملت كدة؟! أنت اللي رميتها وجاي النهاردة تكسرها وتلعب بأعصابها؟!
النعماني كان بيرجع لورا بخطوات مكسورة، عينيه كانت مالية دموع صدمة ونشيج مكتوم، بص لميادة كأنه بيشوفها لأول مرة في حياته... الجبروت والقسوة اللي كانوا في وشه اختفوا، وحل محلهم راجل عجوز مكسور، وسحب جسمه وخرج من المكتب وهو بيترعش ومفيش في إيده أي كلمة يدافع بيها عن نفسه.
سالم مسك إيد ميادة وإيد مصطفى، وحطهم في إيدين بعض وقربهم لقلبه:
— الدم مش هو اللي بيعمل الأبوة ولا الأخوة يا نعماني... التربية والأمان والحنية هما اللي بيعملوا العيلة! ميادة أخت مصطفى بالسند والظهر والعشرة، وميادة بنت سالم اللي صانها وعاش ومات وقام من الموت عشان يحميها!
ميادة مسكت إيد مصطفى بعنف وحضنته، وبصت لأبوها سالم وثباتها رجع لها:
— أنت أبويا يا سالم.. واللي يربّي ويصون ويقف في وش الدنيا عشان يحميني هو اللي يستاهل كلمة أبا.. والماضي ده أنا دفنته من اللحظة دي.
وقبل ما يكملوا كلامهم، تليفون ميادة رن بصرخة أزعجت هدوء الأوضة... رفعت التليفون ورَدّت، وبثواني وشها اتخطف، والدم هرب من عروقها تماماً.
مصطفى اتخض وقرب منها:
— في إيه يا ميادة؟ مين بيكلمك؟
ميادة بصت لمصطفى بصوت بيرتعش ودموع الخيبة غطت عينيها:
— ده حمزة... المستشفى بتكلمني منه، عمل حادثة كبيرة وهو سكران ومعه واحدة في العربية... والبوليس قابض عليه هناك بعد ما دمر عربية ناس وضرب أمين الشرطة!
ميادة حطت إيدها على وشها من كتر القرف والخذلان... قرف من راجل كان زمان ليها معاه تجربة وزمان ادته أمانها، بس طول عمره طايش ومبيعرفش يصون النعمة، وجاي في أكتر وقت هي محتاجة فيه هدوء عشان يلوث اسمها ويزيد همها بعيد عن الممر ومشاكله.
وفي اللحظة دي بالذات... الباب اتخبط خبطتين هاديين وقويين في نفس الوقت.
دخل **"زين"**... ابن الأصول، الشاب الرزين اللي عينيه مليانة رجولة ونخوة، وكان لسه واصل الحارة وعرف باللي حمزة عمله وبرواتب القرف اللي بيسببها لميادة.
زين بص لميادة اللي واقفة مقهورة، وبعدين بص لسالم ومصطفى، ووشه فيه نار وقسوة على حمزة بس بنخوة ورجولة:
— عمي سالم... أستاذ مصطفى... أنا بعتذر إني أتدخل في وقت زي ده، بس الراجل اللي اسمه حمزة ده جاب آخره وخرايب أفعاله وصلت لحد هنا! أنا لسه نازل من عند المستشفى، ووقفت المهزلة دي بنفسي... رفعت عنه غطاه، وهاجمته قدام البوليس والناس كلها وعرفته مقامه وعرفتهم إنه ملوش أي علاقة بيكي يا ميادة ولا يمت ليكي بصلة، وخليت البوليس ياخد مجراه معاه عشان يتحاسب على كل قذارته بالقانون ويتربى!
ميادة رفعت رأسها بذهول، بصت لزين اللي كان واقف زي الصقر، مبيسمحش لراجل ناقص يمس كرامتها أو يضايقها بكلمة.
زين خطى خطوة لقدام، وبص لميادة بعيون مليانة حنية ورجولة تطمن:
— حمزة ده مكانش راجل يتقال عليه سند ولا يعرف يعني إيه يصون ست جدعة زيك يا ميادة... الراجل البصام اللي زي ده ما يلزمكيش ولا يتقارن بيكي. وأنا جاي النهاردة عشان أقفل باب القرف ده للأبد... أنا جاي أطلب إيدك على سنة الله ورسوله قدام أبوعلي وأخوكي مصطفى.
زين كمل كلامه بثبات وهو باصص لمصطفى وسالم:
— أنا شفت ميادة الست الجدعة، وشفت قلبها النقي اللي استحمل قسوة الناس.. أنا مش جاي أزود أحمالك يا ميادة، أنا جاي أكون الراجل اللي يشيل عنك، أكون لكِ السند والأمان والظهر اللي يمسح كل خذلان شفتيه من أشباه الرجال.. لو قبلتيني، أوعدك قدام ربنا وأبوكي وأخوكي إنك مش هتشوفي معايا غير الحنية والتقدير والستر.
مصطفى ابتسم ابتسامة صافية، بص لميادة ومسك إيدها وحطها في إيد زين:
— الحب والرجولة مش كلام يا زين... الحب أمان ونخوة، وأنت أثبتّ إنك راجل سوي بتعرف تحمي وتصون وتدخل البيوت من أبوابها.. وميادة أختي وغالية عليا، وأنا مطمن وهي معاك.
زين مسك إيد ميادة بهدوء وباس رأسها قدام أبوها وأخوها وقال بصوت دافي هز كيانها:
— أوعدك يا ميادة.. هكون لكِ الكتف اللي تتسندي عليه وقت الشدة قبل الفرح، والحضن اللي ينسيكي كل قسوة وخذلان شفتيه.. أنتِ أمانتي اللي هصونها بعمري.
ميادة حست براحة لأول مرة من سنين، مسحت دموعها وابتسمت بكسوف:
— ربنا يخليك ليا يا زين.. ويجعل بيننا المودة والرحمة.. ♡♡
---
(الراجل السوي مش اللي بيعمل زياط وكلام فارغ... الراجل السوي هو اللي يعرف يدافع عنك في غيابك، يوقف كل ناقص عند حده، ويكون لكِ أمان وسند ينسيكي كل خذلان عاشتيه مع أشباه الرجال).
ربنا يرزقنا جميعاً بالأمان والحلال 🤎
الفصل الثلاثون من هنا