
رواية استثنائية في دائرة الرفض الفصل الثالث والثلاثون33 ج 2 بقلم بتول عبدالرحمن
عدت ثواني طويلة تيم ساكت بيبصلها لحد ما اخيرا قال بهدوء
"عرفتي إزاي؟"
سديم اتجمدت، بصتله بعدم استيعاب
"ده اللي يهمك؟!"
صوتها علي
"بجد ده اللي يهمك؟!"
تيم فضل ساكت، أما هيا فبدأت تستوعب وقالت بخوف
"ثانية..."
رجعت خطوة لورا بصدمة
"ثانية ثانية، إنت متفاجئتش."
تيم سكت، وده كان أسوأ رد ممكن تسمعه، سديم هزت راسها بعدم تصديق
"إنت متفاجئتش كأنك عارف، إنت تعرف إنه شغال في كده."
سكتت لحظة وبعدين قالت بسرعة كأنها بتهرب من الفكرة
"إنت رافض تدخل في علاقات عشان كده؟"
هزت راسها فورًا
"لا، أكيد لا."
بدأت ترجع لورا أكتر
"إنت مستحيل تعمل كده."
دموعها بدأت تلمع في عينيها
"أكيد لا."
كانت بتبصله كأنها مستنية منه ينفي بس تيم فضل واقف مكانه، هادي بشكل مرعب وساكت وده خلاها تكمل بصوت مكسور
"إنت مش كده."
هزت راسها بعنف
"وعمرك ما هتكون كده، أكيد مش بتمثل زيه."
قالت وهيا بتحاول تتنفس
"لا... لو ده حقيقي هموت والله."
هزت راسها وهيا بتبصله
"لا، اللي شوفته ده أكيد مش حقيقي..."
تيم فضل ساكت، ثواني طويلة عدت، وسديم واقفة قدامه مستنياه يتكلم أو يقول اي حاجة، أخيرًا تيم أخد نفس ببطء وقال
"أنا عمري ما اشتغلت مع أحمد."
سديم رفعت عينيها بسرعة كأنها اتعلقت بجملته وهو كمل
"ولا عمري هشتغل معاه."
سديم حست انها ارتاحت، دلوقتي ممكن تتنفس عادي، تيم كمل بنفس الهدوء
"بس ده ميمنعش اني اعرف هو بيعمل ايه بالظبط"
الراحة اللي حست بيها اختفت فورًا، بصتله بصدمة
"يعني إيه تعرف؟!"
تيم بص بعيد وقال
" ودي اشرحهالك ازاي مش فاهم؟"
سديم قربت منه بسرعة
"من إمتى؟"
مردش
"من إمتى يا تيم؟!"
تيم سكت لحظة وبعدين قال
" هتفرق معاكي"
سديم حطت إيدها على بوقها
" طب ازاي سايبه؟! يعني... يعني ازاي... حرام"
لفلها فورًا وقال بحدة لأول مرة
"فاكرة الموضوع بالسهولة دي؟!"
سديم اتفاجئت من نبرته، تيم مرر إيده في شعره بعصبية واضحة
"إنتي أصلاً مكانش المفروض تعرفي أي حاجة من دي."
سديم ضحكت بعدم تصديق
"بعد اللي شوفته؟!"
تيم رد فورًا
"بالذات بعد اللي شوفتيه."
سكت لحظة وبعدين سأل
"مين اللي وصلك لكده؟"
سديم بصتله بعند
"مش مهم."
تيم قال ببرود
"مهم طبعا."
هزت كتفها ببرود
"مش هقول."
رد بعند
"هعرف."
سديم قالت بعصبية
"ما تعرف."
تيم سكت لحظة وهو باصصلها وبعدين قال
" انا مش عارف اصلا ايه دخلك في حاجة متخصكيش"
سديم قالت بسرعة
"وأنت؟! إنت ليه عارف كل ده؟!"
تيم لف وشه بعيد وهيا علت صوتها
"إيه علاقتك بالموضوع؟!"
"مفيش."
"كداب."
تيم ضحك بسخرية خفيفة
"في حاجات مينفعش تعرفيها."
"وأنا عايزة أعرف."
"مش كل حاجة عايزين نعرفها يبقى لازم نعرفها."
سديم هزت راسها بعند
"لازم أعرف."
تيم ثبت عينه عليها ثواني طويلة وبعدين قال بهدوء مخيف
"طيب قوليلي."
سكت لحظة
"لما عرفتي الحقيقة دي... قدرتي تنامي؟ قدرتي تاكلي وتشربي؟ قدرتي تبطلي تفكري في اللي شوفتيه؟"
سديم مردتش، عينيها نزلت للأرض وهو قال
"أهو ده سبب، في أبواب أول ما بتتفتح... بتدمر اللي فتحها."
سديم كانت واقفة قدامه، ملامحها تايهة بين الصدمة والخوف وعدم التصديق، هزت راسها ببطء وقالت
"أنا أصلًا مش مصدقة إنت بتقول إيه، أنا حاسة إني في كابوس."
سكتت لحظة قبل ما تكمل
"أنا لأول مرة في حياتي أشوف منظر زي ده."
عينيها نزلت للأرض
"وخوفت... خوفت بجد."
تيم فضل ساكت يسمعها وهيا قربت خطوة وسألت بإصرار
"أحمد عايز منك إيه؟"
سكتت ثانية
"عايزك معاه صح؟"
بلعت ريقها بصعوبة
"طب إشمعنا إنت؟ إنت مش عارف دماغي عاملة إزاي دلوقتي."
حطت إيدها على راسها وكأنها بتحاول تجمع أفكارها
"أنا مصدومة و..."
وقفت لحظة
"مش عارفة."
تيم بصلها كام ثانية وبعدين قرب منها خطوة بهدوء وقال
"عارف."
سديم رفعت عينيها ليه
"مش لازم تتكلمي عشان أعرف إنتي حاسة بإيه."
الكلام خرج منه تلقائي، من غير برود، من غير الحواجز اللي كان دايمًا بيحطها بينهم وده خلاها تبصله للحظة طويلة، كأنها أخيرًا شافت الشخص اللي بيستخبى ورا كل الجدران دي، قالت بصوت أهدى
"طب قولي أي حاجة عشان خاطري، أحمد عايز منك إيه؟ وإنت من إمتى عارف؟ وليه إنت؟"
تيم سكت كالعادة، سديم قربت أكتر ومدت ايديها ومسكت إيده وقالت بصوت مبحوح
"عمري ما هنسى اللي شوفته."
ضغطت على إيده أكتر
"ومش هسكت لحد ما أعرف هو عايز منك إيه، حتى لو اضطريت أروحله."
تيم رفع راسه فورًا يبصلها وهيا كملت
"لو إنت مش هتجاوبني... يبقى هو هيجاوبني أكيد."
تيم ملامحه اتشدت فورًا وقال بحدة واضحة
"بطلي جنان إنتي كمان."
سديم رمشت باستغراب وهو قال
"هو لو عرف إنك عرفتي... مش هيسيبك."
سديم قالت بسخرية
"بس هو برضو مش راضي يسيبك، وأنا مش فارق معايا."
تيم شد فكه بغضب وسديم كملت وهيا بتحاول تضغط عليه
"إنت قولتلي إنك مش بتاع أي علاقات، وقولتلي إنك مش بتاع جواز، ولا استقرار، وقولت كلام مش هنساه طول عمري، ليه يا تيم؟ عشان إيه قولت كده؟ إيه السبب؟"
تيم فضل ساكت وهيا قالت بإصرار اكبر
"معلومة صغيرة علفكرة... أنا مش هسكت، وهعرف ليه رافض."
تيم سحب نفس طويل وبعدين قال بهدوء
"روحي شوفي حياتك بعيد عن كل ده، انتي تستحقي حياة أحسن، بلاش..."
قاطعته قبل ما يكمل وقالت بدون اي تردد
"هقولك، حياتي من غيرك ملهاش لازمة، أنا مستعدة حتى إني أضحي بحياتي وعمري كله."
صوتها كان مهزوز
"بس مش هبعد عنك، والنهاية الوحيدة اللي تعرفها... أنا هكون معاك فيها، مهما كانت."
دموعها كانت محبوسة بالعافية، وإيدها لسه متشبثة بإيده كأنها خايفة يبعد أو يختفي لو سابتها، بصتله وقالت بصوت مهزوز
"تيم... أنا بحبك أوي."
تيم غمض عينيه بألم وهيا كملت
"وعارفة إن الشخص اللي الناس كلها شايفاه ده... شخص الدنيا عملته بمرور الزمن، بس إنت مش كده، أنا اتعاملت معاك، عرفتك، شوفتك، وبقولك إني عمري ما هسيبك، وهفضل معاك حتى لو نهايتي الموت."
ابتسمت ابتسامة موجوعة
"أقولك إيه أكتر من كده؟"
الصمت نزل بينهم، تيم فضل باصصلها كام ثانية قبل ما يقول بهدوء
"بس أنا لسه عند كلامي، إنتي تستحقي الأحسن."
هزت راسها جامد برفض
"بالنسبالي مفيش أحسن، إنت أحسن حد بالنسبالي."
سكتت لحظة قبل ما تكمل
"قولي عشان خاطري، تعرف إيه عن أحمد؟ ولو إنت فعلًا مش معاه... ليه ساكت على اللي بيعمله؟"
بلعت ريقها بصعوبة
"إنت مش عارف جوايا أسئلة قد إيه دلوقتي."
تيم زفر ببطء وقال
"سديم... انسي كل اللي عرفتيه، وامشي."
بصتله بعدم تصديق وهو كمل بجدية
"بلاش أنتي كمان تكوني ضغط عليا، متحسسنيش بالعجز، انا عمري ما اديتك كلمة أو وعد عشان اللي بتعمليه ده."
ساد الصمت لثواني بينهم، سديم هزت راسها ببطء وابتسمت ابتسامة خفيفه وقالت بهدوء
"تمام، خليك متأكد إني لو خرجت من هنا... هروح لأحمد، وأفهم منه اللي إنت مش راضي تفهمهولي، انت حر."
تيم ملامحه اتجمدت وقال بحدة واضحة وصوت عالي
"سديم."
قاطعته بيرود
"أقسملك هعملها."
بصتله بثبات
"إنت حر، أنا قولت اللي عندي."
تيم وقف قدام الشباك، ضهره ليها وعقله بيلف في ألف اتجاه، سديم استنته يتكلم بس هو فضل ساكت لحد ما فقدت آخر ذرة صبر عندها وقالت بصوت ثابت
"تمام، يبقى أعرف بطريقتي."
لفت ناحية الباب ومدت ايديها تفتح الباب بس قبل ما تفتحه سمعت صوته
"استني."
وقفت مكانها وهو لف يبصلها بعيون حادة
"مش هسكت يا تيم، لو إنت مش هتقول هعرف بطريقتي."
فضل باصصلها كام ثانية وهو بيفكر وبيحارب نفسه، أخيرًا مرر إيده على وشه بتعب وقال
" ماشي"
سديم رمشت باستغراب
" ماشي؟"
تيم قرب من المكتب وخطف مفاتيح عربيته وقال
"تعالي."
سديم بصتله بعدم فهم
"أجي فين؟"
تيم عدى من جنبها وخرج من المكتب وهو بيقول
"معايا."
وقفت مكانها لحظة
"معاك فين؟"
فضلت واقفة مكانها ثواني قبل ما تمشي وراه بسرعة، تيم كان ماشي بخطوات سريعة كعادته لحد ما وصل للأسانسير ودخل وسديم دخلت وراه بسرعة وسألت
"إحنا رايحين فين؟"
تيم بص قدامه وقال
" متسأليش"
الأسانسير وقف وتيم خرج بسرعة وهيا خرجت وراه تلحقه بسرعة، وصل عربيته وركب وهيا ركبت جنبه وبمجرد ما ركبت اتحرك، استنت شوية وبعدين سألت
"هتوديني فين؟"
تيم كان مركز في الطريق ورد باختصار
"من هنا لحد ما نوصل... متتكلميش ولا تسألي، ولو سألتي هنزلك واعملي اللي تعمليه"
سديم فتحت بوقها عشان ترد بس أول ما شافت ملامحه عرفت إنه مش بيهزر فسكتت، بصت من الشباك ومش فاهمة هو واخدها على فين أصلًا بس في نفس الوقت... كانت واثقة فيه.
الدقايق عدت وبقت نص ساعة وهما لسه موصلوش، سديم بدأت تستغرب بس فضلت ساكته ومرضيتش تسأل، النص ساعة بقت ساعة كاملة وساعتها بدأت تحس إن الموضوع بقا غريب فعلًا، خصوصًا إنه كان كل شوية يدخل شارع ويخرج منه ويلف في كذا طريق ويغير اتجاهاته لدرجة إنها بدأت تشك إنه تايه.
أو يمكن... بيتأكد إن محدش وراهم.
فضلت تراقبه بطرف عينيها بس ملامحه كانت جامدة كالعادة وتركيزه كله في الطريق، أخيرًا مقدرتش تستحمل أكتر من كده، لفت ناحيته وقالت
"هو في إيه؟"
مردش فكملت
"مش بنوصل ليه؟ مش فاهمة."
تيم فضل باصص قدامه وقال بهدوء
"هنوصل."
بس، دي الكلمة الوحيدة اللي خرجت منه وبعدها سكت تماما وهيا كمان سكتت، وبعد حوالي ربع ساعة زيادة... بدأت المباني تقل والشوارع تفضى، والمنطقة كلها تبقى مهجورة بشكل غريب لحد ما أخيرًا وصلوا لمكان معزول تمامًا، مكان شبه منسي غالبا، تيم خفف السرعة وبعدين ركن العربية أخيرًا.
سديم بصت حواليها باستغراب وقالت
"إحنا فين؟"
تيم نزل من العربية من غير ما يرد وهيا اتنهدت ونزلت وراه، رفعت عينيها قدامها ولقت مخزن ضخم في نص المكان شكله قديم جدًا، الصاج اللي عليه متآكل، سديم وقفت مكانها لحظة، إحساس غريب بدأ يتسلل لجواها.
أما تيم فمداهاش فرصة حتى تستوعب وجودها في المكان لأنه اتحرك مباشرة ناحية المخزن وطلع مفاتيحه وفتح الباب الحديدي ودخل
سديم بلعت ريقها وبصت للمكان مرة أخيرة قبل ما تاخد نفس عميق وتدخل وراه.
المكان فاضي وعادي ومترب، مشي لحد ما وصل لنقطة معينه في الأرض الفاضية وسحب زرار خفي لو حد موجود ميعرفش بوجوده، من المستحيل ياخد باله منه، بمجرد ما سحبه ظهرله اسانسير موديرن، تيم خرج من جيبه جوانتي في صوباع واحد، لبسه وحط صباعه على تاتشه ففتح، سديم انبهرت من وجود الاسانسير ده في المكان ده، دخلت ورا تيم، تيم ضغط على الزرار الوحيد الموجود اللي برضو اتحرك ببصمة الجوانتي، الاسانسير نزل بيهم ووقف، تيم خرج وسديم خرجت وراه بخطوات مترددة، كان في قدامهم ممر طويل اوي، طويل بشكل يخنق، إضاءة بيضا باردة طالعة من الأرض نفسها، الحيطان معدن غامق، وكاميرات صغيرة جدًا مزروعة في كل زاوية هيا مشافتهاش، كانت مشاية وراه ببطء وعينيها بتلف حوالين نفسها، مفيش غير صوت خطواتهم اللي مسموع بس، تيم وقف قدام باب ضخم جدا، شبة باب خزنة البنوك، حط صوباعه على البصمه، بص للكاميرا وحرك الباب بخطوات هو بس اللي عارفها وصوت إلكتروني طلع
"Identity confirmed."
الباب بدأ يفتح ببطء وسديم حرفيا مصدومه أو منبهرة، اول ما الباب اتفتح تيم دخل وهيا دخلت وراه، وقفت مكانها وبرقت جامد وهيا مش مستوعبه عينيها، المكان اللي كان ورا الباب مهول، وقفت مكانها وهيا بتبص حواليها ومصدومه، السقف عالي اوي اوي، القاعة ضخمة جدا، الجنب اللي قدامها كله مليان شاشات شغالة مالية الجدار كله، شاشات كتير جدا مالية الحيطة، غمضت عينيها من اللي شافته في الشاشات، الشاشات دي نفس المشهد اللي شافته بالظبط على فون ريشة، غمضت عينيها بسرعة وهيا مصدومة، ثواني وفتحت عينيها وبصت على جانب تاني، في خرائط موجودة وصور أشخاص مهولة متعرفش ازاي اتجمعوا اصلا، واسماء كتير متوصله بخطوط حمره وزرقه وخضره ماشية في كل اتجاه بتواريخ، وفي النص مجسم ضخم جدا لشبكة مترابطة، أسامي متعلقة بخيوط إلكترونية مضيئة، كل اسم متوصل بعشرات غيره، الخيوط ماشية بينهم كأنهم عروق لجسم واحد، سديم قربت خطوة ببطء شديد وقالت بصوت شبه مبحوح
"إيه... كل ده؟"
تيم كان واقف ثابت جدًا وهادي وقال بدون ما يبصلها
"دي الشبكة اللي احمد يمثل منها 1%."
سديم لفت تبصله بسرعة
"الشبكة؟!"
تيم قرب من المجسم وقال
" هنا كل شخص مربوط بحد، وكل حد فوقه حد، وكلهم تابعين لراس واحدة بس"
سديم بصت للمجسم، هيا مش فاهماه، بصت لأول خريطة شافتها، متعلم الوان على اشخاص، سألت بخوف
" ايه دول؟!"
تيم قال
" كل لون مختلف"
شرحلها كل لون هيحصل ايه في صاحبه وهيا قلبها دق وهيا بتبصله بزهول، بصت على باقي الخرائط من غير ما تتكلم وهيا بتقرأ كل واحدة عبارة عن ايه
خرائط علاقات، صور لناس متعلقة بخيوط، تحت كل صورة بيانات... مكالمات.... تحويلات... رحلات سفر.
في خريطة كاملة خاصة بالمواني بس، خريطة تانية للبنوك والشركات الوهمية، واحدة للتحركات السياسية، وواحدة للابتزاز، واحدة للضحايا، وواحدة مكتوب فوقها بخط أحمر
" DISPOSABLES"
رجعت تبص للشاشات تاني وحاولت على قد ما تقدر تطنش المنظر اللي شافته وبصت على باقي الشاشات وشافت اماكن مختلفة.. مخازن.. معامل.. ممرات.
وبمجرد ما عينيها وقفت على شاشة معينه بصت بصدمه، دي شايفة احمد، شهقت بدون وعي
"ده... أحمد؟!"
تيم هز راسه، قرب من الشاشة، لمسها بإيده فالكاميرا كبرت أكتر على معمل ضخم جدًا، ناس بتشتغل بصمت وأحمد بيراقب، تيم قال
" امممم، ده المعمل اللي بيتفشخرلي بيه، اللي قدر من خلاله يعمل المادة اللي كانت هتجيب اجلي"
سديم قالت بزهول
" انت ازاي وصلت لده؟!"
تيم بص حواليه وقال
" مش غريب السؤال ده؟!"
سديم بلعت ريقها وقالت
" انا مزهوله"
سديم بصتله بصدمة حقيقية، تيم قرب ناحية المجسم الكبير، كانت أعقد حاجة شافتها في حياتها، تيم شاور بايده وقال
" سألتيني ايه علاقتي بأحمد"
سكت لحظة وبعدين شاور على اسم موجود بلون باهت شوية وقال
" الشخصية دي"
سديم بصت على الاسم اللي بيشاور عليه وقرأت الاسم
" مدام زيرو"
سديم عقدت حواجبها
"مين دي؟"
تيم سكت لحظة وبعدين قال بهدوء خالي من أي مشاعر
"أمي."
سديم حرفيًا رجعت خطوة لورا، بصتله بصدمة خالصة
"إيه؟!"
تيم كان ثابت، قال بهدوء وهو بيشاور على اسم قريب جدا جنب اسمها
" الاسم اللي جنبها ده اللي اخد مكانها بعد ما اتقتلت"
سديم كانت لسه مصدومه، مامت تيم كانت شغالة في العالم ده، واتقتلت؟! مستحيل اللي هيا بتسمعه ده مستحيل، تيم مشى ناحية جزء فاضي تقريبًا من الخريطة، مكان مفيهوش غير خيط واحد نازل، مسك قلم إلكتروني وكتب اسم
"تيم المهدي."
سديم بصتله بعدم فهم، تيم وصل الاسم بخط أحمر طويل داخل الشبكة وقال وهو بيبصلها
"وده اللي المفروض يحصل لو وافقت على قرارهم."
سديم استوعبت، بسرعة مسحت اسمه وقالت
" مستحيل، مش هيحصل"
تيم رد بهدوء
" هو مش هيحصل يا سديم، انا بس اللي بقرر"
سديم قالت بعدم استيعاب
" انا دماغي كبيرة اوي، انا مش فاهمه لحد دلوقتي اي حاجة، ازاي ده كله، وايه ده، ده حقيقي، ده بجد؟!"
تيم قال
" العالم ده حقيقي بكل حزافيره، ببنيه من عشرين سنه فاتوا، ومش ناوي انهيه، بالرغم من اني عارف اني انتهيت لو المكان ده حد عرف بيه"
سديم كانت حاسة إنها واقفة جوا عقل شخص مش طبيعي، تيم مش مجرد شخص جامع معلومات، تيم حافظ إمبراطورية كاملة أكتر من أصحابها.
قرب من خريطة تانيه مختلفة تماما عن المجسم الكبير المعقد اللي لسه بتحاول تستوعبه، شاور على نقطة صغيرة جدًا وسط مئات الخطوط
"دي بداية شحنة."
وشاور على نقطة تانية
"دي شركة الغسيل."
وبعدين خط بإيده مسار طويل جدًا بين عشرات الأسماء
"وده طريق الفلوس لحد ما توصل للشخص الحقيقي."
سديم كانت بتبصله كأنه بيتكلم بلغة تانية، تيم بصلها وقال وهو بيشاور وراها
" ده جزء الماضي، ملفات عن أشخاص انتهوا وانتهت حكايتهم"
شاور ناحية الشاشات وقال
" دي ماضي ومستقبل وحاضر، زيها زي المجسم ده، والخرايط دي ملخص لسنين طويلة"
سديم شاورت بصدمة وقالت
" ده ملخص؟!! ازاي؟! انا لو قعدت سنين افهم ايه ده مش هفهم"
تيم حط أيده في جيبه وقال
" محدش هيفهمهم غيري، انا عايش هنا طول عمري، فاهم ايه بيحصل بالظبط وعارف ايه اللي ممكن يتم في المستقبل"
سديم زهولها كان بيزيد، مش قادره تصدق اللي هيا فيه، ازاي دي ممكن تكون دماغ شخص اصلا، ازاي...؟
تيم بصلها وقال
" سديم انا سلمتك روحي، جبتك في مكان مستحيل كنت افكر في يوم اجيب حد فيه، يعني روحي معاكي"
سديم بصتله وهيا لسه مش مستوعبه، همست
" ليه؟! عرفتني ليه؟! كان ممكن تكدب عليا وكنت هصدقك"
تيم سكت لحظة ورد
" معرفش، معنديش إجابة"
سديم غمضت عينيها بتعب
" مش عارفه استوعب حاجة طيب"
تيم ابتسم
" نمشي؟!"
سديم قالت
" ياريت، انا خايفة"
سديم خرجت ورا تيم لحد ما وصلوا بره المخزن بنفس الطريقة اللي دخلوا بيها، وبالرغم أن الجو بارد والهوا نفسه شديد الا أنها كانت حاسة بصهد، كانت لسه في حالة صدمة، كأنها ماشية جوا حلم مش حقيقي، كل اللي شافته تحت الأرض كان بيلف في دماغها بشكل مرعب، بتحاول تستوعب
ازاي إنسان يقدر يعيش وكل ده جوه دماغه؟
وازاي اللي قاله كله يكون حقيقي أصلًا؟
وقفت جنبه وهو واقف ساند على العربية وبعدين بصتله وقالت
"تعرف إن بقا عندي أسئلة أكتر بكتير؟ أنا كنت جاية أفهم... بس حتى اللي كنت فاهماه مبقتش فاهماه."
تيم أخد نفس طويل وهو باصص قدامه وقال
"قولتلك مش لازم تفهمي، قولتلك امشي وابعدي... انتي لسه فيها."
سديم هزت راسها وقالت فورًا
"انسى، أنا مستحيل أسيبك... خاصة بعد اللي شوفته."
" مش بمزاجك."
" هنشوف"
تيم سكت، فضل باصص قدامه فترة طويلة، وبعدها اتكلم فجأة من غير أي مقدمات
"كنت لسه صغير جدًا لما عرفت إن ماما بتستدرج بنات وتبعتهم لحد مجهول أنا معرفوش."
سديم بصتله بسرعة وهيا مش مصدقة أنه بجد بيكلمها هيا وبيحكيلها
"أول مرة شوفتها بتخدر بنت قالتلي إن البنت تعبانة وحد هييجي يروحها بيتها."
سكت لحظة قصيرة
"وتاني مرة شوفتها كانت نفس الحجة، البنت تعبت... وحد من أهلها هييجي ياخدها."
ساد الصمت لحظات وهو سايبها تستوعب، وبعدين كمل
"كل مرة تقريبًا بنفس الحجة... كانت فاكرة إنها بتضحك عليا، شوفتها عشر مرات... أكتر يمكن."
سكت لحظة
"أنا مكنتش غبي عشان أصدق أي حاجة بتتقالي، خاصة اني كنت بشوفها بنفسي بتخدر البنات دي"
لف وشه ناحيتها لأول مرة
" ولما قولتلها اني شوفتها واني عارف انهم مش تعبانين وانتي اللي خليتيهم كده مأنكرتش، قالتلي لو حد عرف أو قولت لحد على اللي شوفته... هيا هتروح في داهية."
سكت ثانية
"شوفتها بنفسي بتخدر البنات، وشوفتها بتسلمهم."
نزل بعينيه للأرض
"بس كانت بتحاول على قد ما تقدر تكون حريصة... خاصة معايا علشان مقولش اي حاجة لحد."
سديم بلعت ريقها وقالت بتردد
"كانت بتعمل زي أحمد؟... نفس اللي بيحصل في الناس اللي بيخطفهم؟"
تيم هز راسه
"هيا مكانتش مهتمة تعرف أصلًا بيحصل إيه للبنات دي، مكانتش حتى عايزة تعرف، هيا بس كانت عايزة تقبض من ورا كل واحدة وخلاص في البداية."
ساد الصمت بينهم من جديد وبعدين قال
"لما كبرت شوية وبقيت 18 سنة... فضولي زاد من ناحية اللي بيحصل، كنت عايز أعرف ماما بتعمل إيه."
ابتسم بسخرية خفيفة
"في مرة سهرت بالليل وفضلت مستنيها تسلم ضحية جديدة، كنت عارف هتسلمها إمتى ولمين."
أخد نفس طويل
"ومن وقتها بدأت أفهم كل حاجة بتحصل حواليا"
سكت لحظة
"كنت وقتها كبير كفاية أفهم اللي بيحصل حواليا... خاصة بعد ما أخدت مكان بابا في الشركة لما تعب واتشل، عرفت مين الراجل ده، وعرفت لمين بيوصل الضحايا، وعرفت بيحصل فيهم إيه."
عينيه ثبتت على نقطة بعيدة
"وبمرور الوقت عرفت مين اللي بيأمر... ومين اللي بينفذ... ومين صاحب أكبر نفوذ."
سديم قالت بعدم استيعاب
"بس كنت صغير أوي بالنسبة للي بتقوله."
بصلها وقال بهدوء
"كبرت قبل أواني بكتير أوي."
لحظة صمت عدت قبل ما يقول
"أنا عيشت كتير اوي لوحدي."
سديم فضلت باصاله لحظات قبل ما تسأله
"بس عملت المكان ده إزاي؟ مش صعب إنك تقدر توصل لكل ده؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا
"طبعًا صعب، اللي شوفتيه ده بعد عشرين سنة مراقبة وبحث... مش في يوم وليلة، حاجة بتوصلك بحاجة، والحاجة دي توصلك بحاجة أكبر، وعشان اوصل لحاجة بقعد ايام واسابيع ويمكن سنين."
سكت لحظة
"مفيش مخلوق على وش الأرض يعرف حاجة عن اللي عرفتيه، هقولك حاجة."
بلع ريقه بهدوء
" عمري ما اتكلمت مع حد ابدا قبلك."
بصلها
"بالرغم إني عيشت عمري كله في العالم ده محدش قدر يوصل لحاجة أو قدر يخليني اكشفله العالم ده، بالرغم من المحاولات الكتير أوي."
سديم عقدت حواجبها
"في حد عرف وحاول؟"
تيم سكت ثواني وبعدين قال
"سالي اختي، ماما من زمان غيرت كل الموظفين وكل اللي بنتعامل معاهم لرجالة بس، مكانش في أي بنت موجودة في حياتنا."
سكت لحظة
"وبمعنى أصح... في حياتي أنا بالذات."
سديم قالت بهدوء
"عشان كده شركتك كلها رجالة بس."
هز راسه
"أنا متعود على كده من زمان جدًا، متعاملتش مع بنات كتير في حياتي بشكل قريب."
سديم قالت وهيا بتحاول تتخيل حياته
"خالص؟ مفيش حد حتى حاول يقرب منك؟"
تيم رجع بذاكرته سنين ورا، بص قدامه بشرود
"قبل كذا سنة سالي حاولت للمرة المليون تقريبًا تدخل بنت البيت غصب عن ماما."
سديم سألته
"ونجحت؟"
هز راسه
"في السنة دي نجحت، ودخلت حياتنا فريدة."
سديم انتبهت أكتر عند النقطة دي وتيم كمل
"المفروض إنها بنت خالتي زي ما بيقولوا، مكانش في علاقة بين ماما وأختها من زمان بسبب ظروف، كل واحدة اتجوزت بعيد عن التانية فعاشوا بعيد عن بعض، وسالي كانت عارفة بالموضوع فدورت لحد ما جابت فريدة."
بصلها
"واتفقوا إنهم يحاولوا بكل الطرق يعرفوا ليه ماما مانعة أي بنت تدخل البيت، بس فريدة مكانتش تعرف إن سالي دورت عليها مخصوص ولا تعرف انها حتى بنت خالتنا."
سديم سألت
" وعرفوا حاجة"
تيم ابتسم ابتسامة صغيرة
"لو جم سألوني كان هيبقى أسهل من التخطيط اللي خططوه على الفاضي."
سديم سألته بتردد خفيف
"وفريدة؟... مقربتش منك عشان تفهم؟"
ضحك بخفة وهو بيفتكر
"حاولت كتير... وكتير جدًا، بس أنا كنت بوقفها عند حدها كل مرة."
سديم ابتسمت رغم كل اللي سمعته وقالت
"زي ما بتعمل معايا."
تيم بصلها ثواني
"كانوا شايفيني مريض لازم يتعالج، حاولوا كتير، بس كل مرة كانوا بيفشلوا، مكانوش فاهمين حجم اللي بيحاولوا يفهموه."
سديم فضلت ساكتة شوية وبعدين سألت بتردد أكبر
"حبيت فريدة؟"
تيم سكت، سكت كتير لدرجة إن سديم بدأت تندم إنها سألت أصلًا، في الآخر رفع عينه وبصلها
"كانت أول شخص دخل حياتي رافض يستسلم، كل مرة أبعدها ترجع، كل مرة أقفل باب تفتحه، كل مرة أقولها تمشي تفضل."
ابتسم ابتسامة صغيرة وسرح بعيد
"كانت مزعجة بشكل غير طبيعي."
سديم قالت بحزن
"واضح إنها كانت بتحبك."
تيم نزل عينه للأرض وقال
"النتيجة كانت واضحة بالنسبالي، أي حد هيقرب مني هيتأذي في يوم من الايام"
سديم حسّت بقلبها انقبض
"كنت شايف النهاية من أول يوم، عشان كده كنت بوقفها عند حدها، وعشان كده كنت بقسى عليها أوقات."
سديم بصتله شوية قبل ما تقول
"وفي الآخر؟"
اتشد فكه للحظة
" اتجوزت شريكي القديم"
ساد الصمت بينهم للمره الالف، سديم بصتله شوية، مستنية تشوف أي رد فعل، أي حاجة تدل إن الموضوع فارق معاه، لكنه كان واقف بهدوء غريب، باصص قدامه وكأن الكلام ده حصل لشخص تاني مش ليه.
سديم سألت بحذر
"زعلت؟ كنت مستنيها تحاول تاني؟"
تيم سكت شوية قبل ما يقول
"يعني وقتها زعلت؟ أكيد."
لف ناحيتها وقال
"أنا بني آدم في الآخر، بس بعدها فهمت إن ده كان الطبيعي بالنسبة للي كنت بعمله معاها، أنا عمري ما وعدتها بحاجة، كنت بعمل كل حاجة عشان أبعدها"
سديم قالت بهدوء
"بس يمكن كانت مستنية منك خطوة واحدة."
تيم ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة
"وأنا عمري ما كنت هاخد الخطوة دي."
"ليه؟"
لف يبصلها مباشرة
"لنفس السبب اللي بقولك بسببه تمشي."
سديم نزلت بعينيها للأرض وتيم كمل
"الفرق إن فريدة في الآخر سمعت الكلام اللي كنت بقوله."
سديم رفعت حاجبها
"يعني للدرجادي وجودي مضايقك؟"
"جدا."
"برضو مش همشي."
تيم غمض عينيه لحظة وقال بتعب
"سديم..."
قاطعته
"لا، اسمعني أنت المرادي."
قربت خطوة
"فريدة كانت بتحاول تعرف ليه بتبعدها، بس مقدرتش تعرف، وانا مش فريدة، وبما اني عرفت اللي هيا مقدرتش تعرفه، انا كمان هعمل اللي هيا مقدرتش تعمله "
تيم سكت فابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
"أعتقد دي أول مرة أكسب نقاش معاك."
تيم هز راسه بيأس خفيف وقال
"لا انتي بس رافضة تقتنعي بالمنطق."
سديم رفعت كتفها وقالت
" انا حرة بقا، بس سؤال اخير"
تيم بصلها وقال
" عارف انه مش الاخير"
سديم اتجاهلت تعليقه وسألت بخوف أكبر
"لسه بتحبها؟!"
تيم رد فورًا
"خلصنا من فريدة."
سديم سكتت، عضت على شفايفها وهيا بتزوغ بعينيها بضيق، عدت ثواني قبل ما تسأله سؤال تاني
"مامتك... ازاي اتقتلت؟"
تيم سكت لحظة، ملامحه هديت أكتر وهو بيفتكر ذكرى اسوأ سنة عدت في حياته وبعدين قال
"يونس."
سديم عقدت حواجبها وتيم كمل
"بالصدفة عرف المكان اللي ماما مخبية فيه ملفات الهوية الحقيقية لناس كتير بتشتغل معاهم بسيديهات."
سكت لحظة وبعدين كمل
"دخل وشاف كل حاجة، شاف الملفات، وشاف تسجيلات، وسيديهات متشالة عليها اللي بيحصل."
تيم سكت لحظة ونفسه بدأ يطلع وينزل بعنف
"وقتها بلغ البوليس وقدم إثبات"
سديم غمضت عينيها وهيا بتتخيل اللي حصل بعد كده وسألت
"ويونس كان يعرف إن مامتك ورا الموضوع؟"
هز راسه بنفي
"لاء كان فاكر إنه بيبلغ عن عصابة وخلاص."
سكت لحظة وبعدين كمل
"طبعا أصحاب الملفات دي راحوا في داهية، بس عرفوا بسرعة إن التسريب جاي من عند ماما."
سكت لحظة قبل ما يقول
"ووقتها خلصوا منها."
سديم نزلت عينيها للأرض، رغم كل اللي عرفته عن مامته، فكرة إن حد يتقتل بعد كل اللي الذنوب اللي ارتكبها في حياته بالمنظر ده خنقتها، رفعت عينيها ليه وسألت بهدوء
"عملت إيه وقتها؟"
تيم رد فورًا وهو بينهي الموضوع
"مش مهم، مش عايز أفتكر أسوأ أيام حياتي."
سديم سكتت وهيا بتبصله وتحاول تتخيل ازاي عاش كل ده، ازاي انسان استحمل كل ده من غير ما يتجنن، طب ليه محاولش يخلص من الماضي ده، وليه منتقمش لمامته، أخيرًا سألت
"ازاي مبلغتش عن اللي عرفته؟"
رد فورا بدون تردد
"علشان أمي."
سديم بصتله باستغراب
"وبعد ما ماتت؟"
تيم أخد نفس طويل
" مقدرتش انهي العالم اللي عيشت فيه اكتر من نص عمري، بعد كل السنين دي مقدرتش"
سديم سألته
" كانت ايه طبيعة علاقتك بمامتك اصلا بعد كل اللي عرفته"
المرادي سكت واتحرك من مكانه بضيق، سديم استغربته بس سكتت، تيم قال وهو ضهره ليها
" عيشت خايف طول عمري من اللحظة اللي هتموت فيها، كنت عارف ان نهايتها هتكون وحشة وقريبة، كنت خايف اصحي يوم الاقيها مش موجودة لحد ما حصل"
سديم قربت منه ووقفت وراه
" هيا دي كانت حياتك بجد؟!"
تيم لفلها وقال
" دي مكانتش حياة، دي كانت كابوس، كابوس مش راضي يسيبني لحد دلوقتي، كابوس لازم انهيه بأسرع وقت"
سديم بلعت ريقها وقالت بحزن على حالته
" بس ليه مش راضيين يسيبوك تعيش حياتك، احمد لسه عايز ايه منك"
" أكمل مكان ماما، بالنسبالهم انا فرصة حلوة بيحاولوا يكسبوها لصفهم"
سألته بتردد
"وهما فاكرين إنك هتوافق؟"
تيم هز راسه بشرود
" هما متأكدين."
سديم بصتله وسألت
"هتعمل إيه؟"
تيم فضل ساكت، ثانية... اتنين... تلاتة... وبعدين قال بهدوء متعب
"متسألينيش أسئلة مش عارف إجابتها."
سديم قربت منه، مسكت إيده بإيديها الاتنين وبصتله بعيون مليانة رجاء وقالت بصوت مهزوز
"اخلص من كل الماضي... الماضي بتاعك وحش أوي يا تيم، فكر في مستقبلك مرة، بلاش ترسم لنفسك نهاية وحشة، إنت معاك دليل قوي تقدر تنهي بيه كل اللي بيحصل، وصدقني ده اللي لازم تعمله، بص حواليك... هتلاقي ناس كتير بتحبك، فكر فيهم وغير نهايتك."
تيم بص لإيديها اللي ماسكة إيده لحظات قبل ما يسحبها بهدوء وقال بصوت مرهق
"مش مستعد أخسر حد لو عملت كده... المرادي هتبقى صعبة، على الأقل اللي فاتت كنت متوقعها في يوم."
هزت سديم راسها بسرعة وقالت بإصرار
"لاء يا تيم... تفكيرك غلط، إنت أكتر واحد عارفهم، وعارف نقطة ضعفهم، وعارف توجعهم إزاي، انهي العالم ده... كله بإيدك إنت."
فضل ساكت فاستجمعت شجاعتها وكملت
"على الأقل فكر في أهل الناس اللي بيتخطفوا... في أهالي عاشوا عمرهم كله في وجع، ناس فقدت بنتها، أو أبوها، أو أمها... بسبب الناس دي."
للحظة ملامحه اتغيرت، كأن كلماتها لمست مكان كان بيحاول يدفنه جواه من سنين، كملت قبل ما يرد
"إنت بإيدك توقف ده كله... بالله عليك يا تيم، غير نهايتك... وسيب كل واحد ياخد عقابه."
لف وشه ناحية العربية وقال باختصار وهو بيمشي
"يلا نمشي من هنا."
وقفت مكانها تبصله بعدم فهم، مستوعبتش إزاي سمع كل ده ولسه رافض، فضل مستنيها تركب، وبعد تردد طويل ركبت جنبه، اتحرك بالعربية بينما هيا حطت إيديها على راسها وقالت بصوت مليان حيرة
"إزاي مفكرتش تبلغ عنهم؟ معاك دليل، فاهمهم كويس، وعارف كل أماكنهم، إزاي سايبهم يكملوا؟ يمكن ده أصلًا السبب اللي مخلي حياتك كده... ليه متمسك بنهاية واحدة بس؟"
داس فرامل العربية فجأة وبصلها وقال بهدوء بارد "في الحالتين... نهايتي واحدة."
لفتله بسرعة وقالت بانفعال
"لاء مش واحدة، إنت هتحمي ناس كتير، وهتعيش اللي باقي من عمرك مرتاح، أنا عمري ما تخيلتك كده... أنا بقيت خايفة تكون فعلًا بتفكر تنضم ليهم، أنا... أنا بجد مصدومة."
من غير ما يرد، رجع اتحرك بالعربية تاني، بعد شوية وصل لطريق عام فيه العربيات ماشية بشكل طبيعي، سديم قالت من غير ما تبصله
"نزلني هنا."
بصلها باستغراب فقالت بنفس النبرة
"أظن سمعتني... نزلني هنا لو سمحت."
سألها بهدوء
"السبب؟"
ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة وقالت
"سؤال غريب، من إنسان أغرب، نزلني هنا."
قال اسمها بتحذير
"سديم..."
انفجرت فجأة بصوت عالي
"وقف العربية! مبقاش في بينا أي كلام، أنا بقيت أخاف منك... إنت زيك زيهم... مجرم."
دموعها نزلت من غير ما تحاول تمنعها وكملت بصوت مكسور
"كل واحد مات بسببهم... إنت كمان ليك جزء من اللي حصل، إنت عارف وساكت... وأنا أصلًا عمري ما هآمن على نفسي معاك."
وقف العربية مرة واحدة بعنف وبصلها، كملت بقهر "دلوقتي فهمت كلام أحمد... وعرفت إزاي هيخلص مني، و... ومستنية دوري."
شدت مقبض الباب عشان تنزل بس كان مقفول، لفت تبصله بعصبية، قال بصوت خرج هادي
"أنا عندي نقاط ضعف... مش هقدر أخسر حد من إخواتي، في ثانية ممكن واحد منهم يضيع مني... وكل تضحية ليها خسارة."
رفعت صوتها أكتر وهيا بتبصله بصدمة
"والناس اللي كل يوم بتخسر إخواتها؟ واللي بتفقد ولادها؟ واللي بيصحوا يلاقوا حد من أهلهم اختفى؟ دول ذنبهم إيه؟ إنت عارف كل اللي بيحصل وساكت! متخيل إنت عايش إزاي؟ متخيل إنك بتسيب ناس كتير تعيش في القهر ده كل يوم؟"
مردش، فتح باب العربية ونزل، نزلت هيا كمان وقفلت الباب بقوة، وقفت قدامه لحظة ودموعها على وشها وقالت بصوت هادي قاسي
"اديني هبعد عنك للأبد... وهتخلص مني زي ما كنت بتتمنى."
سكتت ثانية، وبصتله آخر بصة قبل ما تكمل
"بس عمرك... ما هتخلص من ماضيك."
لفت ومشيت وتيم فضل واقف مكانه حاسس بكمية ضيق رهيبة، محدش حاسس باللي جواه ولا عارف هو حاسس بايه، بص لسديم وهيا بتبعد وكل كلامها بيتردد في ودانه، نده بصوت عالي قبل ما تبعد
" سديم"
سديم كانت ماشية بسرعة، دموعها نازلة، مسحت وشها بعنف لحد ما سمعت صوته بيناديها
"سديم."
موقفتش، كملت مشي، تيم ضغط على فكه بعنف ونادى تاني
"سديم!"
مردتش وهنا تيم لحقها بسرعة، مسك دراعها يوقفها، لفها ليه وشاف شكلها الحزين ودموعها، قال بصوت مبحوح
"إنتي فاكرة إني ساكت علشان عاجبني اللي بيحصل؟! فاكرة إني كل يوم بصحى مرتاح؟!"
أخد نفسه بالعافية
"فاكرة اني بعرف انام زي الناس"
صوته بدأ يتهز لأول مرة
"إنتي شوفتي نص يوم... انا شوفت سنين طويلة، ومكنتش عارف المفروض اعمل ايه، اللي انتي شوفتيه وبالنسبالك زي حلم ده بالنسبالي طبيعي لاني عايش فيه"
سكت لحظة وبعدين قال
"قولتيلي أنقذ الناس، طب أختار مين؟ أختار أختي؟ ولا أخت حد تاني؟ أختار أخويا؟ ولا أبو واحدة معرفهاش؟ قوليلي أختار مين... قوليلي أضحي بمين..."
فضلت باصاله ثواني وبعدين قالت
" متضحيش بحد، اتصرف بذكاء وبس"
تيم زفر بضيق
" ومين قالك اني عارف اتصرف، مين قالك اني ذكي حتى"
سديم أخدت نفس عميق، قربت منه خطوة وهيا بتبصله بثبات وقالت
"طب سيبنا نفكر... اخفي كل الناس اللي بتحبهم وخايف عليهم لحد ما تنهي الموضوع، أصلًا هما اللي فتحوه لما طلبوا منك تشتغل معاهم، يبقى انهيه إنت... وانهيهم."
سكتت لحظة وهيا بتحاول توصله الفكرة وبعدين كملت بسرعة
"بس فكر كويس... فكر زيهم، علشان ميقدروش يأذوك ولا يقربوا منك، محدش يا تيم يعرف إنك عارف كل حاجة عنهم، محدش هيشك فيك أصلًا."
تيم فضل يبصلها شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة كلها تعب وقال
"محدش بيسمع حتى كلامي... الكل بيعترض وخلاص، وإنتي أول واحدة."
هزت راسها بالنفي فورًا وقالت
"لو عملت الصح... أنا أول واحدة هكون جنبك."
تيم ابتسم ابتسامة باهتة بس هز راسه وقال بهدوء
"محتاج وقتها أكون لوحدي... لو أخدت قرار زي ده."
سديم قربت خطوة كمان وقالت بنبرة كلها رجاء
"مفيش داعي للخوف يا تيم، لو دمرتهم كلهم في نفس الوقت وبالذكاء... محدش هيقدر يقرب منك أصلًا."
تيم نزل بعينيه للأرض، كأنه بيعترف بحاجة عمره ما قالها لحد وبعد ثواني طويلة رفع عينيه ليها وقال بصوت هادي
"هتصدقيني لو قولتلك... إني في الآخر كنت ناوي ألجأ للحل ده؟"
رمشت باستغراب وتيم سكت لحظة قبل ما يكمل
"لأنهم... أجبروني."
قلبها دق بعنف وقالت بسرعة
"يعني... أفهم إنك هتنهي العالم ده؟"
قال بهدوء شديد وهو بيهز راسه بإيجاب
"هنهي العالم ده."
وقفت تبصله ثواني كأنها بتحاول تستوعب أنه فعلا قال كده وبعدين من غير تفكير ابتسمت وسط دموعها وحضنته بكل قوتها، دفنت وشها في صدره وهيا بتعيط، وكأن كل الخوف اللي كان جواها خرج في اللحظة دي، تيم اتجمد مكانه كالعادة بس في الاخر رفع إيده ببطء وربت على ضهرها.
يتبع......
الفصل الرابع والثلاثون من هنا