رواية استثنائية في دائرة الرفض الفصل الواحد والثلاثون 31 ج 2 بقلم بتول عبدالرحمن

رواية استثنائية في دائرة الرفض الفصل الواحد والثلاثون31 ج 2 بقلم بتول عبدالرحمن


داليا عقدت حواجبها باستغراب
"أشتغل معاك؟"
"آه."
سكتت لحظة وقالت باستغراب
"وشغلي معاك هيخليني أجيب كل دول؟"
مالت براسها وهيا بتسأل
"إنت أصلًا بتشتغل إيه؟"
أحمد ضحك ضحكة قصيرة
"شغلي إني مسألش."
داليا رمشت باستغراب وهو كمل
"شغلي إني أنفذ وبس."
فضلت باصاله ثواني قبل ما تقول
"يعني إيه؟"
أحمد اكتفى إنه يهز كتفه بس هيا قالت 
"طب على الأقل أفهم، انا يادوب ممرضة، شغل إيه اللي يجيب فلوس بالشكل ده؟"
أحمد ابتسم وقال بغموض
"بعدين، مش دلوقتي."
سكت لحظة وبعدين مال لقدام شوية وقال
"المهم فكري، لو في شغل هيحققلك كل اللي بتتمنيه، أيا كان هو إيه، هتوافقي؟"
داليا فضلت ساكتة وهو كمل بتحذير
"بس خلي في بالك، لو وافقتي... هتتنقلي نقلة تانية خالص."
بصتله وسألت باستغراب
"اشمعنا قولتلي دلوقتي؟! وبعدين أنا مش مصدقاك أصلًا معرفش ليه"
أحمد ضحك بخفوت وقال
"إنتي حرة، أنا مش خسران حاجة، عامة لو فكرتي وقولتي آه، وقتها هثبتلك، وفكك بقا من حسام وفريدة واركنيلي على جنب"
داليا هزت راسها وقالت
"إنت برضو مش فاهمني، أنا عايزة اهتمام حسام نفسه، ده لوحده بكنوز."
أحمد قرب منها شوية وقال بهدوء
"مش عيب لما تكون الحاجة اللي بتتمنيها قدامك... وتبصي بره."
داليا اتجمدت لحظة وبالرغم إنها فهمت قصده كويس اوي اتصنعت الغباء ببراعة، رفعت عينيها ليه ببطء وقالت
"تقصد إيه؟"
أحمد ابتسم بغموض وقال
"فكري وردي عليا."
داليا فضلت باصاله كام ثانية قبل ما تقول 
"بس لسه مقولتش اشمعنا أنا."
"ودي... هتعرفيها برضو، لما أسمع ردك."
وقف وقال
"فكري كويس يا داليا."

تاني يوم كانت سديم قاعدة في مكتبها، اللابتوب مفتوح قدامها من بدري، وعينيها بتتنقل بين صفحات كتير من غير ما تلاقي إجابة واحدة مقنعة أو واضحة، بتدور بنفسها عن أي حاجة بس طبعا مفيش، حاولت بس مش قادرة توصل لحاجة، بس هيا دلوقتي نفسها تعرف إيه علاقة تيم واحمد ببعض؟
وليه أحمد مركز مع تيم بالشكل ده؟
وليه كان عايز يخترق شركته؟
والأهم...
الناس اللي يوسف شافهم بيتخطفوا راحوا فين؟
وإيه اللي بيحصلهم بعد كده؟
صوابعها كانت بتتحرك بسرعة فوق الكيبورد وهيا بتكتب اسم أحمد بأكتر من طريقة، بس كل اللي بيظهرلها عن احمد كلام حلو جدا وسيرة كويسة، رجعت بضهرها للكرسي وزفرت بإحباط.
لحظة صمت عدت وهيا بتفكر، لو الإجابات مش موجودة على النت يبقى لازم تجيبها بنفسها.
مسكت فونها بسرعة وقلبت في الأسماء لحد ما وقفت عند رقم معين، واحدة صاحبتها من زمان كانت باعته ناس يراقبوا جوزها لما كانت شاكة فيه وأكيد هتفيدها.
سديم رنت لحد ما جالها الرد وبعد السلام والكلام سديم قالت بتردد
"كنت عايزة أطلب منك حاجة."
جالها الرد فورًا
"اطلبي علطول يا سديم."
سديم سكتت ثانية قبل ما تقول
" فاكرة لما كنتي بتبعتي حد يراقب جوزك"
صاحبتها ضحكت
"اه اه... فاكرة، هيا دي حاجة تتنسي"
سكتت لحظة قبل ما تكمل بفضول
"متقوليش إنك عايزة حد؟ انا على حد علمي انك اتطلقتي"
سديم قالت بهدوء
" أنا عايزة حد بس مش ليا انا"
صاحبتها ركزت وسألت بفضول
"لمين؟"
سديم اتجاهلت السؤال وقالت
"أنا محتاجة حد يكون حريص جدًا... فوق ما تتخيلي."
صاحبتها قالت
"يعني إيه؟"
سديم ضغطت على الفون وهيا بترد
"يعني شخص محترف فعلًا... وموثوق."
صاحبتها ردت 
"والله يا سديم الموضوع على حسب قدرتك المادية بصراحة."
سديم ردت فورًا
"متقلقيش من الناحية دي، هاتيلي أحسن حد تعرفيه."
"طب سيبيني أظبط الدنيا كده الأول وأول ما أوصل لحد مناسب هكلمك."
"تمام، مستنية مكالمتك"

تيم فتح عينيه قبل المنبه بدقايق، فضل باصص للسقف شوية وهو حاسس إن فيه حاجة تقيلة فوق صدره من امبارح وبيكابر، نفسه مش طالع طبيعي وحاسس بجبل فوق صدره، أخد نفس عميق يحاول يفوق بيه بس الألم اللي حس بيه خلاه يغمض عينيه تاني للحظة، عضلاته كانت واجعاه بشكل غريب اكتر من امبارح، فتح عينيه واتعدل، قعد على طرف السرير دقيقة يحاول يستجمع طاقته.
وقف أخيرًا وهو حاسس بدوخة خفيفة عدت بسرعة وبعدين واتجه للحمام.
الميه الباردة ساعدته يفوق شوية بس رغم كده كان وجعه بيزيد، لبس هدومه بسرعة كعادته وظبك نفسه كالعادة وفطر فطاره على السريع وخرج على شغله وهو بيتجاهل الوجع اللي حاسس بيه.
بعد حوالي نص ساعة وصل الشركة، نزل من عربيته كالعادة بخطوات واثقة وملامح جامدة، شكله كان طبيعي جدا، أي حد يشوفه مستحيل يعرف إنه تعبان.
وصل مكتبه وأول ما دخل وقفل الباب وراه، فك أول زرار في قميصه بهدوء وسند إيده على المكتب للحظة قصيرة وسمح لتعبه يظهر لثواني بس وبعد كده اتعدلت كأن شيئًا لم يكن.
بعد شوية كان بيشوف شغله زي كل يوم، رفع فنجان القهوة وشرب بوق صغير بس حس فجأة بحكة قوية، كح كذا مره عادي لحد ما حس أنه مش قادر، انحنى لقدام وهو بيكح بقوة أكبر، ومد إيده بسرعة للعلبة اللي على مكتبه وسحب منديل.
أخد نفسه بصعوبة بعدها ولاحظ أن المنديل احمر وهنا شاف المنديل مليان دم، فضل باصص المنديل شوية من غير أي رد فعل واضح.
سند ضهره للكرسي ببطء وأخد نفس عميق حاول من خلاله يسيطر على نفسه، رمى المنديل في الباسكت عادي ورجع يكمل شغله بس بعد فترة حس أنه مش مركز وان الكلام بقا ضبابي قدامه ودي المشكلة بالنسباله، حاول يتعامل بس بعيدا عن وجعه اللي بيزيد مش قادر يركز في الشغل.

بعد حوالي ساعة، كانت عربيته واقفة قدام المستشفى، فضل قاعد ورا الدريكسيون شوية، إيده على المقود وعينيه ثابتة قدامه.
أخد نفس طويل، نزل من العربية ودخل المستشفى بخطوات ثابتة، بعد الكشف والأشعة والتحاليل السريعة، كان قاعد قدام الدكتور في المكتب، الدكتور كان بيقلب في الصور قدامه بملامح متجهمة، أما تيم فكان مستني بصبر بدأ ينفد وهو على آخره.
أخيرًا الدكتور رفع عينيه وقال
"أستاذ تيم... حضرتك محتاج تدخل عملية جراحية فورا."
تيم قطب حواجبه
"عملية؟"
الدكتور هز راسه
"آه."
تيم سكت لحظة وبعدين قال
"ممكن أفهم الأول انا عندي إيه؟"
الدكتور لف الشاشة ناحيته
"إنت كنت عامل حادثه قريب؟"
تيم رد بهدوء
"حصل."
الدكتور كمل
"واخدت خبطة مباشرة في الصدر؟"
شاور للأشعة وكمل
" بس الإصابة مش بسيطة زي ما انت فاكر"
تيم بصله بعدم فهم
"يعني؟"
الدكتور سحب نفس طويل وقال
"في إصابة داخلية حصلت نتيجة الخبطة، ومع الوقت الوضع اتفاقم لأنك مكشفتش."
تيم عقد دراعاته
"إصابة في إيه بالضبط؟"
"في تجمع دموي وضغط حاصل داخل منطقة الصدر نتيجة النزيف اللي حصل وقت الحادث."
تيم سأل مباشرة
"ولو معملتش العملية؟"
الدكتور بصله ثواني وقال
" مفيش حاجة اسمها ولو، لو عادي مكنتش قولتلك أن لازم عمليه"
الدكتور رجع يبص للتقارير
"أنا مستغرب أصلًا إنك كنت ماشي على رجلك بالشكل ده."
تيم فضل ساكت وبعدين سأل
"العملية إمتى؟"
الدكتور رد فورًا
"يفضل النهاردة طبعا، ودلوقتي، اي تأخير غلط"
تيم رفع عينه ليه
"النهاردة؟"
سند ضهره وهو حاسس بالضيق، الدكتور لاحظ سكوته وقال
"في حد من أهلك أكلمه؟"
تيم رد بسرعة
"لا."
قام وقف وقال
"ابعتلي كل التفاصيل."
الدكتور بصله وسأل باستغراب
"حضرتك رايح فين؟"
تيم رد بهدوء
" محتاج اعمل كام حاجة لو هعمل العملية"
الدكتور بصله وكأنه مش مصدق.
"أنا بقولك محتاج عملية عاجلة وإنت تقولي هتعمل كام حاجة؟"
تيم فتح الباب وقال بنفس البرود المعتاد
" مضطر"
"ولو حصلك حاجة في النص؟"
وقف لحظة وقال بقمة الهدوء
"يبقى نصيب."

سديم كانت قاعدة في كافيه هادي في ركن بعيد نسبيًا عن الناس، كل تركيزها كان على الراجل اللي قاعد قدامها، أول ما شافته استغربت.
كان شكله أبعد ما يكون عن أي صورة رسمتها في خيالها لشخص بيشتغل في التتبع والمراقبة.
شعره منكوش شوية، لابس تيشيرت بسيط وجاكيت قديم، وقاعد على الكرسي بطريقة مريحة زيادة عن اللزوم كأنه جاي يشرب حاجة مش جاي شغل.
صاحبتها لاحظت نظراتها فابتسمت وقالت وهيا بتشاور عليه
"ده ريشة... في التتبع مقولكيش."
سديم حولت نظرها من صاحبتها ليه وقالت بتردد
"بس المرادي مش زي أي مرة اشتغلها قبل كده."
ريشة رفع حاجب وهو بيقلب المعلقة في الكوباية قدامه
"ليه يعني؟"
سديم أخدت نفس وقالت
"عايزاه يراقب حد حريص جدًا."
ريشة ضحك ضحكة قصيرة وقال
"يا أبلة ميهمكيش."
ميل بجسمه لقدام شوية وقال بثقة واضحة
"لو الجن الأزرق نفسه هجبلك قراره."
سديم فضلت باصاله ثواني وقالت
"تقدر تقول حاجة زي كده؟"
ريشة ابتسم ابتسامة جانبية
"والله يا أبلة نتفق الأول... وبعدين هتنبسطي مني."
صاحبتها ضحكت وقالت
"جايبالك حد مضمون متقلقيش، ده الداهية بنفسه"
سديم بصت بين الاتنين بتردد، الموضوع اللي داخلة فيه أخطر بكتير مما يعتقدوا، في الآخر هزت راسها بهدوء وقالت
"تمام... خلينا نتكلم."
ابتسامة ريشة وسعت، رجع بضهره للكرسي وقال
"كده دخلنا في الجد يا أبلة، مين الشخص اللي عايزاني أجيبلك قراره؟"

داليا كانت قاعدة قدام أحمد، من ساعة ما وصلت وهيا سرحانة، عينيها ثابتة في نقطة بعيدة كأنها بتحسب حاجة جوه دماغها، احمد كان متابعها من غير ما يتكلم، وفي الآخر لوّح بإيده قدام وشها
"جايباني أتأملك ولا إيه؟"
انتبهت فجأة وبصتله
"أنا موافقة."
أحمد رفع حاجبه باستغراب متعمد
"على إيه؟"
داليا بصتله بضيق
"والله؟!"
ابتسم ابتسامة خفيفة 
"متأكدة ولا..."
ضيقت عينيها
"ولا إيه؟"
احمد قال بجدية 
"لو متأكدة إنك موافقة... مفيش تراجع."
سكتت لحظة، هزت راسها بثبات
"متأكدة."
أحمد مد إيده لجيب الجاكيت بتاعه وطلع شيك، حطه قدامها على الترابيزة
"وده ربط كلام."
بصت للشيك بعدم فهم
"إيه ده؟"
"بمجرد ما تاخديه... انسي فكرة التراجع."
مدت إيدها وأخدته، وعينيها نزلت على الرقم المكتوب، عينيها وسعت بصدمة
"إيه ده؟!"
رفعت راسها بسرعة تبصله
"ده عشان وافقت بس؟"
أحمد ابتسم وهو بيتابع رد فعلها
"شوفتي؟ ولسه بقا بعد أول مهمة."
داليا بصت للشيك تاني كأنها مش مستوعبة الرقم، المبلغ كان أكبر بكتير من أي حاجة حلمت تكسبها في وقت قصير، رفعت عينيها ليه
"إيه هيا المهمة دي؟"
احمد سكت لحظة وبعدها طلع من جيبه عبوة صغيرة جدًا، حجمها بالكاد يبان وحطها قدامها، داليا بصتلها باستغراب
"إيه دي؟"
أحمد قال بهدوء
"هتدي دي لمريضة عندك في المستشفى."
سكت لحظة وبعدين كمل
"بس لازم تكون بصحة كاملة."
داليا اتجمدت مكانها
"دي بتعمل إيه؟!"
أحمد رفع عينه ليها بتحذير
"قولت متسأليش، وده أهم شرط، اللي ليكي تنفذي وبس، وتستلمي فلوسك."
داليا هزت راسها بعدم اقتناع
"إيوه بس إزاي؟ أكيد مش هعرف... دي مستشفى."
أحمد قال بهدوء أعصاب مستفز
"كل اللي عليكي تختاري مريضة من عندك تكون صحتها كويسة جدًا."
"وبعدين؟"
"وبمجرد ما تديها الحقنة... تعرفيني، وملكيش دعوة بالباقي."
داليا بلعت ريقها.
"بس افرض حد عرف؟ هروح في داهية."
سكتت لحظة وبعدين قالت
"ثم إني أصلًا عايزة أسيب شغلي، تعبت منه."
أحمد هز كتفه ببساطة
"مش هتطولي فيه."
سألت باستغراب
"يعني إيه؟"
بصلها مباشرة
"محتاجك كام شهر بس، وبعدها هتسيبي شغلك."
داليا سكتت، عينيها راحت بين الشيك وبين الحقنه الصغيرة، الفلوس كانت مغرية بس هيا حاسة بعدم راحة، أحمد لاحظ ترددها فورًا، من غير كلمة مد إيده وسحب الشيك من قدامها
"شكلك مش موافقة."
داليا اتنفضت تقريبا، بسرعة شدت الشيك من إيده تاني
"لا لا، موافقة... موافقة."
ابتسامة رضا ظهرت على وش أحمد
"يبقى من حقك تصرفيه بعد أول عملية"
داليا عقدت حواجبها
"مش واثق فيا ولا إيه؟"
أحمد ضحك ضحكة قصيرة
"حتى أمي نفسها مش بثق فيها."
ردد بكل بساطة
"هتنفذي... هتستلمي، وبس."
حط إيده في جيبه وقام من مكانه، عدل هدومه وقال
"لما تخلصي كلميني."
احمد مشي بخطوات هادية وهو بيصفر بكل برود.

تاني يوم تيم فاق بصعوبة، أثر المخدر لسه تقيل على جسمه لكنه بدأ يستعيد وعيه تدريجيًا، فتح عينيه ببطء وبص للسقف الأبيض فوقه للحظات قبل ما يستوعب المكان اللي هو فيه، المستشفى.
لف عينه ناحية الشباك، النهار كان قرب يخلص تقريبا، والهدوء مالي الأوضة بشكل غريب، أخد نفس ببطء وحاول يتحرك سنة، حس بوجع خفيف شد في صدره، مد ايده ناحية الكومود وسحب فونه، شاف الساعة وعرف أنه فضل كتير، رجع الفون تاني وغمض عينيه بإرهاق واضح، فضل ساكت لحظات طويلة واستسلم للهدوء المؤقت اللي أخيرًا لقاه بعد كتير اوي، دقايق والباب اتفتح، دخل الدكتور وأول ما شافه صاحي ابتسم
"حمد لله على السلامة."
تيم هز راسه بهدوء، الدكتور قرب منه وقال
"العملية نجحت، بس محتاج تلتزم بالتعليمات"
تيم رد بصوت مبحوح
"هخرج امتى"
الدكتور ضحك
"أول سؤال متوقع منك"
بص في الملف اللي بإيده وقال
"مش دلوقتي أكيد."
تيم اكتفى بهزة راس بسيطة، الدكتور شرحله كام حاجة بسرعة وبعدها خرج وسابه لوحده تاني.

داليا كانت واقفة في أوضة التمريض بتحاول تقنع نفسها إنها لسه تقدر تتراجع علشان متروحش في داهيه لكن كل ما تفتكر رقم الشيك اللي في شنطتها كانت أفكارها تتلغبط من جديد، بقت في اخر اليوم والمفروض تنفذ كلامه والا الشيك اللي معاها ملوش اي لازمة.
بعد شوية كانت فاتحة ملفات المرضى على الكمبيوتر وبتدور بينهم واحد واحد، كل شوية تقفل ملف وتفتح اللي بعده لحد ما وقفت عند ملف مريضة شابة كانت محجوزة بسبب مشكلة بسيطة، وكل الفحوصات تقريبًا ممتازة، حتى تقرير الدكتور كان كاتب إنها هتخرج الصبح بعد آخر متابعة، داليا فضلت باصة للملف ثواني طويلة
"صحتها كويسة..."
همست لنفسها، كملت قراءة الملف مرة واتنين كأنها بتدور على سبب يمنعها بس مكانش فيه.
بعد دقايق كانت واقفة قدام الدرج اللي مخبية فيه الحقنة، فتحت الدرج واخدت الحقنه بتوتر، اتحركت ناحية غرفة المريضة، وقفت قدام الباب، أخدت نفس عميق وبعدين دخلت.
المريضة كانت نايمة بهدوء، رفعت عينيها أول ما شافت داليا، داليا حاولت تبتسم وقالت
" في إجراء بسيط قبل ما تخرجي ضروري"
المريضة هزت راسها بثقة، داليا قربت منها، حست إن إيديها اتجمدت، ولو استمرت ثانية زيادة كانت غالبًا هتتراجع بس أجبرت نفسها تكمل لحد ما خلصت.
المريضة شكرتها بابتسامة بسيطة وداليا خرجت بسرعة وهيا حاسة إن رجليها مش شايلينها، وصلت لأوضة التمريض وقفلت الباب وراها وحمدت ربنا أن مفيش حد، وقفت مكانها للحظات وهيا بتحاول تستوعب إنها فعلًا نفذت أول طلب لأحمد، طلعت فونها بتوتر ورنت عليه بسرعة، رد فورًا
"هاااا."
داليا بلعت ريقها وقالت بصوت واطي
"خلصت."
رد ببرود 
"كويس، رقم الأوضة كام؟"
داليا سألت بتوتر
"ليه؟"
أحمد رد ببرود
"رقم الأوضة يا داليا."
بصت على الملف اللي قدامها وقالت الرقم، أحمد سأل بعدها مباشرة
"اسمها إيه؟ وعمرها؟ سبب دخولها المستشفى؟"
داليا بدأت تقوله التفاصيل من الملف وهو بيسمعها لحد ما خلصت وسألت بتردد
"هو في حاجة هتحصلها؟"
أحمد رد فورًا
"متشغليش بالك بحاجة متخصكيش، ابعتيلي ملفها."
داليا اتجمدت لحظة
"ملفها؟!"
"آه."
"ازاي؟"
"صوريه."
داليا بصت ناحية باب الأوضة بتوتر
"ده ممنوع."
أحمد ضحك ضحكة خفيفة
"وانتي من شوية كنتي بتعملي إيه؟"
سكتت فكمل بهدوء
"ابعتي الملف يا داليا."
داليا فضلت مترددة ثواني قبل ما تقول
" تمام."
قفلت المكالمة وهيا حاسة إن الموضوع اكبر بكتير مما كانت متخيلة.

تاني يوم الصبح كانت المستشفى كلها كانت واقفة على رجل، مريضة اختفت واهلها قالبين الدنيا ومحدش عارف راحت فين، أصواتهم كانت عالية وهما هيتجننوا
"يعني إيه مش موجودة؟!"
"إزاي مش موجودة؟!"
"كانت هنا امبارح!"
داليا كانت بتجس نبض وواقفه شايفة إيه بيحصل من غير ما تتدخل، ولما عرفت إن البنت مش موجودة اتصدمت، متوقعتش إن أحمد ممكن ياخدها، حاولت تقنع نفسها إن أكيد فيه تفسير تاني بس كل دقيقة كانت بتعدي كانت بتأكد العكس.
بعد أقل من ساعة كانت إدارة المستشفى كلها متحركة وهيا بتدور على البنت في كل مكان وداليا فكانت بتحاول بكل طاقتها تبان طبيعية.
كانت قاعدة في غرفة التمريض وسط باقي الممرضات، محدش بيتكلم في حاجة غير عن اللي حصل وهيا قاعدة متوترة، بعد فترة قصيرة دخل مسؤول إداري ومعاه واحد من الأمن، بص للحاضرين وقال بجدية
"كل أفراد الطاقم اللي كانوا مسؤولين عن الحالة دي هيتم استجوابهم."
داليا حست أن الدم انسحب من وشها بالكامل، هيا من ضمنهم، طبعًا من ضمنهم، حاولت تتنفس بشكل طبيعي وهيا بتقول لنفسها إن محدش يعرف حاجة، لكن رغم كل محاولاتها كانت حاسة إن كلمة واحدة غلط ممكن توديها في داهية.
بعدها بوقت قصير بدأ التحقيق الداخلي، مسكت فونها بسرعة واتصلت بأحمد، رد بعد ثواني
" اي الأخبار"
داليا قالت بصوت واطي متوتر
"المستشفى كلها مقلوبة."
أحمد رد بهدوء
"طبيعي."
"طبيعي إزاي؟! البنت اختفت."
"وبعدين؟"
داليا قامت من مكانها ومشيت كام خطوة وهيا بتتكلم
"في كاميرات يا أحمد."
أحمد ضحك بخفة
" ده اللي مخوفك يعني؟!"
داليا اتعصبت
"أيوة طبعا مخوفني!"
أحمد رد بمنتهى البرود
"متقلقيش، مش هيلاقوا فيها حاجة."
داليا عقدت حواجبها
"إزاي متأكد كده؟"
أحمد قال بضيق
" برضو بتسأل"
أخدت نفس وبعدين قالت بخوف
"أنا داخلة تحقيق كمان."
"عارف."
"عارف؟!"
"أيوة."
داليا بلعت ريقها
"طيب أقول إيه ولا اعمل ايه؟"
أحمد رد فورًا
"الحقيقة طبعا."
اتصدمت
"الحقيقة؟!"
"إنك متعرفيش حاجة، اسمعيني كويس يا داليا... إنتي ممرضة، عملتي شغلك بشكل طبيعي، وآخر مرة شوفتي المريضة كانت كويسة."
قالت بتوتر
"بس..."
قاطعها
"مفيش بس."
سكت لحظة وبعدين قال بجدية
"أي سؤال إجابته متعرفيش، انتي كنتي بتعملي شغلك."
بلعت ريقها قبل ما تسأل 
"ولو..."
قاطعها
"متعرفيش."
نبرة صوته كانت ثابتة بشكل غريب
"الخوف هو اللي هيوديكي في داهية مش التحقيق، وأوعي تفتكري إنك مهمة للدرجة اللي تخلي حد يشك فيكي يعني."
الكلمة ضايقتها رغم إنها طمنتها في نفس الوقت وقبل ما ترد سمعت صوت بيناديها من آخر الممر، رفعت راسها فورًا، كان واحد من الإدارة واقف عند باب المكتب.
"اتفضلي."
قلبها انقبض وأحمد قال بهدوء
"روحي."
"أحمد..."
"افتكري بس، إنتي متعرفيش أي حاجة."
قفل الخط وداليا نزلت الفون من على ودنها، أخدت نفس عميق وهيا بتحاول تجمع شجاعتها ودخلت وقلبها بيدق بعنف.

بعد دقايق خرجت وهيا حاسة إن رجليها أخيرًا رجعت تشيلها، خدت نفس طويل وقعدت على أول كرسي قابلها في الممر وهيا بتمسح وشها بتوتر، التحقيق كان أبسط مما توقعت، أسألة كتير بإجابة واحدة... معرفش
رفعت راسها للسقف وغمضت عينيها للحظة، نجت، أو على الأقل ده اللي كانت فاكراه.
فتحت فونها وبعتت رسالة لأحمد
"خلصت."
الرد جه بعدها بثواني
"كويس."
داليا كتبت بسرعة
"مشكوش فيا، كنت خايفة"
أحمد بعت
" عدت على خير، عقبال كل مره"

سديم كانت قاعدة في مكتبها، عينيها على شاشة اللابتوب لكن عقلها كان في حتة تانية خالص، من ساعة ما بدأت تدور ورا أحمد وهيا حاسة إن كل إجابة بتوصلها بتفتح قدامها عشر أسئلة جديدة.
فونها رن وأول ما شافت الاسم اتعدلت في قعدتها بسرعة وردت فورًا وقالت
"عرفت حاجة؟"
جالها صوته من الناحية التانية
"مش بالظبط... بس في حاجة لازم أقولهالك."
سديم عقدت حواجبها وقالت
"سامعاك."
ريشة سكت ثانية كأنه بيرتب كلامه وبعدها قال
"امبارح بالليل كان واقف في مكان بعربيته مستني أكتر من ساعة لحد ما جت عربية تانية، ونقلوا بنت غايبة عن وعيها لعربيته."
سديم وقفت وسألت بسرعة
"اخد البنت دي على فين بقا؟ ده الأهم."
ريشة زفر بضيق وقال
"هرب مني... معرفتش."
سديم ضيقت عينيها وقالت بسرعة
"أوعي يكون شافك."
ريشة ضحك ضحكة خفيفة وقال
"عيب يا أبلة، أنا ريشة، هو بس خلع فملحقتوش، بس مسيري أعرف، مش مستعجل."
سديم بدأت تتمشى في المكتب بعصبية
"بس أنا مستعجلة، أنا لازم أعرف أخدها على فين."
ريشة رد بهدوء
"اديني كده يومين على ما أفهمهولك بس، وهجبلك قراره زي ما اتفقنا."
سديم وقفت عند الشباك وبصت للشارع وقالت بضيق واضح 
"تمام... أما نشوف."
قفلت المكالمة وفضلت واقفة مكانها لحظات طويلة، لفت ناحية المكتب، حطت الفون على المكتب وهمست لنفسها
"يومين يا أحمد..."

تيم نزل من عربيته قدام البيت وهو حاسس إن كل خطوة بتاخد منه مجهود، رغم إن العملية عدت بهدوء، ورغم إنه خرج من المستشفى في أسرع وقت ممكن، إلا إن الألم لسه موجود، صدره كان بيوجعه مع كل نفس تقريبًا، لكن دي آخر حاجة كانت شاغلاه، اللي شاغله فعلًا إنه داخل البيت، وداخل البيت معناها سالي، وفعلا بمجرد ما دخل سالي كانت في انتظاره، عقد حواجبه وقال في نفسه
"بدأنا."
سالي قربت منه بسرعة وقالت
"حمد لله على السلامة."
تيم وقف مكانه لحظة
"الله يسلمك."
سالي ضيقت عينيها
"كنت فين؟"
تيم خلع الجاكيت بهدوء وقال
" شغل، مانا قايل شغل"
سألت بشك
"شغل فين؟"
تيم زفر بضيق
"سالي..."
سالي عقدت دراعاتها
"لا سالي إيه؟"
قربت منه أكتر وهيا بتبصله بشك واضح
" مش عارفين نوصلك، فونك كان مقفول ولما حاولت اتواصل مع حد من الشركة تخيل قالي ايه، في ايه يا تيم"
تيم اتحرك ناحية السلم
"مفيش حاجة."
سالي مشيت وراه
"يبقى بصلي وقولي مفيش حاجة."
تيم غمض عينه لحظة، هو فعلًا معندوش طاقة، ولا خلق ولا حتى قدرة يدخل في نقاش، لفلها وقال بهدوء
" مفيش يا سالي حاجة."
سالي سكتت لحظة وهيا بتبصله وبعدين قالت
"كداب."
تيم رفع حاجبه
"نعم؟"
سالي قربت أكتر
" إيه اللي في حاجبك؟"
تيم تلقائيًا رفع إيده لمكان الجرح الصغير ولعن حظه، قال بسرعة
"ولا حاجة، اتخبطت عادي."
"فين؟"
تيم ابتدى يفقد صبره فعلًا
"سالي."
سالي سكتت، لأول مرة أخدت بالها من شكله فعلًا ومن الإرهاق اللي باين في عينيه، قالت بهدوء
"إنت تعبان؟!"
تيم بصلها ثانيتين وقال
"عايز أنام."
سالي فضلت باصاله لحظة، عندها ألف سؤال ولسه مش مقتنعة بكلمة من اللي قاله لكنها في الآخر اتنهدت وقالت
"تمام."
تيم هز راسه وانسحب وهيا فضلت واقفة مكانها تتابعه بعينيها.

تيم دخل أوضته وأول حاجة عملها إنه قفل الباب وراه واتنهد بتعب، حس إنه أخيرًا هياخد دقيقة هدوء، فك أول زرارين من قميصه وهو متجه ناحية السرير، لكن قبل ما حتى يقعد، الباب اتفتح فجأة، تيم لف ببطء وهو عارف مين من غير ما يبص، يونس دخل وقفل الباب وراه، تيم رفع عينيه ليه وقال بملل
"نعم؟"
يونس عقد دراعاته وبصله كام ثانية من غير ما يتكلم، تيم بصله وقال بضيق
"في إيه؟"
يونس رد مباشرة
"كنت فين؟ وبلاش الهري اللي هتقوله علشان مش هصدقه"
تيم قعد بإرهاق ويونس فضل باصصله، قرب منها وسأل بشك
"إنت متصاب فين؟"
تيم رد بحدة أخف من المعتاد بسبب تعبه
"في حتة اسمها ملكش دعوة."
يونس تجاهل كلامه تمامًا، قرب منه أكتر وهو بيحاول يلاحظ أي حاجة
" انا لحد دلوقتي حاسس ان جسمي كله مدغدغ بالرغم من اني انا اللي خابط فيك، يعني يا عالم انت بقا اي اخبارك"
تيم فضل ساكت ويونس قرب منه خبطه بخفة في كتفه، تيم اتجمد مكانه ويونس تابع تعبيرات وشه اللي اتغيرت وقال بصوت أوطى
"كنت فين يا تيم ومخبي ايه..."
تيم لف وشه الناحية التانية ويونس كمل
"طب ليه؟"
تيم أخد نفس طويل وقال
"يونس... مفيش حاجة، والموضوع خلص."
يونس هز راسه بعصبية
"لاء، مخلصش."
سكت لحظة وبعدين قال
"اللي بوظ فرامل عربيتي يتيم عايز يأذيك ويأذينا وقد كان، ليه دايمًا بتخبي؟"
تيم كان حاسس إن دماغه هتنفجر، معندوش طاقة لأي حاجة أبدا فقال وهو بيمرر إيده على وشه
"يونس... أنا مش فايق، سيبني لوحدي لو سمحت."
يونس اتعصب وقال
"وبعدين؟"
فتح إيده باستنكار
"سيبتك هتعمل إيه؟ أنا مش هقدر أتجاهل اللي حصل علفكرة."
تيم غمض عينيه بقوة وقال بنفاد صبر واضح
"أوووف يا يونس، بقولك سيبني دلوقتي، أنا مش فايقلك... ولا فايق لحد."
يونس فضل واقف مكانه بيبصله بغضب وفي الاخر هز راسه وقال
"ماشي يا تيم، ماشي."
لف ناحية الباب وفتحه بس قبل ما يخرج بصله مرة أخيرة وكأنه عايز يقول حاجات كتير وفي الآخر خرج وقفل الباب وراه جامد،تيم فضل قاعد مكانه للحظات، سند راسه لورا وغمض عينيه بتعب شديد.

داليا كانت ماشية رايحة جاية في الشقة من ساعة ما رجعت، أعصابها مشدودة بشكل مرهق، وكل شوية تبص ناحية الباب، من وقت ما خرجت من التحقيق وهيا بتحاول تقنع نفسها إن كل حاجة تمام، بس فكرة اختفاء البنت كانت بتلف في دماغها بشكل مرعب، اخيرا جرس الباب رن، جريت بسرعة ناحية الباب، فتحت ولقت أحمد واقف قدامها بمنتهى الهدوء، دخل وهيا قفلت الباب وراه بسرعة وقالت أول ما لفت ناحيته
"أنا على أعصابي من الصبح... المستشفى لحد دلوقتي مقلوبة على البنت دي، وأنا كنت على شوية وهضيع."
أحمد رمى مفاتيحه على الترابيزة ورد بهدوء
"طبيعي أول مرة."
بصلها لحظة وكمل
"الأسبوع الجاي هتكوني دخلتي في المود شوية."
داليا بصتله بصدمة وقالت
"أسبوع جاي إيه؟!"
هزت راسها بعصبية
"أنا لحد دلوقتي بترعش، مش هقدر أكيد."
أحمد ابتسم ابتسامة خفيفة وهو قاعد على الكنبة
"لما تشوفي الفلوس وتمسكيها بإيدك، وتتنقلي من الخرابة اللي إنتي عايشة فيها وقتها هتغيري رأيك."
سكت ثانية وضاف
"أنا فعلتلك الشيك، تقدري تسحبي الفلوس في أي وقت."
الكلام خلاها تسكت لحظة، المبلغ كان كبير لدرجة إنها عمرها ما حلمت تشوفه حتى بين ايديها، قعدت قدامه وسألت بتردد
"طب... إنت عملت إيه في البنت دي؟"
أحمد رفع عينه ليها، ملامحه اتقفلت فورًا
"لحد هنا وفرملي."
قالها بنبرة حادة خلتها تتراجع غصب عنها.
"قولت متسأليش، مش هكرر كل شوية."
داليا بلعت ريقها وقالت
"بس أكيد المرة الجاية الموضوع هيكون أغرب."
بلعت ريقها بتوتر
"أكيد مش هعرف... صدقني الموضوع صعب، مش هق..."
قبل ما تكمل جملتها مد أحمد إيده وحطها على شفايفها يمنعها تكمل الكلام، اتجمدت مكانها تلقائيًا، أما هو فمال ناحيتها شوية وقال بهدوء
"دلوقتي أنا مش هسمع منك كلام."
سحب إيده بعدها ببطء وقال
"نأجل كلامنا."
داليا فضلت باصاله كام ثانية، مش عارفة هل ترتاح لأنه متوترش من اللي حصل، ولا تخاف أكتر من كمية الهدوء اللي بيتعامل بيها مع حاجة المفروض تخوف أي بني آدم.
يتبع........

                 الفصل الثاني والثلاثون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة