
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والثلاثون 39 ج 3 بقلم ليله عادل
وقفت تنظر حولها باضطراب، فها هي علي بعد خطوة واحده من رؤية ابنتها!!
انسابت دموعها من جديد، تحرق عينيها كما كان الوجع يحرق قلبها كيف ستقف أمامها وتستقبلها بترحاب، وكأنها لم تغب عنها يوما؟ كيف ستخفي كل هذا الألم خلف ابتسامة زائفة؟ كيف؟!
كان الأمر صعبا إلى حد يفوق قدرتها على الاحتمال.
ضربت ساقيها في توتر، بينما تعالت شهقاتها المكتومة وهي تحرك يديها الاثنتين بسرعة وارتباك كالملسوعة، لم تكن تعرف ماذا تفعل، ولا كيف تهدئ ذلك الزلزال الذي كان يعصف بقلبها، ويبعثر ماتبقى من تماسكها.
في الخارج...
رفعت الصغيرة رأسها ببراءة: ماما مش بتفتح ليه يا بابا؟!
ابتسم لها ابتسامة هادئة، رغم التوتر الذي يعتصر قلبه: هتفتح دلوقتي يا حبيبتي، استني بس.
أومأت برأسها في طاعة.
في الداخل...
حاولت ماسة جمع شتات نفسها، وتقوية قلبها، فأرغمت شفتيها علي الابتسام مرة ثم ثانية، ثم ثالثة، لكن في كل مرة كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة مرتجفة، لا تمت للفرح بصلة، بل تشبه وجعا يختبئ خلف قناع هش، تخشى أن ينهار عند أول نظرة.
أخذت نفسا عميقا، ثم آخر، وأجبرت قدميها المرتجفتين على التحرك بخطوات مضطربة، حتى وصلت إلى الباب، أدخلت المفتاح في القفل، وأمسكت بالمقبض، لكنها أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تستمد ماتبقى بداخلها من قوة
أخذت نفسها عميقا، ثم ارتدت قناع الهدوء، ورسمت على شفتيها ابتسامة مرتعشة، وفتحت الباب
اتسعت عينا حور بفرحة طفولية فور رؤيتها، وقالت بحماس: مفاجأة! أنا جيت يا ماما.
اتسعت عينا ماسة في وجع، لكنها أجبرت نفسها على ارتداء قناع المفاجأة، فهمست بابتسامة مرتجفة: الله حور...أنتِ جيتي؟!
ابتسمت الصغيرة بحماس، واندفعت تحتضن ساقيها: أيوه، أنتِ وحشتيني أوي، وجيت اعملك مفاجأه.
انهار تماسكها وانهمرت دموعها علي الفور، وهي تهبط سريعا وتحتضنها بقوه: يا حبيبتي، أحلى مفاجأة في الدنيا.
ابتعدت عنها حور تردد بحماس: بابا هو إللي قالي نعملك مفاجأة.
لكن كلماتها المتحمسة لم تجد طريقها إلى عقل ماسة، الذي غرق في تأمل ملامحها التي تشبهها إلى حد أربك أنفاسها.
رفعت يديها ببطء، ومررت كفيها المرتجفتين على وجنتيها، بينما راحت عيناها تجولان فوق تفاصيل وجهها، كأنها تحاول حفظ تفاصيله داخل قلبها.
خرجت الكلمات من بين شفتيها دون وعي، بصوت مرتجف يكاد يختنق: أنتِ حور؟ بجد؟ أنتِ بنتي؟!
اتسعت عينا سليم، وشعر أن ماسة لم تعد السيطرة نفسها، فقرر التدخل قائلا: إيه رأيك في المفاجأه الحلوه دي يا ماما؟ حور مستنياكي من امبارح صح يا حور؟
اومأت الصغيره بلهفه: أيوه أنا مستنياكي بقالي يوم ويوم كتيير اووى.
رفعت يديها الاثنين أمامها: وكل دول كتييير، وحشتيني أوى.
ارتجف قلب ماسة متأثرا بطريقتها في عد الأيام مثلها، فجذبتها إلى صدرها مرة أخرى، تحتضنتها بقوة، وتغرق وجهها الصغير بالقبلات، وهي تردد بلهفه: أنتِ كمان وحشتيني أوى يا حبيبتي.
وقف سليم يراقب المشهد بصمت، وعيناه اغرورقتا بالدموع، متأثرا إلى حد لم يعد معه قادرا على الكلام.
بينما ابتعدت عنها حور تتسأل ببراءة كسرت قلبها: طب ليه كنتي سيباني كل ده بعيد؟ وفضلتي يوم، ويوم، ويوم كتيررر بعيد عني؟
ارتعش قلب ماسة بعنف، وشعرت وكأن كل كلمة تخرج من الصغيرة تغرس سكينا في صدرها.
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت متقطع وهي تحاول ألا تنهار: ما هو أنا، أنا كنت مسافرة عشان عشان أجيبلك حاجات حلوة.
هزت الصغيره رأسها: أنا مش عايزة حاجات حلوة، أنا عايزاكي أنتِ!
ادمعت عيناها وهي تكمل ببراءة: كل العيال صحابي في الحضانة عندهم ماما بتوديهم وتجيبهم، وتعملهم تسريحة حلوة وأنا لأ، كنت بروح لمامت أروى صاحبتي، وكانت ساعات تعملي تسريحات وحشة، وكنت بقعد ارسمك واخلي رحمه تكتبلك جوابات أنت وبابا، واتصلت بيكوا كتير.
مالت بشفتيها بحزن طفولي: بس مش كنتوا بتردوا عليا
لم تعد ماسة قادرة على الاحتمال جذبتها بقوة إلى صدرها، وأغلقت ذراعيها حولها وهي تردد بين شهقاتها: أنا آسفة يا عمري، آسفة والله آسفة، مش هبعد عنك تاني أبدا، هفضل جنبك علطول، مستحيل أسيبك تاني ثانية واحدة.
دفنت حور وجهها في رقبة أمها تنتحب بحرقة: متسبنيش تاني يا ماما والله ماهعمل شقاوة، أنا بحبك أوي أنتِ وبابا، وعايزة أعيش معاكم علطول زي صحابي، وهشرب اللبن وأكل كوسه والله، بس خليكم معايا ومش تسافروا بعيد تاني.
تأثرت ماسة من حديثها، ازدادت تشبثا بها، وكأنها تعتذر عن ال 5سنوات، كامله من الحرمان بحضن واحد.
وقالت وهي تقبل رأسها ووجهها: وإحنا كمان بنحبك أوي أوي يا روح ماما، ومش هنبعد عنك تاني والله أبدا.
مررت يدها في شعرها، ثم أغمضت عينيها تستنشق رائحتها بشوق أم حرمت من طفلتها لسنوات، وهمست وسط دموعها: ريحتك حلوة أوي.
ثم أبعدتها قليلا، وهمست وهي تتأمل ملامحها بشوق ممزوج بابتسامة باكية: أنتِ حلوة أوي، كنت هموت وأعر...
لكنها توقفت واحتبست الكلمات في حلقها، وكأن الحقيقة صفعتها في تلك اللحظة، فكيف تقول أنها كانت تتمنى معرفة شكلها؟ كيف تعترف لطفلتها أنها تراها لأول مرة؟!
ابتلعت ما تبقى من الجملة، واكتفت بهمس مرتجف: أنتِ بجد حلوة أوي.
ابتسمت حور وهي تمسح دموعها بطرف يدها الصغيرة، وقالت بحماس: وأنتِ كمان حلوة أوي.
ثم اقتربت منها أكثر، وحدقت في عينيها، وقالت وهي تشير إليهما بإصبعيها: عينك شبه عيني!
وضعت كفيها الصغيرين أسفل عينيها، وشدتهما إلى أسفل وهي تحاول أن تثبت الشبه: بصي لونا زي السما والبحر.
ضحكت ماسة رغما عنها، ضحكة امتزجت بالبكاء، ثم قبلت جبينها: أيوة، أنا وإنتِ عنينا شبه بعض، بس أنتِ أحلى مني بكتير.
وضمتها إلى صدرها مرة أخرى، وكأن قلبها أخيرا وجد الجزء الذي ظل ناقصا منه لسنوات.
كان سليم لايزال يراقبهما، والدموع تملأ عينيه من شدة التأثر، أخذ نفسا عميقا، وجلس على ركبتيه أمام حور، وهو يتصنع الغيرة: لا بقى أنا كده هغير، أنتِ معيطتيش عليا زي ماعيطتي على ماما.
تشبثت بحضن والدتها، تردد بدلال: علشان أنا بحب ماما أوي، وطلعت شبهي، أنت لا؟
اقترب منها بخبث: بقى كده؟ طب تعالى هنا...
بدأ يدغدغها، فأطلقت ضحكات متواصلة، وأخذت تتلوى بين ذراعي ماسة وهي تصرخ بصوت مليء بالمرح: الحقيني يا ماما، أبعديه عني!
احتضنتها ماسة أكثر، ولفت ذراعيها حولها بقوة، وهي تضحك: خلاص بقي يا بابا معلش.
لكن سليم عقد ذراعيه أمام صدره، وهو ينظر اليهما بضيق مصطنع: آه بقى، اتحدتوا عليا؟
رفعت الصغيرة رأسها من حضن ماسة، وأخرجت طرف لسانها في مشاكسة، لتتعالى ضحكات ماسة أكثر، بينما لم يستطع سليم مقاومة ابتسامته وهو يتأملهما، شاعرا بدفء تلك اللحظة التي تمنى أن تدوم طويلا.
بينما رفعت الصغيره رأسها تنظر إلي ماسه وتتسأل ببراءه: هو أنتِ كمان عندك اسمين يا ماما؟
رددت باستغراب: اسمين؟!
هزت حور رأسها: أيوة هو عنده اسمين، أنتِ متعرفيش؟
تدخل سليم موضحا: أنتِ نسيتي إني اسمي سعد وسليم ولا إيه يا ماما؟!
اومأت بارتباك: لا، أه أه فاكره
نظرت إليها حور وتسألت: طب وأنتِ كمان ليكي اسمين؟
ابتسمت ماسة وقالت بذكاء: أيوه، أنتِ عارفة اسمي الأول إيه؟
أجابتها الصغيره بحماس: نسمة، بس مش عارفة الثاني؟!
ضحكت ماسة: شاطر اسمي الأول نسمة، وبعدين بقيت ماسة!
قالت حور بسرعة: أنا عندي صاحبتي اسمها ماسة.
اتسعت عينا ماسة ظننا منها أنها تتحدث عن صديقة لها في الحضانة: بجد؟
أومأت: أيوه.
ثم اندست في أحضانها أكثر وهي تردد بحب: بس هحبك إنتِ أكتر، علشان أنتِ ماما.
أغمضت عينيها من شدة التأثر، وبادلتها العناق وهي تهمس: أنا كمان هحبك أوي أوي يا روح ماما.
ابتسمت حور ابتسامة واسعة، وقالت وهي تنظر إلى سليم وماسة معا: أنا فرحانة أوي علشان خلاص بقيت عايشة مع بابا وماما.
لم تستطع ماسة الرد، فقط ضمتها إلي أحضانها أكثر، كأنها تعوضها عن كل السنوات التي حرمت فيها من احضانها. بينما اقترب سليم واحتضنهما معا بابتسامة مرتجفة، اختلط دفؤها بدموع لم يستطع حبسها.
فأصبحت حور في منتصف حضن أبويها، محاطة بذراعيهما من كل جانب، رفعت رأسها تنظر إليهما بابتسامة بريئة: أنا بحبكم أوي.
لم يستطع أحد منهما الرد، وأكتفيا بتشديد، احتضانهما لها في صمت، وكأن ذلك الحضن وحده كان أبلغ من كل الكلمات، وأقدر اعتذار عن غياب لم يكن باختيارهما.
وبعد دقائق.
ابتعدت ماسة تمسح دموعها، وتقول بابتسامة: تعالى بقى أعرفك على تيتة، وجدو، وخالتو، وخالو، كلهم مستنيين يشوفوكي وهيحبوكي أوي.
نظر لها سليم من طرف عينيه يذكرها إنهم حتى الآن لا يعلمون شيئا، لكنها لم تنتبه..
بينما اتسعت عينا حور بحماس: أنا عندي كل دول؟! امال هم كانوا فين وليه مش بيجوا يزوروني؟
رمشت بعينيها: معلش يا حبيبتي، هم كانوا مسافرين معانا ولسه راجعين .
مالت شفتيها بحزن: السفر ده وحش، يارب يموت عشان بيخليكم تبعدوا عني.
تألمت ماسة، واغرورقت عينيها بالدموع: خلاص مش هنبعد عنك تاني ابدا، هفضل علطول جنبك.
حور: هي خالتو اسمها ايه؟
اجابتها: سلوى
شهقت تقاطعها وهي تضع يديها علي فمها: هيييه، شوفتها تحت.
ثم اقتربت من ماسة وهمست بصوت منخفض، وكأنها تقول سرا مهما: بس يا ماما هي خالتو مش بتغسل وشها خالص؟
رمشت باستغراب: ليه؟
أشارت إلى وجهها الصغير وهي تفسر: أصل عندها نقط كتير في وشها، قوليلها تغسل وشها.
لم تستطع ماسه التماسك، وانفجرت تضحك من قلبها، وشاركها سليم الضحك هو الآخر حتى دمعت عيناه، فقد استمع إلي كلماتها.
سليم بانفاس متقطعه من بين ضحكاته: يا نهار أبيض! دى طلعت لمضه أكتر منك بكتير!
ضحكت ماسة حتى ادمعت عيناها، ثم قبلت رأسها، وقالت موضحه: لا يا قلب ماما ده اسمه نمش، حاجة طبيعية ربنا بيخلق شوية ناس بيها علشان يخليهم مميزين وجمال.
أومأت ببراءة: أنا فكرتها نسيت تغسل وشها!
ضحكت: لا متخافيش بتغسله.
ثم قالت بحماس: تعالي نروحلها، دى هتحبك أوى.
نظر إليها سليم نظرة سريعة، وقال بمرواغة: بس الباقي لسة مجوش، استني لما يجوا ونفاجئهم كلهم!
رمشت ماسة باستغراب لثواني، ثم انتبهت لما يقصده: أيوة صح، صح.
ثم التفتت إلى حور، وقالت بلهفه وكأنها لا تريد تضيع ثانية واحدة معها: تعالي يا حور أحكيلي بقى كل حاجه عنك، مين كان بيأكلك ويشربك؟ ومين كان بيوديكي الحضانة؟ أحكيلي كل حاجة...
نهضت وحملتها إلى الفراش، ثم أجلستها أمامها وهي تتسأل بلهفة: كنت بتقولي لمين يا ماما؟!
ردت بتلقائية: مكنتش بقول لحد، عشان أنا معنديش غير ماما إنتِ بس، مينفعش أقول لحد ماما غيرك، بس رحمه كانت بتلعب معايا وتشربني لبن بالعافية هي وتيتة اسعاد.
صمت لحظه، ثم تسألت بحيرة: هي تيته تبقى تيتة مامتك ولا تيتة مامته؟
تبادل سليم وماسة النظرات، فلم يعرف أي منهما ماذا يقول.
لكن سليم تدارك الموقف بسرعة، وحاول تغير الحديث: يلا أحكي لماما مين عملك الضفيرة الحلوة دي.
أجابت بحماس: بابا
مررت ماسة أصابعها بين خصلات شعرها بحنان: أنا كمان هعملك كل يوم ضفاير أحلى وتسريحات حلوة أوي.
تساءلت حور: وتيتة ورحمة هييجوا يعيشوا معانا؟
ربتت على شعرها: أيوه طبعا يا حبيبتي، أي حد بتحبيه هيجي يعيش معانا.
ابتسمت حور، وقالت بحماس: طب تعالي نلعب تحت في حمام السباحة
ضحكت ماسة: حاضر يا روح ماما، هننزل نلعب.
تدخل سليم: يا ماسة يا حبيبة قلبي نقعد هنا شوية، وبعدين ننزل براحتنا.
نظرت إليه باستغراب: هو فيه إيه؟
تنهد، وقال بالإنجليزية كي لا تفهم حور: ربما علينا الانتظار حتى أستطيع التحدث معهم أولا، تجنبا لفعل أي شيء يخرب علينا القصة.
اومأت برأسها بتفهم، واحتضنت حور: طب بصي خلينا نستنى هنا علي ما بابا يروح يجهزلنا حمام السباحة، ويجيبلك مايوه حلو، وبعدها ننزل أنا وأنتِ، صح يا بابا؟
ابتسم سليم: أيوه طبعا.
ثم اقترب من حور وطبع قبله على رأسها: خليكي بقى قاعدة مع ماما علي ما أخلص.
أمسكت يده بحماس: متتأخرش يا بابا، عشان نقعد نلعب مع بعض، وتحكيلي حدوتة زي إمبارح.
ابتسم بحنان: حاضر يا قلب بابا.
ثم تحرك إلى الخارج.
أما ماسة، فما إن أُغلق الباب، حتى أمسكت كفي حور الصغيرين بين يديها، وأخذت تتأمل وجهها بعشق ولهفة، والكثير من الأسئلة تتزاحم في رأسها، فلم تدرِ بأيها تبدأ. كانت تريد معرفة كل شيء... ماذا تحب؟ ماذا تكره؟ كيف كانت تعيش؟ وما الذي فاتها من عمر ابنتها؟
ابتسمت ابتسامة مرتجفة، وهمست بحنين موجع: قوليلى بيقى يا حبي بتحبي ايه
ثم تداركت لهفتها، فابتلعت ريقها بتوتر، وقالت بخفوت: أنا عارفة كل حاجة طبعا، بس قوليلي تاني..
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
على إتجاه آخر.
اجتمعت عائلة ماسة في الريسبشن، ومعهم مكي والصدمة تسيطر علي ملامحهم.
دخل سليم بخطوات هادئة.
وما إن رأته سعدية حتى نهضت تتسأل بلهفة: إيه إللي سمعناه ده يا سليم؟! مين دي إللي عايشة؟
اومأ برأسه: اهدوا بس وهفهمكم كل حاجه.
اقترب منه مجاهد، يهز رأسه بعدم استيعاب: يا ابني قولنا كلام يخش العقل، هو فيه ميت بيصحى؟
تنهد طويلا، ثم قال وهو يجلس: هي مماتتش أصلا!
صمت للحظه، ثم أكمل بثقل: عماد خطفها بعد ماتولدت وكان ناوي يقتلها، بس السواق مقدرش وسابها عند ناس يربوها.
وضعت سعدية يدها على صدرها: حسبي الله ونعم الوكيل، يقتلوا حتت لحمة حمرة!! للدرجة دي مفيش في قلبوهم رحمه!!
جلست تردد بقهر: علشان كده مخلوش حد فينا يلمحها، قالوا خلاص كفناها ودفناها.
بكت بحسره: حرقوا قلب بنتي علي ضناها ربنا يحرق قلوبهم!
هز عمار رأسه بعدم تصديق: أنا لحد دلوقتي مش مستوعب!! أنت عرفت أزاي، ما يمكن مش هي وبيلعبوا بيك!
هز رأسه بثقه: هي! عملت DNA والنتيجه طلعت متطابقة.
أخذ نفسا عميقا، وتابع بجدية: هفهكم كل حاجه، بس بالله عليكم ركزوا في كل كلمة هقولها علشان محدش يغلط قدامها.
نظر إليه مجاهد باهتمام: قول يا ابني إحنا سامعينك.
اخذ يسرد لهم كل ماحدث، وهم يستمعون في صدمة، وكأن عقولهم ترفض استيعاب مايسمعونه!
وبعد انتهائه، امتلأت عينا سعديه بالدموع: يا ساتر يا رب هو فيه كده؟ بس الحمد لله يا ابني إنها وقعت بلسانها قدامك، بدل ما كانت يا حبة عيني تعيش محرومه منكم طول عمرها.
بينما تسألت سلوي بتردد: طب والبنت عملت ايه لما شافتك أنت وماسه؟ اتخضت؟ زعلت منكم؟
هز رأسه بابتسامة باهتة: لا خالص، الحمد لله حبتنا من أول لحظة، زي ماقلتلكم الموضوع إن هما حكولها إننا مسافرين وكنا بنكلمها، ده خلانا نقطع شوط كبير جدا معاها
عمار بتأييد: فعلا أحسن حاجة إنهم قالولها إنكوا سافرتوا وفجأة، ورجعتوا تاني
يوسف وهو لا يزال غير مستوعب: يعني بنت أختي طلعت عايشة!
هز مجاهد رأسه: والله الواحد لسه مش قادر يصدق!
مسحت سعدية دموعها: والله العظيم حاسة إني بحلم، اللهم لك الحمد يارب، خد بالك منها بقى يا سليم دي أمانة.
هز مجاهد رأسه مؤيدا: أيوه يا ابني خد بالك منها وكفاية بقى انتقام، دلوقتي بقى في رقبتك تلاتة ماسة واللى في بطنها، وحور.
نظر إليه من طرف عينيه: يعني أسيب حقي وحق مراتي!؟
وضع يده على كتفه: سيب حقك لربنا يجبهولك يا ابني، قول حسبي الله ونعم الوكيل، وربنا هيجيبلك حقك، وهيوريك فيهم يوم أسود من غير ماتخسر نفسك.
ظل صامتا لثواني، قبل أن يتنهد منهيا الحديث: نبقي نشوف الكلام ده بعدين، أهم حاجه دلوقتي حور.
نظر إليهم جميعا، وقال بجدية: أسمعوني كويس، لما تنزل عايزكم تتصرفوا معاها طبيعي، كأنكم عارفينها من زمان، أنا قولتلها إنكم كنتوا مسافرين معانا ولسه راجعين، مش عايز أي غلط قدامها.
أومأ الجميع: حاضر متقلقش.
فتنهد ونهض: طب أنا هروح أجيبها وجاي.
اومأوا برؤسهم في صمت، وأعينهم تتبعه حتي باب الغرفه بترقب.
في الغرفة.
كانت ماسة وحور متمددتين على الفراش، ورأسيهما متقاربان، تضحكان على شيء تحكيه الصغيرة، بينما كانت ماسة تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالعشق، وكأنها تحفظ كل تعبير يرتسم على وجهها.
تابعت بحماس: وزعلت منها وخاصمتها، يوم ويوم ويوم، والنهاردة كان المفروض أروح الحضانة وأصالحها، بس خلاص بقي هصالحها لما أروح بكرة، أنا كدة شطورة يا ماما؟
قبلت علي وجنتها: وأشطر شطوره كمان، علشان قولتي الحقيقة.
مدت شفتيها بحزن: تيتة زعقلتي وقالتلي إني...استنى
صمتت وهي تحاول أن تتذكر الكلمة، ثم قالت بجدية طفوله: آه خصابة!
ضحكت ماسه عاليا: قصدك خباصة.
ثم قبلت رأسها بحنان: لا يا حبيبتي، أنتِ مش خباصة، الخباص هو إللي يشوف حاجة ويروح يبلغ من نفسه، لكن أنتِ لما الميس سألتك مكدبتيش، وقولتي الحقيقة، يبقى دي كلمة حق، مش خباصة.
ابتسمت بفخر: أنا مش بعمل كده، عشان تيتة قالتلي عيب نشوف حاجة ونقولها.
اومأت بإيجاب: أيوه كده صح.
سألتها حور بفضول: أنتِ بقى كنتِ مسافرة تعملي إيه؟
ابتسمت بحنان: لما انا قولتك كنت بشتغل علشان اجيب حاجات حلوة لحور الأمورة، بس خلاص مفيش سفر تاني، ولو سافرنا هناخدك معانا، قوليلي روحتي البحر قبل كده؟
هزت رأسها: لا، روحت حمام السباحة بس.
ثم رفعت أصابعها تعد: روحت مرة مع رحمة ومامتها وتيتة،ومرة رحمة بس، ومع مامت أروى.
ثم نظرت لماسه وسألتها فجأه: هو أنا ليه عندى اسمين؟ كل صحابي واحد بس!
أجابتها بذكاء: عشان أنا كان نفسي أسميكي حور، وبابا كان نفسه يسميكي جنة، فسمناكي الأتنين!
سألتها: يعني إيه حور؟!
ابتسمت بتوسع: يعني بنت حلوة أوي، أحلى بنت في الكون.
ضحكت بسعادة: الله، أنا أحلى بنت في الكون! خلاص قوليلي حور علطول، حبيته.
اومات بابتسامه: حاضر.
ثم قالت بحماس: طب أحكيلي بقى لما روحتي حمام السباحة عملتي ايه
في تلك اللحظة، فتح سليم الباب دون أن يشعروا به، ووقف عند الباب يراقب انسجامها معا بابتسامه دافئه.
بينما اغرورقت عيناه بدموع فرحه، وهو يشاهد أمام عينه الحياة التي ظل يحلم بها لسنوات.
بينما ضحكت حور وهي تحكي بحماس: فضلت ألعب كتير، وتيتة تقولي تعالي كلي الأول، وأنا أجري واقولها لا عايزة ألعب في الميه.
أخذت تقلدها وهي تلوح بيديها الصغيرة: وهي تفضل تجري ورايا، وأنا أجري منها.
ثم انفجرت ضاحكة: وبعدين أحمد أخو رحمة جري ورايا هو كمان، وقام وقع كده.
أشارت بيديها كيف وقع على الأرض، فضحكت ماسة عاليا: يا حرام!
ضحكت حور أكثر: فضلت أضحك عليه، واقوله في واحد كبير يقع كده! كان شكله عبيط خالص.
شاركتها ماسه الضحك، بينما تدخل سليم بغيرة مرحة: الله الله، خلاص بقيتي تحبي ماما أكتر مني، نسيتي بابا خلاص؟
التفتت إليه تلقي بنفسها في أحضانه: أنا بحبكم أنتم الاتنين.
احتضنها بقوه، ثم اجلسها علي قدمه، وهو يقبل وجنتها: طب احكيلي كنتوا بتضحكوا على إيه؟
قالت بحماس: كنت بحكيلها على أحمد أخو رحمة.
تسأل بابتسامه: عمل إيه أحمد اخو رحمه؟
وقفت فوق الفراش تمثل له ماحدث: كان بيجري ورايا وبعدين اتزحلق ووقع كده.
ألقت بنفسها على المرتبة وهي تضحك.
فأنفجر سليم وماسة في الضحك.
سليم: أنتِ شكلك شقية، وبتحبي الميه أوي زي ماما.
هزت رأسها بحماس: أه، هننزل نلعب؟ جبتلي المايوه؟
اومأ بابتسامه: هجيبلك، بس ننزل نسلم على تيتة، وجدو، وخالو، وخالتو الأول.
اتسعت عيناها بفرحة: هم جهم!
اومأ برأسه: أه، ومستنينك برا.
سألته بسرعة: ورحمة وتيتة؟
ابتسم بحنان: رحمة وتيتة هيجوا بكرة أو بعده، مش هيتأخروا، متقلقيش.
ابتسمت بسعادة، وامسكت يده تجذبه بحماس: طب يلا، عايزة أشوفهم كلهم.
حملها بين ذراعيه، والتفت يقول بمرح: هتيجي معانا يا ماما؟
وضعت يدها علي قلبها، تحاول استيعاب حجم السعاده التي تملأ قلبها: جاية .. جاية.
ثم تحركت خلفهما
♥️ _______________بقلمي_ليلة_عادل
فيلا مصطفى٤م
دخل بسيارته، ثم ترجل منها اولا، وتبعته آلاء بملامح جامدة، خالية من أي تعبير.
دخلا معا، حيث كانت انهار ونبيلة تجلسان تتبادلان أطراف الحديث.
فور أن رأتهما، ابتسمت انهار: حمد لله على السلامة، أنا قولت هتيجوا بالليل.
ابتسم مصطفى ابتسامة خفيفة: الله يسلمك، ده كان يوم واحد بس.
نبيلة بحنان: حمد لله على سلامتكم يا حبيبي.
اكتفت آلاء بابتسامة باهتة: الله يسلمك، عن أذنكم هطلع أستريح شويه، الطريق كان طويل.
لم تنتظر ردا، وصعدت فورا.
تبعها مصطفى بنظره للحظات، ثم التفت إليهما: أنا كمان هطلع آخد دش وأرتاح شوية.
أومأت نبيلة: ماشي يا حبيبي، وأنا هحضر الغدا عشان ناكل كلنا سوا.
اوما بصمت، وصعد هو الآخر.
ساد الصمت لثواني بعد اختفائهما.
نظرت نبيلة إلى انهار، وهي تعقد حاجبيها: إنتِ مش حاسة إن في حاجة غريبه؟ شكلهم مش طبيعي! كأنهم زعلانين.
هزت انهار كتفيها: يمكن تعبانين من الطريق، السكة مش قليلة برضو.
تنهدت نبيلة بعدم اقتناع: يمكن!
ثم نهضت تقول: أنا هروح أحضر الغدا.
همت أنهار بالنهوض: استني، اجي أساعدك؟
قاطعتها نبيلة بابتسامة: لالا، خليكي متتعبيش نفسك، اصلا الاكل جاهز يدوب هسخنه بس.
وبالفعل، لم يستغرق الأمر وقتا طويلا، فقد كانت قد أعدت معظم الطعام مسبقا، ولم يتبقى سوى ترتيبه على السفرة.
بعد دقائق، نادت عليهما، فتجمع الجميع حول المائدة وبدأوا يتناولون الطعام لكن كان هناك شيء واضح، مصطفي وآلاء لا يتبادلان أي حديث!
وإن تحدث أحدهما، جاءت إجابته مختصرة وباردة، وكأن بينهما حاجزا غير مرئي، لم يخف ذلك على نبيلة، ولا انهار، بينما حاولت عائشه كسرت الصمت وهي تتسأل بابتسامه: انبسطتوا بقى هناك؟
صطفي وهو يواصل تناول طعامه: طول اليوم كنا في المؤتمر، وبعدها أنا تعبت، ومقدرتش أنزل خالص، ففضلنا في الأوضة.
نبيلة بعتاب: ملكش حق يا مصطفى، بقي واخد آلاء معاك الساحل وفي الآخر متنزلهاش البحر!
ابتسم ابتسامة باهتة: معلش بقى، المرة الجاية إن شاء الله.
اكتفت نبيلة بالنظر إليه، بينما عاد الصمت يسيطر على المائدة من جديد.
وبعد أن انتهوا من تناول الطعام، نهضت آلاء سريعا: عن إذنكم هطلع أنام.
غادرت قبل أن يعلق أحد وبعدها مباشرة، نهض مصطفى هو الآخر: وأنا كمان هطلع أرتاح شوية، عن أذنكم.
وغادر هو الآخر.
تبادلت نبيلة وانهار نظرة صامتة، فقد بدا واضحا أنهما لا يهربان من التعب، بل من أي سؤال قد يطرح ويكشف ماحدث.
قصر الراوي٤م
كانت لوجين تتحرك بسعادة، تعلق البالونات وترتب الزينة بابتسامة لا تفارق شفتيها، وكلما انتهت من شيء، وقفت تتأمله بإعجاب، وهي تتخيل رد فعل ياسين عندما يأتي ويري كل هذا.
وبعد قليل، فتح ودخل ياسين.
توقفت خطواته وهو ينظر حوله باستغراب، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة: إيه ده، عاملالي مفاجأة؟
هزت رأسها بعينان تلمعان بالسعادة: أيوه، مفاجأة كبيرة كمان.
أمسكت يده بحماس: تعالى معايا.
اغلقت الباب، وسحبته إلي الداخل، ثم وقفت ننظر إليه بعينين مليئتين بالعشق: قولي إيه أكتر حاجة نفسك فيها دلوقتي؟
لف ذراعه حول خصرها، وجذبها إليه وهو يبتسم: نفسي أخدك ونسافر، ونقفل على نفسنا الدنيا كام يوم.
ضحكت بخفة وهزت رأسها: غير السفر.
رفع عينيه يفكر للحظات، ثم عاد إليها: مش عارف!
ابتسمت أكثر، ووضعت يده فوق بطنها، وهمست وهي تكاد تطير من الفرحة: تفتكر فيه خبر أحلى من ده؟
تجمد بصدمه، وهو ينتقل بعينيه بينها وبين يده الموضوعه علي بطنها، بقد فهم قال بصدمه: بجد!
هزت رأسها عدة مرات، ودموع السعاده تلمع في عينها: أيوه، أنا حامل!
ظل يحدق فيها لثواني بعدم استيعاب.
وفي لحظة، جذبها إليه بقوة، يضمها بين ذراعيه ضمة كادت تخطف أنفاسها، وهو يردد بفرحه: مبروك يا جوجا، هتبقي أحسن مامي في الدنيا.
ثم رفعها وأخذ يدور بها في أنحاء الغرفة كطفل تلقى أجمل هدية في حياته.
علي اتجاه آخر.
جلس رشدي على الأريكة، وأمامه زجاجة خمر وكأس، وطبق صغير به بودرة بيضاء، اشعل سجارة تلو الأخرى، حتى امتلأت الطفاية بأعقاب السجائر.
كانت ملامحه مثقلة بالحزن، وعيناه تائهتين بين الألم والحيرة، لم يعد يفهم ما الذي يحدث حوله، كل مايعرفه أن هناك شيئا كبيرا وقع لكنه يجهل ماهيته.
وأكثر ما كان يؤلمه أنه لم يعد قادرا حتى على رؤيتها، فبعد خروجها من المستشفى، شددت عائلتها الحصار عليها، حتي أصبح الوصول إليها شبه مستحيل.
ظل التفكير ينهش رأسه، حتي كاد يفتك بها، فإن لم تخبرها ماسة ولا فايزه ولا عماد بشيء، فما الذي حدث إذا؟!
ظل السؤال يطرق رأسه بلا رحمة، حتى شعر وكأن مطرقة تهشم أفكاره.
زفر بعصبية، وأمسك زجاجة الخمر، ثم ملأ الكأس وارتشفه دفعة واحدة.
لكن الضجيج داخل رأسه لم يهدأ امسك طبق البودرة، وظل يتأملها للحظات، ربما يستطيع أن يسكت ذلك الضجيج الذي ينهش رأسه.
اقترب، واستنشق القليل، ثم عاد يسند ظهره إلى المقعد، وأغمض عينيه للحظات، وكأنه ينتظر أن يعم الصمت داخله.
لكن لا شيء يتغير!
ظلت الذكريات تهاجمه بلا رحمة، وصوت تأنيب ضميره يزداد ارتفاعا، حتى شعر أن رأسه على وشك الانفجار ولا يوجد شيء قادر علي إخماد ذلك الجحيم المشتعل في صدره.
انتفض من مكانه، وركل الطاولة أمامه بكل قوته.
فتبعثرت محتويات الطاولة في كل اتجاه، بينما دوى صوت التحطم في أرجاء الغرفة.
أما هو فظل واقفا يلهث، ويقبض على شعره بكلتا يديه، كأنه يحاول انتزاع تلك الأفكار من رأسه، لكن الألم كان أعمق من أن يقتلع، وأقسى من أن يهرب منه
منزل راشد4م
كانت مي ترتب ملابسها في صمت، قبل أن تقع عيناها على ذلك المجسم الصغير، علي شكل حمامه، الذي صنعه رشدي من الأسلاك خصيصا لها.
لا تعرف لماذا شعرت بتلك الغصة التي خنقت أنفاسها فجأة، ولا لماذا عاد كل شيء دفعة واحدة..
مدت يدها ببطء، والتقطت التمثال، تقلبه بين يديها بشرود، بينما كانت الذكريات تتدفق بلا رحمة.
تذكرت يوم أعطاها إياه، وهو يبتسم بفخر كطفل ينتظر كلمات الإعجاب، تذكرت لمعت عيناه وهو يخبرها أنه سهر علي صنعها طول الليل، وأنه لم يفعل ذلك لأحد قبلها، ثم تذكرت نبرته وهو يقول " مرضتش أعملك عروسه، وقولت اخليها حمامه أحسن، لأنها لايقه عليكي؛ رمز للحب والسلام"
اغمضت عينيها فانسابت دموعها بصمت، وانفلتت منها شهقه بكاء وهي تتذكر كيف كانت تؤمن بموهبته، وتدفعه دائما للعودة إلى هوايته التي أحبها.
تذكرت كيف أحبته بصدق، ووقفت بجواره في كل عثراته، إيمانا به، وبأن الحب قادرا على صنع المعجزات.
لكن...
كيف قابل هو كل هذا؟ خانها وخدعها، واخفي عنها ماضي مظلم ملىء بالخيبات.
شعرت بوخزة حادة في قلبها، حتى أنها وضعت يدها فوق صدرها تلقائيا، تحاول تهدئة الألم الذي اجتاحها
ثم تحولت دموعها لبكاء حارق، بينما راحت أصابعها تقبض على التمثال بقوة، حتى انغرست الأسلاك في كفها، لكنها لم تشعر بالألم، فالوجع الذي يسكن قلبها أكبر بكثير.
تمتمت بصوت مكسور من وسط بكائها: إزاي صدقته؟واديته كل الفرص دي؟ ازاى كنت عاميه ومغفله كده؟
قبضت على التمثال أكثر، حتى انثنى جزء منه بين أصابعها، ثم صرخت صرخة مكتومة، وألقت به بعيدا، وكأنها تلقي معه آخر ماتبقي في قلبها من حنين وحب تجاهه.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسة.
كان الجميع يجلسون في الصالون بترقب، واعينهم مثبته علي باب غرفه ماسه، منتظرين اللحظه التي سينفتح فيها الباب وتخرج منه ابنه ابنتهم الغائبه.
وبعد لحظات، فتح الباب وخرج سليم يحمل حور بين ذراعيه، وماسة خلفهم.
وقفوا جميعا في اللحظة نفسها بتأهب، وهم يحاولون السيطرة علي مشاعرهم كي لا تفضحهم أمامها.
وما إن رأتهم حور، حتي رفعت يديها بحماس: أنا جيت!
شهقت سعدية وهي تضع يدها على صدرها: يا نهار أبيض، الله أكبر!
اقتربت منها ببطء، وعيناها تفيضان بالدموع: دي نسخه من ماسة وهي صغيرة، لأ أحلى كمان.
ثم فتحت ذراعيها: تعالي في حضن تيتة يا روح تيتة.
ارتمت حور بينا ذراعيها، فضمتها سعدية بقوة، وأغرقتها بالقبلات: يا قلب تيتة الله أكبر عليكي، احنا لازم نخبيكي، عشان متتحسديش، إيه الجمال ده كله؟
ثم ضحكت وهي تنظر إلى ماسة: أمك وهي صغيرة كنت بخبيها برضو، علشان بخاف حد يشوفها ويحسدها.
رمشت الصغيرة بعينيها، وسألت ببراءة: أنتِ تيتة مامت ماما؟
ابتسمت حتى ارتجفت شفتاها: أيوه يا قلب تيتة.
ظلت حور تتأمل وجهها قليلا، ثم قالت فجأة: أنتِ كمان عيونك شبهنا، بس أنتِ شبه الزرعة وأحنا شبه السما.
انفجر الجميع ضاحكين، بينما ضحكت سعدية وهي تقبل وجنتها: يا روح قلبي، هاتي بوسة.
مد مجاهد يده، يهتف بلهفه: هاتيها يا سعدية شوية، تعالي يا حبيبتي.
حملها وهو يضحك: إيه القمر ده؟ الله أكبر عليك.
نظرت إليه مبتسمة: أنت كمان حلو يا جدو.
قبلها من وجنتها: يا روح قلب جدو من جوه.
احتضنها وقبل رأسها بحنان، ثم اقترب عمار وهو يمد ذراعيه: وأنا؟ خالو عمار.
وأشار إلى يوسف: وده خالو يوسف.
ثم أشار إلى سلوى: ودي خالتو سلوى.
أومأت حور بحماس: أيوه، أنا شوفتها.
ثم أشارت إلى وجه سلوى بجدية تامة: عندها ممش في وشها، أنا قولت لماما هي مش بتغسل وشها؟ قالتلي لأ عندها ممش.
انفجر الجميع في الضحك.
بينما شهقت سلوى بمرح: يا سلام! بقي أنا مش بغسل وشي؟
قال يوسف وهو يضحك: اسمه نمش يا حور، نمش.
عقدت حاجبيها: هو اسمه ممش.
اقتربت منها سلوى بسرعة وحملتها: تعالي هنا بقى يا بتاعة الممش.
وأخذت تدغدغها، فتعالت ضحكاتها وهي تتلوى بين ذراعيها: لا لا خلاص، هقول نمش نمش.
ضحك الجميع أكثر، بينما أخذها عمار بعدها، ثم يوسف، كل يحملها لدقائق، وكأنهم يعوضون سنوات كاملة ضاعت منهم.
أما هي... فكانت تضحك معهم بعفوية وكأنها تعرفهم منذ سنوات.
لف سليم ذراعه حول خصرها، بينما أسندت هي رأسها على كتفه، ووقفا يراقبان المشهد بابتسامه دافئه.
شعر سليم بقلبه يتضخم بدفء لم يعرفه منذ سنوات، فهمس وعيناه لا تفارقان حور: شوفتيها عسل، وبتاخد علي الناس بسرعه أزاى؟
ابتسمت، واغرورقت عيناها بالدموع: كأنها عاشت وسطهم عمرها كله.
ضغط على يدها برفق دون رد، فالكلمات كانت أقل من أن تصف ما يشعر به
وفي تلك اللحظة صفق مجاهد بحماس: طب يلا بقي يا جماعة نقعد في الجنينة الكبيرة بره، علشان حور تشوف المكان كله.
رفعت يدها بحماس: يلا، أنا عايزه العب في حمام السباحه.
خرج الجميع إلى الحديقة الواسعة، حيث كانت الأشجار تحيط بالمكان، والهواء يحمل نسمة هادئة جعلت الجو أكثر دفئا، جلسوا جميعا حول الطاولة الخشبية الكبيرة، بينما كانت حور تتحرك بينهم في سعادة، مرة تجلس في حضن هذا، ومرة تضحك مع ذاك، وكأنها تعرفهم منذ سنوات.
في تلك اللحظة اقترب مكي: خد يا سليم، كراسة الرسم والألوان اللى طلبتها اهي.
أخذها منه، ونادى الصغيرة بابتسامة: حور تعالي.
ركضت إليه بسرعة: نعم؟
مد لها الكراسة وعلبة الألوان: جبتلك الكراسة والألوان دي، عشان توربنا بترسمي حلو إزاي.
شهقت ماسة بابتسامة: إيه ده، أنتِ بتعرفي ترسمي؟
هزت رأسها بحماس: أيوه، برسم بطة، وعربية، وشمس، وشجرة، وآخر مرة في الحضانة اتعلمت أرسم قطة.
ضحكت وهي تقبل وجنتها: يا روح ماما، نفسي أشوف رسوماتك، هي فين؟
التفتت حور إلى سليم وسألته بلهفة: فين كراسة الرسم بتاعتي؟
حك مؤخرة رأسه بإحراج: مجبتهاش.
ثم ابتسم وهو يقول: بس هخلي عمو مكي يروح يجيبلك كل حاجتك، مش كده يا عمو مكي.
اومأ فورا: آه طبعا، بكره هتكون كل الحاجه عندك.
اومأت برأسها، ثم جلست على الأرض وفتحت الكراسة، ورفعت رأسها إليهم بحماس: اقعدوا جنب بعض، علشان ارسمكم كلكم.
انفجروا ضاحكين، ثم بدأ كل واحد منهم يجلس بجوار الآخر كما طلبت.
قالت وهي تشير بإصبعها الصغير:لا لا خالو يوسف جنب خالتو سلوى، وتيتة هنا وجدو هنا، وبابا يقعد جنب ماما، وعمو مكي جمبه.
امتثلوا جميت لأوامرها، فجلست أمامهم، وبدأت رسمهم بكل تركيز، كانت ترفع رأسها كل دقيقة تنظر إليهم ثم تعود للرسم مره أخري، فكانوا يتابعونها بابتسامات لا تفارق وجوههم.
بعد دقائق طويلة، رفعت الكراسة بحماس: خلصت!
اجتمعوا حولها، كانت الرسمة طفولية جدا، بخطوط بسيطة، لكن كل شخص فيها كان واضحا، والجميع ممسكون بأيدي بعضهم، وفي المنتصف رسمت نفسها بين سليم وماسة.
شهقت سعدية: يا نهار أبيض، دي أحلى رسمة شوفتها في حياتي.
ضمتها ماسة هي تدعبها من بطنها: ايه الحلاوه دي، جميله خالص.
أما سلوى فأخرجت هاتفها بسرعه: استنوا محدش يتحرك.
وبدأت تلتقط لهم الصور، وصورا أخرى لحور وهي تحمل رسومتها بكل فخر ثم جلست بجوارها وأخذت تصورها وهي تضحك.
وفجأة رفعت حور رأسها وقالت بحماس: أنا عايزة أنزل حمام السباحة.
ماسة بحماس: حاضر يا حبيبتي، يلا ننزل
سليم: هتنزلوا بايه؟ أنا لسه مجبتلهاش مايوه!
رفعت ماسة حاجبها: مش مهم ننزل بهدومنا.
هز رأسه معترضا: لا مش شكل لطيف!
ضحكت أكثر: وإيه يعني؟ إحنا مش في القصر عند أمك، فك شوية.
ثم مدت يدها لحور: تعالي ننزل يا حور.
لكن الصغيره هزت رأسها بتذمر وهي تعقد يديها أمام صدرها: لا أنا عايزة مايوه.
ابتسم سليم بانتصار: شوفتي؟ دى جينات عيلة الراوي، أخيرا طلعت واخده حاجه مني.
ضحك الجميع علي كلماته، بينما علقت سعديه: طالعه اليطه زيك.
التفت إلى مكي: معلش يا مكي، هتعبك معانا.
داعب شعر حور بابتسامه: تعب حور هانم راحه، نص ساعه وبيبقي عندك أحلي مايوه.
رفعت حور بحماس: هتهولي لونه بمبي وعليه نجوم.
ضحك عاليا: حاضر.
ربتت ماسه على شعرها: يمكن ميلاقيش اللى أنتِ عايزاه، بجيب أي مايوه وخلاص.
ابتسمت وتابعت: وبكرة أنا وبابا وخالتك سلوى هناخدك، ونجيبلك كل حاجة نفسك فيها.
اتسعت عينا حور: كل حاجة؟
اومات: أيوه كل حاجة.
قفزت من مكانها: ييييه!
غادر مكي، بينما نهضت سعدية تقول بسعاده: وأنا بقى هدخل أعملك أكل يخليكي تاكلي صوابعك وراه.
وضعت حور يديها على فمها، ورددت ضاحكه: مينفعش آكل صوابعي يا تيتا! لو كلتهم مش هيبقى عندي صوابع وهتوجع، اصلا محدش بياكل صوابعه.
انفجر الجميع ضاحكين، بينما اقتربت سعديه تقبل خدها: يعني الواد ياكلك من طعامتك دى ولا يعمل ايه هاا، يا حببتي قصدي الأكل هيبقى طعمه حلو أوي.
بدأت تعد على أصابعها: هعملك بط وديك رومي، ومحشي.
قاطعتها الصغيرة بسرعة: لا أنا بحب الفراخ والبطاطس المحمرة والمكرونة بالبشاميل والمحشي.
ضحكت سعدية: حاضر، هعملك كل اللي بتحبيه.
بينما قالت ماسة وهي تشير إلى الأرجوحة: تعالي يا حور نروح نتمرجح.
أجلستها عليها، وبدأت تدفعها برفق، كانت الصغيرة تضحك بصوت عالي، وشعرها يتطاير مع الهواء.
ظلوا يتناوبون على دفع الأرجوحة، مرة سليم، ومرة ماسة، ثم عمار ويوسف، حتى أصبحت ضحكات حور تملأ الحديقة كلها.
كانت ترفع قدميها في الهواء وهي تصرخ بسعادة: أعلى أعلى يا بابا!
ضحك وهو يزيد دفعتها قليلا: كده؟!
اومات: ايوه.
وفجأة ظهر مكي من بعيد وهو يحمل عدة أكياس: أحلي مايوه، لأحلي حور في الدنيا.
قفزت من فوق الأرجوحة وركضت نحوه بأقصى سرعتها: هاته... هاته!
أعطاها الكيس، ففتحته بسرعة، وأخرجت مايوها أزرق بلون البحر، مزينا بنجوم صغيرة فضية.
شهقت بسعادة: الله حلو أوي!
ثم ركضت إلى ماسة: ماما يلا لبسيني بسرعة.
ضحكت وهي تمسك يدها: يلا يا حبيبتي.
ودخلتا إلى الغرفة، بينما التفت سليم إلى مكي بجدية: خلي الحراس يرجعوا ورا، متخليش حد يقرب من هنا خالص، ومش عايز أوصيك يا مكي، اكشف عليهم وفتح عينك كويس، أنا حاليا مش في حمل اي غدر أو خيانه من حد.
اومأت بثقه: متقلقش يا سليم كل الحراس اللى حوالين الفيلا أنا كاشف عليهم قبل كده وضامنهم برقبتي، واصلا كل يوم بغير تمركزاتهم ومحدش فيهم يعرف أماكن الكاميرات هنا، متقلقش انا مظبط كل حاجه.
ربت علي كتفه بسعاده: متشلش هم حاجه، وعيش وافرح برجوع بنتك.
عانقه سليم بامتنان: ربنا يخليك ليا يا مكي، والله طول ما أنت في ظهري ببقي مطمن فعلا ومش شايل هم حاجه.
ابتعد عنه مكي بمزاح: إيه يا عم مالك بقيت طري الأيام دي كده ليه، شكلك كده محتاجلك ماتشين بوكس ينشفوك شويه.
ضحك سليم عاليا، بينما قال مكي: طب انا هخرج بقي علشان اظبط الدنيا مع الرجاله.
غادر مكي، ودخل سليم يبدل ملابسه هو الآخر.
بعد دقائق خرجت ماسة تمسك بيد حور، كانت الصغيرة ترتدي مايوهها الأزرق، بينما جمعت ماسة شعرها وارتدت مايوه، وفوقه بيتش دريس أبيض، وخلفهم سليم الذي ارتدى شورتا مخصصها للسباحه.
نظر إلى حور مبتسما: جاهزة؟
رفعت يدها بحماس: جاهزة!
حملها بين ذراعيه، ونزل بها درجات حمام السباحة بهدوء، فشهقت وهي تلمس الماء: ياه ساقعة!
ضحك: هتتعودي.
ثم نزلت ماسة بجواره، لم يكن أي منهما يجيد السباحة سوا سليم، لذلك جعلهم في الجزء الضحل من المسبح، يرشون الماء على بعضهم البعض ويلعبون كالأطفال.
وبعد دقائق ظهر عمار ويوسف وسلوى بعدما بدلوا ملابسهم أيضا.
قفز يوسف في الماء: استنونا!
انضموا جميعا إليهم، وامتلأ المكان بالضحكات ورشات الماء.
في الداخل...
وقف سعديه تتابع إعداد الطعام بنفسها.
وبينما كانت تقلب الطعام، توقفت فجأة أسندت يدها إلى الرخامة وانهمرت دموعها.
اقتربت منها سحر بسرعة: مالك يا حاجة؟
مسحت دموعها: زعلانه ان البت عاشت طول السنين دي عاشت محرومه مننا.
ثم بكت أكثر: 5 سنين كامله حرمونا منها.
ربتت سحر على كتفها: الحمد لله إنها رجعت بالسلامة.
أومأت وهي تمسح دموعها: الحمد لله.
ثم قالت: هاتي العصاير والكيك والفشار، اخرجهالهم علي ما الأكل يجهز.
اومأت: حاضر يا حاجة.
في الخارج...
كانت ماسة تضحك وهي ترش الماء على حور.
لكن سليم نظر إليها بجدية: ماسة كفاية بقى.
التفتت إليه باستغراب: متهزرش يا سليم، انا مبقاليش ربع ساعه!
اقترب منها، وأمسك يدها برفق: لا كفايه كده اطلعي.
ردتت بتذمر: سليم.
رد بحسم: يلا.
ساعدها على الخروج، ثم أجلسها على حافة المسبح.
اعترضت حور فورا: ليه طلعت ماما؟ خليها تلعب معايا بالعوامة.
ابتسم وهو يمسح الماء عن وجهها: مينفعش ماما تقعد كتير في الميه عشان متتعبش.
عقدت ماسة ذراعيها: على فكرة أنا مش تعبانة.
نظر إليها بحزم: أنتِ حامل متنسيش، وحملك مضطرب.
اتسعت عينا حور فجأة: ايه ده يا ماما.
وضعت يدها على بطنها: انتِ عندك نونو؟
ابتسمت ماسة بحنان: أيوه.
خرج سليم وهو يحمل حور بين ذراعيه، بينما جاءت سلوى وأحضرت لها منشفة صغيرة ولفتها حولها.
جلست حور بجانب ماسه ووضعت كفها الصغير على بطنها: يعني هيبقى عندي أخوات؟
ضحكت ماسه: نفسك يبقى عندك أخوات؟
هزت رأسها بحماس: ايوه، زي داليا وأروى وعمر.
سألها عمار مبتسما: مين دول؟
أجابت: صحابي في الحضانة.
ثم عادت تنظر إلى بطن ماسة: هو فاضله قد إيه؟
أجابت: حوالي 6 شهور.
وضعت أذنها على بطنها: يعني هو دلوقتي جوه؟
ضحكت ماسة وهي تمرر يدها علي شعرها: أيوه.
ابتعدت، وظلت صامتة للحظات، ثم قالت بجدية: طب هو اشمعنا يعيش معاكوا وهو صغنن وأنا لأ؟
ساد الصمت للحظة
تابعت ببعض الغيره: خلوه هو كمان يروح يعيش مع تيتا اسعاد يوم ويوم كتير زى!
تبادلوا جميعا النظرات، وكل منها يستجدي من الآخر إيجاد ردا مناسبا.
تنحنح سليم قائلا: طب وهيهون عليكي يعيش بعيد عننا لوحده؟ هو أنت مش هتحبيه!؟
هزت رأسها سريعا ببراءه: لا والله هحبه خالص وهاخد بالي منه، خلاص مش تخليه يروح، أنا هحبه خالص.
تنفس الصعداء، وأيقن أن ما حدث لم يكن سوى ناقوس خطر يذكره بضرورة العمل مع ياسر على احتواء ذلك الأمر، قبل أن يقودهما إلى عواقب لا تحمد عقباها.
أخرجه من شروده، جذبها ليده: يلا يا بابا تعال العب معايا، وأنت يا ماما اقعدي متلعبيش عشان النونو.
ثم وضعت قبله على بطنها
ضحك الجميع
فأشارت لهم: يلا يا يوسف، وإنت يا عمار، يلا يا سوستا.
شهقت سلوى: مين دى اللى سوستا؟!
هزت رأسها: أنتِ! كلهم بيقولولك سوستا.
خلعت سلوى الشبشب، وركضت خلفها: أنت ايه حكايتك معايا بالظبط، مره مش بغسل وشي، ومره سوستا، تعالي هنا، والله لاوريكي
صرخت حور، وأخذت تجري حول المسبح.
ركضت سلوى خلفها، حتى أمسكتها أخيرا: مسكتك!
ثم حملتها وقفزت بها إلى الماء، تعالت صرخاتها وضحكات الجميع مرة أخرى، وامتلأ المكان بسعادة حقيقية عوضت شيئا، ولو قليل من سنوات طويلة سُرقت منهم قسرا.
قصر الراوي
دخل طه ومنى بخطوات هادئة.
كانت ملامح منى مختلفة تمامًا عن السابق؛ وجهها استعاد شيئا من نضارته، وعيناها أصبحتا أكثر صفاء.
في تلك الأثناء، كانت العائلة مجتمعة حول مائدة العشاء. ابتسمت منى والقت التحيه بهدوء: مساء الخير.
وما إن وقعت عينا أبنائهما عليهما، حتى قفزا من فوق مقعديهما وركضا نحوهما بحماس: بابا .. ماما
فتح طه ذراعيه، يضمهما بقوة، بينما احتضنتهما منى وهي تضحك لأول مرة منذ وقت طويل.
رفع عزت رأسه عن الطعام، ونظر إله طه قائلا بعتاب: ما لسه بدري!
بينما أضافت فايزه باستهجان: سافرتوا فجأة، ورجعتوا فجأة! وفي أكتر وقت كان المفروض تكونوا موجودين فيه هنا.
تنهد طه: الموضوع كبير يا هانم.
قطب عزت حاجبيه بضيق: إيه أكبر من الكارثة إللي سبتنا فيها وسافرت مع مراتك، وأنا بين الحياة والموت؟
خفض طه رأسه: هتعرف كل حاجة يا باشا، بس بعدين.
في تلك اللحظة، حولت منى بصرها إلى رشدي، وقالت بهدوء ذات معنى: عامل إيه يا رشدي؟
رفع عينيه إليها لثواني، ثم أعادها إلي طبقه مره أخري وأكمل طعامه بعدم اهتمام.
بينما نظر عزت بينهما، وقال بحزم: بعد العشا، لازم أفهم سبب سفركم المفاجئ.
أجابت منى بهدوء: احنا جايين تعبانين، بكرة هتعرف كل حاجة يا باشا.
ثم عادت بعينيها إلى رشدي مرة أخرى، بنظرة عقدت فيها العزم على استرداد حقها، مهما كلفه الثمن.
♥️________________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسة.
وبعد يوم طويل امتلأ باللعب والضحكات، بدأت حور تفرك عينيها الصغيرتين، وقد غلبها النعاس.
انتبهت لها ماسة، التي لم ترفع عينيها عنها، وربتت على خصلاتها بحنان: إيه يا روحي، عايزة تنامي؟
هزت الصغيره رأسها: أممم.
ابتسمت ماسة: حاضر يا حبيبتي، تعالي نروح اوضتنا عشان ننام.
انحنت لتحملها، لكن سليم أوقفها سريعا: استني هشيلها أنا.
نظرت إليه: سيبني أشيلها يا سليم متخافش.
هز رأسه معترضا: لأ، أنتِ حامل!
ابتسمت حور وهي تشير إلى بطن ماسة: أيوه يا ماما، مينفعش تشيليني علشان عندك نونو في بطنك، أروى مامتها مش كانت بتشيلها عشان النونو.
ضحكت ماسة رغم دموع السعادة التي لم تفارق عينيها: ماشي يا ستي، خلي بابا هو إللي يشيلك.
حملها سليم، فالتفتت تلوح للجميع: باي كلكم، أشوفكم بكرة.
ابتسم الجميع ولوحوا لها: باي يا حبيبتي، تصبحي على خير.
ألقى سليم تحية المساء، ثم توجه هو وماسة إلى غرفتهما.
دخلا الغرفة، وأنزل حور برفق على الفراش، بينما اتجهت ماسه إلي حقيبتها وأخرجت بيجامة، وعادت تساعدها علي ارتداءها بابتسامه: البيجامات الحلوة دي بابا إللي جابهالك؟
هزت رأسها: أه.
راقبهما سليم بابتسامة: بكرة ننزل نجيبلك لبس تاني، وكل إللي نفسك فيه.
قفزت بحماس: وتعملي أوضة زى ما قولتلي؟
ضحكت ماسة: طبعا.
رفعت يديها تشرح بحماس: عايزاها شبه بيت باربي.
ضحك سليم وربت على شعرها: واحلي من بيت باربي كمان، هعملك أحلى أوضة في الدنيا.
وبعد أن انتهت من ارتداء البيجامة، ابتسمت لها ماسه بحب: النهاردة هتنامي في حضني أنا وبابا.
ابتسمت حور بسعادة: ماشي، هاتوا الأرنب كمان.
التقط سليم الأرنب وناوله لها، فاحتضنته بقوة، وقبلته، ثم تمددت على الفراش.
أحكمت ماسة الغطاء عليها، ثم مسحت على صدرها بابتسامه: هروح أنا وبابا نغير هدومنا ونرجعلك علطول، ماشي يا روحي؟
هزت رأسها وهي تحتضن الأرنب، وتقاوم النعاس الذي سيطر علي عينيها: ماشي.
دخلا غرفة خلع الملابس.
وبينما كانت ترتدي ملابس النوم، التفتت إليه بعينين تلمعان بالسعادة: سليم، إحنا لازم نجيبلها لبس كتير أوي، وكل إللي نفسها فيه، ونعملها أوضة حلوة أوي.
ابتسم وهو يرتدي تيشرته: أكيد طبعا، أنا بس جبتلها كام طقم مؤقتا لحد مانروح أنا وإنتِ ونجيبلها كل حاجة بنفسنا.
قالت بحماس طفولي: ونجيبلها كراسات رسم، وألوان، وألعاب وكل حاجة بتحبها.
اقترب يحتضنها بحنان: هنجيبلها كل حاجة يا ماسة، مش هنخلي نفسها في حاجة أبدا.
أغمضت عينيها داخل حضنه، وهمست بصوت يرتجف من فرط السعادة: أنا فرحانة أوي يا سليم، حاسة إني بحلم، وخايفة أصحى وألاقي كل ده مش حقيقي.
ربت على ظهرها: لا المرة دي مش حلم، المرة دي ربنا بيعوضنا زرجعها لحضننا بجد.
ابتعدت عنه، ومسحت دمعة فرحة هربت منها رغما عنها: طب تعالى نرجعلها بقي، عشان منتأخرش عليها.
أومأ برأسه، وخرجا معا، فوجدا حور قد أغلقت عينيها، تغط في نوم عميق وهي تحتضن الأرنب الصغير.
اقتربت منها ماسة وتمددت بجوارها، ثم أسندت يدها إلي خدها، تتأملها بدموع فرحه، وكأنها تخشى أن تغمض عينيها فتختفي من أمامها.
بينما تمدد سليم على الجانب الآخر، ونظر لها فلاحظ الدموع التي تلمع في عينيها وتهدد بالهبوط، فمرر كفه علي وجنتها برفق: طب ليه الدموع؟
هزت رأسها وهي تنظر إلى حور: مش قادرة يا سليم، لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب، أنا فرحانة أوي، بس في نفس الوقت موجوعة أوي!
تنهدت، وهمست بتأثر: شوف عسولة أزاي؟! كان نفسي أعيش معاها وهي صغيرة، أكيد كانت عسولة أكتر من كده، كان نفسي أربيها، وأشوف أول خطوة، وأول كلمة، وأول ضحكة، كان نفسي أعيش معاها كل الذكريات دي..
خرجت شهقة مكتومة من بين شفتيها: كل ما أبصلها وهي بتتكلم أو تضحك، بغير أوي من أي حد عاش معاها كل السنين دي وأنا لأ، كان نفسي أكون أنا كل ذكرياتها مش رحمة مش تيتة إسعاد!
رمش بتأثر، ثم أمسك يدها وأشار نحو الشرفة: طب تعالي نقعد في البلكونه، علشان متصحاش.
خرجا إلى الشرفة، وأغلق الباب خلفهما.
وقفت ماسة تستند إلى السور، تحاول أن تلتقط أنفاسها.
اقترب منها سليم، ووضع يده على كتفها: يا روح قلبي هوني علي نفسك شويه، أنا كمان كان نفسي أعيش معاها كل الذكريات دي، وغيران زيك ويمكن أكتر كمان.
صمت لحظة، ثم أكمل: بس إللي حصل حصل، وأهم حاجه دلوقتي إنها رجعت لحضننا تاني!
نظر إليها بثبات، وتابع بحكمة: أنا مؤمن إن ربنا ليه حكمه في كده، ورجعالنا في الوقت الصح، إللي بقينا فيه قادرين نحميها، ونربيها، ونعيش معاها من غير خوف.
أخذ نفسا عميقا، وأكمل: افتكري إحنا كنا عاملين أزاي وقتها، أنا كنت في أسوأ حالاتي وأنتِ كمان، لو كانت حور معانا وقتها كانت اتبهدلت معانا، واستخدموها ضدنا، ويمكن كانوا قتلوها بجد!
ابتلع غصته، وأمسك بيديها: صدقيني يا ماسة رغم الوجع اللى إحنا حاسين بيه ده، بس ربنا كان بيحميها بطريقته، حافظ عليها ورجعالنا في الوقت اللى نقدر نحضنها فيه من غير خوف، ونعيشها في بيئة مستقرة.
همست والدموع لا تزال في عينيها: بس أنا زعلانة وموجوعة أوى.
ابتسم بحنان، ومسح دموعها: عارف، ومش هقولك متزعليش، أزعلي براحتك لكن مع الوجع ده، أفرحي كمان.
نظر إلى حور النائمة، وقال بابتسامة دافئة: بصي عليها، الحمد لله متربية كويس، وشكلها مكانتش محرومة من حاجة، مؤدبة، وذكية، وكل حاجة فيها جميلة، وبتعرف تحب، دي نعمة كبيرة يا ماسة، وربنا كتبلنا من النهاردة نكمل معاها باقي عمرها، ونعوضها، ونعوض نفسنا، عن كل السنين إللي فاتت.
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها، فجذبها إلى صدره يضمها بقوه وكأنه يحاول جمع شتات قلبها بين ذراعيه. وعيناه تلمعان بالدموع التي قاومها بصعوبة، وهو يربت عليها بصمت.
فيلا مصطفى،11م
جلس في الحديقة يدخن سيجارته بشرود.
اقتربت منه نبيلة وعائشة، تحمل إحداهما صينية شاي، بينما تحمل الأخرى قالبا من الكيك، ما إن رآهما حتى نهض بسرعة، وأخذ منهما الصنية وضعهما على الطاولة.
ابتسم وهو يشم رائحة الكيك: تسلم إيدك يا ماما ريحته تحفة.
نبيلة بحنان: بالهنا يا حبيبي.
جلست بجواره: قولي بقى، فيه إيه، مالك؟
رفع كتفيه بتوتر: مفيش.
نظرت اليه بثبات: لا فيه، أنت وآلاء متخانقين ولا إيه؟ وأوعى تقولي لأ، ده أنتم منطقتوش مع بعض نص كلمة، ووشوشكم عاملة زي البيض الممشوش.
انفجر ضاحكا: إيه يا ماما التشبيه ده!
ضحكت عائشة هي الأخرى: ماما عندها حق، إحنا اصلا جايبين الشاي والكيك عشان نقررك.
هز رأسه بابتسامه: حسيت بكده برضو، بس صدقوني مفيش حاجة.
ضيقت نبيلة عينيها، ثم نهضت تقول: أنا عارفه إني مش هاخد معاك حق ولا باطل، عموما أنا هقوم أنام وهسيبلك عائشه، هي الوحيده اللى بتعرف تطلع الكلام منك.
ابتسم مصطفى: تصبحي ع خير يا ماما.
غادرت نبيلة.
انتظرت عائشة حتى اختفت، ثم اقتربت منه وغمزت بمشاكسة، قبل أن تحيط رقبته بذراعها: أعترف بقي مالك؟
ابتسم محاولا تغيير الموضوع: هو إيهاب فين؟
أجابته: بايت في الشغل، وبعدين متحورش، وجيب من الآخر.
أطلق زفرة طويلة: هحكيلك عشان أنا بجد تايه ومخنوق، ونفسي أحكي لحد.
اعتدلت في جلستها تنظر إليه باهتمام: قول، كلي آذان صاغيه.
حك مؤخرة عنقه: الدنيا كانت حلوة جدا وكنا مبسوطين، أنا صحيح كنت تعبان بعد المؤتمر ومقدرتش أخرجها يومها، بس كنت مخطط نقعد يوم كمان وافسحها هناك، كنت عايز أبسطها وكان عندي أفكار كتير، بس إللي حصل امبارح أنا لحد دلوقتي مش فاهم إزاي حصل!
عقدت حاجبيها: ايه اللى حصل؟
أحمر وجهه، وأطرق برأسه: عملت حاجة وهي زعلت.
ضربت ذراعه بخفة: ما تتكلم علطول، هو أنا هسحب منك الكلام، عملت إيه؟
تنحنح بحرج: بوستها!
اتسعت عيناها: يخرب عقلك! علطول كده!
قطب وجهه: متضايقنيش، اتكلمي جد.
ضحكت وهي تهز رأسها: والله بتكلم جد، ايه المشكله دي مراتك! إنتوا مكبرين الموضوع كده ليه؟
خفض رأسه بخزي: علشان مراتي على الورق! أنا وعدتها بكده، ومكنتش قد وعدي!
صمت لحظه، ثم تابع بصدق: أنا مش عارف ده حصل أزاى ولا أمتي، بس أنا بجد حبيتها، واتأكدت من ده الفترة الأخيرة، لأول مرة أحس بالمشاعر دي من بعد ندى، والله ما كان قصدي أي حاجة وحشة، الموضوع حصل فجأة، ولقيت نفسي بعمل كده، بس هي زعلت.
سألته بهدوء: طب قولتلها ايه بعدها؟
زم وجهه بأسف: حاولت اعتذرلها، بس هي قفلت الكلام وقالت مش عايزه اتكلم، ومن وقتها وهي بتتجنب الكلام معايا.
أشارت إليه بيدها: لا بالراحه كده وأحكيلي بالتفصيل ايه اللى حصل؟
قص عليها كل ماحدث منذ تعلق الطرحة، حتى عودتهم اليوم.
وما إن انتهى، ضرب كفا بكف: يا ابني ماطالما بادلتك البوسة يبقى كانت موافقة، وبتحبك هي كمان!
نظر إليها بعدم اقتناع: يا سلام؟ عرفتي منين؟
خفض بصره: آلاء لسه صغيره، أكيد فكرت إني استغلتها.
ابتسمت بثقة: لو كانت فكرت كده بجد كانت لطشتك قلم تولك، اسمع مني احنا بنات ونفهم بعض كويس، هي جريت علي الحمام لأنها اتكسفت، أنت بقي بدل ما تحاول تعتذر كان المفروض تقولها الحقيقه علطول.
تسأل: حقيقة إيه؟
أجابت بابتسامه: إنك بتحبها، وإن إللي حصل ده كان من قلبك، مش لحظة شهوة ولا اندفاع.
اومأ باستنكار: أنتِ بتهزري؟
هزت رأسها بيقين: والله العظيم لأ، صدقني لو آلاء مبتحبكش كان رد فعلها هيبقي عنيف ومختلف، ولما قفلت في الكلام أكيد كانت عايزه منك إصرار، هو أنا إللي هقولك يا صاصا.
ظل صامتا، ثم قال بصوت منخفض: حتى لو كلامك صح، إحنا مننفعش لبعض!
عقدت حاجبيها: ليه؟
أجاب بأسف: لإنها تستحق حد أحسن مني.
ضحكت وهي تشير إليه: مفيش حد أحسن منك يا مصطفى، أنت دكتور، محترم، وراجل بجد، ده أنا نفسي أتجوز واحد زيك، بس للأسف مفيش غير نسخة واحدة منك وطلعت أخويا!
ابتسم رغما عنه: أنا بتكلم جد يا عائشة، أنا أكبر منها ب12سنة، واتجوزت قبل كده، وهي لسه صغيره من حقها تحب وتختار، مش تحس إني اتفرضت عليها.
اختفت ابتسامتها، وقالت بحزم: الكلام المتخلف ده مينفعش يطلع من دكتور مثقف زيك؟ طب ما هي ممكن تتجوز واحد قريب من سنها ومسبقلوش الجواز ويطلع عينها، الحب ميعرفش سن، وبعدين هنروح بعيد ليه ما ماسه اصغر من سليم ب10 سنين وبتحبه وسعيده معاه.
اجابها بخفوت: ماسه وسليم قصه مختلفه!
هزت رأسها: ولا مختلفه ولا حاجه، وبعدين 12سنة إيه؟ والله العظيم ما باين عليكم أي فرق سن، يا ابني أنت عندك 33 سنه، وفي ناس في سنك لسه بتفكر تتجوز، بص على إيهاب داخل على 30 ولسه سنجل!
رمش مصطفى بعينيه وقال بتردد: طب أنتِ شايفة إيه؟
ابتسمت بحماس: شايفة إنك تطلعلها حالا وتعترفلها بكل حاجه.
تنهد بتوتر: الوقت اتأخر خليها بكرة.
ضربته بخفة على ذراعه: بكرة ليه؟ قوم دلوقتي، حلاوتها في حموتها.
نظر لها بتردد: يعني أنتِ شايفه كده؟
دفعته وهي تضحك: أنت لسه هتسأل، قووووم.
في الأعلي
كانت آلاء تجلس أمام والدتها وعيناها تمتلئان بالدموع.
أنهار بقلق: يا بنتي ريحي قلبي، وقوليلي حصل إيه؟ هو زعلك؟
هزت رأسها بالنفي.
أجابتها باستهجان: أومال مالك؟ والله لو ماقولتيلي لأنزل أسأله بنفسي.
زفرت طويلا، ثم بدأت تحكي لها كل ماحدث منذ سفرهما وهي تكاد تنصهر من شده الخجل، وعقب انتهائها انفجرت أنهار ضاحكه. فنظرت إليها باستغراب: أنتِ بتضحكي يا ماما؟!
أجابتها من بين أنفاسها المتلاحقه: أيوة بضحك، بقي عامله في نفسك كل ده علشان بوسه! وايه يعني يا حببتي، ده شرعا وقانونا جوزك.
قالت بخجل وارتباك: يا ماما هو دلوقتي أكيد بيقول عليا بنت مش كويسة، إزاي سبت نفسي كده؟ بعدين مش فاهماكي بصراحة أنتِ واخدة الموضوع عادي كده أزاى؟!
ربتت على يدها: أنتِ كنتي خايفه تحكي أزعقلك؟
أومأت برأسها: أيوة.
ابتسمت بحنان: يا حبيبتي مصطفى راجل محترم، وأنا لو لفيت الدنيا كلها عمري ما هلاقي راجل اطمن عليكي معاه زيه.
ثم زمت وجهها وتابعت: وبعدين ما أنت اللى دخلتي فيه زى القطر وخرستيه، مش يمكن كان هيقولك كلمة تريح قلبك!
خفضت عينيها وهمست بانكسار: هو بس كان عايز يفهمني إنه مستغلش الموقف، لكن هو عمره ما حبني، كانت لحظة ضعف مش أكتر!
عقدت حاجبيها: عرفتي منين؟
تنهدت بوجع: أديته فرص كتير عشان يتكلم، لدرجة
قولتله "دكتور مصطفى" كنت مستنية يقولي قوليلي مصطفى بس زي ما عطول بيقولي بس مقالش، حتى لما جريت علي الحمام مخبطش عليا غير علشان يعتذر، وتاني يوم أول ما قولتله مش عايزة أتكلم، سكت لو كان بيحبني، كان حارب علشاني شوية..
ضحكت انهار: يا حببتي ما طبيعي لما تقوليله اسكت يحترم رأيك ويسكت، ايش دراه باللى جواكي، الرجاله ملهمش في الحاجات بتاع الستات دى، بيفهموا الكلام زى ما هو.
ربتت علي يدها: اسمعي من أمك، أنا قلبي حاسس إنه بيحبك ومن نصيبك.
هزت رأسها بأسي: هيحبني علي ايه؟ ده اتجوزني بتدبيسه عشان ينقذني، أنا عندي مشاكل كتير وأخ عاملنا مصايب، وهو دكتور ومحترم، وأهله ناس محترمين، ألف بنت تتمناه، هيبصلي أنا ليه؟
احتضنتها أنهار بحزم: أنتِ كبيرة بأدبك وأخلاقك.
ابتسمت ابتسامة باهتة: في بنات أحسن مني مليون مرة، إللي هيتجوزني مش هيتجوزني لوحدي يا ماما، هيتجوزني بمشاكلي وبأخويا وبظروفي كلها، حتى والدته مش بتحبني، بس بقت بتعاملني كويس مؤخرا علشان صعبت عليها..
صمتت قليلا، قبل أن تقول بحسم وهي تمسح دموعها: أنا خلاص أخدت قراري..
نظرت إليها أنهار بقلق: قرار إيه؟
أجابت بحسم: هطلب منه الطلاق!
في تلك اللحظة، كان مصطفى قد صعد السلم، وكاد يرفع يده ليطرق الباب لكن صوتها أوقفه "هطلب منه الطلاق"
تجمدت يده في الهواء وظل واقفا مكانه، كأن كلماتها سحبت الهواء من صدره.
سمع أنهار تقول: يا بنتي استهدى بالله بس، وادوا لنفسكم فرصة.
ردت وهي تبكي: لا يا ماما أنا مش هينفع أكمل معاه خلاص، الامتحانات تخلص وهطلب منه يطلقني، ونرجع بيتنا، وهو كمان يرجع لحياته.
أنزل يده ببطء، ثم أغمض عينيه لثواني، وكأنه يحاول احتواء ما يعتمل في صدره، قبل أن يستدير ويتجه إلى غرفته بصمت، دون أن ينطق بحرف.
أما في الداخل، فما إن أنهت آلاء حديثها، حتى انهارت باكية بين ذراعي والدتها. فاحتضنتها الأخيرة بقوة، وربتت على ظهرها في صمت، عاجزة عن إيجاد ما يخفف ذلك الوجع الذي استوطن قلب ابنتها.
في صباح اليوم التالي.
اجتمع الجميع حول مائدة الإفطار بصمت، وبعد انتهاء الفطور، نظرت إليه آلاء بهدوء: دكتور مصطفى، ممكن أتكلم مع حضرتك في موضوع قبل ما تنزل الشغل؟
نظر إليها لحظة، ثم أومأ برأسه: طب خليها لما أرجع.
هزت رأسها باصرار: لا، لو سمحت، دلوقتي.
تأملها لثواني، ثم نهض: حاضر.
خرجا إلى الحديقة، ووقفا في صمت لثواني.
قطعت آلاء الصمت وهي تشبك أصابعها بتوتر: انا أخدت قرار.
انتظرها تكمل، فتابعت بجدية: بعد ما الامتحانات تخلص ياريت يتم الطلاق، وكلم سليم يرجعلي أخويا، وشكرا أوى لحضرتك علي كل اللى عملته معايا، جميلك ده عمري ما هنساه طول حياتي.
ظل ينظر إليها بصمت. ثم سألها بهدوء: إيه إللي خلاكي تاخدي القرار ده؟
حاولت التماسك كي لا تفضحها دموعها: مفيش حاجة حصلت، بس ده الصح، حضرتك اتجوزتني عشان تنقذني، والحمد لله الأزمة خلصت، فكتر خيرك أوى لحد كده.
ساد الصمت لحظه.
ثم تسأل بهدوء: يعني ده قرارك النهائي؟
أومأت باقضتاب: أيوة.
خفض رأسه لحظة، ثم قال: تمام، هعملك إللي إنتِ عايزاه.
راقبها وهي تستدير، وللحظة راوده إحساس بأنها لا تريد الرحيل حقا، وأن كل هذا ليس إلا محاولة منها لإخفاء خجلها والمحافظه على كرامتها بعد ما حدث بينهما.
وقبل أن تبتعد أكثر، خرج اسمها من بين شفتيه دون تفكير: آلاء.
توقفت... لكنها لم تلتفت.
اقترب منها خطوة، وقال بصوت خرج مثقلا: بس قبل ما القرار ده يتم، لازم تعرفي حاجة.
التفتت إليه ببطء، فنظر إلي عينيها مباشرة: إللي حصل بينا في الفندق مكانش لحظة ضعف، ولا اندفاع ولا شهوة زي ما أنتِ متخيلة.
تردد للحظه وهو يقول: أنا عملت كده، لأني...ااا
لكنها أساءت فهم تردده، وظنته يبحث عن إجابه يرفع بها الحرج عن نفسه، فقاطعته بصوت مرتجف، وهي تقاوم الدموع التي تلمع في عينها: لو سمحت أنا قولتلك مش عايزه اتكلم في الموضوع ده، وكده كده الكلام فيه مش هيغير قراري، أنا مصرة على الطلاق.
ثبت نظره عليها لثواني، وكأن شيئا انكسر داخله.
ثم أومأ ببطء: تمام يا آلاء.
استدار قائلا: بعد الامتحانات هعملك إللي إنتِ عايزاه.
صمت لحظة قبل أن يضيف برسميه مؤلمه: ومن النهاردة هترجع علاقتنا زي الأول "دكتور مصطفى وآلاء"
أكمل طريقه دون أن يلتفت لها، بينما بقيت هي مكانها، تحاول السيطره علي دموعها بصعوبة، رددت داخلها وكأنها تحاول إقناع نفسها: هو مبيحبنيش، ده مجرد تعاطف، يمكن حس ناحيتي بشوية مشاعر في لحظة، لكنها مش حب حقيقي.
عضت على شفتيها تحاول كتم الغصة التي خنقت صدرها، لكنها لم تستطع، فخانتها دموعها وانهمرت رغما عنها.
أسرعت إلى غرفتها، وما إن أغلقت الباب حتى انهارت على السرير، تدفن وجهها في الوسادة وتبكي بحرقة على حب أدركت للتو استحالة حدوثه.
♥️_______________بقلمي_ليلة_عادل.
مكتب المحامي.
عدل المحامي نظارته: طب ليه نلجأ للخلع علطول؟ ممكن الأول نتواصل معاه ونحاول نوصل لحل ودي.
هزت رأسها بثبات: هو مش هيطلق غير كده.
ألتفت إليها راشد: طب يا بنتي ما تسيبيني أجرب، يمكن لما أكلمه يعقل ونفضها بهدوء.
تنهدت بثقل: أنا عارفه رشدي يا بابا، لو كان عايز يطلق كان عملها من أول ماطلبت، أنا مش عايزة منه حاجة، ولا حتى حقوقي.
نظر راشد إلى المحامي: أنت رأيك ايه يا متر؟
ضم يديه فوق المكتب بجدية: لو أنتم متأكدين إنه رافض الطلاق تماما، يبقى الخلع هو الطريق القانوني الأسرع، لكن لازم تبقوا عارفين إن الموضوع مش هيقف عند رشدي بس..
تبادل راشد ومي النظرات، فأكمل: إحنا مش بنرفع قضية على رشدي بس! إحنا بندخل في مواجهة مع عيلة الراوي، والموضوع بحكم اسمهم هيوصل للسوشيال ميديا والإعلام بسرعة، صحيح إن ده أحيانا بيكون عنصر ضغط، لكن في نفس الوقت هيعمل ضجة كبيرة، ودي حاجة مش هيقبلوها.
نظر إلى مي وأضاف: الخطوة إللي أنتِ واخداها جريئة جدا، اسمعي كلام البشمهندش وخلينا نجرب نحلها بشكل ودي.
أجابته بهدوء حاسم: ملوش لازمه، أنا واثقه من قراري، ومش عايز اضيع وقت علي الفاضي.
ساد الصمت لثواني، قبل أن يتنهد المحامي باستسلام: تمام، يبقى نبدأ إجراءات دعوي الخلع.
نظرت أمامها بثبات، وشعرت بلذة بارده تتسلل إلى أعماقها، وكأنها أخيرا بدأت تقتص لوجعها، وتطوي صفحته إلي الأبد.
قصر الراوي.
جلست فايزة تقلب صفحات إحدى المجلات بهدوء، توقفت أمامها أحدى الخادمة: في تليفون علشانك يا هانم.
رفعت نظراتها عن المجله: مين؟
هزت رأسها: معرفش والله يا ست هانم.
اخذت منها الهاتف: طب روحي انت.
ذهبت الخادمه بينما وضعت فايزه الهاتف علي أذنها، بملامح هادئة في البداية، ولكن سرعان ما تغيرت معالم وجهها للغضب والاستنكار.
أنهت المكالمه ببرود ظاهري، عكس النار الذي اشعلته الكلمات بداخلها: تمام، ولو حصل جديد بلغني!
أغلقت الهاتف، وصاحت بغضب: ليسا، خليهم يجهزوا العربية حالا.
منزل مي
كانت تجلس في غرفة المعيشة مع والدها وإخوتها، يشاهدون أحد الأفلام الكوميدية ويضحكون جميعا، لكنها كانت شاردة، تنظر إلى شاشة التلفاز دون أن ترى شيئا.
وفجأة رن جرس الباب.
نهض حازم ليفتح، وما إن فتح الباب حتى تجمدمكانه عندما رأى فايزة تقف أمامه بكامل هيبتها، وعلى وجهها ابتسامة هادئة مستفزة.
تنحنح قائلا: اتفضلي.
دخلت بخطوات واثقة، حتى توقفت في منتصف الصالة، وقالت بنبرة هادئة تحمل الكثير من المعاني: إزيك يا مي؟
رفعت رأسها ببطء، لترى فايزة تقف أمامها بابتسامه جانبية مستفزة.
عقدت حاجبيها في حيرة، ولم تفهم سبب مجيأها إلى هنا؟
أخذت نفسا عميقا، ونهضت بخطوات ثابتة، حتى وقفت أمامها مباشرة.
التقت أعيناهما بنظرة متعجبة من مي، وأخرى قوية وثابتة من فايزة، في لحظة خيل فيها للجميع أن حربا صامته نشبت بينهما للتو!
استووب
تفتكروا فايزه راحت لمي ليه؟