
بقلم ملك محمد
خرج الدكتور:= مين فيكم قريب الشاب اللي وصل من شوية؟ مازن قرب بسرعة.= أنا... ابن عمه.
الدكتور نزل عينه للحظة، ثم قال:= البقاء لله.. عملنا كل اللي نقدر عليه، لكن الإصابة في الرأس كانت شديدة، وما قدرناش ننقذه.
الكلمة نزلت على الجميع كالصاعقة.
مازن وقف مكانه، وكأنه مش مستوعب.
= إ... إنت بتقول إيه؟
الدكتور قال بحزن:
= حاول يفض الخناقة بينكم... وفي الزحمة اتدفع بقوة، ووقع وخبط دماغه في الرصيف. الإصابة كانت خطيرة جدًا.
مازن رجع خطوة لورا، والدموع لمعت في عينه لأول مرة.
= لا... مستحيل.
نور حطت إيدها على بقها من الصدمة، وأمها سندتها قبل ما تقع.
أما آدم...
ففضل واقف مكانه، وشه شاحب، ومش قادر ينطق.
كل اللي كان بيدور في دماغه...
إن خناقة بدأها بغضبه...
انتهت بروح إنسان بريء.
ساد صمت ثقيل في الممر.
ومازن رفع عينه ناحية آدم.
النظرة دي كانت مليانة وجع...
أكتر من أي كلمة ممكن تتقال.
الممر كله كان ساكت.
ولا صوت...
غير بكاء أهل ابن عم مازن وهم داخلين المستشفى.
أول ما شافتهم أم مازن...
انهارت وهي بتصرخ:
= ابني... ابني راح مني!
مازن جري عليها وسندها قبل ما تقع.
وكان لأول مرة...
يبكي.
مش قادر يمسك دموعه.
نور كانت واقفة بعيد.
الدموع نازلة من غير ما تحس.
كانت شايفة قد إيه دقيقة غضب واحدة...
قلبت حياة عيلة كاملة.
...
أما آدم...
فكان واقف مكانه.
حاسس إن رجليه مش شايلينه.
كل كلمة قالها.
وكل تصرف عمله.
عدى قدامه في لحظة.
همس لنفسه:
= أنا السبب...
أنا السبب.
...
في نفس اللحظة...
وصل رجال الشرطة.
سألوا عن اللي حصل.
واتكلم الشهود.
كل واحد حكى اللي شافه.
إن ابن عم مازن نزل يجري عشان يمنع الخناقة.
وإنه حاول يبعد الاتنين عن بعض.
لكن وسط التدافع...
وقع بقوة على الأرض.
...
الضابط بص لآدم وقال:
= لازم تيجي معانا عشان نستكمل التحقيق.
آدم ما اعترضش.
ولا حتى حاول يدافع عن نفسه.
مد إيده بهدوء.
وقال بصوت مكسور:
= حاضر.
...
قبل ما يمشي...
لف ناحية مازن.
وقال والدموع في عينه:
= والله... ما كنت أقصد يحصل ده.
مازن بصله نظرة طويلة.
وقال بصوت مليان وجع:
= حتى لو مكانش قصدك...
النتيجة حصلت.
وفي روح راحت...
وعمر كامل انتهى.
...
نزل آدم رأسه.
ومشي مع الشرطة.
...
نور فضلت واقفة مكانها.
حست إن قلبها واجعها على كل اللي حصل.
مش عشان آدم...
لكن عشان شاب بريء خرج من بيته عشان يصلح بين الناس...
ورجع لأهله محمولًا.
رفعت عينيها للسما.
وقالت وسط دموعها:
= اللهم ارحمه، واغفر له، واجعل ما أصابه في ميزان حسناته، وألهم أهله الصبر.
عدت شهور علي الحادثة كل اللي في الشارع كان يتكلم عنه وان ملهوش ذنب
آدم ورا القضبان، كان عايش في سجن أعمق جوة نفسه. الندم مكنش بيفارقه، وصوت صراخ أم الشاب المتوفي كان بيرن في ودنه كل ليلة. الحبس مكنش عقابه الوحيد، العقاب الحقيقي كان ضميره اللي مبيغفلش.لكن كان حاطط في دماغه مازن.
أما مازن، فكان شايل حمل جبال على كتافه. ملامحه اللي كانت دايماً بتضحك اختفت، وحل مكانها جمود وهيبة تانية خالص. ركز كل طاقته في إنه يقف جنب عمته وأمه، ويحاول يملى الفراغ اللي سابه ابن عمه.
وفي يوم من الأيام...
كانت نور ماشية في الشارع القريب من المستشفى، المكان اللي شهد نهاية وبداية كل حاجة. لمحت مازن من بعيد، كان واقف باصص للسما ونفس النظرة الحزينة في عينه.
قربت منه بخطوات بطيئة، وقفت جنبه وقالت بصوت واطي:
= البقاء لله يا مازن.. ربنا يصبركم.
مازن ملتفتش ليها، فضل باصص لبعيد وقال بصوت مخنوق:
= الدفن والكل مشي يا نور.. بس الوجع مبيموتش.. كل يوم بيزيد مش بيقل.
نور نزلت راسها:
= آدم ندمان يا مازن.. ندمان لدرجة تموت.
هنا، مازن لف ليها فجأة، وعيونه لمعت بنظرة غريبة، نظرة مكنتش حزن بس، كان فيها حاجة تانية صدمت نور.. حاجة خلت قلبها يدق بسرعة من الخوف.
قرب منها خطوة وقال بنبرة حادة وواطية:
= الندم مش هيرجع اللي راح يا نور.. وآدم فاكر إن القضية كدة خلصت باللي حصل في المحكمة؟
نور رجعت خطوة لورا، وحست إن في سر كبير أو خطة مازن مخبيها، وسألته برعب:
= إنت.. إنت ناوي على إيه يا مازن؟
مازن ماردش.. سابها ومشي وسط الزحمة، وهو بيطلع من جيبه ورقة مطوية، مبعوتة من شخص مجهول من جوة السجن، مكتوب فيها سطر واحد
مازن فتح الجواب...
وكان أول سطر مكتوب فيه:
"إلى كل واحد فاكر إني انتهيت..."
عقد حاجبيه... وكمل.
"أيوه...
أنا غلطت.
وبعتذر لأهل الشاب اللي مات.
وبعتذر لعيلتي...
لأنهم بيدفعوا تمن غلطتي كل يوم.
وبعتذر حتى لنور...
لأني وجعتها وخسرت ثقتها."
سكت مازن لحظة...
لكن لما كمل القراءة...
ملامحه اتغيرت.
"بس في حاجة واحدة عمري ما هعتذر عنها...
إني بحب نور.
وأيوه...
لحد النهارده بحبها.
ومهما حاولت تنساني...
أنا مش هنسى.
فاضل سنة واحدة بس...
وأخرج.
ولما أخرج...
نور هترجعلي.
غصب عن أي حد يحاول يقف بيني وبينها."
قبض مازن على الورقة بقوة.
لكن الصدمة كانت في آخر سطر.
"أما إنت يا مازن...
فاكر إنك انتصرت؟
روحك هتطلع على إيدي.
وأقسم بالله...
مش هرتاح غير لما أخد حقي منك.
افتكر كلامي كويس...
لأن آدم... عمره ما بينسى."
اتجمد مازن مكانه.
وقع الجواب من إيد مازن.
وخرج من البيت بسرعة.
راح على مكتب المحامي.
أول ما دخل قال بانفعال:
= هو صحيح آدم فاضله سنة ويخرج؟
المحامي هز رأسه.
= أيوه.
= بعد اللي عمله؟
تنهد المحامي وقال:
= لأن المحكمة حكمت في القضية باعتبارها قتلًا غير عمد، والعقوبة في الحالة دي أقل، ومع المدة اللي قضاها، فاضل له تقريبًا سنة.
خرج مازن من المكتب...
والجواب لسه في إيده.
طول الطريق كان بيفكر...
هو آدم بجد ندم؟
ولا كل الاعتذار ده مجرد كلام؟
وليه آخر الجواب كله تهديد؟
فضل يعيد قراءة آخر سطر أكتر من مرة.
"فاضل سنة..."
الكلمة دي فضلت ترن في ودنه.
...
عدى أسبوع...
ومازن ما قالش لحد على الجواب.
حتى نور...
ماعرفتش إن آدم بعت الرسالة.
كان كل ما يشوفها وهي بدأت ترجع تبتسم...
يحمد ربنا إنها بدأت تتعافى.
وفي نفس الوقت...
كان خايف.
خايف السنة تعدي بسرعة.
...
وفي السجن...
كان آدم قاعد لوحده.
بيبص من شباك الزنزانة.
وفي إيده صورة قديمة لنور.
عدّى بإيده على الصورة.
وابتسم ابتسامة غريبة.
وقال لنفسه:
= فاكرين إن السجن هيغيرني؟
ضحك ضحكة قصيرة.
= لأ...
السجن علمني أصبر بس.
وفاضل سنة...
سنة واحدة.
وبعدين هرجع.
...
في نفس الوقت...
كانت نور بدأت ترجع لحياتها.
رجعت تحفظ القرآن.
وبقت تقضي وقتها مع أهلها.
وبقت تساعد أمها في البيت.
ولأول مرة من شهور...
ابتسامتها رجعت.
وأهلها حسوا إنها بدأت تسترد نفسها من جديد.
...
أما مازن...
فكان كل ما يشوفها...
يفتكر آخر سطر في الجواب.
"فاضل سنة..."
وفي الآخر...
قرر يزور آدم في السجن.
أول ما آدم شافه...
ابتسم.
= كنت عارف إنك هتيجي.
مازن قعد قدامه من غير ما يتكلم.
آدم مال لقدام.
= ها...
قريت الجواب؟
= قريته.
= وعرفت إن فاضلي سنة.
مازن رد ببرود:
= وعرفت كمان إنك لسه شايف إنك ما غلطتش.
آدم ضحك.
= أنا غلطت...
بس في حاجة واحدة مستحيل أتنازل عنها.
= إيه هي؟
= نور.
دي ليا.
وكان المفروض تكمل حياتها معايا.
مازن بصله بثبات.
= هي مش ملك حد.
آدم ابتسامته اختفت.
وقال بنبرة باردة:
= الأيام بينا.
رن جرس انتهاء الزيارة.
مازن وقف.
وقبل ما يمشي قال:
= لو كنت فعلًا ندمت...
كان أول حاجة هتعملها إنك تسيبها تعيش في سلام.
خرج مازن...
لكن قلبه كان حاسس إن اللي جاي أصعب.
...
بعد أيام...
كانت أم مازن قاعدة معاه.
قالت بهدوء:
= يا ابني... لو نيتك خير، اخبط الباب بالحلال.
سكت شوية.
وبعدين قال:
= هستخير ربنا الأول.
...
استخار أكتر من مرة.
ودعا ربنا كتير.
ولما قلبه ارتاح...
قرر يروح.
لبس أحسن هدوم عنده.
وأخد أبوه وأمه.
وراحوا بيت نور.
...
بعد الترحيب...
اتكلموا شوية.
وأبو نور سأل مازن عن شغله ومستقبله.
ومازن رد بكل احترام.
وبعدين قال والده:
= إحنا جايين في طلب خير.
ابتسم أبو نور.
= خير إن شاء الله.
= ابني مازن نفسه يتقدم لبنتكم نور.
الصالة سكتت.
ونور كانت واقفة ورا الباب.
إيديها كانت بتترعش.
وقلبها بيدق بسرعة.
...
دخلت.
وبصت للأرض.
أبوها قال:
= القرار قرارك يا بنتي.
محدش هيجبرك على حاجة.
رفعت عينها ناحية مازن.
لقته أول ما عينه جت في عينها...
خفض بصره احترامًا ليها.
سكتت ثواني طويلة.
وقالت بصوت مهزوز:
= أنا... آسفة.
حضرتك إنسان محترم.
بس أنا مش مستعدة للجواز دلوقتي.
اللي حصل في حياتي لسه مأثر فيا...
وأخاف أظلمك معايا.
ابتسم مازن رغم الوجع.
= ده حقك.
ورفضك عمره ما هيقلل من احترامي ليكي.
ربنا يكتبلك الخير.
حتى لو الخير مش معايا.
...
خرج.
وأول ما نزل السلم...
دمعته نزلت.
مسحها بسرعة.
وقال:
= الحمد لله على كل حال.
...
رجع بيته.
دخل أوضته.
طلع جواب آدم.
وبص لآخر سطر.
"فاضل سنة..."
تنهد...
ورمى الجواب على المكتب.
...
في نفس الليلة...
كان آدم راجع زنزانته.
أمين الشرطة ناداله.
= آدم... جهز نفسك.
آدم استغرب.
= ليه؟
= عندك زيارة.
بس المرة دي...
الزيارة مختلفة.
= مين؟
ابتسم أمين الشرطة.
= لما تشوفه... هتعرف.
...
فضل آدم طول الطريق بيفكر.
مين ممكن يزوره؟
مازن؟
المحامي؟
ولا...
نور؟
أول مرة من شهور...
قلبه يدق بالشكل ده.
دخل غرفة الزيارة.
قعد على الكرسي.
وبص ناحية الباب.
الباب اتفتح ببطء...
وخطوات الشخص كانت بتقرب.
آدم وقف تلقائي.
وعينيه اتسعت من الصدمة.
وقال بصوت مهزوز:
= مستحيل...!
يتبع...