
بقلم سيليا البحيري
في مطار القاهرة الدولي...
المكان مزدحم كعادته...
وسط هذا الزحام...
كان ريان يسير بخطوات هادئة ثابتة.
حقيبة صغيرة في يده... وعيناه تمسحان المكان...
عادة لم تختفِ بعد.
حتى بعد انتهاء المهمة...
عقله ما زال يعمل... كأنه في الميدان.
تنهد بهدوء...
"خلصت أخيرًا."
رحلته بعد ساعة...
عائد إلى لندن...
إلى البيت...
إلى والده ياسر... والدته ليان... وشقيقه الصغير آدم.
في الاتجاه الآخر...
كانت لارين تدخل القاعة.
حقيبة سفر خفيفة على كتفها...
وعيناها تتحركان بهدوء... تلاحظ... تحلل... تحفظ التفاصيل.
كانت تفكر في رحلتها...
لندن.
مؤتمر قانوني في جامعة أكسفورد...
أول مؤتمر كبير لها.
لم ينتبه أحدهما للآخر...
وفجأة...
اصطدام.
ارتطمت الحقائب...
وسقطت بعض أوراق لارين على الأرض.
سكون...
لثانية واحدة فقط.
انحنت لارين بهدوء لتجمع أوراقها...
وفي نفس اللحظة...
انحنى ريان أيضًا.
التقط ورقة... ومدها لها.
ريان: "تفضلي."
رفعت لارين نظرها نحوه...
التقت عيناهما لأول مرة.
عيناه الرماديتان... باردة... محسوبة.
وعيناها الزرقاوان... هادئة... لكن يقظة.
لا اعتذار...
لا ارتباك...
فقط نظرة...
قصيرة... صامتة... لكنها ليست فارغة.
أخذت الورقة.
لارين: "شكرًا."
رد بهدوء:
ريان: "العفو."
لحظة صمت خفيفة...
ثم سأل:
ريان: "بوابات السفر الدولي... من أي اتجاه؟"
أشارت بيدها نحو الممر الأيسر.
لارين: "هناك."
ثم أضافت بهدوء:
"بس اليمين أقل ازدحامًا... بيوصل لنفس المكان."
رفع حاجبه قليلًا...
ريان: "معلومة مفيدة."
قالت بنبرة هادئة:
لارين: "أنا ألاحظ الطرق."
نظر إليها لثانية أطول قليلًا...
كأنه يسجل هذه الجملة في مكان ما.
ريان: "واضح."
ثم أضاف:
"رحلة لندن؟"
هزت رأسها:
لارين: "أيوه."
توقف بسيط...
"مؤتمر في أكسفورد."
نظرة خفيفة مرت في عينيه...
ريان: "اختيار تقيل."
ردت بهدوء:
لارين: "لازم يكون."
سكون خفيف...
ثم قال:
ريان: "وأنا... لازم أنتبه أكتر."
ردت بنفس البرود الهادئ:
لارين: "فكرة كويسة."
تحرك ريان أولًا...
نحو بوابات السفر.
ولارين...
سارت في نفس الاتجاه هذه المرة...
لكن بمسافة.
بعد بضع خطوات...
توقف الزمن لثانية غير مرئية...
التفت كلاهما... في نفس اللحظة.
نظرة ثانية...
أقصر...
لكن أوضح.
ثم...
أكمل كلٌ طريقه.
ريان... نحو طائرته المتجهة إلى لندن...
ولارين... نحو الرحلة نفسها.
نفس المدينة...
نفس السماء القادمة...
وكأن هذا الاصطدام العابر...
لم يكن صدفة.
بل بداية...
تقررت قبل أن يلتقيا
************************
داخل غرفة الزيارات في السجن
جلست ميار على الكرسي المقابل... ظهرها مستقيم... ملامحها هادئة ببرود مصطنع...
لكن أصابعها على الطاولة كانت ترتجف قليلا
بجوارها جلس سليم... عينيه لا تتركها... كحارس صامت
الباب الحديدي فُتح...
ودخلت ولاء
خطواتها بطيئة... واثقة...
ملامحها... بلا أي أثر ندم...
بل... ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيها
جلست أمامهما...
نظرت أولاً إلى سليم... ثم إلى ميار...
ثم ضحكت... ضحكة قصيرة حادة
آه... بنتي أخيراً افتكرت إن ليها أم
تصلّب فك ميار... لكنها لم ترد
ولاء مالت قليلاً للأمام... عيناها تضيقان بحقد:
ولا جيتي تتفرجي عليا... زي ما كانوا بيتفرجوا على الخدم عند عيلة البحيري؟
رفع سليم صوته لأول مرة: خلي كلامك محترم
التفتت له ببرود قاتل: وأنت... خطيبها ولا محاميها؟
رد بحدة: أنا اللي هيمنعك تجرحيها تاني
ضحكت ولاء بسخرية: جرحها؟
دي أقل حاجة تستاهلها
ارتجفت شفتا ميار... لكنها تماسكت... رفعت رأسها أخيرا... نظرت لوالدتها مباشرة:
خلصي كلامك يا مدام ولاء... أنا جايه أقفل الصفحة دي... مش أسمع نفس السم القديم
ابتسمت ولاء ابتسامة مريضة: يا سلام... بقت قوية كمان... زي عمتها...
نطقت الاسم بكره واضح:
ميار البحيري... الأميرة المدللة...
اشتعلت عيناها فجأة... صوتها ارتفع:
الكل بيحبها... الكل بيدللها... وهي... هي السبب في كل حاجة
ضربت بيدها على الطاولة:
أنا اتجوزت ابوكي عشان الفلوس... عشان العيلة دي... عشان أبقى زيهم...
لكن في الآخر... فضلت طول عمري... غريبة بينهم
نظرت لميار بنظرة مليئة بالاحتقار:
وبعدين يجي ابوكي... ويسمّيكي على اسمها
على اسم الست اللي كنت بكرهها أكتر من أي حد
دموع ميار بدأت تلمع... لكنها لم تسقط بعد
ولاء أكملت بقسوة:
وما اكتفاش بكده...
لا... كمان أجبرني أخلّف تاني... عشان يجيب ولد...
ضحكت بمرارة:
أحمد... الطفل اللي جيه عشان يرضي غرورهم... مش عشان أنا عايزاه
سليم قبض يده بقوة... صوته خرج غاضباً:
إزاي تقولي كده عن أولادك؟
ردت ببرود مخيف: ببساطة... لأني عمري ما حبيتهم
سقطت الكلمة كالسيف
عين ميار اتسعت...
أنفاسها تسارعت...
همست بصوت مكسور: حتى أنا؟
نظرت لها ولاء ببرود تام... بلا ذرة رحمة:
أنتِ... أكثر واحدة فيهم كنت بكرهها
صمتت لوهلة...
ثم تابعت:
عشان انتي نسخة منها... في الاسم... وفي الشكل...
كل ما أشوفك... أشوف ميار البحيري قدامي
لم تتحمل ميار أكثر...
انكسرت دموعها أخيراً...
لكنها مسحتها بسرعة... بعنف
وقفت فجأة...
صوتها ارتجف... لكنه كان قوياً:
خلاص... كفاية
نظرت لها نظرة أخيرة... مليئة بالألم... والخذلان:
أنتِ بالنسبة لي... من النهارده... مش أمي
تجمدت ولاء لثانية...
ثم ابتسمت ابتسامة ملتوية:
وأنا عمري ما كنت عايزة أكون
شهق سليم بغضب: أنتِ إنسانة مريضة
وقفت ولاء بهدوء... أصلحت ملابسها... وكأنها أنهت محادثة عادية
وقبل أن تدير ظهرها...
توقفت...
التفتت لهما... وعيناها تلمعان بخبث مظلم:
بالمناسبة...
نظرت مباشرة إلى سليم... ثم إلى ميار...
مش كل الأفاعي بتموت لما تختفي...
سليم عقد حاجبيه: قصدك إيه؟
ابتسمت ابتسامة باردة جداً:
في أفاعي... بتغيّر جلدها بس...
وتفضل عايشة... مستنية اللحظة المناسبة
صمتت لحظة... ثم أضافت بنبرة متسلية حقيرة:
خالتك... دارين...
حرباية حقيرة... وأذكى مما تتخيلوا
اتسعت عينا سليم بدهشة خفيفة...
لكن قبل أن يسأل...
استدارت ولاء...
وطرقت على الباب للحارس
خلصت زيارتي
خرجت...
وتركَت خلفها...
غرفة مليئة بالبرد... والوجع... وأسئلة لم تُفهم بعد
انهارت ميار على الكرسي...
دموعها تنهمر الآن بلا مقاومة...
هي... كانت بتكرهني بجد يا سليم...
اقترب منها فوراً... جلس أمامها... أمسك يديها بقوة:
لا... اللي عندها مرض... متستاهلش بنت زيك يا حبيبتي
هزت رأسها بوجع: أنا بنتها... والمفروض كانت تحبني...
اقترب أكثر... صوته صار أهدأ:
أنتِ أحسن منها... وأقوى منها...
وكل اللي قالته... ما يحددش قيمتك
نظرت له بعينين دامعتين:
أنا خلاص... خلصت...
تنهدت... وكأنها أخرجت حملاً ثقيلاً من صدرها:
دفتر ولاء... اتقفل
ضمّ يدها بين يديه بحنان: وأنا معاكِ... في كل صفحة جديدة
وقفت ببطء...
مسحت دموعها...
نظرت إلى الباب الذي خرجت منه ولاء...
ثم استدارت...
وغادرت.
هذه المرة...
دون أن تنظر خلفها
********************
فيلا عائلة غيث غرفة غزل وغيث
ضوء الأباجورة الدافئ ينساب على الكتب المفتوحة...
أقلام... دفاتر... أوراق مليئة بالملاحظات...
غزل تجلس على السرير، منحنية قليلاً فوق كتابها...
تقرأ... وتكتب... وتراجع بصوتٍ خافت:
...الشبكات العصبية الاصطناعية تعتمد على...
توقفت لحظة... رفعت عينيها...
ابتسمت
على يمينها... في عربة الأطفال...
كان ياسين يلعب بلعبته الصغيرة...
يهزها... يضحك... يطلق أصواتًا طفولية بريئة
قالت له بحنان: يا سلام عليك يا دكتور ياسين... بتذاكر مع ماما؟
ضحك الصغير... ومد يده نحوها
مالت غزل... قبلت جبينه...
ثم عادت لكتابها
هدوء... دفء... أمان...
وفجأة...
اهتز هاتفها
نظرت إليه دون اهتمام في البداية...
"رسالة من رقم مجهول"
عبست قليلاً...
ثم فتحتها...
ثانية...
ثانيتان...
تجمّدت
عينها اتسعت...
أنفاسها انحبست...
الكلمات على الشاشة كانت قصيرة...
لكنها كانت كافية لزرع الرعب في قلبها.
هل ظننتِ أن كل شيء انتهى؟
موت لورانزو ليس النهاية... بل البداية
حياتك ستصبح جحيمًا... أنتِ... ومن تحبين
ارتجفت يدها...
سقط الهاتف من يدها على السرير
لا...
همست بها بصوت مرتجف
مدت يدها ببطء... التقطت الهاتف مرة أخرى...
قرأت الرسالة من جديد...
ثم رسالة أخرى وصلت في نفس اللحظة.
حتى ابنك الصغير... ياسين... لن يكون بعيدًا عن هذا الجحيم
شهقت غزل...
ونظرت فوراً إلى ياسين في عربته...
كان لا يزال يضحك... يلعب... لا يعلم أن اسمه أصبح داخل تهديد مظلم
قامت بسرعة...
أمسكته بين ذراعيها بقوة... ضمته إلى صدرها...
لا... لا... محدش يقرب لك... محدش...
دموعها بدأت تتجمع...
عقلها عاد فجأة إلى الماضي...
إلى الاختطاف... إلى الظلام... إلى اسم واحد...
همست بارتجاف:
"لورانزو..."
عيناها اتسعت أكثر:
"إزاي...؟ هو... ما ماتش؟!"
أمسكت الهاتف بسرعة...
كتبت بيد مرتعشة:
"أنت مين؟!"
ثوانٍ...
وصل الرد فوراً...
"ستعرفين قريبًا... عندما يبدأ الجحيم."
شهقت...
ثم ضغطت الهاتف على صدرها... وهي تحتضن ياسين بقوة...
"غيث... لازم أكلم غيث..."
حاولت الاتصال به...
يدها ترتجف... قلبها يخفق بقوة...
لكن في نفس اللحظة...
وصلتها رسالة ثالثة.
"لا تخبري أحدًا...
وإلا ستكون البداية من ابنك."
تجمّدت.
الهاتف انخفض ببطء من يدها...
نظرت إلى ياسين...
الطفل الذي يضحك... يمد يده نحو وجهها...
دمعة سقطت على خده الصغير.
همست بصوت مكسور:
"أنا مش هخلي حد يأذيك... حتى لو هضطر أواجه العالم كله لوحدي..."
ضمّته بقوة أكبر...
وعيناها مليئتان بالخوف
***********************
بعد عدة ساعات
على سفرة العشا
الجو يبدو عائليًا هادئًا... طبيعيًا...
لكن...
داخل قلب غزل...
كان إعصارًا صامتًا يدور بلا رحمة.
جلست على الطاولة...
تضع ياسين على كرسيه الصغير بجانبها...
بيدٍ تهتز خفية...
كانت تطعمه الملعقة تلو الأخرى...
ابتسمت له...
ابتسامة دافئة... لكنها متعبة... مكسورة من الداخل.
شيرلين ابتسمت وهي تراقبها: "يا حبيبي ده بيأكل كويس أوي... واضح إنه طالع زي أبوه."
ضحك رمزي: "ربنا يحفظه... ويبارك فيه."
أمينة، خالة غيث، نظرت لغزل بعين حنونة: "مالك يا بنتي؟ شكلك مرهقة شوية... المذاكرة ضغطتك؟"
توقفت الملعقة في يد غزل لجزء من الثانية...
رفعت عينيها...
وأجبرت نفسها على ابتسامة خفيفة:
"آه... شوية تعب بس... عادي."
لكن عينيها كانت تخونها...
ارتجافة خفيفة في أصابعها...
نظرة قلق تختبئ خلف هدوئها...
في تلك اللحظة...
دخل غيث.
فتح الباب... دخل بخطوات سريعة...
ملامحه هادئة... لكن عينيه تبحث عنها فورًا...
"مساء الخير يا جماعة."
ردوا عليه بابتسامات وترحيب...
لكن عينيه توقفت عند غزل...
شيء ما... لم يكن طبيعيًا.
اقترب... جلس بجانبها...
همس لها بصوت منخفض:
"مالك يا غزل؟"
نظرت له للحظة...
لحظة واحدة فقط كادت أن تنهار فيها...
كادت أن تخبره...
عن الرسائل...
عن الخوف...
عن التهديد...
لكن...
تذكرت الكلمات...
"لا تخبري أحدًا... وإلا البداية من ابنك."
شدّت على ياسين بقوة خفيفة دون أن يشعر...
ثم ابتسمت لغيث... ابتسامة هادئة... مصطنعة:
"مفيش حاجة... بس صداع شوية."
غيث لم يقتنع...
ضيّق عينيه قليلاً...
لكن وجود العائلة جعله يصمت مؤقتًا.
قال وهو يراقبها: "لو تعبانة قوليلي... أنا موجود."
هزّت رأسها بلطف: "عارفة..."
أمينة قالت بابتسامة: "خلي بالك من مراتك يا غيث... البنت شكلها محتاجة راحة."
رد وهو ينظر لغزل: "دايمًا."
غزل حاولت أن تكمل إطعام ياسين...
لكن عقلها لم يكن هنا...
كل صوت حولها أصبح بعيدًا...
كل كلمة ضبابية...
فقط...
ذلك الرقم المجهول...
ذلك التهديد...
وذلك الاسم...
لورانزو...
همست داخلها بخوف:
"لو أنت حي فعلاً... أنا مش هخليك تقرب من ابني... حتى لو دفعت حياتي كلها."
ياسين ضحك فجأة...
أمسك بيدها الصغيرة...
نظرت له...
ابتسمت له بحب عميق...
ثم رفعت رأسها...
وعادت تتظاهر بالقوة...
بينما قلبها...
كان يحترق بصمت.
*********************
في لندن - مكتب ياسر الخاص
داخل المكتب...
كل شيء منظم... فاخر... محسوب.
لكن الجو...
كان مليئًا بشيء آخر.
غضب قديم.
وقف ياسر أمام النافذة...
ظهره مستقيم...
يد في جيبه...
والأخرى تمسك كأسًا لم يلمسه.
انعكاسه على الزجاج...
لم يكن شاب الأمس.
ذلك الشاب الذي وصل لندن...
مكسورًا...
مشردًا...
بلا اسم... ولا مكان.
هذا...
رجل صنع نفسه من العدم.
رجل... لم ينسَ.
خلفه...
وقف أوليفر...
صامت... يراقب.
يعرف هذا الصمت.
يعرف أن شيئًا كبيرًا يُطبخ الآن.
تحدث ياسر أخيرًا...
بصوت منخفض... لكنه حاد.
Yasser: "Twenty-one years..."
توقف... كأن الرقم نفسه جرح.
"Twenty-one years... and they thought I was gone."
أوليفر لم يتحرك.
استدار ياسر ببطء...
عيناه مظلمتان.
Yasser: "They buried my name... my life... my truth."
خطوة للأمام.
"But I'm still here."
سكون ثقيل.
Oliver: "And now?"
ابتسامة خفيفة... باردة.
Yasser: "Now... I take it back."
أوليفر يعتدل قليلًا.
Oliver: "You're certain you want to go back to Egypt?"
نظرة واحدة من ياسر كانت كافية.
Yasser: "I never left."
توقف.
"They just thought I did."
المطر يشتد...
كأن السماء تشارك.
Oliver: "What about Darin?"
هنا...
تغير كل شيء.
اسمها فقط...
كان كافيًا ليجعل الهواء أثقل.
ياسر اقترب خطوة...
صوته أصبح أهدأ...
لكن أخطر.
Yasser: "She lied."
توقف.
"She destroyed everything... and built herself on it."
قبضته انغلقت ببطء.
Yasser: "I will make her watch it fall."
صمت.
Oliver: "And Selim El-Sharkawy?"
ثانية واحدة...
لكنها كانت كافية لتشعل الماضي كله.
ياسر أدار وجهه نحو النافذة...
Yasser (quiet, sharp): "He knew."
توقف.
"He knew what she was... and still chose her side."
صوته أصبح أقسى...
Yasser: "He didn't just betray me..."
"He erased me."
سكون.
ثم...
استدار.
هذه المرة بلا أي قناع.
Yasser: "I'll deal with him."
توقف بسيط.
"But her..."
ابتسامة بطيئة... مرعبة.
"She's first."
أوليفر أخذ نفسًا عميقًا...
Oliver: "So... what's the plan?"
ياسر تحرك نحو المكتب...
فتح درجًا...
أخرج ملفًا قديمًا.
صور...
أسماء...
وجوه من الماضي.
Yasser: "We don't attack."
رفع عينيه.
"We return."
Oliver: "And how do you return... to a place that threw you away?"
رد ياسر فورًا...
Yasser: "Stronger."
أغلق الملف ببطء...
Yasser: "Old contacts..."
"People who remember..."
توقف...
"And people who were paid to forget."
صمت ثقيل.
Oliver: "And if they try to stop you?"
نظرة ثابتة...
باردة...
Yasser: "They will."
توقف.
"Good."
اقترب خطوة...
Yasser: "I've been waiting for that."
الرعد يضرب السماء...
صوت قوي يهز الزجاج.
ياسر ينظر للخارج...
ثم يهمس... لكن هذه المرة... كأنه يقسم:
Yasser: "I'm not coming back for revenge..."
توقف.
"I'm coming back... for everything."
**********************
في فيلا الحديدي...
الهدوء ماشي في المكان زي نور شمس دافي داخل من الشباك الكبير، والهوا شايل ريحة الياسمين من الجنينة.
في أوضة شغف... الستارة مفتوحة نص فتحة، والسرير مترتب بعناية، وعلى الترابيزة الصغيرة جنبها سرير بيبي صغير... نايمة فيه تاج في أمان، وشها طري زي حلم جديد، ونَفَسها خفيف زي رفّة جناح.
شغف كانت قاعدة على السرير، لسه تعبانة شوية... بس عينيها منورة بنور أمومة عمرها ما عرفته قبل كده.
غرام دخلت بالراحة... شايلة كباية لبن دافئ، وعلى وشها ابتسامة حنينة.
غرام (بصوت واطي):
نامت الصغيرة؟
شغف (بتبتسم وتهز راسها):
من شوية... كأنها حاسة إن ده بيتها... هادية أوي.
غرام حطت الكباية جنبها، وقعدت قصادها تبص لتاج بعينين مليانين حب.
غرام:
سبحان اللي بيحط الطمأنينة في قلب الأم من أول لحظة.
سكتوا شوية... مفيش غير صوت نفس البيبي مالي الأوضة.
بعدين غرام بصت لشغف وربّتت على إيدها.
غرام:
شغف... إنتِ كده بدأتي حياة جديدة.
مش سهلة... بس أجمل مرحلة في عمر أي ست.
شغف بصتلها باهتمام... زي طالبة بتسمع درس مهم.
شغف (بهدوء):
حاسّة إني خايفة... ومسؤولة عن روح كاملة... كأن قلبي بقى ماشي برّه صدري.
غرام ابتسمت بحنان.
غرام:
وده طبيعي... الأمومة مش حب وبس... دي صبر، وتعب، وسهر...
وساعات دموع محدش بيشوفها.
سكتت لحظة، وكملت بصوت أعمق:
غرام:
بس أهم حاجة... ما تنسيش نفسك.
ابقي أم... وزوجة... بس خليكِ برضه شغف اللي أوس حبها من الأول.
شغف ابتسمت بخجل بسيط.
شغف:
أوس اتغير... بقى بيخاف علينا بطريقة تضحك.
غرام ضحكت بخفة.
غرام:
هو ما اتغيرش... هو بس بقى أب.
وصدقيني... قلب الراجل أول ما يبقى أب... بيبقى طفل صغير خايف على عياله.
شغف بصت لتاج وهمست:
شغف:
سمّيناها "تاج" على اسم أمي... عايزاها تبقى قوية زيها... وحنينة زيها.
غرام هزت راسها بإعجاب.
غرام:
وهتبقى كمان شايلة حبك... وحب أوس...
وده لوحده كفاية يخلي منها ملكة صغيرة.
مدّت إيدها وعدّلت الغطا على البيبي بالراحة.
غرام (بصوت دافي):
افتكري يا شغف...
البيت ما بيتبنيش بالحيطان... بيتبني بالرحمة.
وبنتك دي... بداية حكاية جديدة ليكم... حكاية محدش يدخلها غير اللي إنتوا عايزينه.
عيني شغف لمعت بدموع فرحة... مسكت إيد غرام جامد.
شغف:
شكرًا إنك جنبي... مش بس كخالة... لأ... كأنك أمي التانية.
غرام ابتسمت وحضنتها بهدوء، وبوست راسها.
غرام:
وأنا فخورة بيكِ... يا أم تاج.
في اللحظة دي... تاج الصغيرة اتحركت شوية في سريرها...
طلعت صوت خفيف... وبعدين رجعت نامت.
شغف ضحكت بهدوء ومسحت دموعها.
والأوضة اتمَلِت بحاجة مش باينة...
حاجة شبه السلام...
شبه بداية حياة جديدة بتتكتب دلوقتي... سطر ورا سطر... بقلبين... وطفلة اسمها تاج.
**********************
في فيلا عيلة الشرقاوي...
الجنينة كانت حتة هدوء خضرا كده وسط كل اللي بيحصل في الدنيا. ترابيزة صغيرة تحت شجرة ليمون، عليها كشكش وكشاكيل وأقلام ألوان، وكتاب مفتوح.
ميار الأم قاعدة على كرسي خشب، قدامها بنتها الصغيرة حور (٨ سنين)، ماسكة القلم بجد زيادة عن اللزوم ولسانها طالع حتة صغيرة من كتر التركيز.
ميار الأم (بلطف وهي بتشاور على الكشكول):
حور... ركزي معايا. ٧ في ٨ بكام؟
حور (بتفكر واحدة واحدة):
ممم... ٥٦؟
ميار (تبتسم وتمسح على شعرها):
برافو عليكي يا شطورة... ممتاز.
ولسه هتكمل كلامها...
باب الفيلا اتفتح بعنف فجأة.
دخلت ميار الشابة... عينيها حمرا، وشها شاحب، نفسها متلخبط... ماشية بسرعة ومش على بعضها... وراها سليم بيحاول يلحقها.
حور (بدهشة):
ماما... ميار بتعيّط!
ميار الأم رفعت راسها بسرعة... قلبها اتقبض.
ميار الأم (بقلق وهي بتقوم):
ميار؟! يا حبيبتي مالك؟!
بس ميار الشابة ما وقفتش... جريت على جوه على طول... وطلعت السلم بخطوات بتخبط في بعض... لحد ما دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها جامد.
الجنينة سكتت فجأة... كأن الهوا نفسه وقف.
ميار الأم قربت بسرعة من سليم، وشها فيه قلق وغضب مع بعض.
ميار الأم (بصوت واطي بس حاد):
سليم... إيه اللي حصل؟ مين وصلها لكده؟!
سليم اتنهد، وعدّى إيده في شعره بتوتر.
سليم:
للأسف... كانت زيارة السجن النهارده...
راحت تقابل... أمها.
ملامح ميار الأم جمدت... وبعدين عينيها ضاقت.
ميار الأم (باحتقان):
ولاء...!
سليم هز راسه بأسف.
سليم:
ما اتغيرتش... ولا حتى سنة.
أهانتها... وجرحتها بكلام ما يتستحملش... قالت لها إنها عمرها ما حبتها... وإنها كانت مجرد نسخة من... حد هي بتكرهه.
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت أتقل:
سليم:
وكمان... جابت سيرة عيلة البحيري... بحقد غريب... وخصّتك إنتِ بالكلام بالذات.
ملامح ميار الأم اتهزت... الغضب ولّع في عينيها.
ميار الأم (بهمس غاضب):
بتكرهني؟! بعد كل اللي عملناه عشانها؟!
بتكره بنتها عشان شبهّي... وعشان شايلة اسمي؟!
قبضت على إيدها جامد.
ميار الأم:
الست دي... عمرها ما عرفت يعني إيه أمومة... ما تعرفش غير الطمع والحقد
بصّت ناحية السلم اللي اختفت فيه ميار الشابة... وصوت عياطها الخافت واصل لهم زي خيط وجع رفيع.
ميار الأم اتنهدت بعمق... وملامحها هديت شوية.
ميار الأم (بحزم دافي):
لا... مش هسيبها كده.
لفّت لحور الصغيرة وانحنت قدامها.
ميار الأم (بلطف):
يا حبيبتي يا حور... خدي كشكشك واطلعي أوضتك... نكمل الدرس بعدين، ماشي؟
حور (بقلق):
ميار زعلانة أوي...
ميار الأم (تبتسم وتبوس جبينها):
وأنا هطلع أخليها تضحك... اطمني.
حور لمّت حاجتها ودخلت جوه بهدوء.
ميار الأم بصّت لسليم مرة أخيرة.
ميار الأم:
شكرًا إنك كنت معاها... وجودك جنبها بيفرق.
سليم (بصدق):
هي مش لوحدها... أبدًا.
هزّت راسها، وراحت ناحية السلم... بتطلعه بخطوات هادية بس مليانة عزم.
وصلت لباب أوضة ميار الشابة...
وقفت لحظة... سامعة عياطها من جوه... عياط مكسور، زي قلب فضل ماسك نفسه كتير وانهار أخيرًا.
رفعت إيدها وخبطت على الباب بالراحة.
ميار الأم (بصوت حنين جدًا):
ميار... يا حبيبتي... أنا عمتك... افتحي لي.
سكتة شوية... وبعدين صوت خطوات تقيلة...
الباب اتفتح بالراحة... وظهرت ميار الشابة ووشها غرقان دموع.
ميار الأم أول ما شافتها... فتحت دراعتها من غير كلمة.
ميار الشابة انهارت في حضنها فورًا... زي طفلة لقت أخيرًا مكان أمان.
ميار الأم قفلت عينيها وضمّتها جامد.
ميار الأم (بتهمس):
خلاص... كفاية... إنتِ وسط أهلك... ومحدش هيقدر يأذيكي بعد كده.
وفي الحضن ده...
مش كل الجراح اختفت...
بس لقت أول ضمادة حقيقية ليها.
***********************
جوا أوضة ميار الصغيرة...
قفلت ميار الكبيرة الباب بهدوء وراهم، ولسه ضامّة بنت أخوها بين دراعتها، بتمسّد على شعرها كأنها طفلة صغيرة كسرت لعبتها... مش قلبها.
قعدتها بالراحة على السرير، وقعدت جنبها، ورفعت وشها بإيديها بحنان كبير.
ميار الكبيرة (بصوت دافي جدًا):
بصّيلي يا ميار...
رفعت ميار الصغيرة عينيها بالعافية... عيونها حمرا والدموع لسه ما نشفتش.
ميار الكبيرة (بابتسامة حنينة):
تعرفي إنتِ مين؟
سكتت ميار الصغيرة... وهزّت راسها بهدوء.
قرّبت ميار الكبيرة منها أكتر، ومسحت دموعها بإبهامها.
ميار الكبيرة:
إنتِ بنت أدهم البحيري...
إنتِ أول حفيدة دخلت العيلة دي...
إنتِ حتة من روحنا... ومن اسمنا... ومن كرامتنا.
وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة، وصوتها فيه قوة وحنان في نفس الوقت.
ميار الكبيرة:
وإنتِ... وريثتنا كمان يا آنسة.
رغم دموعها... طلعت من ميار الصغيرة ضحكة خفيفة مهزوزة.
ميار الصغيرة (بصوت مكسور):
بس هي... قالتلي إنها عمرها ما حبتني...
وإني بس... نسخة منكِ... وعشان كده بتكرهني...
مسكت ميار الكبيرة إيدها بقوة.
ميار الكبيرة (بحزم لطيف):
ومين قالك إن كونك نسخة مني حاجة عيب؟
ده شرف... وأنا فخورة بيكي أكتر ما تتخيلي.
اتنهدت، وبعدين قرّبت وحطّت جبينها على جبينها.
ميار الكبيرة:
اسمعيني كويس...
كلامها مش حقيقة... ده سمّ...
والسمّ ما بنتناقش فيه... بنرميه بعيد.
حطّت إيدها على قلب ميار الصغيرة.
ميار الكبيرة:
القلب ده... مافيش فيه مكان لكلامها.
هنا... مكاننا إحنا.
أنا... وأبوكي... وعمامك... وجدك وجدتك... وغزل... وإخواتك... كلنا هنا.
ابتسمت ابتسامة عميقة.
ميار الكبيرة:
إنتِ مش بنت ست واحدة يا ميار...
إنتِ بنت عيلة كاملة بتحبك... وبتحميكي... وبتفتخر بيكي.
لمعت عيون ميار الصغيرة تاني... بس المرة دي مش من الانكسار...
من الإحساس بالامتلاء.
ميار الصغيرة (بهمس):
بس... أنا ضعفت النهارده...
هزّت ميار الكبيرة راسها بهدوء.
ميار الكبيرة:
لا... إنتِ ما ضعفتيش...
إنتِ اتوجعتي... وفرق كبير بين الاتنين.
الضعف إنك تستسلمي...
وأنا مش شايفة فيكي غير بنت وقفت وراحت وواجهت ماضيها لوحدها...
وده مش ضعف... ده شجاعة نادرة.
سكتت لحظة... وبعدين ابتسمت بخبث لطيف.
ميار الكبيرة:
وبعدين خليني أفكّرك بحاجة مهمة...
رفعت حاجبها شوية.
ميار الكبيرة:
الواد سليم
لو شافك دلوقتي بالشكل ده هيتجنن... عشان هو بيحبك و نش بيستحمل يشوف دموعك
احمرّ وش ميار الصغيرة شوية رغم دموعها.
ميار الصغيرة:
هو... كان متضايق النهارده...
ميار الكبيرة (بتضحك بهدوء):
طبيعي يكون متضايق...
عشان في حد اتجرأ يوجع قلب خطيبته.
وده لوحده دليل... إنك مش لوحدك.
مسكت إيدها وضغطت عليها.
ميار الكبيرة:
عندك راجل ممكن يحارب الدنيا كلها علشانك...
وعيلة شايلينك فوق راسهم...
واسم... اللي يشيله لازم يمشي رافع راسه.
قرّبت منها وهمست.
ميار الكبيرة:
ما تسمحيش لست اختارت تبقى ضلمة... إنها تطفي نورك.
نزلت دمعة من عين ميار الصغيرة... لكنها ابتسمت المرة
دي.
ميار الصغيرة (بصوت أهدى وأقوى):
أنا... مش هسمحلها بعد كده...
خلاص... كل حاجة انتهت.
ابتسمت ميار الكبيرة بفخر... وضمتها تاني.
ميار الكبيرة:
كده عايزاكي...
قوية... واقفة... زي اسمك... زي عيلتك... وزي قلبي أنا.
وبعدين بعدت شوية وبصت في عينيها بحنان أم حقيقي.
ميار الكبيرة:
إنتِ زي غزل بالظبط عندي...
مفيش فرق بينكم...
وأي حاجة تمسّك... تمسّني أنا.
ابتسمت ميار الصغيرة بامتنان كبير وهمست.
ميار الصغيرة:
بحبك يا عمتو...
ميار الكبيرة (ابتسمت وباست جبينها):
وأنا بعشقك يا بنتي.
***********************
كانت ميار الشابة ما تزال تمسح دموعها ببطء، وميار الأم تجلس بجانبها، تمسك بيدها وتربّت عليها بحنان... حين انفتح باب الغرفة فجأة بطرقات صغيرة مترددة.
ظهر رأس صغير بعينين حمراوين من البكاء...
أحمد الصغير (بصوت متقطع):
ماما...؟
التفتت ميار الأم بسرعة، وابتسمت له فورًا ابتسامة حنونة، لكنها لمحت الدموع على خديه فانتفض قلبها.
ميار الأم (بقلق):
أحمد حبيبي... تعال هنا...
دخل أحمد بخطوات بطيئة، حقيبته ما زالت معلقة على كتفه، وشفته السفلى ترتجف.
ركضت نحوه ميار الأم وركعت أمامه، ثم ضمّته فورًا إلى صدرها.
ميار الأم (تربّت على ظهره):
إيه اللي حصل يا روحي؟ مين زعّلك؟
انفجر أحمد بالبكاء بين ذراعيها.
أحمد (وهو يبكي):
الأولاد... قالوا لي... قالوا لي إن ماما مش بتيجي خالص... وإن أنا... ما عنديش ماما زيهم...
تجمدت ملامح ميار الشابة فورًا... وعيناها امتلأتا بالدموع من جديد، لكن هذه المرة كان الألم مضاعفًا... لأجل أخيها الصغير.
اقتربت منه بسرعة وجلست بجانبه، واحتضنته من الجهة الأخرى.
ميار الشابة (تمسح دموعه):
لا يا حبيبي... أنت عندك بابا... وعندك كمان أنا... وعندك عمتو ميار... وكلنا بنحبك .
رفع أحمد رأسه بعينين باكيتين ونظر إلى عمته
أحمد:
بجد؟ هتيجي معايا الحفلة المرة الجاية...؟
ابتسمت ميار الأم، ومسحت دموعه بإبهامها.
ميار الأم (بحنان حازم لطيف):
بجد... وأكتر من كده كمان.
أنا هاجي معاك الحفلة... وأقف جنبك... ولو حد بس فكّر يضايقك...
رفعت حاجبها بطريقة تمثيلية لطيفة.
ميار الأم:
هعلّمه الأدب بنفسي.
توسعت عينا أحمد باندهاش، ثم ابتسم لأول مرة ابتسامة صغيرة.
أحمد (ببراءة):
بجد هتزعقي لهم؟
ميار الأم (تضحك بخفة):
أزعق؟! ده أنا هبقى وحش
ضحك أحمد ضحكة خفيفة، والتصق بها أكثر.
أما ميار الشابة... فكانت تنظر إليهما بعينين لامعتين، ثم احتضنت أخاها بقوة.
ميار الشابة:
إحنا جنبك دايمًا يا أحمد... محدش يقدر يزعلك طول ما إحنا معاك.
هز أحمد رأسه بحماس صغير، ومسح دموعه بكمّه.
في تلك اللحظة... كانت ميار الأم تبتسم له... لكن داخلها كان يغلي.
كيف تجرأت ولاء...؟ كيف تركت طفلين بريئين يدفعان ثمن حقدها؟
أي قلب هذا الذي لا يهتز لبكاء طفلها؟
عضّت على شفتيها لثوانٍ... ثم عادت تبتسم فورًا لأجل أحمد.
ميار الأم (بصوت دافئ):
تعالوا بقى... نغسل وشنا ونغير هدومنا... وبعدين ناكل حاجة حلوة سوا.
إيه رأيكوا في كيكة بالشوكولاتة؟
ارتفعت عينا أحمد بحماس مفاجئ.
أحمد:
بجد؟!
ميار الأم:
أيوه بجد... بس بشرط...
مالت نحوه بخفة.
ميار الأم:
أشوف الضحكة الحلوة دي على طول... ماشي؟
ابتسم أحمد ابتسامة واسعة هذه المرة.
أحمد:
ماشي
نظرت ميار الأم إلى ميار الشابة... فوجدت ابتسامة صغيرة بدأت تعود إلى وجهها أيضًا.
مدّت يدها لهما معًا.
ميار الأم:
يلا يا أبطالي... نبدأ صفحة جديدة النهارده... من غير دموع... من غير حد يوجعكم.
أمسك أحمد بيدها من جهة... وميار الشابة من الجهة الأخرى...
وثلاثتهم خرجوا من الغرفة معًا... كعائلة واحدة... قلب واحد... وسند لا ينكسر.
***********************
في أحد شوارع 6 أكتوبر الهادئة...
كان غيث يسير بخطوات ثابتة، معطفه الأسود مفتوح قليلاً، وفي يده كيس صغير.
داخل الكيس...
سيارة لعبة اختارها بنفسه لياسين.
ابتسم وهو يتمتم:
"أكيد هيضحك لما يشوفها..."
مرّت صورة ابنه في ذهنه... ضحكته الصغيرة...
ثم وجه غزل... وابتسامتها التي اعتاد أن يعود إليها كل مساء.
ضحك بخفوت.
"وهتزعل إني اتأخرت... كالعادة."
واصل السير.
لكن...
الشارع كان هادئًا أكثر من اللازم.
توقف لحظة... نظر حوله...
لا أحد.
هز كتفيه وتابع.
خطوة...
خطوتان...
وفجأة-
صوت حركة حادة خلفه.
استدار بسرعة.
لكن الأوان كان قد فات.
خرج ثلاثة رجال من الظل... يحيطون به.
تجمدت ابتسامة غيث.
قال بحدة:
"إنتوا مين؟ وعايزين إيه؟"
اقترب أحدهم... سكين صغيرة تلمع في يده.
قال بصوت بارد:
"مجرد رسالة."
عقد غيث حاجبيه.
"رسالة من مين؟"
ابتسم الرجل ابتسامة جانبية.
"من اللي لازم توصلك الرسالة..."
وفجأة-
اندفع الآخر نحوه.
حاول غيث أن يتراجع... أن يدافع...
لكن لم يكن مستعدًا.
ضربة قوية في كتفه.
ثم...
لمعة فضية.
وألم انفجر في جانبه.
السكين انغرست في جسده.
شهق غيث وتراجع خطوتين.
سقط الكيس من يده...
وانزلقت السيارة الصغيرة على الأرض.
"آه..."
حاول أن يثبت نفسه... أن يقف...
لكن الدم بدأ يسيل.
اقترب الرجل منه وهمس قرب أذنه:
"دي... قرصة ودن بس."
ثم دفعه بقوة.
سقط غيث على ركبتيه...
ثم على الأرض.
رؤيته بدأت تهتز...
الأضواء تبهت...
وعلى الإسفلت أمامه...
كانت السيارة الصغيرة ملقاة قرب يده.
وفي اللحظة الأخيرة...
لم يرَ إلا وجه غزل...
وضَحكة ياسين.
تمتم بصوت مكسور:
"غزل...
ياسين..."
ثم أغلقت عيناه ببطء.
وسكن جسده فوق الإسفلت البارد...
بينما بقيت السيارة الصغيرة بجانبه.... تدور عجلاتها ببطء و غيث فاقد لوعيه غارق في دمائه.....
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل الثالث والثلاثون من هنا