
بقلم سيليا البحيري
في القاهرة - شارع جانبي هادئ قرب المخزن ليلا
على جانب الطريق...
كان ريان واقف جنب عربيته.
مش مستعجل يمشي.
ولا حتى باين عليه إنه خلّص شغل.
أخرج الهاتف الصغير...
نفسه.
ضغط الأزرار بسرعة...
ورفعه لأذنه.
رنّ مرة واحدة.
جواد (بهدوء):
"مساء الخير يا بطل."
ريان... بص قدامه في الشارع الفاضي.
ريان:
"مساء الخير يا فندم."
جواد ضحك بخفة:
"إيه الأخبار؟ خلّصت أول جولة ولا لسه بتسخّن؟"
ريان سكت لحظة...
كأنه بيراجع كل كلمة اتقالت جوه المخزن.
ريان (هادئ):
"قابلته."
صمت بسيط.
جواد:
"سامح؟"
ريان:
"أيوه."
جواد:
"إيه اللي طلع بيه؟"
ريان مرر إيده على جبينه...
مش تعب... تركيز.
ريان:
"واثق زيادة عن اللزوم."
جواد: "طبيعي... الناس دي دايمًا كده."
ريان هز راسه...
بس صوته المرة دي كان أدق:
ريان:
"لا... مش الثقة العادية."
توقف.
"ثقة واحد فاكر نفسه مهم."
صمت خفيف.
جواد:
"وهو مش مهم؟"
ريان:
"هو فاكر كده."
نظرة ريان ثبتت في نقطة بعيدة...
"بس الحقيقة..."
توقف لحظة.
"إنه أداة."
جواد سكت...
الكلمة علقت.
جواد:
"متأكد؟"
ريان:
"من طريقته... من ردوده... من خوفه اللي مخبيه."
جواد:
"خوف؟"
ريان:
"مش مننا."
صمت.
ريان (ببطء):
"منهم."
جواد نفسُه خرج أهدى:
"قال حاجة مباشرة؟"
ريان: "لا."
"بس كل حاجة فيه كانت بتقول كده."
لحظة صمت...
جواد:
"طب الشنطة؟"
ريان: "ما قالش مكانها."
جواد:
"رفض؟"
ريان:
"مش بالضبط."
رفع عينه للسماء...
"هو فاكر إنها ورقته الوحيدة."
جواد:
"وده صح."
ريان:
"بس مش فاهم إن الورقة دي... هي اللي هتقتله."
صمت.
جواد بدأ يربط الخيوط...
جواد:
"يعني إنت لعبت على النقطة دي؟"
ريان رد ببساطة:
"فهمته."
جواد:
"فهمته إيه؟"
ريان:
"إنه لو فضل في مكانه... هيختفي."
صمت...
ثم ضحكة خفيفة من جواد:
جواد:
"حلو... بدل ما نعصره... خلّيته يجري بنفسه."
ريان:
"لو جري... هيغلط."
جواد:
"ولو ما جريش؟"
ريان بدون تردد:
"يبقى مستني دوره."
الهدوء رجع...
بس تقيل أكتر.
جواد (بجدية):
"شايف إيه قدامنا؟"
ريان سكت لحظة...
ريان:
"شبكة."
جواد:
"طبيعي."
ريان:
"بس مش شبكة عادية."
عيناه ضاقت قليلًا:
"اللي فوق..."
توقف.
"مش ظاهر... بس مسيطر."
صمت.
جواد:
"نفس الاستنتاج."
ريان: "سامح نفسه مش شايفه."
جواد:
"وده معناه إننا لسه بعيد."
ريان هز راسه:
"أو قريبين... بس مش شايفين صح."
لحظة صمت...
جواد غير النبرة شوية:
جواد (بنص سخرية):
"إيه يا عم... من أول تحقيق وبقيت فيلسوف؟"
ريان ابتسم ابتسامة خفيفة:
ريان:
"من أول مجرم حقيقي."
ضحك جواد:
"لا واضح إنك دخلت في الجد بسرعة."
ريان: "الموضوع أكبر من سامح."
جواد:
"عارف."
ريان بص قدامه...
الشارع لسه فاضي...
بس إحساسه قال غير كده.
ريان:
"والموضوع مش خلص."
جواد:
"ولا حتى بدأ."
صمت قصير...
ثم قال جواد بنبرة ثابتة:
جواد:
"خليك جاهز... أي حركة من سامح... عايزينها فورًا."
ريان:
"تمام."
جواد:
"ولو حاول يختفي..."
ريان قاطعه بهدوء:
"هنلاقيه."
جواد ابتسم رغم الجدية:
"عجبني."
ثم أضاف:
"وخلي بالك من نفسك يا ريان."
رد بهدوء ثابت:
"دايمًا."
أغلق الخط...
رفع ريان عينه...
الليل قدامه... ساكن.
لكن في مكان ما...
واحد زي سامح...
بدأ يتحرك.
وريان...
ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا.
اللعبة بدأت تتحرك من غير ما حد يدفعها.
************************
في فيلا عائلة الشرقاوي - جناح سليم وميار
المساء كان هادئًا... الضوء الذهبي يتسلل من الستائر وكأنه يحتضن الغرفة برفق.
ميار جلست على طرف السرير...
هاتفها بين يديها... وعيناها تلمعان بفرح طفولي وهي تقلب صور حفيدها الصغير ياسين.
ابتسمت... ثم ضحكت بخفة.
ميار (بهمس مليء بالحنان):
"يا حبيبي... بقى عندي حفيد وأنا لسه حاسة إني في العشرين."
قربت الهاتف من صدرها كأنها تضم الطفل نفسه...
ثم فتحت صورة أخرى أرسلتها لها شيرلين... ياسين يبتسم وهو بين ذراعي جدته.
ميار (بمرح):
"واضح إنك بتحب جدتك أكتر مني... طب وأنا؟!"
في تلك اللحظة...
فُتح باب الغرفة بهدوء.
دخل سليم.
خطواته كانت أبطأ من المعتاد...
وجهه يحمل تعب اليوم... وثقل الخبر الذي سمعه في الشركة...
لكن...
ما إن وقعت عيناه على ميار...
شيء ما تبدل.
التعب تراجع خطوة...
والغضب ذاب...
وبقيت ابتسامة دافئة... صادقة.
سليم (بصوت هادئ):
"بتضحكي لوحدك كده... أكيد في مصيبة جميلة."
رفعت ميار رأسها فورًا...
ابتسمت له ابتسامة مشرقة.
ميار:
"تعال شوف حفيدك يا سليم... شيرلين بعتت صور جديدة لياسين."
اقترب سليم ببطء...
جلس بجانبها...
نظر للهاتف... ثم للصورة... ثم... نظر إليها هي.
ليس للحفيد.
لها.
ابتسم بهدوء... ومال قليلًا ناحيتها.
سليم (بصوت دافئ):
"شبهك."
ضحكت ميار بخفة.
ميار:
"يا سلام؟! ده غزل وغيث بيقولوا شبه غيث."
سليم (بثقة هادئة):
"كل حاجة حلوة في العيلة... شبهك."
نظرت له ميار لحظة...
العبارة كانت بسيطة... لكن طريقته... نظراته... كانت أعمق من مجرد مزحة.
أغلقت الهاتف بهدوء... ووضعته جانبًا.
ثم نظرت له مباشرة.
ميار (بهدوء حنون):
"مالك يا سليم؟"
تجمد للحظة...
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة... حاول أن يخفي ما بداخله.
سليم:
"ولا حاجة... يوم شغل طويل بس."
مدت يدها... ولمست خده برفق...
نظرتها كانت كأنها تقرأ ما لم يقله.
ميار (بهمس):
"أنا عارفاك من نظرة عينك... مش من كلامك."
سكت.
ثانية... ثانيتان...
ثم أمسك يدها... وقبلها بهدوء.
سليم (بصوت منخفض صادق):
"طول ما إنتِ بخير... أنا بخير."
ابتسمت...
لكن عينيها امتلأتا بمشاعر أعمق.
اقتربت منه قليلًا... وأسندت رأسها على كتفه.
ميار (بنعومة):
"وإنت بخير... يبقى أنا بألف خير."
لف سليم ذراعه حولها...
احتضنها بقوة هادئة... كأنها الملجأ الوحيد من كل شيء.
عيناه أغلقتا للحظة...
وكأنه يستمد منها طاقة... صبر... سلام.
سليم (بهمس قرب أذنها):
"فاكرة أول يوم شفتك فيه؟"
ضحكت بخفة وهي على كتفه.
ميار:
"فاكرة... كنت متكبر جدًا ومش عاجبني خالص."
ابتسم سليم.
سليم:
"وأنا كنت شايفك أخطر بنت في الدنيا."
رفعت رأسها ونظرت له بعينين مازحتين.
ميار:
"ولسه شايف كده؟"
نظر لها... ببطء... بعمق... بعشق لم يبهت رغم السنين.
سليم:
"أخطر... وأجمل... وأهدى مكان لقلبي."
صمتت ميار...
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة... صادقة... تلك الابتسامة التي لا يراها إلا هو.
مدت يدها... وعدلت ياقة قميصه برفق.
ميار (بحنان):
"إوعى تفضل شايل الدنيا لوحدك يا سليم... أنا معاك."
نظر لها لحظة...
ثم ضمها مرة أخرى... هذه المرة بقوة أكبر قليلًا.
سليم (بهدوء حاسم):
"وأنا عمري ما هسيبك لوحدك."
************************
في فيلا عائلة غيث - غرفة المعيشة
ضوء العصر كان يتسلل من النوافذ الكبيرة... والهدوء يملأ المكان إلا من صوت صغير مرح... كأنه عصفور يضحك.
عربة الأطفال كانت في منتصف الغرفة...
وفيها... ياسين.
وجهه مستدير... عيناه تلمعان ببراءة... ويداه الصغيرتان تتحركان بحماس وهو يضحك لنفسه وكأنه يروي نكتة لا يفهمها إلا هو.
في تلك اللحظة... فُتح الباب.
دخلت غزل وغيث.
ما إن وقعت عينا ياسين عليهما... حتى تجمد لثانية... ثم...
انفجرت ضحكته!
بدأ يهتز في عربته... يحرك قدميه بقوة... كأنه سيقفز فعلاً ليصل إليهما.
غزل (بدهشة مملوءة حب):
"غييييث! بص! شوف ابنك بيعمل إيه!"
أسرعت نحوه بخطوات سريعة... قلبها سبقها.
غيث (ضاحكًا):
"ابني؟! ده ابنك إنتِ... أنا ماليش دعوة بالجنون ده."
انحنت غزل فورًا ورفعت ياسين بين ذراعيها...
فورًا دفن وجهه الصغير في رقبتها... وبدأ يضحك أكثر.
غزل (تضحك وهي تقبله):
"وحشتك يا قلبي؟ ماما وحشتك؟"
ياسين أصدر صوتًا طفوليًا سعيدًا... كأنه يجيبها بنعم كبيرة جدًا.
اقترب غيث... مد يديه.
غيث (بمرح):
"طب وأنا؟ أنا مش وحشتك ولا إيه؟"
لفت غزل ياسين نحوه...
فمد الطفل يديه الصغيرتين مباشرة لوالده... بحماس شديد.
غزل (بابتسامة دافئة):
"واضح إنه اشتاق لك أكتر مني."
أخذ غيث ابنه بين ذراعيه...
ورفعه قليلًا في الهواء.
ياسين ضحك بصوت أعلى... وبدأ يرفرف بيديه كجناحين صغيرين.
غيث (بصوت حنون):
"إيه يا عم... يومك كان عامل إيه من غيرنا؟"
اقتربت غزل... وضعت يدها على رأس ياسين الصغير... تمرر أصابعها بين خصلاته الناعمة.
غزل (بهمس):
"أنا طول اليوم كنت بفكر فيه... مش قادرة أبعد عنه حتى ساعة."
نظر لها غيث بابتسامة هادئة...
تلك النظرة التي تحمل حبًا وامتنانًا ودهشة من هذا العالم الذي صنعاه معًا.
غيث:
"وهو كمان... واضح إنه كان مستنينا بالدقيقة."
مد ياسين يده الصغيرة... ولمس خد غيث... ثم التفت فجأة لغزل...
يمد يده لها أيضًا... كأنه يرفض أن يختار بينهما.
ضحكت غزل.
غزل:
"لا لا... إحنا الاتنين مع بعض يا باشا."
اقتربت أكثر... حتى أصبحوا ثلاثتهم في حضن واحد...
غيث يحمل ياسين... وغزل تحيطهما بذراعيها.
لحظة هادئة...
دافئة...
ممتلئة حياة.
غيث (بصوت منخفض قرب غزل):
"تعرفي... أول يوم رجعتي فيه الجامعة بعد ياسين... كنت قلقان."
نظرت له.
غزل:
"ليه؟"
غيث:
"كنت خايف تتعبي... أو تحسي إنك مش قادرة توفقي بين كل حاجة."
ابتسمت غزل... نظرت لابنها... ثم له.
غزل (بثقة هادئة):
"طول ما إنت معايا... وكلنا مع بعض... أقدر أعمل أي حاجة."
نظر لها غيث لحظة...
ثم اقترب قليلًا... وقبّل جبينها برفق.
غيث (بهمس):
"وإحنا دايمًا مع بعض."
ياسين أصدر صوتًا صغيرًا كأنه يحتج على تجاهل الحديث عنه.
ضحكا الاثنان.
غزل:
"حد هنا غيران."
غيث (مازحًا):
"واضح إن المنافسة بدأت بدري."
رفعت غزل حاجبها بمكر.
غزل:
"المنافسة؟ على إيه؟"
غيث:
"على حبك طبعًا."
ضحكت غزل... ثم احتضنت ياسين مرة أخرى... وقبّلته... ثم نظرت لغيث بعينين لامعتين.
غزل:
"قلبي كبير... يسعك إنت وهو... وزيادة."
اقترب غيث... وضع ذراعه حولها... واحتضنها مع ابنهما.
*********************
بينما كانت غزل وغيث يضحكان ويحتضنان صغيرهما...
انفتح باب المطبخ قليلًا... وخرجت شيرلين وهي تمسح يديها في مئزرها، وعلى وجهها ابتسامة دافئة.
شيرلين (بصوت حنون):
"واضح إن البيت نور برجوعكم."
التفتت غزل فورًا بابتسامة واسعة.
غزل:
"ماما شيرلين! كنا لسه بنتكلم عنك... بصي ياسين عامل إزاي!"
اقتربت شيرلين بخطوات هادئة...
مدت يدها وأخذت خد ياسين الصغير بين أصابعها بحب.
شيرلين (بدلال):
"يا روح تيتا... اشتقت لك ولا كنت مبسوط من غيرنا؟"
ياسين ضحك بصوته الصغير... ومد يده نحوها.
ضحك غيث.
غيث:
"خلاص... كده رسميًا بقى ابنك إنتِ."
نظرت له شيرلين بمكر خفيف.
شيرلين:
"طبعًا... أنا ربيته النهارده من الصبح... تعبني جدًا على فكرة."
رفعت غزل حاجبها وهي تضحك.
غزل:
"يا سلام؟! ده كان بيضحك طول الوقت!"
شيرلين (بتمثيل جاد):
"آه... كان بيضحك عليّ أنا بس... ده شقي أوي."
ثم تنهدت بخفة وهي تتذكر شيئًا.
شيرلين:
"على فكرة... أنا خلصت تجهيز السفرة... خالتك أمينة هتوصل قريب."
نظر غيث لغزل ثم لوالدته.
غيث:
"بدري كده؟ أنا كنت فاكر عندنا وقت."
شيرلين:
"لا يا حبيبي... زمانها في الطريق... وأنا عايزاكم تكونوا جاهزين تستقبلوها بشكل يليق بيكم."
ثم نظرت لهما نظرة أمٍ حازمة ولكن مليئة بالحب.
شيرلين:
"يلا... اطلعوا بسرعة غيروا هدومكم... وإنت يا غزل بدلي كده حاجة مريحة وجميلة..."
ابتسمت غزل بخفة.
غزل:
"حاضر يا ماما."
اقتربت من شيرلين... وقبّلت رأسها برفق.
غزل (بامتنان):
"شكرًا على تعبك مع ياسين."
ربتت شيرلين على كتفها بحنان.
شيرلين:
"تعب إيه بس... ده نور عيني."
ثم التفتت إلى غيث وهي تعطيه نظرة ذات معنى.
شيرلين:
"وإنت يا أستاذ... بدل هدومك بسرعة... مش عايزاك تستقبل خالتك بملابس الجامعة دي."
ضحك غيث وهو يحمل حقيبته.
غيث:
"حاضر يا أمي... من عيوني."
نظر لغزل بمكر خفيف.
غيث (بهمس مازح):
"سباق؟ اللي يجهز الأول؟"
ضحكت غزل.
غزل:
"أكيد أنا... إنت بتاخد وقت أطول."
غيث:
"ده افتراء!"
حمل حقيبته بيد... وباليد الأخرى أمسك يد غزل... وسحبها برفق نحو الدرج.
غيث (ضاحكًا):
"يلا يا مدام... نشوف مين أسرع."
غزل (تضحك وهي تصعد معه):
"استنى بس... أنا اللي هكسب!"
تابعتهم شيرلين بنظرة مليئة بالرضا...
ثم نظرت إلى ياسين الذي بقي بين ذراعيها.
شيرلين (بهمس له):
"سيبهم يتخانقوا على السرعة... إحنا نفضل نضحك هنا براحتنا."
ضحك ياسين مرة أخرى...
وفي أرجاء البيت... بدأ الاستعداد لاستقبال ضيفة جديدة... ودفء عائلي آخر.
*************************
بعد حوالي نصف ساعة...
صوت جرس الباب رنّ في أرجاء الفيلا...
صوت مميز... كأنه إعلان عن دخول شخصية لا تُنسى.
رفعت شيرلين رأسها فورًا من المطبخ...
ومجرد أن سمعت الرنة... ابتسمت.
شيرلين (بهمس مفعم بالشوق):
"أمينة..."
مسحت يديها بسرعة... وعدّلت ملابسها... ثم اتجهت نحو الباب بخطوات سريعة تحمل حنين سنوات.
فتحت الباب...
لتقف أمامها أمينة.
امرأة في الخمسين...
نظراتها قوية وثاقبة... كأنها تقرأ ما وراء الوجوه...
وقفتها مستقيمة... حضورها مهيب...
لكن في عينيها... حنان دافئ لا يراه إلا من يعرفها جيدًا.
تلاقت أعين الأختين...
ثانية صمت...
ثم فجأة...
اندفعت شيرلين نحوها واحتضنتها بقوة.
شيرلين (بصوت مبحوح من الشوق):
"وحشتيني يا أمينة..."
أمينة، رغم قوتها المعروفة... أغمضت عينيها للحظة... واحتضنت أختها بشدة.
أمينة (بصوت منخفض حنون):
"وإنتِ أكتر يا شيرلين... البيت من غيرك ما يسواش حاجة."
ابتعدتا قليلًا... لكن أيديهما بقيت متشابكة.
شيرلين (تبتسم بعينين لامعتين):
"نورتي بيتك."
أمينة (بنظرة دافئة لها فقط):
"البيت ده بيتي طول ما إنتِ فيه."
في هذه اللحظة...
نزل غيث من السلم بسرعة وهو يرتب ساعته.
غيث (بفرح واضح):
"خالتي أمينة!"
تقدم نحوها فورًا... واحتضنها.
أمينة ابتسمت وهي تربت على ظهره.
أمينة:
"كبرت يا غيث... وبقيت مسؤول وراجل بيت."
ابتسم غيث بفخر خفيف.
غيث:
"بوجودك وبوجود ماما... نتعلم."
نظرت له أمينة نظرة فاحصة لثانية... ثم هزت رأسها برضا.
في هذه اللحظة...
ظهرت غزل على السلم... نازلة بهدوء... تحمل بين ذراعيها ياسين الصغير.
كانت أنيقة... بسيطة... ووجهها هادئ لكن مشرق.
ما إن وقعت عينا أمينة عليها...
سكتت.
نظرة واحدة فقط...
نظرة طويلة... عميقة... تقرأ... تقيس... تزن.
غزل شعرت بتلك النظرة...
لكنها لم ترتبك.
اقتربت بهدوء...
ثم ابتسمت ابتسامة مهذبة دافئة.
غزل (باحترام):
"أهلًا بحضرتك يا خالتي... نورتينا."
اقتربت... وانحنت قليلًا وقبّلت يدها.
صمت لحظة...
أمينة تنظر لها...
تقرأ عينيها... نبرة صوتها... طريقة وقفتها... حتى كيف تحتضن طفلها.
ثم...
رفعت يدها الأخرى... ووضعتها على رأس غزل.
أمينة (بهدوء يحمل قبولًا أوليًا):
"تعيشي يا بنتي."
تنفست شيرلين الصعداء بصمت... فقد كانت تترقب هذه اللحظة.
نظرت أمينة إلى ياسين...
تغيرت ملامحها فورًا.
الصرامة ذابت...
وحل محلها حنان ناعم.
أمينة (بابتسامة خفيفة):
"ده بقى حفيدي؟"
ضحك غيث.
غيث:
"أيوه يا خالتي... ياسين."
اقتربت أمينة... ولمسته بخفة...
فابتسم الطفل لها... كأنه يرحب بها.
رفعت حاجبها بإعجاب بسيط.
أمينة:
"ذكي... بيعرف يختار الناس من بدري."
ضحك الجميع.
أمسكت شيرلين يد أختها وسحبتها للداخل.
شيرلين (بحماس مصري دافئ):
"تعالي يا أمينة... الأكل جاهز والسفرة مستنياكي..."
أمينة (تنظر حولها وهي تدخل):
"ريحة الأكل وصلت لآخر الشارع... واضح إنك عاملة عزومة ملكية."
شيرلين (بفخر مرح):
"علشان خاطر أختي الكبيرة طبعًا."
نظرت أمينة لها بابتسامة جانبية.
أمينة:
"لسه بتدلعي بالكلام ده؟"
شيرلين (تضحك):
"وهمنّع؟ ده حقي."
دخل الجميع إلى غرفة الطعام...
الصحون مرتبة... الروائح شهية... والجو دافئ كقلب أم.
جلست أمينة... وشيرلين بجانبها...
وغيث وغزل أمامهما... وياسين بين ذراعي أمه.
نظرت أمينة مرة أخرى إلى غزل...
هذه المرة نظرة أخف... لكن ما زالت فاحصة.
أمينة (بهدوء):
"شكلك تعبان شوية... الجامعة والأمومة مش سهلين."
ابتسمت غزل بثقة هادئة.
غزل:
"صعبين شوية... بس مع عيلتي... بيبقوا أسهل بكتير."
تبادلت أمينة نظرة سريعة مع شيرلين...
ثم أومأت ببطء... وكأنها سجّلت نقطة لصالح غزل في اختبارها الصامت.
أمينة (بصوت هادئ لكنه واضح):
"كويس... البنت اللي تعرف توازن بين بيتها وحياتها... تبقى ست حقيقية."
ابتسمت شيرلين بفخر وهي تنظر لغزل.
وغيث... نظر لزوجته بعينين مليئتين بالإعجاب.
أما غزل... فابتسمت بهدوء...
وقلبها يخفق... لكنها ثابتة.
الاختبار... بدأ بالفعل.
************************
بينما كان الجميع يتجه نحو طاولة الطعام...
فُتح باب الفيلا مرة أخرى... بصوت دخول مرح وحركة سريعة.
دخل رمزي... بملابس رياضية... وعلى وجهه تعبير تعبٍ جميل بعد مجهود،
وخلفه مباشرة... اندفع أمجد الصغير وهو يحمل حقيبته الرياضية ويكاد يقفز من الحماس.
أمجد (بصوت عالٍ مليء بالحيوية):
"مامااا! رجعنا!"
رفع رأسه... ورأى أمينة.
توقف لحظة... ثم اتسعت عيناه فجأة.
أمجد (بفرح):
"خالتي أمينة!!"
ركض نحوها دون تردد...
وألقى نفسه في حضنها.
ضحكت أمينة... واحتضنته بقوة... وربتت على ظهره.
أمينة (بدلال حازم):
"إيه ده... ده بقى شاب رياضي كمان؟!"
رفع أمجد ذراعه الصغيرة يستعرض عضلاته.
أمجد:
"كنت في التمرين... وبقيت أقوى!"
ضحك الجميع.
تقدم رمزي بابتسامة دافئة...
ومد يده لأمينة ثم احتضنها باحترام عائلي.
رمزي:
"أهلًا وسهلًا يا أمينة... نورتي بيتنا."
أمينة (بابتسامة تقدير):
"البيت منور بأهله يا رمزي... عامل إيه؟"
رمزي:
"بخير طول ما شيرلين بخير... وإنتِ بخير."
نظرت شيرلين له بنظرة امتنان خفيفة...
ثم قالت بمرح:
شيرلين:
"خلاص بقى المجاملات دي على السفرة... الأكل هيبرد!"
ضحك الجميع...
واتجهوا كلهم نحو طاولة الطعام.
جلست أمينة في المنتصف تقريبًا...
وعيناها تتحركان بهدوء... تراقب... تقرأ... تحلل... دون أن يشعر أحد.
كانت تنظر إلى غزل... طريقة جلوسها... كيف تطعم ياسين أولًا ثم تأكل... كيف تنظر لغيث قبل أن تتحدث...
ثم... وضعت الملعقة بهدوء.
أمينة (بنبرة هادئة مباشرة):
"قوليلي يا غزل... إنتِ منين؟ يعني عيلتك..."
ساد صمت خفيف...
التفتت الأنظار نحو غزل.
رفعت رأسها بهدوء...
ابتسمت ابتسامة واثقة مهذبة.
غزل:
"أنا مصرية من القاهرة يا خالتي... بابا اسمه سليم الشرقاوي... وجدي عادل الشرقاوي."
لحظة...
نظرة أمينة تغيّرت قليلًا...
ارتفعت حاجباها...
وظهر في عينيها بريق معرفة.
أمينة (بهدوء يحمل دهشة خفيفة):
"الشرقاوي..."
ثم أومأت ببطء.
أمينة:
"اسم معروف... قوي جدًا في عالم البيزنس."
تدخل رمزي وهو ينظر لغزل بإعجاب.
رمزي:
"أيوه يا أمينة... سليم الشرقاوي من كبار رجال الأعمال... وشغلهم منتشر."
نظرت أمينة مرة أخرى لغزل...
لكن هذه المرة... النظرة لم تكن فاحصة فقط...
بل فيها تقدير... وفضول.
أمينة:
"أنا سمعت عنهم قبل كده في شغل... بس ما اتقابلناش."
ابتسمت غزل بلطف.
غزل:
"إن شاء الله تتقابلوا قريب يا خالتي... بابا وماما دايمًا بيحبوا يتعرفوا على ناس محترمة زي حضرتك."
ابتسمت أمينة ابتسامة خفيفة جانبية...
أعجبها أسلوب غزل... بدون تكلف... وبدون مبالغة.
أمينة (بنبرة أهدأ):
"واضح إنك متربية كويس."
ردت شيرلين بسرعة وهي تنظر لغزل بفخر.
شيرلين:
"دي بنتي يا أمينة... وأنا بعتبرها كده فعلًا."
مدت يدها وربتت على يد غزل بحب.
ابتسمت غزل... وعيناها لمعتا بامتنان.
أما غيث... فكان ينظر لزوجته وكأنه يسمع مديحًا شخصيًا له.
غيث (بمزاح خفيف):
"خدوا بالكم بقى... دي مراتي... يعني نص الفضل ليا."
ضربته غزل بخفة على ذراعه.
غزل (ضاحكة):
"نص؟! ده أنا اللي مستحملة غرورك ده."
ضحك الجميع... حتى أمينة ابتسمت بوضوح هذه المرة.
مدت أمينة يدها وأخذت قطعة خبز... ثم قالت وهي تنظر لغزل:
أمينة (بنبرة صادقة):
"المهم مش الاسم الكبير... المهم الإنسان اللي وراه."
ثم أضافت وهي تشير إلى ياسين الصغير:
أمينة:
"والولد ده... باين إنه جاي من بيت مليان حب."
سكتت لحظة...
ثم نظرت لغزل نظرة مستقيمة... لا تخلو من الحنان.
أمينة:
"خلي بالك من بيتك يا غزل... البيت ده أمانة."
ابتسمت غزل بهدوء وثقة.
غزل:
"أوعدك يا خالتي."
في تلك اللحظة...
تبادلت شيرلين وأمينة نظرة سريعة...
نظرة أختين...
تفهمان بعضهما دون كلمات.
نظرة تقول:
"البنت... تستاهل."
والعشاء استمر...
بضحكات... وأحاديث...
لكن في قلب أمينة...
قرار أولي...
أن غزل... ليست مجرد زوجة لابن أختها...
بل فتاة... تستحق أن تكون من العائلة.
************************
في فيلا عيلة البحيري في مصر...
الليل كان نازل بهدوءه على المكان، لكن الهدوء ساعات ما بيبقاش معناه سلام... ساعات بيبقى معناه إن العاصفة لسه بتفكّر بس.
في الدور اللي فوق، جوا أوضة القعدة الصغيرة، كانت هايدي قاعدة على الكنبة جنب الشباك.
الستارة بتتحرك شوية مع نَسمة الليل، ونور الأباجورة الخافت بيرسم ضلال طويلة على الحيطة.
لكن عقلها...
ماكانش هنا.
كلام دارين لسه بيلف في دماغها زي صوت مزعج مش راضي يسكت.
"ياسر كان هيفضحني...
اضطريت أتخلص منه...
الأغبياء صدقوا الأدلة بتاعتي..."
ضغطت هايدي على صوابعها بقوة لدرجة إن مفاصل إيديها ابيضّت.
قامت من مكانها وابتدت تمشي ببطء في الأوضة.
"كل السنين دي..."
وقفت فجأة.
"كل السنين دي... وياسر بريء؟"
افتكرت اليوم ده من واحد وعشرين سنة...
الصريخ اللي كان مالي الفيلا...
نظرات الاشمئزاز...
وياسر واقف لوحده وسط الكل... بيحاول يدافع عن نفسه.
بلعت هايدي ريقها بصعوبة.
"والكل صدّق دارين..."
وطّت صوتها أكتر:
"حتى زياد..."
تنهدت ببطء وقعدت على طرف الترابيزة.
"يا زياد... لو عرفت الحقيقة..."
هزّت راسها.
"لا... مش هقول له دلوقتي."
في اللحظة دي باب الأوضة اتفتح شوية.
دخل زياد بهدوء وهو شايل كوبايتين شاي.
ابتسم بلطف لما شافها.
"كنت عارف إني هلاقيكي هنا."
رفع واحدة من الكوبايات ناحيتها.
"اتفضلي... شاي بالنعناع."
بصّت له هايدي لحظة.
زياد...
نفس الطيبة اللي عرفتها فيه دايمًا.
الطيبة اللي خلت دارين تحاول تلعب عليه كل السنين دي.
أخدت الكوباية منه بالراحة.
"شكرًا."
قعد زياد جنبها.
بصلها شوية وبعدين قال:
"إنتِ ساكتة من المغرب."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"وده موضوع خطير."
رفعت حاجبها شوية.
"ليه؟"
قال بهزار بسيط:
"عشان لما إنتِ بتسكتِي... يبقى أكيد بتخططي لحاجة."
ماقدرتش هايدي تمنع ابتسامة صغيرة تظهر.
لكن عينيها فضلت جادة.
"يمكن."
بصلها زياد بفضول.
"هو الموضوع له علاقة بدارين؟"
اتشدّت هايدي لحظة.
وبعدين قالت ببرود خفيف:
"دارين دايمًا ورا المشاكل."
ضحك زياد شوية.
"دي حقيقة."
وبعدين كمل:
"بس عملت إيه المرة دي؟"
بصّت هايدي لكوباية الشاي اللي في إيديها...
وبعدين رفعت عينيها له.
"قولّي يا زياد..."
قال:
"نعم؟"
سألته بهدوء:
"عمرك فكرت إن ممكن نكون ظلمنا حد قبل كده؟"
زياد سكت لحظة.
وبعدين قال ببطء:
"تقصدِي..."
هايدي ماكملتش الجملة.
لكن الاسم خرج من بُقه لوحده.
"ياسر."
سكتت الأوضة كلها.
تنهد زياد بهدوء.
"الموضوع ده انتهى من سنين."
بس صوته ماكانش واثق قوي.
قالت هايدي بهدوء:
"انتهى... ولا إحنا بس قررنا مانفكرش فيه؟"
بصلها زياد طويل...
وبعدين قال:
"هايدي..."
لكنها قاطعته بلطف:
"أنا مش بقول حاجة دلوقتي."
وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"كنت بس بفكر."
وقف زياد بعد لحظة.
"ماشي... ما تسهريش كتير."
وبعدين قال بهزار:
"وما تخططيش ترمي حد من البلكونة."
ضحكت هايدي شوية.
"هحاول."
خرج زياد من الأوضة.
والباب اتقفل بهدوء.
ورجع الهدوء للمكان.
لكن المرة دي...
ابتسامة مختلفة ظهرت على وش هايدي.
ابتسامة ست بدأت تربط الخيوط.
همست لنفسها بهدوء:
"واحد وعشرين سنة..."
وبعدين رفعت راسها.
"كدبة واحدة..."
سكتت لحظة.
وبعدين قالت ببطء:
"بس كل كدبة... ليها يوم وتقع."
بصّت ناحية باب الأوضة اللي خرج منه زياد.
"وقبل ما حد يعرف الحقيقة..."
ضاقت عينيها شوية.
"لازم أوصل لياسر في أسرع وقت."
وبعدين همست باسم واحد...
"دارين..."
بس المرة دي ماكانش في صوتها صدمة.
كان قرار.
قرار ست مش هتسيب الحقيقة مدفونة تاني بعد النهارده.
**********************
في مصر منتصف الليل...
في فيلا الحديدي... كان الصمت يغلف المكان مثل غطاء ثقيل... لا يُسمع فيه إلا دقات الساعة... وأنفاس الليل الهادئة.
في الطابق العلوي... داخل غرفة أوس وشغف...
كانت شغف مستلقية... تتنفس ببطء...
ثم فجأة...
تجمد جسدها.
وضعت يدها على بطنها...
أغمضت عينيها بقوة...
شغف (بهمس متألم):
"آه..."
مرّت ثوانٍ...
ثم زادت حدة الألم...
فتحت عينيها... ونظرت إلى أوس النائم بجانبها.
مدّت يدها... وهزته بقوة.
شغف (بصوت مرتجف):
أوس... أوس... اصحى!"
فتح أوس عينيه ببطء... نصف نائم...
أوس (بنعاس):
"إيه يا شغف... الساعة كام-"
توقف فجأة عندما رأى وجهها...
شاحب... متوتر... تتنفس بسرعة.
جلس فورًا.
أوس (بقلق مفاجئ):
"مالك؟ في إيه؟!"
ضغطت على يده بقوة...
شغف (بصوت متقطع):"
أوس أنا... أنا مش قادرة..."
اتسعت عيناه...
تغيرت ملامحه في لحظة... من شاب مرح إلى رجل مذعور على زوجته.
أوس (بصوت مرتفع فجأة):
"يعني... يعني... الولادة؟! دلوقتي؟!"
هزت رأسها وهي تتنفس بصعوبة.
شغف:
"مش عارفة... بس الألم بيزيد..."
قفز أوس من السرير كأنه صاعقة أصابته.
بدأ يمشي في الغرفة بعشوائية.
أوس (يتحدث بسرعة وهو مرتبك):
"طيب... طيب نلبس... نروح المستشفى... أجيب الشنطة... فين الشنطة؟! هو أنا حطيتها فين؟!"
شغف (رغم ألمها، بنفاد صبر):
"أوس! ركّز!"
توقف... نظر لها...
اقترب منها فورًا... وأمسك بيديها.
أوس (بصوت أخفض لكنه يرتجف):
"أنا معاكِ... خلاص... مفيش حاجة..."
ثم فجأة صرخ:
أوس:
"باباااااا!!"
في أقل من دقيقة...
أُضيئت أنوار الفيلا كلها.
باب الغرفة انفتح بسرعة...
دخل جاسر الحديدي بملامح يقظة وحادة.
خلفه غرام بقلق واضح...
ثم أسد وزوجته حور...
وأسر وزوجته ديما.
الجميع تجمع في لحظة واحدة.
جاسر (بصوت قوي مسيطر):
"في إيه؟!"
أشار أوس إلى شغف.
أوس (بصوت مضطرب):
"واضح إنها بتولد يا بابا!"
تقدمت غرام فورًا نحو شغف... جلست بجانبها... أمسكت بيدها بحنان.
غرام (بهدوء أمومي):
"اهدي يا حبيبتي... خدي نفس عميق..."
تنفست شغف بصعوبة...
شغف:
"ماما... الألم... مش طبيعي..."
تبادلت غرام وجاسر نظرة سريعة.
غرام (بحزم):
"يبقى خلاص... دي ولادة."
أوس وقف في المنتصف... يداه في شعره... يدور حول نفسه.
أوس (بصوت عالٍ مرتبك):
"طيب نعمل إيه؟! نروح المستشفى! نجيب الدكتور! العربية فين المفاتيح فين-"
اقترب منه أسد... ووضع يده على كتفه بقوة.
أسد (بثبات):
"اهدى يا أوس... إحنا معاك."
لكن أوس نظر له بعينين ممتلئتين بالخوف.
أوس (بصوت منخفض مكسور):
"دي مراتي... وأسهل حاجة عندي في الدنيا... مش عايزها تتألم كده..."
سكتت الغرفة للحظة...
نظر جاسر لابنه...
ورأى ذلك الخوف الصادق.
اقترب منه... ووضع يده على كتفه.
جاسر (بصوت قوي مطمئن):
"أوس... شغف قوية... وهتقوم بالسلامة... وأنا معاكم."
أومأ أوس بصعوبة.
ديما بدأت تجمع الأشياء بسرعة.
ديما:
"الشنطة جاهزة من زمان... هجيبها."
حور:
"وأنا هجيب مياه وهدوم."
شغف صرخت مرة أخرى من الألم...
شدّت على يد غرام بقوة.
شغف (بصوت متقطع):
"أوس..."
التفت لها فورًا... ركع أمامها... أمسك بيديها... وقبّلها.
أوس (بصوت مكسور لكنه يحاول الثبات):
"أنا هنا... أنا جنبك... مش هسيبك لحظة."
نظرت له بعينين دامعتين...
شغف:
"خايفة..."
اقترب أكثر... لامس جبينها بجبينه.
أوس (بهمس):
"وأنا كمان... بس هنعديها سوا."
عاد أسد يحمل مفاتيح السيارة.
أسد:
"العربية جاهزة."
نظر جاسر للجميع بنظرة قيادية.
جاسر:
"يلا... نتحرك فورًا."
ساعد أوس شغف على الوقوف بحذر...
وهو يمسكها كأنها كنز يخشى أن يسقط.
في الممر...
كانت العائلة كلها تتحرك بسرعة...
خطوات سريعة... أنفاس متوترة... دعوات صامتة.
غرام تهمس بالدعاء...
حور تمسك بيد ديما...
أسر يفتح الأبواب...
وأوس...
يمشي بجانب شغف... ذراعه حولها... عينه عليها فقط.
لا يرى أحدًا غيرها.
وقبل أن يخرجوا من باب الفيلا...
توقفت شغف لحظة...
التفتت لأوس... رغم الألم...
ابتسمت له ابتسامة صغيرة.
شغف (بصوت خافت):
"أوس..."
أوس:
"نعم؟"
شغف:
"هنبقى بابا وماما..."
تجمد للحظة...
ثم ابتسم...
رغم الخوف... رغم القلق...
ابتسامة مليئة بالحب.
أوس (بهمس):
"أحلى لقب في الدنيا..."
انفتح باب الفيلا...
وخرجوا إلى ليل القاهرة...
ليل هادئ...
لكن في قلب عائلة الحديدي...
كان هناك سباق مع الزمن...
وطفل على وشك أن يرى النور.
************************
في فيلا عائلة غيث كان هادئاً على غير العادة... كأن البيت كله أخذ نفساً عميقاً بعد يوم طويل مليء بالأصوات والضحكات
في الطابق العلوي، داخل غرفتهما...
أغلقت غزل الباب بهدوء خلفها، وأسندت ظهرها عليه للحظة وهي تزفر براحة، ثم ابتسمت بخفة.
غيث كان يقف قرب الشرفة، يخلع ساعته ويضعها على الطاولة، ثم التفت إليها بعينيه الدافئتين.
قال بمزاح خفيف: "الهروب التكتيكي من المجلس العائلي... عملية ناجحة يا مدام."
ضحكت غزل بخفة، واقتربت منه: "والله أنا كنت ثواني وأبدأ أجاوب خالتك أمينة على كل أسئلتها عن حياتنا الخاصة."
رفع حاجبه بابتسامة: "وأنا كنت مستمتع."
ضربته على كتفه بخفة: "وقح!"
اقترب منها أكثر، أمسك يدها برفق وسحبها نحوه حتى أصبحت قريبة جداً منه... لدرجة أن أنفاسهما اختلطت.
صوته أصبح أكثر هدوءاً: "بس فعلاً... أنا كنت مستمتع لأنك كنت جنبي."
سكنت للحظة... نظرت في عينيه بعمق.
همست: "وأنا... ما صرت أحس بالأمان إلا لما أكون معك يا غيث."
ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، لكنه لم يكتفِ بالكلام... رفع يده ولمس وجنتها برقة، كأنه يخاف أن تختفي.
"غزل... من يوم ما رجعتي من سوريا وأنا كل يوم أحمد ربنا إنك لسه موجودة... وإنك اخترتيني أنا."
خفضت عينيها للحظة... ثم رفعت نظرها نحوه بثبات: "أنا ما اخترتك بس... أنا تعلقت فيك... وبقيت فيك."
سكت الاثنان لثوانٍ... صمت مريح، مليء بشيء أعمق من الكلمات.
ثم وضعت رأسها على صدره، وهو لف ذراعيه حولها بإحكام وكأنها وطنه كله.
لكن فجأة...
رنين هاتف غيث قطع الصمت كخيط ضوء حاد
نظر غيث إلى الشاشة... تجمدت ملامحه فجأة، ثم فتح الاتصال بسرعة.
"ألو؟"
صوت أوس جاء متقطعاً ومليئاً بالتوتر والفرح في آن واحد:
"غيث! بسرعة... شغف... جاها المخاض! إحنا في الطريق للمستشفى!"
انتفض غيث واقفاً: "إيه؟! دلوقتي؟! طيب طيب... أنا جاي فوراً!"
أغلق الهاتف بسرعة، التفت إلى غزل التي كانت تنظر إليه بقلق.
"فيه إيه؟!"
اقترب منها بسرعة، عيونه تلمع بالحماس: "شغف... بتولد! أوس كلمّني الحين، هم في الطريق للمستشفى!"
شهقت غزل بفرح كبير، وضعت يدها على فمها: "يااااه! أخيراً! أنا كنت حاسة إنها قربت!"
لم تنتظر ثانية... أمسكت بيده: "يلا نروح فوراً!"
ضحك غيث بخفة رغم استعجاله: "ثانية بس نبدّل هدومنا."
هزت رأسها بسرعة: "خلال دقيقتين!"
بعد دقائق قليلة...**
نزل الاثنان مسرعين على الدرج، خطواتهما سريعة كأن البيت كله يدفعهما نحو الباب.
في الصالة...
كانت شيرلين ترتب بعض الصحون، فالتفتت بدهشة وهي ترى سرعتهما.
"في إيه؟ رايحين فين كده؟"
اقترب منها غيث بسرعة، ونبرته مليئة بالحماس: "ماما! شغف بتولد! أوس اتصل بيا دلوقتي، وإحنا لازم نروح المستشفى حالاً."
اتسعت عينا شيرلين، وضعت يدها على صدرها بفرح: "بجد؟! ياااه أخيراً!"
ابتسمت غزل بحماس: "إن شاء الله نرجع ونكون جايبين لكم خبر حلو جداً!"
ضحكت شيرلين: "أكيد طبعاً... ربنا يقومها بالسلامة."
ثم فجأة تذكرت شيئاً، ونظرت حولها: "طب وياسين؟"
نظر غيث إلى أمه بسرعة: "ماما، لو سمحتي خلي بالك منه لحد ما نرجع."
ابتسمت شيرلين بحنان: "طبعاً يا حبيبي، سيبهولي وأنا هخليه ينام كمان."
اقتربت غزل منها، قالت بلطف: "هو نايم تقريباً... بس لو صحى هيطلب الحليب."
ربتت شيرلين على يدها: "ولا يهمك، اعتبريه ابني."
ابتسمت غزل بامتنان، ثم أسرعت مع غيث نحو الباب.
وقبل أن يخرجا...
نادتهما شيرلين بصوت دافئ: "طمنوني أول ما توصلوا!"
لوّح لها غيث بيده: "أكيد يا ماما!"
فتح الباب... اندفع هو وغزل إلى الخارج بسرعة،
ركبا السيارة بسرعة...
وغيث شغّل المحرك، نظر إلى غزل بابتسامة متحمسة: "جاهزة تشوفي حفيد جديد لعيلة الحديدي؟"
ضحكت وهي تربط حزام الأمان: "أنا جاهزة من زمان!"
***********************
في فيلا عيلة الشرقاوي...
الفيلا هديت... كأنها قفلت عينيها أخيرًا بعد يوم طويل.
الممرات نورها خافت... والسكون ماشي بين الحيطان كضيف تقيل.
صوت خطوات ثابتة بيتسمع...
سليم الشرقاوي ماشي في الطرقة رايح أوضته، بيفك ساعته وبيتنهد بتعب.
ملامحه مرهقة... بس عينيه لسه صاحيين، كأنهم حارسين البيت كله.
قرب من باب جناحه...
وفجأة...
طلع قدامه طيف ست.
سليم وقف في ساعتها، عينيه ضاقت بحذر.
الصوت جه ناعم... ومتصنّع:
"مساء الخير يا سليم..."
رفع عينه عليها...
دارين.
واقفة قدامه بفستان شيك، ريحتها تقيلة... وابتسامة مافيهاش دفا، فيها حاجة لزجة كأنها تعبان.
وشه اتكشّر فورًا:
"إنتِ بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟"
قربت خطوة... بالراحة كأنها قاصدة:
"وحشتني أتكلم معاك... دقايق بس."
لف وشه ببرود:
"مفيش بينا كلام."
مدّت إيدها... وحطت أطراف صوابعها على صدره، كأنها بتقيس نبضه.
"دايمًا كده... قاسي معايا... رغم إني كنت-"
زق إيدها بعنف مفاجئ، وصوته طلع حاد:
"اقفي عندك يا دارين."
اتجمدت لحظة... وبعدين عينيها ضاقت.
المرة دي هو اللي قرب خطوة، صوته واطي بس حاد زي السكينة:
"أنا راجل متجوز. بحب مراتي.
ومش عايز أشوف التصرفات دي تاني."
وشها نشف... بس جواها كانت بتغلي.
قالت ببرود متصنّع:
"وكأني مش عارفة يعني..."
رد فورًا من غير ما يسيب لها فرصة:
"وإنتِ كمان متجوزة.
احترمي جوزك حازم... وبنتك سارة."
اسم سارة طلع كأنه صفعة مستخبية.
شفتها اتهزت لحظة... بس تماسكت، والحقد ولّع في عينيها.
همست بنبرة مسمومة:
"دايمًا بتختارها عليّا... ميار..."
ما اترددش ثانية:
"عشان هي مراتي.
وعشان تستاهل."
سكتوا...
سكون تقيل... جارح.
دارين فجأة ابتسمت... ابتسامة غريبة، نصها وجع ونصها شر.
"طيب... تصبح على خير يا ابن عمي."
لفّت ومشيت بخطوات هادية ناحية الضلمة...
بس قبل ما تختفي، رمته بنظرة من جنب عينها... نظرة مليانة شماتة.
جواها كانت الكلمات بتلف زي سم حلو:
"بتحب مراتك؟... يا عيني عليك... لو تعرف أنا عملت إيه فيكم..."
لكن فجأة...
خطواتها اتجمدت.
عينيها وسعت بالراحة...
حازم.
اسم جوزها رنّ في دماغها زي جرس إنذار.
افتكرت نظرته ليها من كام يوم...
نظرة غريبة... وكلامه اللي قاله بنبرة خفيفة بس تخوّف:
"في أسرار... مهما طال عليها الزمن... بتبان."
بلعت ريقها... قلبها دق لأول مرة بخوف حقيقي.
همست لنفسها:
"هو... يعرف؟"
إحساس ساقع جرى في عروقها.
لو حازم عرف...
لو أي حد عرف...
كل حاجة هتقع.
قبضت إيدها جامد، وعينيها بقت حجر.
"لا... مش هسمح بكده."
رفعت راسها... والابتسامة الضلمة رجعت تاني.
"هندفن السر ده... للأبد."
واختفت في ضلمة الطرقة...
وفي الناحية التانية...
كان سليم واقف قدام باب أوضته، بيمرر إيده على جبينه بضيق.
ماكانش يعرف...
إن الحقيقة اللي القدر بيدوّر عليها بقاله واحد وعشرين سنة...
كانت من شوية... واقفة قدامه.
************************
بعد عدة ساعات - في المشفى
الممرّ الأبيض يلمع تحت ضوءٍ هادئ...
لكن داخله كانت القلوب ترفرف كعصافير خرجت للتو من القفص.
ضحكات خافتة... دموع فرح... ووجوه متعبة لكن سعيدة.
عائلة الحديدي... كلها هنا.
في طرف الغرفة...
وقف أوس أمام السرير... عينيه مثبتتان على زوجته شغف النائمة بهدوء بعد العملية... وبجوارها... طفلتهما الصغيرة... ملفوفة بغطاء وردي... وجهها صغير... كأنه قطعة سكر ناعمة.
اقترب أوس ببطء...
مد يده... ولمس خد ابنته بحذر... كأنه يخاف أن يوقظ الحلم.
همس بصوت مبحوح: "أهلاً يا أميرة بابا..."
ابتسمت غرام وهي تمسح دمعة: "شبهك... نفس ملامحك يا أوس."
ردّ جاسر وهو يربت على كتف ابنه: "
أخذت جمال أمها... والحمد لله."
ضحك الجميع.
اقترب يونس الحديدي الجد، عيونه تلمع فخراً: "الله... الله... جيل جديد من الحديدي..."
وقفت بجانبه الجدة شهد، وهي ترفع يديها بالدعاء: "اللهم احفظها واجعلها من الصالحات."
في زاوية الغرفة...
كانت تاج تحتضن شقيقتيها غرام وديلان... الثلاثة يبكين وتضحكن في نفس الوقت.
قالت تاج بصوت متأثر: "بنتي صارت أم... يا ربي كبرت..."
ردت غرام وهي تقبّل رأسها: "وتستاهل كل الخير... شغف قوية مثلك."
أما أدهم... والد شغف... فكان يقف بصمت قرب السرير... عيونه على ابنته...
ثم اقترب منها ببطء... قبّل جبينها بحنان شديد.
همس: "حمد لله على سلامتك يا بنتي..."
في الخلف...
لؤي الشاب ذو الـ17 سنة كان ينظر للطفلة بدهشة: "يعني... أنا خال؟!
أنا بقيت خال رسمي؟!"
ضحك أسد: "أيوه يا عم الخال... استعد للمسؤولية."
رد لؤي بتمثيل: "لا لا... أنا أفسدها تدليع بس... التربية عليكم."
ضحك الجميع مجدداً.
اقترب إلياس من أخيه جاسر: "مبروك يا أخي... حفيدة جديدة تنور العيلة."
جاسر صافحه بقوة: "الله يبارك فيك... عقبال عندك."
رد إلياس مبتسماً وهو ينظر لديلان: "إن شاء الله قريب."
على الجانب الآخر...
دخل غيث وغزل بهدوء، وجهاهما يضيءان بالفرح.
اقتربت غزل من شغف... أمسكت يدها برفق: "أخيراً يا شغف... بقى عندك أميرة..."
ثم نظرت للطفلة، عيناها لمعتا: "يا الله... تشبهك جداً."
قال غيث وهو يربت على كتف أوس: "مبروك يا بطل... دخلت نادي الآباء رسمياً."
رد أوس بابتسامة فخور: "وأنا رئيس النادي من اليوم."
قهقه غيث: "لا... الرئيس أنا... عندي ياسين قبلك بخمسة شهور."
تدخلت غزل بمكر: "لكن بنت أوس أجمل..."
رفع غيث حاجبه: "خيانة عظمى."
ضحك الجميع.
اقترب سليم الشرقاوي من جاسر... صافحه بحرارة:
"مبروك يا جاسر... صرت جد مرة ثانية."
ابتسم جاسر بفخر: "والفضل لله..."
ثم أضاف وهو ينظر لغزل: "وأنت صرت جد من قبلنا... يا سليم."
ضحك سليم: "ونستنى حفيدة كمان من غزل..."
احمرت غزل: "بابا!"
ضحكت ميار وهي تحتضن غرام وتاج: "سيبوها شوية... لسه جابت ياسين."
ردت تاج بمزاح: "ما احنا مستنيين دورنا."
اقتربت الممرضة بهدوء: "ممكن الأم ترتاح الآن... والبيبي هتتنقل للحضانة شوية للفحص."
تجمد أوس للحظة: "لا... دقيقة... بس دقيقة كمان."
انحنى... قبّل جبين طفلته الصغيرة... ثم قبّل جبين شغف.
همس لها: "شكراً... لأنك جبتِ لي العالم كله."
فتحت شغف عينيها قليلاً... ابتسمت له بتعب: "دي بنتك يا أوس..."
رد بصوت دافئ: "دي حياتي كلها."
*******************
بعد لحظات من الهدوء
حركة خفيفة على السرير...
رموش شغف ارتجفت... ثم فتحت عينيها ببطء، نظرتها ضائعة لثوانٍ... تبحث... تتذكر...
ثم فجأة همست بصوت ضعيف: "...بنتي؟"
اقترب أوس منها فوراً، كأنه كان ينتظر هذه الكلمة منذ ساعات: "هنا... هنا يا روحي... بخير... زي القمر."
مدّت يدها بقلق: "هاتها... عايزاها..."
أشارت الممرضة بلطف: "ثانية بس يا مدام... الفحص خلص..."
ثم أعادت الطفلة الصغيرة إلى حضن أمها.
ما إن وضعتها بين ذراعي شغف... حتى هدأت أنفاسها...
كأن العالم كله استقر فجأة في حضنها.
نظرت إليها... طويلاً... عيناها امتلأتا بالدموع: "يا رب..."
اقتربت تاج... الأم... ويدها ترتجف وهي تلمس خد حفيدتها: "سبحان الخالق..."
نظرت شغف لوالدتها، ثم همست: "ماما..."
تاج ابتسمت: "عيوني."
تنهدت شغف، ثم نظرت للجميع... قبل أن تستقر عيناها على أمها مرة أخرى:
"نسميها... تاج."
صمت لحظة... ثم...
انفجرت الغرفة بالفرح.
تاج وضعت يدها على فمها: "على اسمي؟!"
ضحكت شغف بتعب: "على اسم ماما... وعلى اسمك... وعلى اسم كل الحب اللي حوالينا."
اغرورقت عينا تاج بالدموع... اقتربت وقبّلت رأس ابنتها: "ربنا يخليكِ لي يا بنتي..."
قال جاسر بفخر: "اسمها جميل... ويليق بحفيدة الحديدي."
رفع يونس يده: "إذن... نعلن رسمياً... ولادة الطفلة... تاج أوس الحديدي."
ضحك الجميع وصفقوا بخفة.
في زاوية الغرفة...
اقترب غيث وهو يحمل ابتسامة مشاكسة... نظر إلى أوس ثم إلى الطفلة:
"حلو... كده مرات ابني ياسين جاهزة من بدري."
الصمت لثانية...
ثم تحولت عينا أوس فوراً إلى نظرة غيرة نارية: "نعم؟!"
رفع غيث يديه ببراءة مصطنعة: "إيه؟ أنا بحجز بس... مستقبل مضمون."
اقترب أوس خطوة للأمام، عيونه تضيق: "اسمع يا غيث... بنتي لسه مولودة من خمس دقايق... وانت جاي تخطبها؟!"
ضحكت غزل وهي تمسك ذراع زوجها: "والله هو عنده نظر بعيد..."
رد أوس بسرعة: "نظر بعيد إيه! ده يبعد خالص أحسن له!"
تدخلت شغف وهي تضحك بتعب: "يا أوس سيبه... ياسين زي أخوها..."
رد أوس فوراً: "بالظبط... أخوها!
وأي حد يقرب من بنتي بعد كده... هعتبره عدو شخصي."
قهقه أسد: "أهلاً بك في عالم آباء البنات يا أخي."
قال إلياس وهو يربت على كتف أوس: "استعد... لسه هتشوف أيام."
أوس تنهد: "واضح إن حياتي انتهت من النهارده."
ردت شغف بهدوء وهي تنظر لابنتها: "لا... حياتك بدأت."
سكت أوس... نظر لزوجته... ثم لطفلته...
و ابتسم.
*********************
بعد كام يوم في السجن
السماء ملبّدة بغيوم رمادية...
كأنها تعكس ما في قلب ميار.
بوابة السجن الحديدية العالية بدت كأنها باب لعالمٍ آخر... عالم من الأخطاء التي لا تُمحى.
وقفت ميار أمام البوابة...
ثابتة... لكن يديها متشابكتان بقوة.
بجانبها وقف سليم... عيونه عليها، لا على السجن.
لاحظ ارتجافة أصابعها... فاقترب خطوة.
بصوت هادئ، دافئ: "ميار..."
لم تلتفت... كانت تنظر للبوابة فقط.
تنفّس ببطء... ثم سألها برفق: "أنتِ متأكدة إنك جاهزة؟"
سكتت لثوانٍ...
صمتٌ طويل... ثقيل...
ثم قالت بصوت منخفض: "لا."
التفتت إليه أخيراً... عيناها تحملان صراعاً واضحاً: "ولا عمري هكون جاهزة... لفكرة إن أمي... كانت بتكرهني."
كلمة أمي خرجت منها بصعوبة... كأنها حجر في حلقها.
خفضت نظرها: "بس... لازم أخلص الموضوع ده...
مش عايزة أعيش باقي عمري وأنا معلقة بين سؤال وجواب."
اقترب سليم أكثر...
رفع يده بلطف... ووضعها فوق يدها المشبوكة.
"أنا معاكِ... في كل لحظة."
رفعت نظرها إليه...
في عينيها امتنان عميق... وشيء من القوة التي استمدتها منه.
قالت ببرود هادئ هذه المرة: "النهارده... هقفل الدفتر ده للأبد."
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة، فيها حنان وشيء من الحزم: "ولو حاولت تجرحك بكلمة... أنا موجود."
هزت رأسها: "لا يا سليم...
دي معركتي أنا...
أنا اللي لازم أسمع... وأرد."
ثم أخذت نفساً عميقاً...
ورفعت كتفيها بثبات مصطنع.
"يلا."
تحركا معاً نحو البوابة.
الحارس فتح الباب الحديدي... صريره اخترق الهدوء كصرخة.
دخلت ميار أولاً... وخلفها سليم بخطوة ثابتة... عيناه تراقبانها... مستعداً لو احتاجته.
مرّا عبر الممر الطويل... جدران باهتة... رائحة ثقيلة... وأصوات بعيدة.
توقف الحارس أمام غرفة الزيارات.
"عندكم عشرين دقيقة."
نظرت ميار إلى الباب الزجاجي...
في الجهة الأخرى...
كانت تنتظر ولاء.
شدّت ميار على يد سليم لثانية...
ثم تركتها ببطء...
رفعت رأسها...
ونظرتها أصبحت باردة... جامدة... كأنها لم تعد تلك الفتاة التي بكت قبل دقائق.
فتحت الباب.
ودخلت.
إلى المواجهة الأخيرة.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*