رواية قيود من حرير الفصل الثلاثون 30 بقلم سيليا البحيري

رواية قيود من حرير الفصل الثلاثون 30
بقلم سيليا البحيري




في الصعيد 
(كانت الشمس تميل نحو الغروب، تلون السماء بدرجات ذهبية دافئة فوق أراضي الصعيد الواسعة. في قلب تلك المساحة الشاسعة، يقف قصر قديم فخم، تحيط به أشجار النخيل كأنها حراس صامتون.)
في الشرفة الواسعة، جلست خالة غيث على مقعد خشبي مزخرف، ترتدي جلبابًا أنيقًا بلون العاج، ووشاحًا خفيفًا ينسدل على كتفيها.
امينة 
امرأة في بداية الخمسينات، ملامحها قوية لكنها هادئة، عيناها تحملان ذكاءً وتجربة طويلة... وطيبة لا تظهر بسهولة، بل تُكتشف مع الوقت.
(أمامها فنجان قهوة صعيدي ثقيل، وعلى الطاولة بجانبها حقيبة سفر نصف مفتوحة.)
الحوار
أمينة (وهي تنظر إلى الحقول أمامها بصوت هادئ عميق):
"يا ترى يا شيرلين... بعد السنين دي كلها، لسه زي ما انتي؟ ولا الدنيا غيرت فيكي؟"
(تدخل خادمتها القديمة "نعيمة"، تحمل بعض الملابس المكوية.)
نعيمة (بابتسامة):
"الحاجات كلها اتجهزت يا ست أمينة، فاضل بس تقوليلي هتاخدي الجلابية الزرقا ولا البيچ للسفر؟"
أمينة (تبتسم بخفة):
"البيچ... عايزة أروح القاهرة وأنا مرتاحة. السفر بكرة بدري مش ناقص تعب."
(تضع فنجان القهوة جانبًا وتنهض ببطء، تمشي داخل الغرفة بخطوات واثقة.)
نعيمة (بفضول):
"بقالك سنين ما رحتيش القاهرة ولا شفتي أختك... فجأة كده قررتي تروحي؟"
(تتوقف أمينة لحظة... ثم تلتفت إليها بابتسامة هادئة.)
أمينة:
"السنين بتمر يا نعيمة... والإنسان ساعات بيصحى فجأة يحس إنه فاته كتير."
(تأخذ صورة صغيرة من فوق الكومودينو... صورة قديمة لها مع أختها شيرلين وهما صغيرتان.)
أمينة (بحنين خفيف):
"شيرلين بعتتلي صورة حفيدها... ياسين.
ولد صغير... عينه فيها طمأنينة غريبة."
نعيمة (تضحك):
"يعني السفر كله عشان عيل صغير؟"
أمينة (بنبرة دافئة):
"مش بس عشانه...
عشان أشوف أختي، وابنها... و مراته كمان."
نعيمة (ترفع حاجبها):
"مرات غيث؟ دي أول مرة هتشوفيها، صح؟"
أمينة (تفكر لحظة ثم تجيب بهدوء):
"أيوه... ما شفتهاش قبل كده."
(تجلس على طرف السرير وتبدأ في ترتيب بعض الإكسسوارات داخل الحقيبة.)
أمينة (بصوت خافت فيه فضول حقيقي):
"بيقولوا بنت جميلة جدًا... ومن عيلة كبيرة...
بس الجمال والفلوس مش كل حاجة."
(تتوقف لحظة... ثم تبتسم ابتسامة خفيفة دافئة.)
أمينة:
"أنا اللي يهمني... قلبها عامل إزاي.
تعرف تحب غيث بجد؟
تعرف تحافظ على بيته؟"
نعيمة:
"وإنتِ ناوية تختبريها ولا إيه؟"
(تضحك أمينة ضحكة هادئة قصيرة.)
أمينة:
"لا يا ستي... مش جاية أحقق معاها.
أنا جاية أتعرف عليها بس...
ولو طلعت طيبة... هحبها من قلبي."
(تغلق الحقيبة بهدوء، ثم تقف وتنظر من النافذة مرة أخرى إلى الحقول.)
أمينة (بصوت منخفض كأنها تحدث نفسها):
"يمكن تكون هي بداية صفحة جديدة للعيلة كلها..."
(نسمة هواء خفيفة تحرك الستارة، وشمس المغيب تغمر وجهها بنور دافئ.)
نعيمة (بمرح):
"طيب يا ست أمينة... نجهز العربية بدري بكرة؟"
أمينة (بحزم لطيف):
"أيوه... هنمشي مع أول الفجر."
ثم تضيف بابتسامة خفيفة فيها شوق صادق:
"مشتاقة أشوفهم... كلهم."
*********************

فجأة فُتح باب الغرفة بهدوء دون طرق. دخلت فتاة نحيلة القوام، ملامحها جميلة لكن باردة كصباح شتوي، عيناها رماديتان فيهما لمعة ذكاء حاد... ترتدي ملابس بسيطة أنيقة، وشعرها الأسود مربوط للخلف بإهمال أنيق.)
إنها لارين.
لارين (بنبرة هادئة جافة، وهي تسند كتفها إلى الباب):
"سمعت إنك مسافرة القاهرة بكرة... تزوري عيلة ما بتسألش عليكِ غير لما تحتاجك."
(تلتفت أمينة إليها ببطء، لا تغضب... فقط تبتسم ابتسامة هادئة تعرف هذه النبرة جيدًا.)
أمينة (بهدوء دافئ):
"دي أختي يا لارين... مهما بعدنا، الدم عمره ما بيتغير."
(تضحك لارين ضحكة خفيفة ساخرة، تمشي ببطء داخل الغرفة.)
لارين:
"الدم؟ كلمة كبيرة أوي...
أنا شايفة إن الناس بتحب تستخدمها عشان تبرر علاقات فاضية."
(تجلس على طرف السرير، تضع ساقًا فوق الأخرى، وتنظر إلى الحقيبة.)
لارين:
"كل السنين دي... ولا مرة سألت فيكي، وفجأة بقيتِ مستعجلة تشوفيهم؟"
(تتقدم أمينة نحوها، تقف أمامها، نظرتها هادئة لكن عميقة.)
أمينة:
"مش كل حاجة في الدنيا بتتقاس بالمكالمات والزيارات يا بنتي...
في روابط أعمق من كده."
لارين (ترفع حاجبها بسخرية خفيفة):
"زي إيه؟ الحنين؟ الذكريات؟ ولا الشعور بالذنب؟"
(لحظة صمت قصيرة... الهواء يمر من النافذة.)
أمينة (تبتسم ابتسامة صغيرة):
"يمكن كل دول... ويمكن حاجة أبسط...
إني عايزة أطمن على أختي... وعلى ابنها... وعلى بيته."
(تتغير نظرة لارين قليلًا عند ذكر "بيته".)
لارين:
"مراته بقى... اللي سمعنا عنها."
أمينة:
"آه... غزل."
(تنهض لارين ببطء، تمشي نحو النافذة، تقف بجانب أمينة وتنظر للخارج.)
لارين (بنبرة محايدة لكنها تحمل اهتمامًا خفيًا):
"سمعت إنها من عيلة كبيرة... ومرّت بحاجات تقيلة."
أمينة:
"كل واحد فينا بيشيل نصيبه يا لارين... المهم بيطلع منها إزاي."
(تسكت لارين قليلًا، ثم تبتسم ابتسامة جانبية باردة.)
لارين:
"أنا مش مقتنعة بحاجة اسمها عيلة سعيدة...
كل بيت فيه حاجة مستخبية."
(تنظر لها أمينة بنظرة عميقة... تعرف أن هذه الكلمات ليست مجرد رأي، بل انعكاس لوحدة عاشت بها لارين.)
أمينة (بصوت هادئ جدًا):
"وأنتِ... بيتك كان فيه إيه يا لارين؟"
(تتجمد لارين لحظة... ثم تنظر بعيدًا، عيناها تصبحان أبرد.)
لارين (ببرود واضح):
"بيت؟
بابا دايمًا في محكمة دولية أو مؤتمر...
وماما بين دولة ودولة...
البيت الوحيد اللي عرفته... هو هنا."
(تلتفت وتنظر إلى أمينة نظرة مباشرة.)
لارين:
"وإنتِ الوحيدة اللي كنتِ موجودة."
(تبتسم أمينة بحنان صادق، ترفع يدها وتلمس خد لارين برفق.)
أمينة:
"وده كفاية عندي."
(تصمت لارين لحظة... ثم تعود لنبرتها الجافة كأنها تهرب من لحظة اللين.)
لارين (بنصف ابتسامة ساخرة):
"طيب يا ست أمينة... روحي شوفي عيلتك المثالية دي...
بس ما ترجعيش مصدومة لما تكتشفي إنهم مش ملائكة."
أمينة (تضحك بخفة):
"ولا أنا ملاك يا بنتي."
(تتجه نحو الحقيبة وتغلقها بإحكام.)
أمينة:
"تيجي معايا؟ تغيري جو شوية؟"
(تتوقف لارين... تفكر... ثم تهز رأسها بالرفض.)
لارين:
"عندي امتحانات في حقوق...
وبصراحة... مش بحب التجمعات العائلية."
(تلتفت لتخرج... ثم تقف عند الباب، تقول بنبرة أخف قليلًا:)
لارين:
"بس... لما ترجعي... احكيلي عن غزل دي."
(تبتسم أمينة، تراقبها وهي تغادر.)
أمينة (بهدوء فيه حدس غريب):
"هحكيلك...
يمكن يوم من الأيام... تقابليها بنفسك."
(تتوقف لارين لحظة عند الباب... تلتفت بنظرة قصيرة غامضة... ثم تخرج دون تعليق.)
(تعود أمينة للنافذة، تنظر إلى السماء التي بدأت تظلم.)
أمينة (بهمس خافت):
"يا رب... اجعلها زيارة خير..."
**********************
في القاهرة ، فيلا الشرقاوي 
كانت ميار تجلس وحدها على مقعد خشبي في حديقة قديمة خلف الفيلا، المكان الذي كانت تأتي إليه دائمًا عندما تريد الهروب من ضجيج العائلة.
شعرها منسدل على كتفيها، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء الذي كانت تخفيه طوال الأشهر الماضية.
تضم يديها إلى صدرها... ثم تهمس بصوت مكسور:
ميار (بهمس):
"ليه يا ماما...؟ ليه عملتي كده فيا؟... وفي غزل؟"
صمت...
ثم تضحك ضحكة قصيرة متقطعة، أشبه بالبكاء.
ميار:
"أنا كنت بقول لنفسي يمكن في سوء فهم... يمكن في حد بيكدب... يمكن... يمكن ماما مستحيل تعمل كده..."
ترفع رأسها فجأة، كأنها ترى والدتها أمامها.
ميار (بصوت أعلى، مرتجف):
"بس انتي اعترفتي! قدامنا كلنا... قولتي إنك... إنك كنتي بتكرهيني أنا!"
تقف فجأة من مكانها، والغضب يشتعل في عينيها.
ميار (تصرخ):
"أنا بنتك يا ولاء! بنتك! ازاي تكرهيني؟! ازاي تبصيلي وتقولي إنك عمرك ما حبتيني؟!"
تبدأ دموعها تنهمر بقوة.
ميار:
"أنا كنت بعمل كل حاجة عشانك... كنت بذاكر عشانك... كنت بضحك عشانك... حتى لما كنتي بتزعقيلي... كنت بقول ماما متضايقة بس..."
تضغط على قلبها بيدها.
ميار (بألم شديد):
"بس طلعتي بتكرهيني من الأول... عشان اسمي؟... عشان أنا اتسميت على اسم عمتي؟... للدرجة دي الغيرة خلتك تشوفي بنتك عدوة؟!"
صمت ثقيل...
الهواء يمرّ ويحرك شعرها، كأن الليل كله يسمعها.
ميار (بصوت منخفض لكن حاد):
"وأكتر حاجة... أكتر حاجة وجعتني... مش إنك كرهتيني..."
ترفع عينيها ببطء.
ميار:
"إنك كنتي السبب في خطف غزل... أختي... صاحبتي... روحي..."
تشهق بقوة.
ميار:
"كنتي عايزة تأذيها بس عشان تغلطي في عمتها؟! عشان الحقد؟! وصلتي لكده؟!"
تغلق عينيها بقوة وتصرخ:
ميار:
"إنتي مش أمي!!!"
صدى صوتها يتردد في الحديقة.
تتنفس بسرعة... ثم تقول بصوت مكسور:
ميار:
"الأم... الأم بتخاف على بنتها... بتحبها... بتحميها... مش بتبيعها... مش بتكرهها..."
تسكت لحظة... ثم تمسح دموعها بيد مرتجفة.
ميار (بهدوء مؤلم):
"أنا... من النهاردة... مليش أم اسمها ولاء."
تنظر للأمام كأنها تواجهها للمرة الأخيرة.
ميار:
"أنا بتبرأ منك... من اسمك... من دمك..."
دمعة أخيرة تنزل من عينها.
ميار (بصوت خافت جدًا):
"أنا هفضل ميار... بنت العيلة اللي حبتني... بنت الناس اللي وقفت جنبي...
بس... مش بنتك إنتي."
تجلس ببطء على المقعد من جديد... منهارة...
وتدفن وجهها بين يديها، بينما صوت بكائها المكتوم يمتزج بصمت الليل.
**********************

بينما كانت ميار تدفن وجهها بين يديها وتبكي بصمت...
يُسمع صوت خطوات خفيفة على الحصى...
تتوقف الخطوات خلفها...
وصوت دافئ، مكسور قليلًا، يهمس:
غزل (بهدوء):
"ميار..."
ترتجف كتفا ميار فور سماع الصوت...
لكنها لا ترفع رأسها.
غزل تقترب ببطء... تجلس بجانبها على المقعد...
تنظر إليها بحزن عميق... ثم تضع يدها برفق على كتفها.
غزل:
"كنت حاسة إنك هنا..."
صمت...
ميار (بصوت مخنوق):
"ما كنتش عايزة حد يشوفني كده..."
غزل (بحنان):
"أنا مش حد... أنا غزل."
ترفع ميار وجهها ببطء... عيناها متورمتان...
تنظر لغزل لثانية واحدة... ثم فجأة...
ترتمي في حضنها بقوة.
ميار (بانهيار):
"أنا تعبت يا غزل... تعبت أوي..."
تضمها غزل بقوة، تمسك رأسها وتربّت على شعرها.
غزل (بصوت مكسور):
"أنا عارفة... عارفة يا قلبي..."
ميار (تبكي):
"أنا كنت فاكرة مهما حصل... ماما بتحبني... حتى لو كانت قاسية... حتى لو كانت بتزعق... بس... بس تطلع بتكرهني؟!"
تشدد غزل احتضانها.
غزل:
"ميار... اللي قالته... اللي عملته... ده مش ذنبك... ولا له علاقة بيكِ."
ميار (بألم):
"بس أنا بنتها... المفروض تحبني... صح؟... المفروض أكون أهم حد عندها..."
تسكت لحظة... ثم تقول بصوت مكسور جدًا:
ميار:
"أنا حاسة إني مرفوضة... من أمي نفسها..."
ترفع غزل وجهها بين يديها، وتنظر في عينيها بجدية.
غزل:
"اسمعيني كويس... إنتِ مش مرفوضة... إنتِ أكتر واحدة محبوبة في العيلة كلها."
تمسح دموعها بإبهامها.
غزل:
"أنا... أنا كنت ممكن أموت بسبب اللي حصل... لكن أكتر حاجة كانت بتخليني أقاوم... إنك كنتي معايا... فاكرة؟"
تهز ميار رأسها ببطء وهي تبكي.
غزل (تبتسم بحزن):
"إنتِ مش بس بنت خالي... إنتِ أختي... روحي... نصي التاني..."
تتجمد ميار للحظة... تنظر لغزل وكأنها تتشبث بكلماتها.
ميار (بهمس):
"طب ليه ماما عملت فيكي كده...؟"
تنخفض نظرة غزل قليلًا... لكن صوتها يظل ثابتًا:
غزل:
"لأنها مريضة بالحقد... مش لأنها قوية... ولا لأنها على حق..."
ثم ترفع عينيها من جديد.
غزل:
"وفي فرق كبير بين أم حقيقية... وبين واحدة خلت قلبها يعميها."
تتردد ميار... ثم تقول بصوت خافت:
ميار:
"أنا قلت إني بتبرأ منها... بس... قلبي واجعني..."
تبتسم غزل بحزن، وتضع يدها على قلب ميار.
غزل:
"وجعك طبيعي... لأنك إنسانة طيبة... بتحبي بجد... مش زيها."
ثم تضيف بنبرة حازمة مليئة بالحب:
غزل:
"بس من النهاردة... إنتِ مش لوحدك أبدًا..."
تشدها إلى حضنها مرة أخرى.
غزل:
"أنا... ماما... خالو أدهم... سليم... العيلة كلها... إحنا عيلتك... وإحنا اللي هنحبك... وهنعوضك عن كل وجع شوفتيه."
تبدأ دموع ميار تهدأ تدريجيًا... وتتمسك بغزل بقوة.
ميار (بصوت مرتعش):
"أنا بحبك يا غزل..."
غزل (تبتسم وتضمها):
"وأنا بعشقك يا ميار..."
يسود الصمت...
لكن هذه المرة... ليس صمت الألم...
بل صمت حضنٍ يعيد ترميم قلبٍ كاد أن ينكسر للأبد 
************************

كانت ميار ما تزال في حضن غزل... أنفاسها بدأت تهدأ...
وفجأة...
يأتي صوت تصفيق بطيء من خلفهما 
صوت ساخر:
"واااو... مشهد مؤثر جدًا... بس عندي سؤال بسيط!"
تتجمد الفتاتان لحظة... ثم تلتفتان معًا...
ليظهر سليم واقفًا، يضع يديه على خصره، وينظر إليهما بعينين ضيقتين وابتسامة متصنعة.
سليم (بغيرة مصطنعة):
"هو أنا خطيب مين فيكم بالضبط؟! ولا أنا خارج المنافسة؟!"
تنظر إليه ميار بدهشة... ثم تنفجر ضاحكة رغم دموعها.
ميار (تمسح دموعها وهي تضحك):
"إنت بتقول إيه يا بني آدم؟!"
يتقدم سليم بخطوات درامية، يشير إلى غزل:
سليم:
"أنا جيت من بعيد... لقيت خطيبتي في حضن واحدة تانية... قدامي! كده عيني عينك!"
ترفع غزل حاجبها بسخرية.
غزل:
"واحدة تانية؟! دي أنا يا بني..."
سليم (بتمثيل مبالغ):
"مش مهم! المبدأ واحد! أنا مغدور بيا عاطفيًا!"
تضحك ميار أكثر، ثم تقف أمامه وتضربه بخفة على ذراعه.
ميار (بحدة متصنعة):
"أولًا يا أستاذ... إنت خطيبي... مش جوزي... عشان تيجي تحاسبني على أحضاني!"
يمسك سليم قلبه وكأنه أصيب بطعنة.
سليم:
"يا نهار أبيض! بتقولها بكل برود! يعني أنا ولا حاجة؟!"
ميار (ترفع ذقنها بمكر):
"آه ولا حاجة... لحد ما تبقى جوزي بقى... ابقى اتكلم."
يتنهد سليم بحزن مصطنع... ثم يجلس على المقعد بجانبهم، ويقول بنبرة درامية:
سليم:
"طيب أحب أبلغكِ رسميًا... إن خالكِ العزيز... الأستاذ أدهم... وافق على خطوبتنا..."
تتسع عينا ميار قليلًا.
سليم يكمل بسرعة:
"بس بشرط صغير خالص... خالص خالص..."
غزل (تضحك):
"أكيد في مصيبة جاية... قول."
سليم (بتمثيل مأساوي):
"الفرح بعد... ثلاث سنين!"
تفتح ميار فمها... ثم تنفجر ضاحكة.
ميار:
"ثلاث سنين؟!"
سليم (يشير لنفسه بحزن):
"آه! عشان نخلص دراستنا ونبقى ناس محترمين..."
ثم يشير إلى غزل وهو يقطب حاجبيه:
سليم:
"شوفي غزل وغيث! الاتنين لسه بيدرسوا... وعندهم طفل كمان! مش اتجوزوا بس!"
تضع غزل يدها على جبينها وتضحك:
غزل:
"إيه المقارنة الظالمة دي؟!"
سليم (بحزن مبالغ):
"يعني هما سبقونا بكل حاجة! وأنا... مستني ثلاث سنين عشان حتى أمسك إيد خطيبتي براحة!"
تضحك ميار وهي تنظر له بنظرة ماكرة... ثم تعقد ذراعيها.
ميار (بهدوء مستفز):
"بصراحة... أنا شايفة إن قرار بابا صح جدًا."
يتجمد سليم في مكانه.
سليم:
"إيه؟!"
ميار (تومئ برأسها بثقة):
"آه طبعًا... التعليم أهم... وأنا موافقة على الثلاث سنين."
سليم (مصدوم):
"إنتِ... إنتِ بتهزري صح؟!"
ميار (تبتسم بخبث):
"لا خالص... وأنا كمان ممكن أخليهم أربع سنين لو حبيت."
سليم (يضع يده على قلبه):
"لاااااا! حرام عليكم! ده أنا قلبي مش هيستحمل البعد ده كله!"
تنفجر غزل ضاحكة، وميار تضحك معه بقوة لأول مرة منذ بداية المشهد.
سليم (ينظر لميار بجدية مفاجئة لكن بعينين حانيتين):
"بس بصراحة... حتى لو استنيت عشر سنين... أنا مستعد... عشانك."
تسكت ميار لحظة... تتلاشى ابتسامتها قليلًا... وتلين ملامحها.
ميار (بصوت دافئ):
"وأنا مش هخليك تستنى لوحدك..."
ثم تبتسم له بخفة.
ميار:
"بس برضو... الثلاث سنين ثابتين."
سليم (يتنهد باستسلام):
"طيب خلاص... هعد الأيام واحدة واحدة..."
غزل (بمرح):
"وأنا هعمل لك تقويم وتحط علامة صح كل يوم!"
يضحكون الثلاثة معًا...
والهواء الذي كان ثقيلًا قبل قليل... أصبح أخف... مليئًا بالدفء والضحك.
ميار تنظر إليهما...
تشعر أن قلبها... رغم كل ما فيه... بدأ يلتئم قليلًا... 
*********************

في القاهرة - مخزن قديم على أطراف المدينة
ريحة الحديد الصدي ماليه المكان...
في النص...
راجل متربّط في كرسي حديد.
بدلته شيك... بس متبهدلة.
والكرافتة مفكوكة كأنها استسلمت قبله.
بس عينيه؟
لسه فيها نفس الوقاحة...
نفس التحدي.
سامح المنصوري.
صوت باب حديد بيتفتح...
صرير طويل يخنق الأعصاب.
يدخل ريان.
ماشي على مهله...
ولا مستعجل... ولا متوتر.
يقفل الباب وراه...
ويقف لحظة.
بيبص لسامح...
مش كأنه شايف راجل... كأنه بيقرا ملف.
سامح يبتسم ابتسامة مستفزة.
سامح:
"آه... أخيرًا نورت."
يميله راسه ويقيسه من فوق لتحت.
"كنت مستني حد تقيل... طلعوا باعتين مندوب توصيل."
ريان ما بيردش.
يقرب...
يسحب كرسي... يحطه قدامه...
ويقعد.
سكون.
سامح يضحك بخفة ويحرّك إيده في القيود.
سامح:
"إيه يا عم؟ هتخوفني بسكوتك؟"
"ولا لسه بتظبط الكلام في دماغك عشان ما تغلطش قدامي؟"
ريان يفتح ملف صغير... من غير ما يبصله.
ريان (هادي):
"سامح المنصوري."
يقلب ورقة.
"مدير جريدة... رسمي."
يرفع عينه عليه:
"وشريك في وساخة كبيرة... تلميع، تغطية، وتهريب."
سامح يصفق ببطء... ساخر.
سامح:
"الله ينور."
يضحك.
"مين بقى اللي محفظك الكلام ده؟"
يقرب شوية:
"ولا حافظه زي العيال في الامتحان؟"
ريان يقفل الملف.
ريان:
"الشنطة فين؟"
سامح يبتسم ببطء... باستمتاع.
سامح:
"آه... دخلنا في الجد."
يميله راسه.
"بس إنت بتسأل كأنك ليك قيمة."
سكون.
ريان عينه في عينه.
ريان:
"الورق اللي كان فيها... رابطك بشبكة العنكبوت الأسود"
سامح (مقاطع، بيضحك):
"العنكبوت الأسود؟!"
يقهقه.
"إيه يا ابني... إنت جاي تمثل فلم اكشن ولا تحقق؟"
ريان ثابت.
ريان:
"اسمها مش فارق."
"اللي فارق... إنك كنت شغال معاهم."
سامح يهدى شوية... ويبصله بنظرة أعمق.
سامح:
"بص يا حبيبي..."
يميل لقدام.
"إنت داخل تثبت نفسك."
"تعمل لقطة... تترقى... تبقى حد."
ابتسامة ناشفة:
"بس المشكلة إنك مش فاهم إنت واقف قدام مين."
ريان يقرب شوية هو كمان.
ريان:
"وأنت فاهم؟"
سكون قصير... تقيل.
سامح يضيّق عينيه.
سامح:
"فاهم إني أكبر منك."
"وأفهم منك."
"وأطلع من هنا قبل ما إنت تفهم إيه اللي حصل."
ريان فورًا:
ريان:
"لا... مش فاهم."
لحظة.
أول مرة سامح ما يضحكش فورًا.
ريان:
"لو كنت فاهم بجد..."
يقرب صوته:
"ما كنتش مسكت الشنطة بإيدك."
ضربة.
سامح يثبت لحظة... بعدها يرجع يبتسم.
سامح:
"أو يمكن كنت واثق إن محدش هيعرف يمسكني."
ريان:
"أو صدقتهم زيادة عن اللزوم."
السكون يتقل.
صوت المروحة يخرّش في الجو.
سامح يبتسم... بس عينه بقت مركزة.
سامح:
"إنت بتحاول تستفزني؟"
ريان:
"لا."
"بفهمك بس."
سكتة.
ريان:
"إنت مش شريك."
"إنت أداة."
الكلمة تقع تقيلة.
سامح يضحك... ضحكة أقصر.
سامح:
"وأنت بقى؟ البطل؟"
ريان يقوم بهدوء... يلف حواليه.
ريان:
"أنا الوحيد هنا اللي فاهم إنت في مصيبة."
يقف وراه.
ريان (واطي):
"الناس اللي شغال معاهم..."
"ما بيسيبوش شهود."
سامح يبص قدامه... الابتسامة لسه موجودة... بس أهدى.
سامح:
"يبقى تخلصوا مني وخلاص."
ريان يقرب من ودنه:
ريان:
"مش إحنا."
سكون.
ريان:
"هم."
لحظة تقيلة...
سامح يبلع ريقه بس من غير ما يبين.
ريان يرجع يقف قدامه.
ريان:
"لما يخلص دورك..."
"هتبقى تقيل عليهم."
"وعارف بيعملوا إيه في التقيل."
سامح يحاول يضحك:
سامح:
"بتخوفني يعني؟"
ريان يهز راسه.
ريان:
"لا."
"بديك فرصة."
سكون.
ريان يتحرك ناحية الباب... يفتح القفل.
سامح (بصوت أعلى):
"رايح فين؟!"
"مش خلصنا!"
ريان يقف... من غير ما يلف.
ريان:
"إنت اللي خلصت."
لحظة...
ريان:
"اختفي... لو تعرف."
يفتح الباب.
هوا بارد يدخل...
ريان يخرج...
ويقفل الباب.
سكون.
تقيل.
سامح يبص للباب...
ابتسامته ترجع...
بس أبطأ.
أضعف.
يبص للحيطة...
للضل...
كأنه شبكة.
يهمس:
سامح:
"أنا أداة؟..."
وبعدين يبتسم نص ابتسامة:
"يبقى لازم أسبقهم."

*********************
في مصر - في فيلا عائلة غيث
أشعة الشمس تتسلل بخفة من النوافذ الكبيرة...
رائحة القهوة والخبز الطازج تملأ المكان... وصوت ملاعق الأطباق يخلق إيقاعًا منزليًا هادئًا.
على طاولة الإفطار يجلس رمزي يقرأ الجريدة، وإلى جانبه شيرلين ترتب الأطباق بابتسامة دافئة، بينما أمجد ذو الثماني سنوات يحاول سرًا سرقة قطعة حلوى إضافية.
وفجأة...
صوت خطوات خفيفة على السلم...
ينزل غيث أولًا، يتبعه غزل التي تحمل صغيرها ياسين بين ذراعيها.
ياسين يلمح جدته فورًا... فتلمع عيناه ويبدأ يمد يديه نحوها بلهفة.
شيرلين (تضحك بحب):
"تعالى يا حبيبي... تعالى لتيتا!"
تقترب غزل وتسلّمها ياسين، الذي يستقر فورًا في حضن جدته وكأنه وجد موطنه الطبيعي.
غزل (تبتسم):
"واضح إن حد مش طايقني الصبح وعايز تيته بس."
شيرلين (تضم الطفل وتقبله):
"ده أنا حبيبي... يا روحي يا قلب تيته."
يميل رمزي بالجريدة قليلًا وينظر إليهم بابتسامة فخر.
رمزي:
"صباح الخير يا أبطال الجامعة."
غيث (يجلس ويعدل ساعته):
"صباح النور يا بابا."
غزل:
"صباح الخير."
أمجد (بفم ممتلئ):
"صباح الخير يا غزل! هترجعي بدري النهارده؟"
تنظر غزل لغيث بابتسامة خفيفة.
غزل:
"هنحاول... ليه يا أمجد؟"
أمجد (بحماس):
"عشان خالتو أمينة جاية! ماما قالت هتجيب معانا حلوى كتير!"
تضحك شيرلين.
شيرلين:
"مش عشان الحلوى بس يا أمجد... عشان نعمل يوم عائلي جميل."
تنظر لغيث وغزل بجدية لطيفة:
شيرلين:
"اسمعوا يا حبايبي... حاولوا تخلصوا محاضراتكم وترجعوا بدري النهارده... أمينة جاية تزورنا."
يهز غيث رأسه موافقًا.
غيث:
"حاضر يا ماما... هنحاول نخلص بدري."
تلتفت شيرلين إلى غزل وتربت على يدها.
شيرلين (بحنان):
"وانتي يا غزل... متتعبيش نفسك... ولو حسّيتي بإرهاق ارجعي بدري."
تبتسم غزل لها بعينين ممتنتين.
غزل:
"متقلقيش يا طنط... أنا بخير."
يقف غيث، يأخذ حقيبته، ثم ينظر لياسين الذي يلعب بأصابع جدته.
غيث (بابتسامة):
"خلي بالك من ابننا يا ماما."
شيرلين (بمزاح):
"ابنك؟! ده ابني أنا... أنا اللي هربيه."
غزل تضحك:
"خلاص يا طنط... خدتيه رسمي."
رمزي (بمرح):
"وأنا شاهد على التنازل."
يضحك الجميع.
يتقدم غيث نحو أمه ويقبّل رأسها، ثم ينحني نحو ياسين ويقبّل جبينه الصغير.
غيث (بهمس لابنه):
"خليك شاطر مع تيته."
ثم يلتفت إلى غزل:
غيث:
"يلا؟"
تهز رأسها، تلوّح بيدها لشيرلين.
غزل:
"باي يا ياسين... ماما هترجعلك بسرعة."
يضحك الطفل ويصفق بيديه الصغيرة.
أمجد (يصرخ):
"هاتوا لي حاجة حلوة من بره!"
غيث (وهو يتجه للباب):
"لو نجحت في الواجبات!"
أمجد:
"يووه! طيب ماشي!"
يخرج غيث وغزل من الفيلا...
الشمس تملأ الطريق أمامهما...
ويختلط صوت ضحكات العائلة خلفهما مع بداية يوم جديد... يحمل في طياته أحداثًا لا يتوقعها أحد 
********************

في شركة الشرقاوي - قاعة الاجتماعات الرئيسية
قاعة فخمة... هادية زيادة عن اللزوم.
طاولة طويلة من الخشب التقيل...
وشاشات مليانة أرقام... بس ولا رقم ليه معنى دلوقتي.
الجو مشحون...
مش توتر شغل...
توتر خطر.
كأن في حاجة جاية...
وكلهم حاسين بيها.
على رأس الطاولة...
سليم الشرقاوي.
قاعد... بس مش مرتاح.
ضهره مستقيم... إيده على الطاولة...
وصوابعه بتخبط بخفة... إيقاع عصبي.
عينيه؟
ثابتة... بس فيها نار مستخبية.
على يمينه... إياد
ساكت... بس بيبلع ريقه كل شوية.
على الناحية التانية... إلياس الحديدي
شابك إيديه... بيفكر... بس ملامحه مش مطمنة.
وقريب... أدهم الحديدي 
واقف... مش قادر يقعد أصلاً...
قلقان... مركز على سليم أكتر من أي حد.
قدام الشاشة...
جاسر الحديدي.
واقف بثبات...
بس اللي في عينيه تقيل... مش خبر عادي.
صمت...
ثواني...
تقيلة لدرجة إن صوت النفس مسموع.
جاسر (بهدوء قاطع):
"اللي هقوله دلوقتي... يغيّر كل حاجة إحنا فاهمينها."
عينه تروح مباشرة لسليم.
"ومش في صالحنا."
صوابع سليم تقف فجأة.
سليم (بصوت منخفض وخشن):
"اتكلم."
جاسر يضغط زر...
الشاشة تتغيّر.
شبكة معقدة... خطوط داخلة في بعض...
فوضى... بس متظبطة.
جاسر:
"الملف اللي قفلناه... ما اتقفلش."
سليم يرفع عينه فجأة.
سليم:
"لورانزو."
جاسر يهز راسه:
"لورانزو مات."
سكون.
ثم يضيف:
"بس لورانزو... ما كانش غير وش."
الجملة تقع...
وكل اللي في القاعة يتجمد.
إياد (مشدوه):
"يعني إيه؟"
جاسر:
"يعني اللي كنا بنطارده... ما كانش اللي بيلعب فعلاً."
أدهم (بحدة):
"يبقى مين؟!"
جاسر يبص للشاشة... وبعدين لهم.
جاسر:
"حد كان بيحرّكه."
سكون تقيل.
سليم ينحني لقدام... ببطء...
إيده تضغط على الخشب.
سليم (بصوت واطي جدًا):
"مين؟"
جاسر:
"ما نعرفش."
الجملة تنزل... كأنها خبطت في صدر كل واحد.
إياد (بصوت متوتر):
"ولا اسم؟ ولا صورة؟ ولا أي حاجة؟!"
جاسر:
"ولا حاجة تمسك فيها."
يشاور على الشاشة:
"أوامر بتتنفذ... من غير مصدر."
"تحركات... من غير صاحب."
"وكل مرة... بيختفي قبل ما نوصل له."
أدهم:
"يعني بنتعامل مع شبح؟!"
جاسر:
"لا..."
يرفع عينه ببطء:
"بنتعامل مع دماغ."
صمت.
جاسر:
"دماغ... صبور."
"بيستنى."
"يراقب."
"وبعدين يضرب... ضربة واحدة بس... تكفي."
عين سليم تتحرك ببطء...
وبعدين فجأة:
سليم:
"وغزل؟"
كل العيون تروح له.
الصوت مش عالي...
بس فيه حاجة أخطر من الصراخ.
جاسر يسكت لحظة...
وده لوحده إجابة.
سليم (بحدة مفاجئة):
"رد عليّ!"
جاسر:
"ما نقدرش نأكد-"
سليم (يضرب الطاولة بعنف):
"تأكد أو ما تتأكدش... جاوب!"
القاعة تهتز.
إياد يتنفض...
أدهم يقرب خطوة فورًا.
جاسر يثبت نظره فيه:
جاسر:
"كل اللي حصل قبل كده... غالبًا ما كانش صدفة."
الهواء يتسحب من المكان.
إيد سليم تقبض لدرجة إن عروقه ظهرت.
أنفاسه تعلى...
سليم (بصوت مكسور وغاضب في نفس الوقت):
"يعني... كان بيقرب منها؟!"
ولا حد بيرد.
وده أسوأ رد.
سليم يقوم فجأة... الكرسي يزق وراه بعنف.
سليم (صوته بيعلى):
"لا... لا... لا!"
يمشي خطوتين... يرجع...
مش ثابت.
سليم:
"بنتي دفعت قبل كده!"
"شفتها بعيني وهي بتنهار!"
"ومحدش... محدش كان قادر يعمل حاجة!"
أدهم يمسك كتفه:
أدهم:
"سليم... اهدى-"
سليم (يزقه بإيده):
"ما تقوليش اهدى!"
سكون مفاجئ.
سليم يبص لهم كلهم... عينه محمرة:
سليم:
"إنتوا فاهمين ده معناه إيه؟!"
"في حد... قاعد بيراقب بنتي!"
"مستني لحظة... يغلط فيها... أو أضعف فيها!"
صوته ينخفض... بس أخطر:
سليم:
"وأنا... سايبه؟"
صمت.
جاسر يتكلم بنبرة عملية:
جاسر:
"عشان كده لازم نتحرك صح-"
سليم (قاطعه بعنف):
"مش هتحرك على مزاجه!"
يقرب من الطاولة... يميل عليها:
سليم:
"اللي ورا ده... أيًا كان مين..."
"لو فكر يقرب منها..."
سكتة...
صوته ينخفض جدًا:
"أنا مش هسيبه يتنفس."
الصمت يتكسر.
جاسر يثبت صوته:
جاسر:
"يبقى نلعبها صح."
ينظر للكل:
"من النهارده... مفيش خطوة عشوائي."
يبص لإلياس:
جاسر:
"الشركة... حماية مضاعفة."
إلياس:
"تتنفذ فورًا."
جاسر:
"وغزل..."
يبص لسليم قبل ما يكمل:
"تحت مراقبة 24 ساعة."
إياد:
"حماية ولا مراقبة؟"
جاسر:
"الاتنين."
صمت.
سليم واقف...
صدره بيطلع وينزل...
بعدين ببطء... يمسح وشه بإيده.
يرفع عينه...
نظرة تقطع.
سليم:
"من اللحظة دي..."
سكتة.
"غزل... خط أحمر."
يبص لجاسر مباشرة:
سليم:
"أنا عايز اسمه."
صمت.
سليم:
"حتى لو هنقلب البلد عليه."
"حتى لو هنطلّعه من تحت الأرض."
جاسر يبصله... بثبات:
جاسر:
"هتوصل له."
سكتة.
"وأنا معاك."

************************

في لندن - فيلا ياسر
الساعة كانت تقترب من التاسعة مساءً.
المطر الخفيف يطرق زجاج النوافذ في الخارج...
وهو صوت مألوف في ليالي لندن.
باب المنزل انفتح فجأة.
دخل آدم وهو يحمل حقيبته الرياضية على كتفه... شعره مبلل قليلًا ووجهه متورد من التمرين.
خلع حذاءه بسرعة عند الباب ثم صرخ بصوت عالٍ:
آدم:
"أنا عدت!"
من المطبخ جاء صوت والدته.
ليان:
"اخفض صوتك يا آدم! الجيران ليسوا بحاجة لمعرفة أنك عدت من الحرب."
ضحك آدم وهو يتجه نحو المطبخ.
عندما دخل... استقبله دفء المكان فورًا.
الضوء الأصفر الناعم...
وصوت المقلاة...
ورائحة طعام لذيذة تملأ المكان.
كانت ليان تقف أمام الموقد تقلب الطعام بهدوء.
اقترب آدم منها مثل طفل جائع.
شم الهواء بعمق.
آدم:
"حسنًا... هذا غير عادل."
رفعت ليان حاجبها دون أن تنظر إليه.
ليان:
"ما الذي غير عادل؟"
آدم:
"أذهب للتمرين ساعتين... أعود جائعًا كأنني لم آكل منذ أسبوع... ثم أجدك تطبخين شيئًا رائعًا."
نظر إلى المقلاة.
آدم:
"هل هذا... دجاج بالصلصة؟"
ابتسمت ليان قليلًا.
ليان:
"نعم."
مد آدم يده فورًا ليأخذ قطعة.
لكن قبل أن يلمس الطعام... ضربت ليان يده بخفة بملعقة خشبية.
ليان:
"آدم."
سحب يده بسرعة.
آدم:
"حسنًا! حسنًا! لم ألمس شيئًا!"
ثم ابتسم بمكر.
آدم:
"كنت فقط أتأكد من مستوى الأمان."
ضحكت ليان رغمًا عنها.
ثم نظرت إليه أخيرًا.
ليان:
"كيف كان التمرين؟"
جلس آدم على الكرسي قرب الطاولة... وأسند رأسه للخلف بتعب مبالغ فيه.
آدم:
"مدربي يحاول قتلي."
رفعت ليان حاجبها.
ليان:
"بهذه الدراما لن تصبح لاعبًا محترفًا."
آدم:
"لا... بجد."
جلس بشكل مستقيم.
آدم:
"اليوم جعلنا نجري عشر جولات إضافية."
ثم أشار إلى نفسه بفخر.
آدم:
"لكنني كنت الأسرع."
ابتسمت ليان.
ليان:
"أنا لست متفاجئة."
نظر إليها آدم بشك.
آدم:
"هل تقولين ذلك لأنك أمي... أم لأنني فعلاً رائع؟"
أجابت وهي تضع الأطباق على الطاولة:
ليان:
"القليل من الاثنين."
ضحك آدم.
ثم نظر حوله.
آدم:
"أين أبي؟"
ليان:
"في الشركة... لديه اجتماع متأخر."
هز آدم رأسه.
آدم:
"كالمعتاد."
ثم سأل فجأة:
آدم:
"وماذا عن ريان؟"
ابتسمت ليان ابتسامة خفيفة.
ليان:
"في إيطاليا... في مهمة ميدانية."
تنهد آدم.
آدم:
"البيت هادئ بدونه."
ثم ابتسم بمكر.
آدم:
"لكن الثلاجة أصبحت آمنة."
ضحكت ليان.
ليان:
"ريان لا يأكل كل هذا."
آدم:
"أمي... ريان يأكل مثل دبٍ خرج من سبات شتوي."
ثم أضاف وهو يضحك:
آدم:
"أتذكرين عندما أكل البيتزا التي اشتريتها أنا؟"
ابتسمت ليان.
ليان:
"كانت قطعة واحدة."
آدم:
"كانت قطعتين."
توقفت لحظة.
ثم صحح نفسه:
آدم:
"حسنًا... ربما ثلاث."
وضعت ليان الطعام على الطاولة.
ليان:
"تعال... قبل أن تبرد."
قفز آدم من مكانه فورًا.
جلس وبدأ يأكل بشهية.
بعد لقمتين... قال فجأة:
آدم:
"أمي."
ليان:
"نعم؟"
آدم:
"أنا متأكد أن نصف حماسي للتمرين هو فقط لأعود وآكل طعامك."
ابتسمت ليان... لكن عينيها امتلأتا بدفء واضح.
مدت يدها ورتبت شعره قليلاً.
ليان:
"كُل... أيها الرياضي."
ضحك آدم وهو يواصل الأكل.
**********************
في لندن يهبط ببطء فوق الأبراج الزجاجية.
في الطابق الثلاثين من مبنى أنيق في الحي المالي، كانت الأضواء ما تزال مضاءة في مكتب واحد فقط.
مكتب ياسر.
المكان هادئ...
إلا من صوت المطر وهو ينقر الزجاج.
جلس ياسر خلف مكتبه الواسع، سترته معلقة على الكرسي، وأكمام قميصه مرفوعة قليلًا. أمامه شاشة كبيرة مضاءة.
تظهر عليها صور...
تقارير...
وأسماء.
صورة توقفت عندها الشاشة.
امرأة أنيقة ترتدي فستانًا فاخرًا... تقف وسط حفلة صاخبة، تضحك وهي ترفع كأسًا من الشمبانيا.
دارين.
وقف رجل آخر قرب المكتب يحمل جهازًا لوحيًا.
إنه مساعده الشخصي أليكس.
قال بهدوء عملي:
"التقارير الأخيرة وصلت."
لم يرفع ياسر عينيه عن الشاشة.
"وماذا تقول؟"
فتح أليكس الملف.
"السيدة دارين حضرت ثلاث حفلات هذا الأسبوع... اثنتان في القاهرة وواحدة في الساحل."
توقف لحظة ثم أضاف بنبرة جافة:
"لا يبدو أنها تعيش حياة مليئة بالقلق."
لم يبتسم ياسر...
لكن شيئًا باردًا مرّ في عينيه.
أدار الكرسي قليلًا نحو النافذة.
الأضواء البعيدة للمدينة كانت تتلألأ كبحر من النجوم.
قال بهدوء:
"الناس الذين يعيشون دون قلق... عادةً لم يُسألوا الأسئلة الصحيحة بعد."
أليكس فهم الإشارة.
"هل نبدأ المرحلة التالية؟"
ظل ياسر صامتًا للحظة.
ثم عاد بنظره إلى الشاشة... إلى صورة دارين وهي تضحك في الحفلة.
ضحكة صاخبة... متكلفة... خالية من أي خوف.
قال ببطء:
"ليس بعد."
اقترب أليكس قليلًا.
"أنت تراقبها منذ أشهر."
أجاب ياسر دون أن ينظر إليه:
"واحد وعشرون عامًا."
ساد الصمت للحظة.
أليكس لم يسأل... لكنه فهم أن خلف تلك الجملة قصة أقدم بكثير من هذه الملفات.
أغلق ياسر الصورة على الشاشة... وفتح ملفًا آخر.
تقارير... تواريخ... تحركات.
أغلقه مرة أخرى.
ثم قال بهدوء:
"عندما تبدأ الحقيقة بالخروج... يجب أن تكون كاملة."
اقترب من النافذة.
المطر كان أقوى الآن.
نظر إلى المدينة بصمت طويل... كأنه يرى مكانًا آخر بعيدًا عنها.
بيوت قديمة...
حديقة...
وجوهًا لم يرها منذ زمن طويل.
انقبض فكّه قليلًا.
قال بصوت منخفض:
"الأسوأ من الخيانة..."
توقف.
ثم أكمل:
"أن يصدقها الجميع."
أليكس لم يعلّق.
بعد لحظة... سأل:
"هل تريد أن أتابع المراقبة بنفس الوتيرة؟"
أومأ ياسر.
"لا تقتربوا منها."
"فقط راقبوا."
ثم أضاف:
"كل شيء."
عاد إلى مكتبه وجلس.
فتح درجًا صغيرًا وأخرج صورة بإطار بسيط.
في الصورة...
ريان وآدم.
ريان يقف بهدوء... بملامحه الجادة المعتادة.
وآدم يضحك كأنه لا يعرف معنى الصمت.
نظر ياسر إلى الصورة للحظات.
قسوة ملامحه هدأت قليلًا.
قال بهدوء:
"أليكس."
"نعم سيدي؟"
"هل عاد آدم من التدريب؟"
تفاجأ أليكس بالسؤال.
"أعتقد ذلك... الساعة الآن التاسعة."
أخذ ياسر هاتفه وكتب رسالة قصيرة.
ثم وضع الهاتف جانبًا.
قال دون أن ينظر:
"تأكد أن جدول الأسبوع القادم لا يتعارض مع عطلة نهاية الأسبوع."
سأل أليكس:
"بسبب السفر؟"
أجاب ياسر:
"لا."
ثم أضاف بهدوء:
"سأقضي الوقت مع أولادي."
توقف لحظة... ثم قال بنبرة حازمة:
"العالم يمكنه أن يكذب كما يشاء."
رفع عينيه أخيرًا.
وفيهما صلابة رجل تعلم الدرس جيدًا.
"لكن إن وقف أحدهم أمامي يومًا واتهم أحد أبنائي بشيء..."
صمت قصير.
ثم قال ببطء شديد:
"سأكون آخر رجل يصدق ذلك."
ساد الصمت في المكتب.
خارج النافذة...
كانت لندن تمطر بغزارة.
أما داخل المكتب...
فكان رجل واحد فقط يجلس هناك.
هادئًا.
صلبًا.
ينتظر... الوقت المناسب.
************************

في مصر - حرم الجامعة، 
صوت الطلاب يملأ المكان... ضحكات، خطوات، ودفاتر تُفتح وتُغلق...
وفي وسط هذا الزحام... تدخل غزل بجانب غيث... تمشي بخطوات هادئة لكن عينيها تلمعان بشيء جديد... مزيج من الحنين والعودة والانتصار الصغير.
غيث (ينظر حوله مبتسمًا):
"أول يوم رجوع رسمي... جاهزة يا مدام؟"
غزل (ترفع حاجبها):
"مدام مين؟ ركّز في كلامك وإحنا في الجامعة."
يضحك غيث بخفة.
غيث:
"حاضر يا آنسة... بس آنسة ومعاها طفل في البيت."
تضربه غزل بخفة على ذراعه.
غزل:
"اسكت!"
وقبل أن يكمل حديثه...
صوت عالي من بعيد:
"أهوووو! العيلة المثالية وصلت!"
يلتفتان...
ليجدا سليم واقفًا على الدرج، يضع يديه على خصره وكأنه ينتظرهم منذ الفجر، وبجانبه ميار وبعض الأصدقاء.
سليم (بصوت درامي):
"شوفوا يا جماعة... غزل وغيث... متجوزين... وعندهم طفل... ولسه بيدرسوا!"
يتنهد بعمق مبالغ فيه.
سليم:
"وأنا... خاطب من سنة... ولسه قدامي ثلاث سنين عشان أتجوز!"
تنفجر ميار ضاحكة وتضربه على كتفه.
ميار:
"بلاش دراما بقى يا سليم!"
سليم (يشير إليها باتهام):
"اسكتي إنتِ! إنتِ المتآمرة الأساسية في الموضوع!"
غزل تضحك:
"إيه اللي حصل؟ لسه زعلان من قرار خالو أدهم؟"
يضع سليم يده على قلبه وكأنه مصاب بجرح عاطفي عميق.
سليم:
"زعلان؟! ده أنا اتدمرت! ثلاث سنين يا غزل! ثلاث سنين!"
غيث (بابتسامة ساخرة):
"استحمل... إحنا استحملنا واهو بقينا زي الفل."
سليم ينظر له بغيظ مصطنع:
"لا... إنتوا حالة شاذة! إنتوا كاسرين كل القواعد!"
يرفع يده يعدّ على أصابعه:
سليم:
"بتدرسوا... متجوزين... وعندكم طفل... ناقص إيه؟ تفتحوا شركة كمان؟!"
غزل (تضحك):
"ليه لأ؟ فكرة حلوة."
سليم (يصرخ):
"شفتوا؟! حتى الطموح سابقني!"
يقترب من غيث ويخفض صوته بتآمر:
سليم:
"قول لي بصراحة... عملت إيه عشان أبوها يوافق لك بسرعة كده؟"
غيث يبتسم بثقة:
"حبها كويس... وبس."
يسكت سليم لحظة... ثم يزفر:
سليم:
"يا سلام! وأنا بحب ميار إيه؟ حب من الدرجة التانية؟!"
ميار (تعقد ذراعيها بمكر):
"لا... بس بابا عايز يتأكد إنك تستاهلني."
سليم (بتمثيل مصدوم):
"أستاهلك؟! ده أنا جائزة عالمية!"
يضحك الجميع.
أحد الأصدقاء يقول:
صديق:
"يا عم سليم... اعتبرها فترة اختبار."
سليم:
"اختبار ثلاث سنين؟ ده دكتوراه مش خطوبة!"
تضحك غزل وهي تمسك ذراع غيث.
غزل:
"بصراحة... أنا مع خالو أدهم."
يتجمد سليم.
سليم:
"إنتِ كمان؟!"
غزل (بابتسامة بريئة):
"آه... خليكم تتربوا شوية."
ميار تضحك وتضيف:
"وأنا كمان مع بابا طبعًا."
يضع سليم يده على رأسه:
سليم:
"اتنين ضدي! خيانة عائلية رسمية!"
غيث (يربت على كتفه):
"شد حيلك... باقي لك 1095 يوم بس."
سليم (ينظر له بصدمة):
"إنت حسبتها؟!"
غيث:
"طبعًا... عشان أفضل أذكرك."
تنفجر المجموعة كلها بالضحك.
تنظر ميار إلى غزل بعينين دافئتين:
ميار:
"مبسوطة إنك رجعتي يا غزل... الجامعة من غيرك كانت ناقصة."
تبتسم غزل لها ابتسامة صادقة... فيها امتنان وحنين:
غزل:
"وأنا أكتر... كنت محتاجة أرجع."
ينظر سليم إليهما... ثم يرفع يديه باستسلام:
سليم:
"خلاص... طالما الكل رجع... نبدأ سنة دراسية جديدة... وأنا أبدأ العد التنازلي لمعاناتي."
غيث (بضحك):
"شد حيلك يا عريس المستقبل."
سليم:
"مستقبل بعيد جدًا!"
تتعالى الضحكات...
والشمس تضيء وجوههم...
وكأن الجامعة... تعود للحياة بعودتهم...
دون أن يعلموا أن خلف هذا الصباح المرح... عاصفة تقترب بصمت... 
***********************
تخفت الضحكات تدريجيًا...
وغزل ما زالت تبتسم، لكنها فجأة تتلفت حولها... كأنها تبحث عن وجهين مألوفين بين الزحام.
تضيق عيناها قليلًا... ثم تقول:
غزل (بتساؤل):
"على فكرة... فين كريم وياسمين؟"
ينظر الجميع لبعضهم لحظة...
وسليم فجأة يضع يده على قلبه... وكأن سؤالها أصابه في مقتل.
سليم (بصوت مكسور تمثيليًا):
"آه... فتحتي الجرح يا غزل..."
غيث (يضحك):
"جرح إيه بس؟ رد عليها."
يتنهد سليم بعمق... ثم يرفع يده إلى السماء وكأنه يخاطب القدر:
سليم:
"كريم... وياسمين... اتجوزوا."
تفتح غزل عينيها بدهشة.
غزل:
"بجد؟! إمتى؟"
ميار (تبتسم):
"من كام شهر... بعد ما خلصت السنة على طول."
غزل (بحماس وفرحة):
"ياااه! طب حلو جدًا... بس فين هم دلوقتي؟"
سليم يقترب خطوة... ويشير بإصبع درامي نحو الأفق:
سليم:
"في لندن."
غيث:
"لندن؟"
ميار:
"آه... والد كريم جاله شغل هناك... وسافروا كلهم واستقروا."
تهز غزل رأسها بابتسامة دافئة:
غزل:
"ربنا يوفقهم... كانوا يستاهلوا."
لكن سليم... لا يزال واقفًا كتمثال مأساوي.
فجأة يضع يده على جبينه ويبدأ تمثيلًا مبالغًا فيه:
سليم (بصوت عالٍ):
"شوفوا الظلم! شوفوا المؤامرة الكونية ضدي!"
يضحك الأصدقاء.
غيث:
"بدأنا..."
سليم (يشير لغزل وغيث):
"دول اتجوزوا... وعندهم طفل!"
ثم يشير في اتجاه وهمي:
سليم:
"كريم وياسمين... اتجوزوا وسافروا لندن!"
ثم يشير لنفسه بكل درامية:
سليم:
"وأنا؟!"
يصمت لحظة... ثم يصرخ:
سليم:
"أنا لسه خاطب! ومش مسموح لي أتجوز غير بعد ثلاث سنين!"
تنفجر ميار ضاحكة وتغطي وجهها بيدها.
ميار:
"والله إنت حالة!"
سليم (يشير لها باتهام):
"إنتِ السبب الأول في معاناتي!"
غزل (تضحك):
"حرام عليك يا سليم... دي بتحبك."
سليم:
"عارف إنها بتحبني... بس بتحب قرار باباها أكتر!"
ميار (بمكر وهي تعقد ذراعيها):
"طبعًا... لأنه الصح."
سليم (يصرخ دراميًا):
"أنا محاط بأعداء!"
غيث (يربت على كتفه):
"اصبر... لما تتجوز هتنضم للنادي."
سليم (ينظر له بغيرة مصطنعة):
"أنا عايز أنضم دلوقتي! مش بعد 1095 يوم!"
أحد الأصدقاء:
"عدّ الأيام يا عم."
سليم:
"بعد اللي حصل... هبدأ أعد بالساعات!"
تضحك غزل وتربت على ذراعه.
غزل:
"بص يا سليم... لما تتجوز... هنعمل لك فرح أسطوري يعوضك عن التأخير."
تلمع عيناه فجأة.
سليم:
"وهيبقى أكبر من فرحكم؟"
غيث بسرعة:
"لا طبعًا."
سليم:
"خلاص مش عايز!"
تنفجر المجموعة كلها بالضحك مرة أخرى.
تبتسم غزل وهي تنظر حولها...
المكان... الأصدقاء... الضحكات...
رغم الغياب... الحياة مستمرة...
لكن في قلبها... دعاء صامت...
أن تبقى هذه اللحظات خفيفة...
ولا تمسها العاصفة القادمة. 
*********************
غرفة القعدة في فيلا العيلة كانت هادية بشكل غريب مع هدوء المساء. الستاير نص مقفولة، ونور الأباجورات الخافت سايب ضوء دافي على العفش الفخم.
كانت دارين قاعدة على الكنبة وماسكة الموبايل بإيد مشدودة. ملامحها متوترة وعينيها مولعين غضب.
وطّت صوتها شوية وهي بتتكلم في التليفون، لكن حدّة كلامها كانت باينة.
"قلتلك خلاص الموضوع انتهى... ما تتصلش بيا تاني."
جالها صوت الراجل من الناحية التانية وهو بيضحك ضحكة باردة.
"انتهى؟ بعد كل اللي عملته علشانك؟ بعد الأدلة اللي أنا لفّقتها لك؟"
قبضة دارين على الموبايل شدت أكتر، لدرجة إن صوابعها ابيضّت.
"إنت كنت مجرد اداه. أخدت فلوسك وخلاص دورك خلص."
ضحك الراجل بسخرية.
"بس الأسرار يا دارين ما بتخلصش... خصوصًا سر زي اللي دفنتيه من واحد وعشرين سنة."
لمعت عينيها بنظرة خطيرة.
"خلي بالك إنت بتتكلم إزاي."
"وليه؟ خايفة يعرفوا إن الواد اللي طردوه من العيلة كان بريء؟"
عيني دارين وسعت للحظة، وبعدها قالت بعصبية وهي بتقوم واقفة:
"كان هيفضحني! فاهم؟! كان عارف كل حاجة!"
في اللحظة دي كانت هايدي ماشية في الطرقة اللي بتوصل للصالون. وقفت لما سمعت صوت دارين العالي. ما كانتش ناوية تتنصت... بس الكلام اللي وصلها خلّاها تتجمد مكانها.
جوا الصالون، دارين كملت كلامها بانفعال.
"كان عارف خطتي مع ميار. كان هيقول لسليم على كل حاجة. لو كان عمل كده كان كل حاجة هتخلص بالنسبة لي!"
الراجل قال ببرود:
"تقصدِي خطتك إنك تخدري ميار وتوقعِيها معايا عشان سليم يشوفها؟"
دارين انفجرت ضحك بمرارة.
"بالظبط! كان هيصدق إن مراته بتخونه... والعيلة كلها كانت هتقف ضدها."
وبعدين كملت بسخرية قاسية:
"بس الغبي ياسر ظهر فجأة وبوظ كل حاجة. كان خلاص هيكشف الحقيقة."
سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة مليانة احتقار:
"ما كانش قدامي اختيار... كان لازم أتخلص منه."
في الطرقة، عيني هايدي وسعت بصدمة. حست كأن الأرض بتتهز تحت رجليها.
جوا، دارين كملت كلامها من غير ما تعرف إن في حد سامعها.
"زورت الأدلة بسهولة. شوية صور... شوية كدب... والكل صدقني."
ضحكت ببرود.
"الأغبياء صدقوا إن ياسر حاول يعتدي على ميار. حتى ميار نفسها قرفت منه."
وبسخرية لاذعة قالت:
"أما زياد... اللي مفيش اعبط منه... بص لتوأمه كأنه وحش."
إيد هايدي ارتعشت. قلبها بدأ يدق بسرعة.
دارين كملت من غير رحمة:
"طردوه من العيلة... كأنه كلب ضال. وخلاص خلص الموضوع."
الراجل قال:
"بس السر ما خلصش يا دارين."
ردت بعصبية:
"محدش هيعرف حاجة. عدّى واحد وعشرين سنة."
وبثقة باردة أضافت:
"ياسر اختفى... والحقيقة اتدفنت معاه."
في اللحظة دي هايدي ما قدرتش تفضل ساكتة.
حست بغثيان.
كل السنين دي... كل النظرات اللي اتوجهت لياسر... كل الألم اللي حصل للعيلة...
كان كدب.
كله.
حطّت إيدها على بُقها عشان تمنع نفسها تطلع صوت.
عينيها املت دموع... بس الغضب كان أقوى.
همست لنفسها بصوت مهزوز مليان اشمئزاز:
"يا نهار أسود... إنتِ عملتي إيه...؟"
بصّت ناحية الباب المقفول اللي وراه دارين.
وفي عينيها ولع غضب عمرها ما حسّت بيه قبل كده.
المشهد بيقف هنا...
وهايدي واقفة في الطرقة... مصدومة، وغضبانة، واكتشفت أخيرًا الحقيقة اللي اتدفنت من واحد وعشرين سنة.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة