
بقلم سيليا البحيري
في فيلا عائلة البحيري...
كان الصمت ثقيلاً... كثيفًا... كأنه يسبق انفجارًا وشيكًا.
الهواء نفسه بدا متجمّدًا.
وفجأة-
فُتح الباب ببطء.
صرير خافت... لكنه اخترق السكون كطعنة.
ودخل...
ياسر.
بدلته الداكنة كانت أنيقة كعادته... خطواته ثابتة، محسوبة... رأسه مرفوع بثقة لا تهتز...
لكن عينيه-
كانتا تحكيان شيئًا آخر.
شيئًا أعمق... أظلم... وأكثر ألمًا.
تجمّد المكان.
شهقة خرجت من صدر وفاء دون وعي:
"ياااسر...!"
ارتجفت يدها، وارتفعت لتغطي فمها، بينما تجمعت الدموع في عينيها بسرعة مؤلمة... كأنها كانت تنتظره منذ زمن.
أما ملك-
فانتفضت واقفة:
"أخويا...!"
خطت نحوه خطوة... خطوة مليئة بالشوق... بالاشتياق...لكنها توقفت فجأة.....شيء في الجو...في نظراته...أوقفها....هذا لم يكن لقاء عاديًا.
في الجهة الأخرى
اندفع ممدوح واقفًا بعنف، حتى كاد الكرسي يسقط خلفه.
عروقه برزت، وصوته خرج كالرعد:
"إنت...؟! إيه اللي جابك هنا؟!"
وتبعه محمود، بصوت أشد حدة:
"مين سمحلك تدخل البيت ده؟!"
نظرات الكره لم تتغير.
لم تخفت.
بل بدت... كأنها كانت تنتظره.
أدهم تقدّم خطوة، نظرته مليئة بالاحتقار:
"مش كفاية اللي عملته؟!"
أما سيف ومازن...فبقيا صامتين...لكن صمتهما كان أبلغ من أي كلام....وزياد...كان مختلفًا.....واقف في مكانه، ينظر إلى....ياسر بنظرة معقدة...مكسورة... غاضبة...ومليئة بشيء لم يمت... رغم كل شيء.....أما هايدي...فكانت تراقب بهدوء غريب...هدوء شخص يعرف الحقيقة... كلها....في وسط هذا التوتر...وقف ياسر.....لم يتكلم فورًا.....ترك عينيه تمرّ على الجميع... ببطء...واحدًا... واحدًا...كأنه يعدّهم... أو يقيّمهم....حتى توقفت عند...أمه.....وفاء....دموعها كانت تنهمر الآن بلا توقف.
شفتاه ارتجفتا للحظة-
لحظة صغيرة جدًا... بالكاد تُرى...ثم اختفت.....عاد وجهه باردًا... قاسيًا... بلا ملامح.....وقال بهدوء قاتل:
"واضح... إنكم ما نسيتوش."
صمت قصير... ثقيل.
ثم أضاف بابتسامة خفيفة... مرعبة:
"ولا حتى حاولتوا تفهموا."
"مفيش حاجة تتفهم!"
صرخ ممدوح، صوته يهتز بالغضب:
"إنت عار علينا!"
شيء ما اهتز في عيني ياسر...
لثانية واحدة فقط...
ثم... مات.
"عار؟"
كررها بهدوء غريب.
ثم ضحك ضحكة قصيرة... فارغة من أي حياة:
"غريبة... عار من غير ما تسمع؟"
اقتربت نظرته من ممدوح، حادة كالسكاكين:
"ولا تصدق؟"
"كفاية!"
انفجر أدهم:
"إنت مش جاي تبرر... إنت جاي تهدد!"
تقدم نحوه خطوة، نبرة صوته مشحونة:
"بس حابب أقولك حاجة... إنت ولا حاجة هنا."
عم الصمت لثانية... ثانيتين...
ثم رفع ياسر رأسه قليلًا...
وعيناه أصبحتا مظلمتين بشكل مخيف.
"أنا فعلاً..."
قالها بهدوء.
وتقدم خطوة للأمام.
"ولا حاجة."
ثم انخفض صوته... صار كفحيح بارد:
"بس اللي جاي... هيخليكم تتمنوا إني ما رجعتش."
تجمّد الجميع.
"إنت بتهددنا؟!"
قالها محمود بغضب مشتعل.
"لا."
رد ياسر بهدوء مرعب.
"أنا بوعدكم."
ثم-
تحركت عيناه نحو زياد.
نظرة طويلة... عميقة...
مليئة بذكريات... بأسرار... بشيء لم يُقال.
"فاكر؟"
همسها.
قبض زياد يده بقوة، وصوته خرج متوترًا:
"ما تلعبش اللعبة دي معايا."
"أنا مش بلعب."
فجأة-
اندفع أدهم نحوه:
"أنا هخلص عليك-"
لكن-
"قف! مكانك اوعك تتحرك "
صوت نسائي حاد... قوي... قطع المشهد كالسيف.
التفتت كل الرؤوس.
دخلت... ليان.
خطواتها واثقة... هادئة...
لكنها تحمل قوة لا يمكن تجاهلها.
وقفت بجانب ياسر مباشرة.
نظرت إليهم جميعًا... نظرة باردة... ثابتة.
"مين دي؟!"
سأل محمود بحدة.
رفعت رأسها بثقة:
"أنا مراته."
صدمة جديدة... أشد.
ثم أكملت، نبرتها أصبحت أكثر صلابة:
"وياسر... مش الراجل اللي كسرتوه زمان."
نظرت في أعينهم واحدًا واحدًا:
"واللي لفّقله التهمة..."
توقفت لحظة...
ثم قالت بوضوح:
"هيدفع التمن... مضاعف."
"اطلعوا بره!"
صرخ محمود:
"مش عايز أشوفكم هنا! يلا!"
ساد الصمت.
ثم-
ابتسم ياسر.
ابتسامة باردة... ساخرة... بلا رحمة.
"ماشي."
ثم نظر لمحمود وأضاف بنبرة لاذعة:
"خلي بالك من صحتك...يا عمي ...العصبية دي ممكن تجيبلك جلطة."
اشتعل وجه محمود غضبًا...
لكن ياسر كان قد استدار بالفعل.
اتجه نحو الباب...
خطواته ثابتة كما دخل.
ليان بجانبه... بنفس الهدوء... بنفس القوة.
رأسه مرفوع...
كأنه لم يُكسر يومًا.
فتح الباب... وخرج.
لكن خلفه-
"ياسر!"
كان صوت وفاء... مكسورًا.
اندفعت نحوه... بخطوة... ثم أخرى...
لكن-
"لو خرجتي وراه..."
صوت ممدوح أوقفها كالسيف:
"تبقي محرمة عليا ليوم الدين "
تجمّدت في مكانها....قدماها رفضتا الحركة...قلبها تمزق بين اتجاهين.....دموعها تسقط بلا رحمة...بين زوج....وابن....أما ياسر....فتوقف.....ثم التفت ببطء.....نظر إليها طويلا نظرة مليئة بكل شيء...حب قديم...خذلان عميق...وجرح لم يلتئم ثم ابتسم ابتسامة موجوعة... ساخرة... باردة لم يتكلم...لكن عينيه قالتا بوضوح:
"ولا مرة... اخترتِني."
ثم استدار وغادر دون أن ينظر خلفه وبقيت هي...واقفة...
أمًّا معلّقة بين رجلين...واحد ابنها و الآخر زوجها وفي النهاية خسرت... كليهما
**************************
في فيلا الشرقاوي...
كان الهواء ثقيلًا... خانقًا... كأن الجدران نفسها تضيق بما يحدث داخلها.
وقف الجد عادل في منتصف الصالون...
قامته مستقيمة... نظرته حادة... وصوته خرج حاسمًا، لا يقبل نقاشًا ولا تراجعًا:
"مفيش طلاق."
كأن الكلمة سقطت على المكان كحكم نهائي.
التفتت غزل إليه بسرعة...
عيناها اشتعلتا بعناد واضح، وصوتها خرج ثابتًا رغم الارتجاف الذي حاولت إخفاءه:
"ده قراري يا جدي... وأنا حرة فيه."
لم يهتز.
لم يتردد.
"طول ما أنا عايش..."
قالها بهدوء صارم، أخطر من أي صراخ:
"القرار ده مش هيتم."
شدّت غزل قبضتها بقوة، حتى ابيضّت مفاصلها:
"يعني إيه؟! هتجبروني أعيش حياة أنا مش عايزاها؟!"
"إحنا بنحميكي!"
انفجر سليم أخيرًا، صوته يحمل غضبًا مكتومًا منذ البداية:
"مش بنخنقك!"
"لا!"
صرخت فجأة، وانكسر صوتها رغمًا عنها:
"إنتوا مش سامعينّي أصلاً! أنا عايزة أطلق!"
تقدمت خطوة...
خطوة مليئة بالقهر... والاختناق...
والدموع كانت تقف على حافة السقوط في عينيها:
"مش من حقكم تمنعوني!"
في الخلف...
كان غيث واقفًا.
صامت.
لكن صمته لم يكن هدوءًا...
كان انهيارًا صامتًا.
عينيه...
كانت مكسورة.
تدخل إياد أخيرًا، بنبرة هادئة على غير عادته... كأنه يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه:
"طيب يا غزل... خلينا نفهم بس..."
اقترب خطوة منها، بحذر:
"إيه اللي وصّلك للقرار ده؟"
نظرت إليه...
ثوانٍ مرت ببطء مؤلم...
ثم أشاحت بوجهها، كأن النظر إليه أصعب مما تحتمل:
"مفيش حاجة."
"مفيش حاجة؟!"
كررها سليم بغضب مكبوت، صوته ارتفع دون أن يشعر:
"تخربي بيتك وتسيبي ابنك وتقولّي مفيش حاجة؟!"
"أنا حرة!"
"حرّة؟!"
اقترب منها سليم أكثر، أعصابه على حافة الانفجار:
"الحرية مش إنك تدمري نفسك!"
"سليم..."
همست ميار برجاء، محاولة تهدئته:
"اهدأ..."
لكنه لم يسمعها كان الغضب قد سيطر عليه بالكامل أما الجد عادل...فكان صامتًا يراقب بعين خبيرة... باردة...
يلتقط التفاصيل الصغيرة...التردد في صوتها...الهروب في نظراتها...شيء ما...لم يكن طبيعيًا لكنه لم يتكلم وفجأة صاح قائلا:
"خلاص."
الصوت جاء من الخلف.
هادئ... لكنه أنهى كل شيء التفت الجميع غيث تحرك ببطء...
خطواته ثقيلة... كأن كل خطوة تأخذ منه جزءًا.
وجهه هادئ... بشكل مخيف.
ذلك الهدوء الذي لا يأتي إلا بعد أن ينكسر الإنسان تمامًا.
وقف أمام سليم مباشرة.
ثم قال، بثبات مؤلم:
"لو هي عايزة الطلاق..."
صمت لحظة...
لحظة طويلة... كأنها عمر كامل...
ثم أكمل:
"أنا هطلقها."
"غيث!"
قالتها ميار بصدمة.
لكنّه لم يلتفت.
لم يرَ أحدًا.
عيناه...
كانت معلّقة بغزل فقط.
نظرة واحدة...
نظرة مليئة بكل شيء...
حب... عتاب... وجع... ووداع.
"مش هتمسك بيا غصب عني... صح؟"
قالها بهدوء...
لكنها كانت كالسهم في قلبها.
ارتجفت عينا غزل...
للحظة واحدة فقط...
لحظة كادت تكشف كل شيء...
ثم عادت للبرود.
للقناع.
"أيوه."
أغمض غيث عينيه لثانية...
كأنه يحاول استيعاب الضربة...
أو ربما يحاول كتم الألم.
ثم فتحهما.
لكن الشخص الذي فتح عينيه...
لم يكن نفسه.
كان أبرد.
أقسى.
"تمام."
قالها ببساطة قاتلة.
ثم استدار قليلًا:
"أنا مش من النوع اللي يتمسك بحد مش عايزه."
سقطت كلماته في المكان...
ثقيلة... جارحة... لا رجعة فيها.
كأنها أنهت كل شيء.
وفي الزاوية...
كانت هناك من يراقب.
دارين.
ابتسامة بطيئة ارتسمت على شفتيها...
ابتسامة تعرف ماذا تفعل... ومتى تضرب.
تقدمت بخطوات هادئة، وصوتها خرج ناعمًا... لكنه مسموم:
"برافو يا غزل..."
التفتت الأنظار إليها بحدة.
لكنها لم تتوقف.
بل زادت ابتسامتها اتساعًا:
"أهو كده... البنت الشاطرة اللي تفكر في نفسها."
ثم نظرت إلى غيث...
بنظرة مصطنعة من الشفقة:
"حرام بقى شاب زيك يتربط بواحدة مش مقدّرة قيمته..."
ثم عادت بعينيها إلى غزل...
ونبرتها أصبحت أكثر لذعًا:
"ولا إيه؟... ولا كنتِ مستنياه يتمسك بيكي ويترجاكي؟"
"دارين!"
زمجر سليم بغضب.
لكن...الكلمات كانت قد وصلت و أصابت هدفها وقفت غزل...ثابتة ساكنة باردة كما بدت للجميع لكن داخلها كان كل شيء ينهار قلبها...روحها...وكل ذكرى جمعتهما...كانت تتهاوى في صم دون صوت دون شهود إلا دمعة واحدة...رفضت أن تسقط
*************************
في فيلا الشرقاوي...
كان الصمت مشحونًا... ثقيلًا... يكاد يُسمع كل نفس... كان محسوبًا كل نظرة... كانت تحمل شرارة قد تشعل كل شيء.
دوّى صوت الجد عادل في أرجاء المكان كالرعد...
صوت لم يكن مجرد صراخ... بل أمر
تجمّد الجميع حتى الأنفاس... توقفت العيون اتجهت إليه دفعة واحدة كان واقفًا في منتصف الصالون...هيبته تملأ المكان...وعيناه مشتعلة بغضب لم يُرَ منذ زمن نظر إليهم بحدة، وصوته خرج قاطعًا:
"إيه اللي بيحصل ده؟!"
مرّت نظرته عليهم واحدًا واحدًا...سليم... إياد... غزل... غيث...حتى دارين...
"كل واحد بيصرخ ويتكلم..."
أكمل بنبرة تحمل إهانة واضحة:
"كأني مش موجود!"
خفض سليم رأسه فورًا، وكأنه عاد طفلًا أمام والده:
"حقك عليا يا بابا..."
لكن الرد جاء كالسيف:
"مفيش حق عليا!"
قاطعه بحدة قاطعة... لا تسمح بالاعتذار.
"في احترام..."
صمت لحظة قصيرة... ثم أكمل ببرود أشد:
"مفيش."
سقط الصمت مرة أخرى...
لكن هذه المرة...
كان أثقل.
ثم-
رفع عادل نظره.
اتجهت مباشرة إلى غزل نظرة عميقة... طويلة...لم تكن مجرد غضب كانت تفحص...تقرأ...تحاول الوصول لما تخفيه خلف ذلك العناد لحظة...كأن الزمن توقف بينهما لكن
لم يسأل و لم يناقش و لم يمنحها فرصة.فقط... حسم.
"مفيش طلاق."
كلمة واحدة...أنهت كل شيء ثم أضاف، وصوته أصبح أكثر صرامة... أكثر سيطرة:
"وغزل..."
تجمّدت في مكانها.
"هترجع مع جوزها."
سكون قاتل...كأن الكلمات لم تُقال... بل نُفذت بالفعل.
"وانتهى الكلام."
قالها بنبرة...لا تُناقش و لا تُكسر و لا تُعاد.
ارتجفت عينا غزل رفعت رأسها ببطء...
كأنها تحاول التمسك بأي خيط فتحت فمها...لتعترض...
لتصرخ...لتقول "لا" واحدة فقط...
لكن الصوت...لم يخرج شيء ما داخلها...انكسر في تلك اللحظة انخفضت عيناها ببطء...واستسلمت ليس اقتناعًا...
بل عجزًا أما غيث...فلم يتحرك لم يتكلم. فقط... كان ينظر إليهالكن تلك النظرة لم تكن كالسابق لم يكن فيها حب ولا حتى غضب كانت...باردة مؤلمة فارغة من كل شيء...
إلا خذلان صافي كأن شيئًا بينهما... سقط وانكسر ولم يعد هناك ما يمكن إصلاحه ولا حتى... محاولة
*************************
في المساء...
كان الظلام قد بدأ ينساب بهدوء حول فيلا الشرقاوي، يلفّها بسكون ثقيل، كأن الليل نفسه يشعر بما سيحدث داخلها.
انفتح الباب ببطء...
ودخل غيث أولًا.
خطواته كانت ثابتة... محسوبة... لكن بلا روح.
وجهه جامد، خالٍ من أي تعبير، كأنه نزع عنه كل إحساس قبل أن يخطو إلى الداخل.
خلفه...
دخلت غزل.
صامتة... شاحبة... ملامحها مرهقة، وعيناها مطفأتان، كأنها لا تسير بإرادتها، بل تجرّ جسدها فقط.
أُغلق الباب خلفهما بصوت خافت...
لكن صداه بدا عاليًا داخل ذلك الصمت الخانق.
لم يلتفت إليها.
اتجه مباشرة نحو الداخل، بخطوات حاسمة، وكأن وجودها خلفه لا يعنيه...
وهي تبعته... بتردد... ببطء... كأن كل خطوة تؤلمها.
في منتصف الصالة...
توقف.
ثوانٍ مرت... ثقيلة... صامتة...
قبل أن يتكلم.
"من هنا ورايح..."
صوته كان هادئًا...
لكن برودة نبرته كانت كفيلة بأن تجمّد الدم في عروقها.
"مفيش حاجة اسمها جواز بينا."
تجمّدت غزل في مكانها، كأن الكلمات سلبت منها القدرة على الحركة.
أكمل، دون أن يلتفت:
"إحنا عايشين في نفس البيت... بس."
صمت لحظة... ثم أضاف:
"عشان ياسين."
ارتجفت شفتاها...
حاولت أن تقول شيئًا... أي شيء...
لكن صوتها خانها.
استدار أخيرًا.
نظر إليها.
نظرة...
لم تعرفها فيه من قبل.
لم تكن تلك النظرة الدافئة التي اعتادت عليها...
ولا حتى نظرة الغضب.
كانت باردة... بعيدة... كأنه ينظر إلى غريبة.
"أنا مش هفرض نفسي..."
قالها وهو يقترب خطوة... ببطء محسوب.
"على واحدة... مش عايزاني."
شهقت أنفاسها بصمت، وشعرت بشيء ينغرس في صدرها... لكنها تماسكت، كعادتها.
"ولا هستنى..."
أكمل، ونبرة سخرية موجوعة تسللت إلى صوته:
"واحدة شايفاني غلطة... أو مرحلة وعدّت."
انخفضت عيناها فورًا.
لم تستطع تحمّل نظرته...
ولا تحمّل حقيقة ما يراه فيها.
لكنه لم يتوقف.
"عيشي حياتك... زي ما قولتي."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة...
مؤلمة... فارغة من الفرح.
"أنا مش هعطلك."
ثم أضاف، بنبرة أكثر برودًا... كأنها تُغلق كل الأبواب:
"بس قدام الناس... إحنا تمام."
"عيلة مثالية."
"فاهمة؟"
هزّت رأسها ببطء...
كأن الكلمات لم تعد تصل إلى عقلها، بل تمرّ من خلالها فقط.
نظر لها لحظة أخيرة...
طويلة... عميقة...
مليئة بكل ما لم يُقال...
حب...
وجع...
ووداع صامت.
ثم-
استدار.
ومشى.
صعد الدرج بخطوات ثابتة، دون أن ينظر خلفه...
كأنه إن فعل... قد ينهار.
واختفى.
وبمجرد أن غاب عن نظرها...
انهارت....سقطت على الأرض، كأن قوتها خذلتها دفعة واحدة.
يداها ارتجفتا، فرفعتهما بسرعة لتكتم بهما صوتها...
لكن بكاءها... خرج رغمًا عنها... مكسورًا... موجوعًا.
"سامحني..."
همستها بصوت مختنق، يكاد لا يُسمع:
"والله بحبك..."
انسابت دموعها أكثر، بحرقة حقيقية:
"بس... بخاف عليك..."
انحنت أكثر، تضم نفسها بذراعيها، كأنها تحاول أن تحمي قلبها من التشقق:
"مش عارفة أعمل إيه..."
في الأعلى...
كان غيث واقفًا خلف باب غرفته.
يده على المقبض...
وعيناه مغمضتان بقوة.
تنفس ببطء... بعمق...
كأنه يحارب شيئًا داخله...
يحاول ألا ينزل...
ألا يعود...
ألا يضعف.
لكن أصابعه انقبضت بقوة على المقبض...
لدرجة ابيضّت مفاصله.
ثانية...
ثانيتان...
ثم فتح الباب...
ودخل.
وأغلقه خلفه ببطء شديد.
صوت الإغلاق كان خافتًا...
لكن معناه-
كان أعلى من أي صراخ.
كأن بينهما...
لم يُغلق باب فقط...
بل أُغلق شيء أكبر بكثير.
************************
في فيلا ياسر...
كان المساء ساكنًا بشكل غريب، كأن الزمن نفسه تباطأ داخل الجدران.
الأنوار الخافتة تنعكس على الزجاج، والهواء في الشرفة بارد... لكنه لا يهدئ شيئًا.
كان ياسر جالسًا وحده.
في الشرفة.
ينظر أمامه... إلى لا شيء محدد.
فنجان القهوة موضوع على الطاولة الصغيرة... لم يُلمس منذ فترة، وبخاره اختفى منذ زمن.
يداه متشابكتان بقوة...
وعيناه-
بعيدتان.
بعيدتان جدًا...
كأنه لم يكن هنا أصلًا.
كأنه عاد... واحدًا وعشرين عامًا إلى الوراء.
إلى نفس المكان...
نفس الوجوه...
نفس الجرح.
خطوات هادئة اقتربت من خلفه.
ليان.
توقفت للحظة، تراقبه بصمت...
تقرأ ذلك الصمت الذي تعرفه جيدًا.
ثم اقتربت أكثر... ومدّت يدها، وضعتها على كتفه برفق:
"لسه بيوجع؟"
لم يرد.
لكن أنفاسه... التي خرجت أعمق مما ينبغي... قالت كل شيء.
تحركت بهدوء وجلست بجانبه، نظرتها ثابتة عليه:
"كنت متوقعة... إنهم مش هيتغيروا."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة... ساخرة... مرة:
"ولا حتى حاولوا."
صمت لحظة، كأن الكلمات تثقل عليه...
ثم قال بصوت منخفض، شبه غائب:
"نفس النظرة..."
"نفس الاتهام..."
قبض يده ببطء، حتى برزت عروقه:
"كأن السنين دي كلها... ولا حاجة."
نظرت له ليان بثبات، دون أن تهتز:
"بس إنت مش نفس الشخص."
التفت لها أخيرًا.
"زمان..."
أكملت بهدوء:
"كنت لوحدك."
مدّت يدها وأمسكت يده بإحكام:
"دلوقتي... أنا معاك."
ساد صمت قصير... لكنه مختلف.
نظرت إليه بعينين قويتين، وملامحها ازدادت صلابة:
"وحقك... مش هيضيع."
تغيّرت نبرة صوتها... أصبحت أكثر حدّة، أكثر تصميمًا:
"واللي عمل فيك كده..."
توقفت لحظة، ثم أكملت بوضوح:
"أنا قبلك... هحاسبه."
نظر إليها ياسر...
ولأول مرة منذ دخوله...
ظهر شيء دافئ في عينيه.
هدوء... ثقة... وامتنان صامت.
رفع يدها ببطء...
وقبّلها بهدوء، وكأنه يثبت شيئًا بينهما.
ثم قال بنبرة منخفضة... لكنها حاسمة:
"أنا اللي هحاسبهم."
توقّف لحظة...
ثم أضاف، ببرود قاتل:
"واحد... واحد."
وقبل أن ترد-
"إيه الجو الكئيب ده؟!"
الصوت اقتحم اللحظة فجأة، وكسر كل شيء.
دخل آدم، ملامحه متضايقة بوضوح، وخلفه ريان بهدوئه المعتاد.
"بجد يا جماعة..."
قالها آدم وهو يرمي نفسه على الأريكة بإهمال:
"أنا مش فاهم إيه اللي رجّعنا هنا!"
نظر حوله بانزعاج، وكأنه يرى المكان لأول مرة:
"زحمة... صوت... حر..."
ثم تمتم بسخرية خفيفة:
"ولا ليها أي علاقة بلندن."
رمقه ياسر بنظرة حادة-
نظرة واحدة كانت كفيلة بإسكاته فورًا.
ابتلع آدم بقية كلامه، لكنه ظل متجهمًا.
أما ريان...
فلم يتكلم فورًا.
كان يراقب.
بعينين هادئتين... لكن دقيقتين.
نظر إلى والده...
ثم إلى والدته...
ثم قال بهدوء:
"في حاجة حصلت؟"
نبرة صوته كانت بسيطة...
لكنها اخترقت الصمت.
تبادلت ليان نظرة سريعة مع ياسر...
نظرة قصيرة... مفهومة...
ثم التفتت لابنها بابتسامة خفيفة... مصطنعة:
"لا... مفيش."
اقتربت من آدم وجلست بجانبه، وربتت على كتفه:
"باباك بس مرهق شوية من السفر."
ثم أضافت بابتسامة صغيرة:
"وأنا كمان."
نظر لها ريان لثوانٍ...
كأنه يزن الكلمات...
كأنه يعرف أن هناك ما لم يُقال.
لكنه...
لم يضغط.
جلس بهدوء.
أما آدم...
فتمتم بضيق واضح:
"أنا فعلاً مش مرتاح هنا..."
نظر له ريان بخفة، دون أن يفقد هدوءه:
"هتتعود."
هز آدم رأسه فورًا:
"مستحيل."
ابتسم ريان ابتسامة خفيفة:
"قولنا كده الأول."
تبادلت نظرات خفيفة بينهما...
مزيج من التذمر والسخرية الأخوية المعتادة.
لكن رغم ذلك-
بقي الجو العام ثقيلًا.
كأن شيئًا أكبر من مجرد حديث عائلي...
يخيّم على المكان.
أما ياسر...
فنظر إلى ابنيه.
نظرة طويلة... صامتة...
كأنه يحاول أن يراهم... لا كما هم الآن... بل كما يجب أن يكونوا.
ثم أبعد نظره.
وأخفى كل شيء.
كالعادة.
دفن ما بداخله خلف هدوئه القاسي...
لكن هذه المرة-
لم يكن وحده.
**********************
في فيلا الحديدي....تسللت خيوط الشمس إلى الغرفة كخيوط عنكبوت ذهبية، تسترق النظر إلى الجسدين المتلاصقين تحت الغطاء. كانت شغف مستيقظة منذ زمن، لكنها لم تتحرك. عيناها المفتوحتان تحدقان في السقف كمن ترى أشباحًا لا يراه غيره.
كلام جاسر لم يغادرها. لم يمنحها طرفة عين من نسيان.
"غزل... عايزة تطلق من غيث."
تنفست ببطء، فشعرت بثقل قلبها يضغط على قفصها الصدري كحجر رحى.
ثم، فجأة، التف ذراع حول خصرها. دافئ. ثقيل. مألوف.
"صباح الخير..." همس أوس بصوت لا يزال ناعسًا، ثم غرز وجهه في عنقها: "إيه؟ نايمة ومطنشة جوزك؟"
لم تبتسم. لم تتحرك.
وهنا، فقط هنا، فتح عينيه ببطء. استدارت حواسه الناعسة نحوها، فرأى وجهها.
حزينًا.
مكسورًا كزجاج مرمي على رصيف.
اختفت ابتسامته كأن لم تكن. جلس نصفه، ويده ما زالت على خصرها: "في إيه؟"
صمتت لحظة. ثم همست: "كلام باباك... غزل مش بتعمل كده بإرادتها."
جلس أوس فجأة، كأن سريرًا ساخنًا لفح جلده. "يعني إيه؟"
نظرت إليه، ترددت للحظة، ثم ألقت الكلمات كمن يلقي حجرًا في ماء راكد: "في حد بيهددها. رسائل. و..." ابتلعت ريقها: "حادثة غيث اللي حصلت من شهر... مش صدفة."
تجمّد.
ثوانٍ من الصمت المطبق، ثم ضحك. ضحكة قصيرة، باردة، ساخرة كالشتاء.
"لا بجد؟" نظر إليها بتهكم لا يخفيه: "والله كنتي هتقوليه إمتى؟ لو استنيتي شوية كمان... كان زمانها ماتت مثلًا؟"
"أوس..." همست بحزن.
لكن السخرية اختفت من وجهه فجأة، كقماش يمزق عن لوحة. حل محلها غضب حقيقي، خالص، لم تر مثله من قبل.
"إنتي كنتي عارفة؟" صوته انخفض، لكنه كان أخطر من أي صراخ.
"لا... والله... عرفت من كام يوم بس..."
اقترب أكثر، حتى كاد أنفاسهما تختلط: "وما قولتيش؟"
"غزل طلبت مني-"
"وأنا؟!" قاطعها، وعصبية مكبوتة تخرج من بين أسنانه: "أنا مالي؟ أنا جوزك يا شغف! ولا أنا آخر واحد تعرفيه؟"
ارتجفت عيناها. شعرت بالدموع تخنقها: "أنا كنت خايفة... الموضوع كبير... وغزل كانت مرعوبة..."
تنفس بحدة، ثم مرر يده في شعره بعصبية. نظر إليها نظرة طويلة، غاضبة، موجوعة.
"إنتي غلطتي." قالها بهدوء قاسٍ، كمن يطعن بسكين باردة: "غلط كبير."
خفضت رأسها. تجمعت الدموع على حافة جفنيها لكنها منعتها من السقوط.
"أنا بس كنت بحاول-"
"تحميها؟"
قاطعها ببرود: "ولا تدخلي نفسك في حاجة أكبر منك؟"
صمتت. لم تجد ردًا.
أما هو، فأبعد نظره عنها كأن رؤيتها تؤلمه. تنفس ببطء، واضحٌ أنه يحتمي بذلك التنفس من نار تغلي في داخله. لكن جسده كله كان يرتجف بغضبٍ مكبوت، كبركان ينتظر ثورته.
************************
دخل أوس مكتب والده كالصاروخ. خطواته الثقيلة أرهقت الرخام، وعيناه تشتعلان بغضب لم يهدأ منذ الصباح.
لم يطرق باب المكتب. دفعه بعنف فاصطدم بالجدار.
جلس جاسر خلف مكتبه، رفع نظره بهدوء: "صباح الخير."
لم يرد أوس. أغلق الباب خلفه بعصبية وتقدم نحو والده كمن يقترب من خصم: "أنا محتاج أتكلم معاك."
لاحظ جاسر نبرته، فأغلق الحاسوب بهدوء: "اتفضل."
"غزل... في حد بيهددها."
لم يتحرك جاسر. ولا حتى رفة عين. قال بهدوء مريب: "عارف."
توقف أوس للحظة، ثم ضحك ساخرًا: "حلو. جميل جدًا." اقترب خطوة: "يبقى كده كل الناس عارفة... إلا أوس الغبي."
ارتفع حاجبا جاسر: "إنت بتكلم أبوك كده؟"
"آه." انفجر أوس فجأة، وضرب بكفه على المكتب بقوة: "لما يبقى مخبي عني حاجة زي دي؟ آه يا بابا! أنا مش واحد من برا!" صوته ارتفع: "غزل دي صاحبتي من الحضانة! أكتر من عشرين سنة! يعني إيه كل ده يحصل وأنا آخر واحد أعرف؟ يعني إيه تبقى في خطر وأنت سايبني بره؟"
سكون ثقيل.
وقف جاسر بهدوء، اقترب من ابنه حتى التصقت أنفاسهما. نظر في عينيه طويلاً، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة ووضع يده على كتفه: "خلصت؟"
تفاجأ أوس من هدوءه.
"غضبك ده... عشانك ولا عشانها؟"
لم يرد. لكن عينيه قالت كل شيء.
ابتسم جاسر أكثر: "كويس. يبقى لسه قلبك في مكانه."
تنفس أوس بحدة: "أنا بس..."
"عارف." قاطعه بهدوء: "وعارف إنك شايف إن من حقك تعرف. وهو حقك فعلًا." تغير صوته قليلًا: "بس في حاجات... مش بنخبيها عشان نبعدك... بنخبيها عشان نحميك." نظر إليه مباشرة: "الموضوع أكبر من مجرد تهديد."
"أكبر؟"
"وأخطر." سكت لحظة: "ولو كنت دخلت فيه من غير ما تبقى جاهز... كنت هتتأذي."
هدأت أنفاس أوس تدريجيًا، لكن الغضب لم يختفِ تمامًا من عينيه: "أنا مش طفل."
"عارف." ابتسم جاسر: "وعشان كده... هتدخل."
رفع أوس عينيه فجأة متفاجئًا.
"بس..." أكمل والده بجدية: "هتسمع الكلام. مش هتتصرف لوحدك. ومش هتتهور." صمت لحظة ثقيلة، ثم قال ببطء كما يلفظ حكمًا: "دي مش خناقة... دي حرب."
ابتلع أوس ريقه. أخيرًا هدأ جسده المتوتر، لكن عينيه اشتعلتا بلهب جديد: "أنا معاك."
ابتسم جاسر بخفة، وربت على كتفه بقوة: "كنت مستنيك تقول كده."
**********************
في فيلا غيث....ضوء الشمس يتسرب من النوافذ الواسعة، يرسم ظلالاً ذهبية على سجاد الغرفة. وقفت غزل أمام المرآة ترتب حجابها ببطء، كأنها تؤجل شيئاً لا تريد مواجهته. أما غيث، فكان يجهز ساعته بهدوء، يضع حقيبته، لا ينظر إليها.
فجأة، رن هاتف غزل. نظرت إلى الشاشة فتجمدت للحظة: اسم غريب. ردّت: "ألو؟"
"صباح الخير... أنا ريان." صوته هادئ.
التفتت بسرعة نحو غيث. كان يضع ساعته، لكن عينه كانت عليها. قالت بصوت منخفض: "نعم؟"
"جاسر باشا بلغك إني المسؤول عن حمايتك. إحنا محتاجين ننسق. هتكوني في الجامعة؟"
"آه."
"كويس. أنا هكون قريب. ولو حصل أي حاجة... تتصلي بيا فوراً."
"تمام." أغلقت الهاتف.
سكون. التفتت ببطء نحو غيث. كان يقف مكانه ينظر
إليها، نظرة غير واضحة، باردة. تقدمت خطوة: "ده... ريان... جاسر كلفه يحاول يساعدني... يعني-"
"مش فارقة." قطعها ببرود كالسيف.
"غيث أنا كنت-"
"مش محتاج تبرري." أخذ مفاتيحه، حتى لم ينظر إليها.
اقتربت أكثر: "بس أنا حبيت أوضح-"
التفت لها أخيراً. عيناه باردتان بشكل غريب. قال بهدوء قاسٍ: "أنا قلتلك قبل كده. حياتك... قراراتك... اعملي اللي إنتي عايزاه."
تجمدت غزل. همست بصوت مكسور: "غيث..."
"أنا ماليش دعوة." سكت لحظة، ثم نظر إليها مباشرة: "إحنا مكملين... عشان ياسين."
ابتلعت ريقها. عيناها لمعتا بالدموع: "يعني... ولا حتى هتسأل؟"
نظر إليها ثوانٍ، ثم قال بهدوء قاتل: "أسأل ليه؟"
انكسرت ملامحها تماماً. أما هو فأدار ظهره واتجه نحو الباب. فتحه، وقبل أن يخرج قال دون أن يلتفت: "يلا... اتأخرنا."
ثم خرج.
بقيت غزل مكانها ثابتة، كأنها تحولت إلى تمثال من حزن. نزلت دمعة ببطء على خدها، وهمست بصوت لم يسمعه أحد: "أنا بعمل كده عشانك..."
❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️
أسفل مبنى فاخر في قلب القاهرة، أُغلق باب معدني ضخم ببطء خلف من دخلوا. غرفة واسعة، إضاءة خافتة كالعيون نصف المطفأة، وطاولة طويلة من زجاج أسود عاكس. حولها رجال ونساء، وجوه أوروبية وأخرى عربية، أصوات بلغات مختلفة تتداخل في همهمة مكتومة.
لكن حين فُتح الباب مجددًا... سكت الجميع.
دخلت دارين بخطوات واثقة، بطيئة كمن تملك الوقت كله. أناقتها المعتادة، لكنها هذه المرة كانت مختلفة. كانت مخيفة. جلست في رأس الطاولة، وضعت ساقًا فوق الأخرى، وألقت نظرتها عليهم واحدًا واحدًا.
"نبدأ."
رجل أشقر بلكنة أوروبية واضحة: "الشحنة الأخيرة من شرق أوروبا تأخرت. الميناء في الإسكندرية بقى فيه تشديد."
رفعت حاجبها ببرود: "مشكلتك ولا مشكلتي؟"
تردد: "لكن-"
"يبقى تغيّروا الميناء." قطعته كمن تقص خيطًا.
رجل آخر بصوت منخفض: "مش بالسهولة دي."
التفتت إليه ببطء. نظرة واحدة فقط. لم تقل شيئًا. أسكته.
ابتسمت: "أنا مش بسهل. أنا بفرض."
امرأة ترتدي بدلة رسمية: "التحويلات المالية من أوروبا ماشية كويس. بس في تتبع بسيط من جهة استخبارات-"
"اتعاملت معاه." قاطعتها.
نظرات استغراب. سألها أحدهم: "إزاي؟"
مالت للأمام قليلًا. خفضت صوتها. كان أكثر رعبًا: "شيلت الشخص المسؤول."
تبادلوا النظرات. بعضهم ابتلع ريقه. لكنها لم تتوقف: "إحنا داخلين على مرحلة أكبر." سحبت ملفًا من أمامها، فتحته ببطء: "توسّع في خط إسرائيل."
رفع أحدهم رأسه بحدة: "ده خطر جدًا-"
رفعت يدها. فسكت فورًا كمن خُنق ثم قالت بنبرة لا تقبل الرد: "أنا مش بطلب رأي. أنا بدي أوامر"
أغلقت الملف بقوة : "الشبكة هتكبر. ومش هقبل أي تأخير... أو أخطاء."
نظرت إليهم ببطء كمن يعد الضحايا: "واللي مش عاجبه... الباب قدامه يفوت جمل "
ابتسمت. ابتسامة شيطانية باردة.
ولا أحد تحرك. ولا أحد تكلم.
وقفت، عدّلت سترتها بهدوء كمن خرجت من حفلة شاي، ثم قالت كلماتها الأخيرة: "الاجتماع انتهى."
استدارت وخرجت. تركت خلفها صمتًا مشحونًا بالخوف.
لأنهم جميعًا فهموا شيئًا واحدًا في تلك اللحظة: دارين ليست جزءًا من اللعبة....بل هي اللعبة نفسها
❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️
في شقة لارين، الهدوء يملأ المكان. ستارة بيضاء تتحرك بخفة مع نسمة هواء باردة، وكأن المدينة تحاول أن تهمس لها بسر. كانت لارين جالسة على مكتبها، أمامها ملفات مبعثرة، لكن عقلها لم يكن هنا.
هناك. في تلك الليلة ذلك المكان تلك المرأة.....رن الهاتف نظرت إلى الشاشة: "سليم." ردّت فورًا بنبرة عملية: "اتفضل."
جاءها صوت رجل هادئ، عملي، لا يحتمل التفسير: "مدام لارين... عندي حاجة تهمك."
"قول."
"الست اللي طلبتي نراقبها... خرجت من مكان غريب تحت الأرض في منطقة راقية." توقفت لحظة. عين لارين لمعت، لكن صوتها بقي ثابتًا كالحديد: "كمل."
"مش مكان عادي. في حراسة مشددة. والدخول والخروج محدود جدًا. مش عارف ده إيه بالظبط... بس واضح إن في نشاط مش قانوني."
أغمضت لارين عينيها لثانية. فقط لثانية. ثم فتحتهما. باردة. حادة. سألت: "حد شافك؟"
"لا يا فندم."
"كويس." وقفت ببطء من خلف المكتب، كمن يستعد للصعود إلى حلبة: "هتفضل مراقبها. كل تحركاتها. كل اللي يقرب منها. كل مكان تدخله." صمتت لحظة، ثم قالت بنبرة أخفض، أعمق: "ومن غير ما تحسسها."
"مفهوم."
"ولو حصل أي جديد-"
"هبلغك فورًا."
"تمام." أغلقت الخط.
سكون ثقيل. وضعت الهاتف على المكتب بهدوء، ثم اتجهت نحو النافذة. وقفت هناك تنظر إلى الأسفل. المدينة بكاملها تحت قدميها. أضواء تموت وأخرى تولد. وضعت يديها خلف ظهرها بثبات، كملكة تنظر إلى مملكتها.
ثم همست. بهدوء مرعب: "واضح إنك مش واحدة عادية..." توقفت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيها: "وأنا كمان." تحولت عيناها فجأة إلى شفرتين: "خطفتي الشخص الغلط."
ثم عادت إلى مكتبها. جلست. فتحت ملفًا جديدًا. وكتبت اسمًا واحدًا بخط حاد: دارين وتحته بدأت الحرب
❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️
في الجامعة...
كانت الساحة واسعة ومليئة بالحياة؛ طلاب يتحركون في كل اتجاه، ضحكات تتداخل مع أصوات المحاضرات، وضجيج خفيف يملأ المكان بنبض يومي لا يهدأ.
تحت شجرة كبيرة في أحد الأركان الهادئة...
جلس سليم بجانب ميار.
كان يميل نحوها قليلًا، وكأنه يحاول أن يخلق عالمًا صغيرًا خاصًا بهما وسط كل هذا الزحام.
نظر إليها بابتسامة خفيفة، وقال بنبرة فيها شيء من الضيق:
"أنا مش فاهم ليه نستنى."
رفعت ميار حاجبها باستغراب، ونظرت له:
"نستنى إيه؟"
ابتسم أكثر، وكأن الإجابة بديهية:
"الجواز."
اتسعت عيناها فورًا، وارتسمت الصدمة على وجهها:
"سليم!"
ضحك بخفة، غير متأثر بردة فعلها:
"إيه؟ أنا بتكلم بجد."
اقترب أكثر، وخفّض صوته، لتصبح كلماته بينهما فقط:
"أنا بحبك... وعايزك معايا دلوقتي... مش بعد 3 سنين."
احمرّ وجهها بخجل واضح، وأشاحت بنظرها قليلًا:
"بابا قال بعد التخرج."
هز رأسه بطريقة طفولية ساخرة، مقلدًا صوتها:
"بابا قال... بابا قال..."
ثم فجأة تغيّرت نبرته، ونظر لها بجدية حقيقية:
"وأنا بقول إني مش مستحمل أبعد عنك أكتر من كده."
رغم خجلها، لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيها:
"وأنا كمان... بس في حدود."
تنهد باستسلام خفيف، ومال للخلف قليلًا:
"طيب... هحاول أكون مؤدب شوية."
ضحكت، فخفّ التوتر للحظة...
لكن سرعان ما لاحظت شيئًا في ملامحه.
تأملته قليلًا، ثم قالت:
"على فكرة... شكلك متوتر."
سكت لحظة...
كأنه يفكر هل يتكلم أم لا.
ثم قال ببطء:
"اللي حصل امبارح..."
تجمّدت ابتسامتها:
"إيه؟"
نظر لها مباشرة، دون لفّ أو دوران:
"غزل."
اعتدلت في جلستها فورًا، ملامحها أصبحت جادة:
"في إيه؟"
تنهد بعمق، وكأن الكلام ثقيل:
"طلبت الطلاق من غيث."
"إيه؟!"
خرجت منها بصدمة حقيقية:
"إنت بتهزر؟"
هز رأسه ببطء:
"لا... للأسف."
ثم بدأ يحكي، وعيناه لا تفارقان رد فعلها:
"جات فجأة الفيلا... واتكلمت قدام الكل... وقالت إنها هتسيبه... وهتسيب ياسين كمان."
وضعت ميار يدها على فمها، وعيناها اتسعتا أكثر:
"مستحيل..."
"وأبوها..."
توقف لحظة، وكأنه يختار كلماته:
"اتعصب جدًا... وقال لها كلام صعب."
همست ميار، بصوت فيه ألم واضح:
"إزاي يقول لها كده...؟"
أكمل سليم:
"وسابت البيت... واختفت شوية..."
ثم أضاف:
"وبعدين رجعت مع جاسر الحديدي."
اتسعت عيناها مرة أخرى:
"عمي جاسر؟!"
"آه."
"والجد عادل..."
أكمل سليم وهو يتنهد:
"أنهى الموضوع... وأجبرها ترجع لغيث."
سكون.
انخفضت نظرة ميار إلى الأرض...
وكأنها تحاول استيعاب كل ما سمعته.
"مش قادرة أصدق..."
ثم رفعت رأسها فجأة، بنبرة عتاب واضحة:
"ليه ما قولتليش؟!"
تفاجأ سليم:
"إيه؟"
"كل ده حصل... وأنا آخر واحدة أعرف؟!"
رفع يديه بسرعة، محاولًا تهدئتها:
"استني بس... الموضوع حصل بسرعة جدًا..."
"وإحنا كنا مشغولين..."
"وأنا أصلًا لسه مستوعب."
نظرت له بعتاب لم يختفِ:
"برضو... كان لازم تقولي."
اقترب قليلًا، وصوته أصبح أهدأ:
"حقك عليا."
سكتت لحظة...
ثم تنهدت بعمق، وقالت وهي تهز رأسها:
"غزل عمرها ما تعمل كده من غير سبب..."
نظرت أمامها بشرود:
"أنا حاسة إن في حاجة غلط."
نظر لها سليم بجدية مماثلة:
"وأنا كمان."
وفي تلك اللحظة-
"آسفة!"
اصطدمت فتاة بسليم فجأة، وكادت أن تفقد توازنها...
لكنه أمسكها بسرعة قبل أن تسقط:
"خدي بالك-"
رفعت الفتاة رأسها، خصلات شعرها منسدلة حول وجهها، وملامحها ناعمة...
بدت مرتبكة قليلًا، لكنها حاولت التماسك:
"أنا آسفة جدًا... ما خدتش بالي."
ابتسمت بتوتر خفيف، ثم أضافت:
"أنا نور."
نظر لها سليم لحظة قصيرة، ثم قال بهدوء:
"ولا يهمك."
أما ميار...
فكانت تراقب المشهد بصمت.
نظرة سريعة مرت بين الثلاثة...
ثم أعادت نظرها إليهما.
لكن داخلها-
مرّ إحساس صغير...
غامض...
غير مريح.
كأنه تحذير خافت...
بأن شيئًا ما...
بدأ يتغيّر.
❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️
في مقر جهاز الاستخبارات...
كان الممر طويلًا... ممتدًا كخط مستقيم لا نهاية له، وإضاءته الباردة تزيده صمتًا وجفافًا.
كل شيء فيه منظم... محسوب... بلا روح.
خطوات ثابتة قطعت السكون.
ريان.
كان يسير بهدوء، ملامحه جامدة، وعيناه مركّزتان أمامه.
في يده ملف... يمسكه بإحكام، كأن ما بداخله ليس مجرد أوراق.
توقف أمام باب مكتوب عليه اسم واحد: جاسر.
طرق.
"ادخل."
فتح الباب دون تردد، ودخل، ثم أغلقه خلفه بهدوء.
داخل المكتب...
كان جاسر واقفًا أمام خريطة كبيرة معلقة على الحائط.
الخريطة لم تكن عادية-
دوائر حمراء... خطوط متشابكة... إشارات توحي بشبكة معقدة لا تُفهم من النظرة الأولى.
لم يلتفت فورًا.
"اتأخرت."
قالها بنبرة هادئة... لكنها تحمل ملاحظة واضحة.
رد ريان وهو يقترب خطوة:
"كنت براجع ملف الهدف."
صمت قصير.
ثم التفت جاسر ببطء.
عيناه التقتا بعيني ريان مباشرة:
"وإيه رأيك؟"
تقدم ريان أكثر، ووقف بثبات:
"في تنظيم كبير..."
توقف لحظة، ثم أكمل:
"مش شغل فردي."
"في شبكة... ومترابطة."
ابتسم جاسر ابتسامة خفيفة... رضا واضح في عينيه:
"كويس... بدأت تشوف الصورة."
سكت لحظة، ثم قال وكأنه ينتقل لنقطة أهم:
"وأخبار غزل؟"
رد ريان بنفس الهدوء:
"اتواصلت معاها."
"هتكون تحت المراقبة من النهارده."
أومأ جاسر ببطء.
ثم تحرك نحو مكتبه...
فتح أحد الأدراج، وأخرج ملفًا آخر.
وضعه أمام ريان.
"ده بقى... الجزء اللي لسه ما شفتوش."
نظر له ريان باستغراب بسيط:
"إيه ده؟"
"افتح."
فتح الملف ببطء...
قلب الصفحة الأولى.
صور.
أماكن مختلفة...
أشخاص متنوعون...
تحركات مشبوهة، كلها مترابطة بطريقة غير واضحة.
قلب الصفحة...
ثم-
توقف.
عيناه ثبتت على صورة واحدة.
امرأة.
ملامحها حادة... نظرتها باردة... متعالية...
وجه يعرفه.
دارين.
انعقد حاجباه، ونطق بهدوء مشوب بالحذر:
"مين دي؟"
رفع نظره إلى جاسر.
جاسر لم يبتسم هذه المرة.
نظر له مباشرة، ثم قال ببطء محسوب:
"لحد دلوقتي..."
"اسمها مش موجود في أي ملف رسمي."
"ولا ليها سجل."
"ولا حتى ظل."
اقترب أكثر من المكتب...
ومد يده، واضعًا إصبعه على الصورة.
"بس كل الخيوط..."
توقف لحظة، ثم أكمل:
"بتوصل لها."
ساد الصمت.
ريان عاد ينظر إلى الصورة...
لكن هذه المرة بنظرة مختلفة.
تحليل... ربط... إدراك.
"يعني..."
رفع عينيه ببطء:
"هي-"
قاطعه جاسر، بنبرة هادئة... لكنها قاتلة:
"إحنا قدام أخطر حد في اللعبة."
سكون ثقيل.
ريان لم يرد فورًا.
أغلق الملف ببطء...
صوت الإغلاق بدا أعلى من اللازم في ذلك الصمت.
وعندما رفع نظره مجددًا-
كانت عيناه قد تغيّرت.
أصبحت أبرد...
أكثر حدة...
وأخطر.
وقال بهدوء حاسم:
"يبقى نبدأ."
لكن-
في نفس اللحظة...
اهتز هاتف جاسر على المكتب.
اهتزاز واحد...
لكنه كان كافيًا لكسر كل الإيقاع.
نظر جاسر إلى الشاشة...
وتجمّد.
تغيّرت ملامحه للحظة...
ثم اختفت تلك اللحظة بسرعة.
رفع الهاتف ببطء...
ورد.
"اتكلم."
جاءه صوت من الطرف الآخر... سريع... متوتر:
"يا فندم... في مشكلة-"
توقف الصوت لثانية...
ثم أكمل:
"غزل الشرقاوي..."
صمت قصير... ثقيل...
"اختفت."
سقط الصمت على الغرفة.
عين ريان اتسعت فجأة، وكأن الكلمة لم تصل لعقله بعد.
أما جاسر-
فتصلّب في مكانه.
ملامحه أصبحت حجرًا.
لكن عينيه...
قالتا كل شيء.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل الواحد والأربعون من هنا